الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قلت: واستدل المالكية على أن العظام من أجزاء كلِّ حيوان تابعٌ للحمه؛ فمتى حَكَمْنَا للَحْم بالطهارة حكمنا بذلك للعظم، لأنه مما تَحُلُّه الحياة، لقوله تعالى (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ). والظاهر إضافةُ الحياة إلى نفسِ العظام، لكن في الآية (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا)، فأضاف الإحياء إلى الدار الآخرة، والإنشَاء إلى الدنيا، والإنشاء تركيبٌ لا إحياء، لكن اجتمعت الأمة على أن العودة في حلول الحياة كالبَدْأَة، فيكون معنى إنشائها هاهنا إحياؤها، والبلاغة تقتضي تغيير اللفظ وإن اتحد المعنى. انتهى من ابن بشير، وانظر ابن عبد السلام.
80 - {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا} :
خ: "عاد إلى تقرير ما تقدّم من دفع استبعادهم وإبطالِ إنكارهم وعنادهم. وقدَّم ذكر النار في الشجر على ذَكر خلقَ الأكبر وهو خلقُ السماوات والأرض، لأنّ استبعادَهم كان بالصريح واقعا على الإحياء حيث قالوا: (مَنْ يُّحْيِي الْعِظَامَ)، ولم يقولوا "من يجمعها ويؤلفها". والنار في الشجر
تناسب الحياة، أي: لا تستبعدوا إحياء العظام وإيجادَ حرارة فيها، فإنّ النار في الشجر الأخضر الذي يقطُرُ منه الماء أعجبُ وأغرب؛ وإن استبعدتم خلقَ الجسم فقد خلق اللَّه السماوات والأرض، ثم أكَّدَ بيانَ ذلكَ بقوله (إِنَّمَا أَمْرُهُ) الآية، فبيّن فسادَ تمثيلهم وقياسهم الغائب على الشاهد.
واستدل المعتزلة بقوله (شَيْئاً) على أن المعدوم شيء؛ لأنه قبل القول له "كن" غير كائن، وهو في تلك الحالة شيء، لقوله (إذَا أَرَادَ شَيْئاً).
والجواب: أي: شيئا حين تَعَلُّقِ الإرادة، وهو حينئذ موجود. فإن قلت: يلزم إيجاد الموجود؛ فنقول: نحن نجيب عن هذا الإشكال فِي موضعه.
قلت: وكان شيخنا ابن عرفة يجيب عنه بأنه موجودٌ بإرادة وجوده لا بغيرها، فلا يلزمُ إرادةُ وجود الموجود؛ وبهذا كان يجيب أيضاً على سؤال واردٍ على تعلق القدرة بالممكن حين إيجاده، وهو أنّه إنْ كان حينئذ معدوما لزم اجتماعُ الوجود والعدم، وإنْ كان موجودا لزم اجتماع الوجود والعدم باختيار أنه موجود بتلك القدرة لا بغيرها.
خ: "استدل بها الكرامية على حدوث إرادته تعالى من وجهين:
- أحدهما: أنه جعل لها زمانا، لأن "إذا" ظرف زمان، وكل زمان حادث.
- الثاني: أنه تعالى جعل إرادته متصلةً بقوله "كُنْ"، وقولَه "كن" متصلا بكون الشيءِ ووقوعِه، لأنّ الفاء في (فَيَكُونُ) للتعقيب، لكنّ الكونَ حادثٌ، وما قبل الحادث متصلاً به حادث، والفلاسفة وافقوهم في ذلك من وجه آخر فقالوا: إرادتُه متصلةٌ بأمره، وأمرُه متصل بالكون، لكنّ إرادتَه قديمةٌ، فكذا مكوناتُه.
وجوابُهما أن المفهوم من قوله (إِذَا أَرَادَ) من حيث اللغة، إذا تعلقت إرادته بالشيء؛ لأن أداة الشرط إذا دخلت على الماضي صيَّرتْه مستقبلا، ونحن نقول: مفهوم قولنا "أراد ويريد وعلم ويعلم"، يجوز أن يدْخُلَه الحدوث، وأن للَّه صفة قديمة هي الإرادة، فتلك الصفة إذا تعلقت بشيء نقول "أراد ويريد"، وقبل التعلق لا نقول "أراد"، وإنما نقول: له إرادة وهو بها مريد. فالإرادة أمر ثابت، إن تعلقت بوجود شيء قيل: أراد وجوده أو يريد وجوده؛ وهذا معنى قول أهل السنة: تعلق الإرادة حادث.
وقال المعتزلة والكرامية: كلام اللَّه تعالى حروف وأصوات، وهو حادث؛ أما أنه حادث، فلما مرَّ من الوجهين: أحدهما أنه زماني؛ والثاني أنه متصل بكون حادث.
والجواب أن الكلام ينطلق على معنيين: أحدهما ما عند المتكلم، والثاني ما عند السامع؛ ثم إن أحدهما ينطلق عليه أنه هو الآخر، فالكلام الذي عند اللَّه هو صفة له ليس بحرف، والذي عند السامع حرف وصوت، وأحدُهما الآخرُ، وبيانه أن من قال لغيره؛ عندي كلام أقوله لك غدا. ثم إن السامع أتاه غدا وسأله عن الكلام الذي كان عنده أمس، فيقول له: أريد أن تحضر عندي اليوم؛ فهذا الكلام أطلق عليه المتكلم أنه كان عنده أمس، ولم يكن عند السامع بحرف وصوت، ويطلق عليه أن هذا الذي سمعت هو الذي كان عندي، والصوت لم يكن عند المتكلم أمس، ولا الحرف؛ لأن الكلام الذي عنده جاز أن يذكره باللسان العربي أو غيره من اللغات، وحروف اللغات مختلفة، والكلام الذي عنده وَوَعَدَهُ به واحد. فقوله: هذا ما كان عندي أمس من الكلام؛ أي: هذا يؤدي إليك ما كان عندي. وهذا أيضا مجاز؛ لأن الذي عنده ما انتقل إليه، وإلا علم ذلك وحصل عنده به علم مستفاد من السمع أو البصر في القراءة والكتابة أو الإشارة.
الزمخشري: "كُنْ" كناية عن سرعة التكوين، وليس ثَمَّ قولٌ".