الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
76 - {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ} :
إشارة إلى شأن الحشر. واعلمْ أن منكريه منهم من لم ينكرْ بشبهة بل مجرد الاستبعاد، وادَّعى الضرورة وهم الأكثرون، قال تعالى حكايةً عنهم في كثير من الآيات (وَقَالُوا أَئذَا ضَلَلْنَا فِي الَارْضِ
…
)، (أَئذَا متْنَا وَكُنَّا تُرَاباً. .. )، (أئنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِين أَئذَا متْنَا وَكُنَّا تُرَاباً
…
) وكذا هنا (مَنْ يُّحْيي الْعِظَامَ وَهِيَ رَميمٌ) على طريق الاستبعاد، فبدأ أولا بإبطال استبعادهم بقوله (وَنَسيَ خَلْقَهُ)، إذ خلق الناطق العاقل من نطفة قذرة لم تكن محل الحياة أصلا، فلا يستبعد إعادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه؛ وأما استبعادهم من جهة تفرق الأجزاء فرده بكون المعيد قادرا عالما.
وقوله (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً) أي جعل قدرتنا كقدرتهم، ونسي خلْقَه العجيب، وبَدْأه الغريب؛ ومنهم من ذَكَرَ شبهة وإنْ كان آخرُها يعود إلى الاستبعاد، وهي على وجهين:
- أحدهما: أنه بعد العدم لم يُبق شيئا، فكيف يحكم على العدم بالوجود؟.
وأجاب تعالى عن هذه الشبهة بقوله: (الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ)، أي: كما خلق الإنسان ولم يكن شيئا مذكورا، فكذلك يعيده وإن لم يبق شيئا مذكورا. - والوجه الثاني: أن من تفرقت أجزاؤه في الجهات وفي أبدان السباع وغيرها، كيف يُجمع؟. وأبعد من هذا أن إنسانا إذا أكل إنسانا فصار أجزاء المأكول في أجزاء الآكل، فإن أعيد فأجزاء المأكول إمّا أن تُعاد إلى بدن الآكل فلا يبقى للمأكول أجزاء يخلق منها أعضاء، وإما أن تعاد إلى بدن المأكول فلا يبقى الآكل أجزاء؛ فقال تعالى في إبطال هذا الوجه من الشبهة (وَهُوَ بكُلِّ خَلْقٍ عَليمٌ)؛ ووجْهُه أنّ في الآكل أجزاءَ أصليةً وأجزاء فضْلية، وفَي المأكول كذلكَ، فإذا أكل إنسان إنسانا صار الأصلي من أجزاء المأكول فضليا من أجزاء الآكل. والأجزاء الأصلية للآكل ما كان له قبل الأكل، والله بكل خلق عليم، يعلم الأصلي من الفضلي، فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل، وينفخ فيه من روحه، وكذلك يجمع أجزاءه المتفرقة في الأماكن.