الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمعنى: وسخر لكم- أيضا- ما أوجده في الأرض من أجل منفعتكم من عجائب الأمور، ومختلف الأشياء، من حيوان ونبات، ومعادن مختلفة الألوان والأجناس والخواص.
ولا شك أن في اختلاف الألوان والمناظر والهيئات وغير ذلك، فيه الدلالة الواضحة على قدرة الله- تعالى- وعلى أنه الخالق لكل شيء.
قال- تعالى- وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ
…
«1» .
ثم ختم- سبحانه- الآية الكريمة بقوله إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ أى: إن في ذلك الذي بيناه لكم، لآية واضحة على قدرة الله- تعالى- لقوم يعتبرون، ويتذكرون آلاء الله ونعمه، فيشكرونه عليها، ويخلصون له العبادة.
وبعد أن ذكر- سبحانه- جملة من نعمه التي أوجدها لعباده في البر، أتبع ذلك ببيان جانب من نعمه عليهم عن طريق خلقه للبحر، فقال- تعالى-:
[سورة النحل (16) : آية 14]
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14)
ففي هذه الآية الكريمة بين- سبحانه- أربع نعم على عباده في تسخير البحر لهم.
أما النعمة الأولى فتتجلى في قوله- تعالى- وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا.
والطري: ضد اليابس، والمصدر الطراوة، وفعله طرو بوزن خشن وقرب.
أى: وهو- سبحانه- وحده الذي ذلل لكم البحر، بحيث مكنكم من الانتفاع به، وأقدركم على الركوب عليه، وعلى الغوص فيه، وعلى الصيد منه، لتأكلوا من أسماكه لحما.
طريا غضا شهيا.
(1) سورة الروم الآية 22.
ووصف- سبحانه- لحم أسماكه بالطراوة، لأن أكله في هذه الحالة أكثر فائدة، وألذ مذاقا، فالمنة بأكله على هذه الحالة أتم وأكمل.
وقال بعض العلماء: وفي وصفه بالطراوة، تنبيه إلى أنه ينبغي المسارعة إلى أكله، لأنه يسرع إليه الفساد والتغير، وقد أثبت الطب أن تناوله بعد ذهاب طراوته من أضر الأشياء، فسبحان الخبير بخلقه، ومعرفته ما يضر استعماله وما ينفع، وفيه أيضا إيماء إلى كمال قدرته- تعالى- في خلقه الحلو الطري في الماء المر الذي لا يشرب.
وقد كره العلماء أكل الطافي منه على وجه الماء، وهو الذي يموت حتف أنفه في الماء فيطفو على وجهه، لحديث جابر- رضى الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم:«ما نضب عنه الماء فكلوا، وما لفظه فكلوا، وما طفا فلا تأكلوا» .
فالمراد من ميتة البحر في الحديث: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» ما لفظه البحر لا ما مات فيه من غير آفة «1» .
وقوله «وتستخرجوا منه حليه تلبسونها» نعمة ثانية من نعم الله- تعالى- للإنسان في تسخير البحر له.
والحلية- بالكسر- اسم لما يتحلى به الناس. وجمعها حلى وحلى- بضم الحاء وكسرها- يقال: تحلت المرأة إذا لبست الحلي، أى: ومن فوائد تسخير البحر لكم أنه سبحانه أقدركم على الغوص فيه، لتستخرجوا منه ما يتحلى به نساؤكم كاللؤلؤ والمرجان وما يشبههما.
قال- تعالى- مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ. يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ «2» .
والتعبير بقوله- سبحانه- تستخرجوا..» يشير إلى كثرة الإخراج فالسين والتاء للتأكيد، مثل استجاب بمعنى أجاب. كما يشير إلى أن من الواجب على المسلمين أن يباشروا بأنفسهم استخراج ما في البحر من كنوز وألا يتركوا ذلك لأعدائهم.
وأسند- سبحانه- لباس الحلية إلى ضمير جمع الذكور فقال: «تلبسونها» على سبيل التغليب، وإلا فإن هذه الحلية يلبسها النساء في معظم الأحيان.
(1) تفسير المراغي ج 14 ص 61.
(2)
سورة الرحمن الآيات 19، 22. [.....]
قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله «تلبسونها» أى: تلبسها نساؤكم، وأسند الفعل إلى ضمير الرجال، لاختلاطهم بهم، وكونهم متبوعين، أو لأنهم سبب لتزينهن، فإنهن يتزين ليحسن في أعين الرجال، فكأن ذلك زينتهم ولباسهم.
قال القرطبي: «امتن، الله- تعالى- على الرجال والنساء امتنانا عاما بما يخرج من البحر، فلا يحرم عليهم شيء منه، وإنما حرم الله- تعالى- على الرجال الذهب والحرير، ففي الصحيح عن عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم:
«لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» .
وروى البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ذهب..، فاتخذ الناس مثله، فرمى به وقال:«لا ألبسه أبدا» . ثم اتخذ خاتما من فضة فاتخذ الناس خواتم الفضة
…
» «1» .
وقوله- سبحانه-: وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ نعمة ثالثة من نعمه- تعالى- في تسخير البحر للناس وأصل المخر: الشق. يقال: مخر الماء الأرض إذا شقها. ويقال مخرت السفينة تمخر، وتمخر، مخرا، ومخورا، إذا جرت في الماء وأخذت تشقه بمقدمتها.
أى: وترى- أيها العاقل- بعينيك السفن وهي تشق البحر بسرعة، متجهة من بلد إلى بلد، ومن قطر إلى آخر، لا تحرسها إلا رعاية الله تعالى وقدرته، كما قال- سبحانه-:
وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ. وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ. إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ «2» .
والتعبير بقوله: «وترى..» لاستحضار الحالة العجيبة عن طريق الرؤية البصرية، وهي حالة تدل على قدرة الله تعالى ورحمته بعباده. حيث سخر لهم السفن لتجرى في البحر بأمره.
ثم بين- سبحانه- النعمة الرابعة من نعم تسخير البحر للناس فقال تعالى: وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ والابتغاء: الطلب للشيء عن رغبة ومحبة.
أى: وسخر لكم البحر- أيضا- لتستخرجوا منه الحلية، ولتطلبوا فضل الله تعالى
(1) تفسير القرطبي ج 10 ص 87.
(2)
سورة يس الآيات 41- 44.