الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدنيا، ويراه- ثالثا- قد أنكر البعث والحساب، والثواب والعقاب.
ويراه- رابعا- قد توهم أن غناه في الدنيا سيكون معه مثله في الآخرة:
قال صاحب الكشاف: وأخبر عن نفسه بالشك في بيدودة جنته، لطول أمله، واستيلاء الحرص عليه، وتمادى غفلته، واغتراره بالمهلة، واطراحه النظر في عواقب أمثاله، وترى أكثر الأغنياء من المسلمين، وإن لم يطلقوا بمثل هذا ألسنتهم، فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به، منادية عليه.
وأقسم على أنه إن رد إلى ربه- على سبيل الفرض والتقدير- ليجدن في الآخرة خيرا من جنته في الدنيا، تطمعا وتمنيا على الله..» «1» .
ثم حكى- سبحانه- بعد ذلك ما قاله الرجل المؤمن لصاحب الجنتين، الذي نطق بأفحش، وأفجر الفجور، فقال- تعالى-:
[سورة الكهف (18) : الآيات 37 الى 41]
قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (37) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (38) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَاّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً (39) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (40) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (41)
أى: قال الرجل الفقير المؤمن، في رده على صاحبه الجاحد المغرور، منكرا عليه كفره قال له على سبيل المحاورة والمجاوبة: يا هذا أَكَفَرْتَ بالله الذي «خلقك» بقدرته
(1) تفسير الكشاف ج 2 ص 484.
«من تراب» . أى: خلق أباك الأول من تراب، كما قال: سبحانه إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ، خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «1» .
ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ أى: خلق أباك آدم من تراب، ثم أوجدك أنت من نطفة عن طريق التناسل والمباشرة بين الذكر والأنثى.
ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا أى: ثم صيرك إنسانا كاملا، ذا صورة جميلة، وهيئة حسنة. كما قال- سبحانه-: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ.
والاستفهام في قوله: أَكَفَرْتَ.. للإنكار والاستبعاد، لأن خلق الله- تعالى- له من تراب ثم نطفة، ثم تسويته إياه رجلا، يقتضى منه الإيمان بهذا الخالق العظيم، وإخلاص العبادة له، وشكره على نعمائه.
قالوا: ولا يستلزم قول صاحب الجنتين قبل ذلك: وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً. أنه كان مؤمنا، لأنه قال ذلك على سبيل الفرض والتقدير، لا على سبيل الاعتقاد واليقين، بدليل تردده في إمكان قيام الساعة، ولأن اعترافه بوجود الله- تعالى- لا يستلزم الإيمان الحق، فالكفار كانوا يعترفون بأن الله- تعالى- هو الخالق للسموات والأرض، ومع هذا يشركون معه في العبادة آلهة أخرى.
وجاء التعبير بحرف «ثم» في الآية، للاشارة إلى أطوار خلق الإنسان التي فصلها- سبحانه- في آيات أخرى، منها قوله- تعالى-: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً، فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً، ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ، فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ «2» .
ثم يعلن الرجل الصالح موقفه بشجاعة ووضوح، فيقول لصاحبه صاحب الجنتين:
لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي، وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً.
أى: إن كنت أنت يا هذا قد كفرت بالله الذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا، فإنى لست بكافر، ولكني أنا مؤمن، أعترف له بالعبادة والطاعة وأقول: هو الله-
(1) سورة آل عمران الآية 58.
(2)
سورة المؤمنون الآيات من 13- 14.
تعالى- وحده ربي، ولا أشرك معه أحدا من خلقه لا في الربوبية، ولا في الألوهية، ولا في الذات ولا في الصفات.
وقوله- سبحانه- في هذه الآية لكِنَّا
…
أصله: «لكن أنا» أى: لكن أنا أقول هو الله ربي. فحذفت همزة «أنا» وأدغمت نون «لكن» في نون أنا بعد حذف الهمزة.
وجمهور القراء يقرءون في الوصل «لكن» بدون ألف بعد النون المشددة وقرأ أبو عامر في الوصل «لكنا» بالألف- أما في حالة الوقف فقد اتفق الجميع على إثبات الألف.
قال صاحب الكشاف: قوله: لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي أصله: لكن أنا فحذفت الهمزة، وألقيت حركتها على نون لكن، فتلاقت النونان فكان الإدغام، ونحوه قول القائل:
وترميننى بالطّرف أى أنت مذنب
…
وتقليننى، لكنّ إياك لا أقلى
أى: لكن أنا لا أقليك.
و «هو» ضمير الشأن: أى: والشأن أن الله ربي: والجملة خبر أنا. والراجع منها إليه ياء الضمير.
فإن قلت: هو استدراك لأى شيء؟ قلت: لقوله «أكفرت..» قال لأخيه أنت كافر بالله، لكني مؤمن موحد، كما تقول: زيد غائب لكن عمرا حاضر» «1» .
ثم أرشده إلى ما كان يجب عليه أن يقوله عند دخوله جنته فقال: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ....
قال الإمام ابن كثير: هذا تحضيض وحث على ذلك. أى: هلا إذ أعجبتك جنتك حين دخلتها ونظرت إليها، حمدت الله على ما أنعم به عليك وأعطاك من المال والولد ما لم يعط غيرك وقلت ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ولهذا قال بعض السلف: من أعجبه شيء من حاله أو ولده أو ماله، فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.. وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة. وقد روى فيه حديث مرفوع.. فعن أنس- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، فيرى فيه آفة دون الموت» «2» .
(1) تفسير الكشاف ج 2 ص 485.
(2)
تفسير ابن كثير ج 15 ص 154.
وقال الآلوسى: وقوله: «ما شاء الله، أى: الأمر ما شاء الله، أو ما شاء الله- تعالى- كائن، على أن «ما» موصولة مرفوعة المحل. إما على أنها خبر مبتدأ محذوف. أو على أنها مبتدأ محذوف الخبر.. وأيما كان فالمراد تحضيضه على الاعتراف بأن جنته وما فيها بمشيئة الله- تعالى- إن شاء أبقاها وإن شاء أبادها «1» .
وبعد أن حضه على الشكر لله- تعالى- رد على افتخاره وغروره بقوله- كما حكى القرآن عنه-: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً. فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ.
أى: إن ترن- أيها المغرور- أنا أقل منك في المال والولد فإنى أرجو الله الذي لا يعجزه شيء، أن يرزقني ما هو خير من جنتك في الدنيا والآخرة.
وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ أى: عذابا من جهة السماء كالصواعق والسموم وغيرها مما يشاء الله- تعالى- إرساله عليها من المهلكات التي تذرها قاعا صفصفا.
قال صاحب الكشاف: والحسبان مصدر كالغفران والبطلان بمعنى الحساب. أى: ويرسل عليها مقدارا قدره الله وحسبه، وهو الحكم بتخريبها.
«فتصبح» بعد اخضرارها ونضارتها «صعيدا» أى: أرضا «زلقا» أى: جرداء ملساء لا نبات فيها، ولا يثبت عليها قدم.
والمراد أنها تصير عديمة النفع من كل شيء حتى من المشي عليها. يقال: مكان زلق، أى: دحض، وهو في الأصل مصدر زلقت رجله تزلق زلفا، ومعناه: الزلل في المشي لوحل ونحوه.
أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً أى: غائرا ذاهبا في الأرض. فالغور مصدر وصف به على سبيل المبالغة وهو بمعنى الفاعل. يقال: غار الماء يغور غورا: أى: سفل في الأرض وذهب فيها.
ومنه قوله- تعالى-: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً، فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ.
فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً أى: فلن تستطيع أن تحصل عليه أو تطلبه بأية حيلة من الحيل، لأنه لا يقدر على الإتيان بهذا الماء الغائر إلا الله- عز وجل.
وإلى هنا نجد أن الرجل المؤمن قد رد على صاحبه الكافر، بما يذكره بمنشئه، وبما يوجهه إلى الأدب الذي يجب أن يتحلى به مع خالقه ورازقه، وبما يحذره من سوء عاقبة بطره.
(1) تفسير الآلوسى ج 5 ص 279. [.....]