الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تقسيم الكلام بحسب أغراضه
(1)
من المطالب التي ينبغي تقديمها في هذا الباب، تقسيم الكلام إلى الأغراض الباعثة على تأليف المعاني بعضها إلى بعض، وإبرازها في قوالب أوضاعه- الثلاثة: المرسل، والسجع، والشعر. وأحسن التقسيمات إحاطة وجمعاً ما بيانه أن القصد من جودة التصرف في تلك الأوضاع الثلاثة استجلاب المنافع، أو استدفاع المضار ببسط النفوس، أو قبضها لما يخيل لها من خير أو شر، وما يرى أنه خيرات أو شرور منها ما حصل ومنها ما لم يحصل، وحصول ما من شأنه أن يرتاح له يسمى ظفراً، وفواته في مظنة الحصول يسمى إخفافاً، وحصول ما من شأنه أن يُنفر منه يسمى رزءاً، وكفايته في مظنة الحصول يسمى نجاة، فالقول في الظفر والنجاة يسمى تهنئة، ويسمى القول في الإخفاق إن قصد تسلية النفس عنه تأسياً، وإن قصد تحسرها تأسفًا، ويسمى القول في الرزء إن قصد استدعاء الجَلَدِ على ذلك تعزية، وإن قصد استدعاء الجزع من ذلك سمي تفجيعاً، فإن كان المظفور به على يد المقاصد للنفع جوزي على ذلك بالذكر الجميل وسمي ذلك مديحاً، وإن كان ما ينفِّر منه على يد قاصد للمضرة فأدى إلى ذكر قبيح سمي ذلك هجاء، وإن كان الرزء بفقد شيء فندب ذلك الشيء يسمى رثاء.
(1) العدد الثالث - المصادر في غرة صفر 1322.
ولما كانت المنافع كلها تنقسم إلى ما يكون بالملائمة، مثل ما يوجد من مناسبة بعض الصور لبعض النفوس، فيحصل لها بمشاهدة تلك الصور المناسبة لها ابتهاج وذلك الابتهاج نوع من المنافع لتلك النفس، وإلى ما يكون بالفعل، مثل ما يفعله الإنسان من إسعاف آخر بطلبته فيكون إسعافه بها منفعة له، وإلى ما يكون منفعة بالقوة والمآل أو بتشفي النفس فقط، مثل ما تحل مضرة بعدو إنسان فينتفع ذلك الإنسان بأن تضعفه له وتقويه على مقاومته والانتصاف منه.
وكانت المضار تنقسم إلى أضداد ما ذكرته، اقتضى ذلك انقسام الذكر الجميل إلى ما يتعلق من المنافع بالأشياء المناسبة لهوى النفس، ويسمى ذلك نسيباً، وإلى ما يتعلق بالأشياء المستدعية رضاء النفس، ويسمى ذلك مديحاً، وكان ما يتعلق من الذكر القبيح بالأشياء المنافرة لهوى النفس، والأشياء المتباعدة عن رضاها كلاهما داخل تحت قسمة واحدة وهي الهجاء، ولما كان ما يُنفِّر منه قد يقع ممن يُحتمل منه ذلك ولو أدنى احتمال، فلا يؤاخذ به جملة أو لا يؤاخذ به كبير مؤاخذة، ومنه من يؤخذ به أشد المؤاخذة سمي ما يتعلق من القول بذلك بحسب طبقات من يقع ذلك منهم، ونسبتهم إلى القائل معاتبة وتوبيخاً وتقريعاً، ولا يخلو الشيء الحاصل مما شأنه أن يطلب أو يهرب عنه، من أن يكون ذو العناية به واحداً كان القائل أو غيره ويكون هو حاكياً ذلك عنه، أو يكون قد عني به متنازعان في استجلابه أو مدافعته كان القائل أحد المتنازعين أو لم يكن.
غير أنه يحكي حالهما أو يكون حاكماً بينهما، فيكون الكلام على هذا اقتصاصاً أو مشاجرة وإما فصلاً في مشاجرة، وقد تكون المشاجرة والفصل فيهما متعلقين بما يُستقبل، فأما الأمور التي لم تحصل مما شأنه أن يطلب
أو يهرب عنه، فلا يخلو الحال من أن يكون المتكلم هو الطالب لها، أو الهارب منها من تلقاء السامع، أو يكون السامع هو الطالب لها، أو الهارب عنها من تلقاء المتكلم، فما كان من المتكلم إلى السامع مما شأنه أن يُطلبْ يُسمى إذا لم يُعلم رأيه فيه غرضاً، وما كان من تلقاء السامع إلى المتكلم وكان طلباً جزماً يسمى اقتضاء، فإن كان بتلطف يسمى استعطافاً، وإن كان يُرى أنه قد جاوز الوقت الذي كان يجب فيه سُمي استبطاء، فإن كان مما شأنه أن يُهرب منه وانتدب المتكلم من تلقاء نفسه، أو من غيره سُمي ذلك إيعاداً أو تهديداً أو إنذاراً أو تخويفاً، فإن خافه من تلقاء السامع، واستدفعه إياه سُمي ذلك استعفاء أو استقالة أو ترضيَّاً، وقد يكون الشيء المطلوب أو المهروب منه أحد شيئين، فيُشكِل على القائل أو السامع أيهما يجب أن يُطلب أو أيهما يجب أن يُهرب منه، أو يُشكِل الطريق الهادي إلى ذلك، فيشير القائل على غيره، فيكون الكلام على هذا إشارة أو استشارة.