الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْمَرْأَةُ أَنْ تَلْتَعِنَ بَعْدَ الْتِعَانِ الرَّجُلِ، أَجْبَرْتُهَا عَلَيْهِ، وَهِبْت أَنْ أَحْكُمَ عَلَيْهَا بِالرَّجْمِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ بِلِسَانِهَا لَمْ أَرْجُمْهَا إذَا رَجَعَتْ، فَكَيْفَ إذَا أَبَتِ اللِّعَانَ، وَلَا يَسْقُطُ النَّسَبُ إلَّا بِالْتِعَانِهِمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْفِرَاشَ قَائِمٌ حَتَّى تَلْتَعِنَ، وَالْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ. قَالَ الْقَاضِي: هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ. وَهَذَا قَوْلُ مَنْ وَافَقَنَا فِي أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهَا؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} [النور: 8] فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا إذَا لَمْ تَشْهَدْ لَا يُدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابُ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، يُخْلَى سَبِيلُهَا. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْحَدُّ، فَيَجِبُ تَخْلِيَةُ سَبِيلِهَا، كَمَا لَوْ لَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ.
فَأَمَّا الزَّوْجِيَّةُ، فَلَا تَزُولُ، وَالْوَلَدُ لَا يَنْتَفِي مَا لَمْ يَتِمَّ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إلَّا الشَّافِعِيَّ، فَإِنَّهُ قَضَى بِالْفُرْقَةِ وَنَفْيِ الْوَلَدِ بِمُجَرَّدِ لِعَانِ الرَّجُلِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ.
[مَسْأَلَة أَقَرَّتْ الزَّوْجَة بِالزِّنَا دُونَ الْأَرْبَعِ مَرَّات فِي اللِّعَانِ]
مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّتْ دُونَ الْأَرْبَعِ مَرَّاتٍ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ، فَصَدَّقَتْهُ، وَأَقَرَّتْ بِالزِّنَا مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِقْرَارِ أَرْبَعِ مَرَّاتٍ، عَلَى مَا يُذْكَرُ فِي الْحُدُودِ، ثُمَّ إنْ كَانَ تَصْدِيقُهَا لَهُ قَبْلَ لِعَانِهِ، فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ كَالْبَيِّنَةِ، إنَّمَا يُقَامُ مَعَ الْإِنْكَارِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ لِعَانِهِ، لَمْ تُلَاعِنْ هِيَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْلِفُ مَعَ الْإِقْرَارِ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا لَوْ امْتَنَعَتْ مِنْ غَيْرِ إقْرَارٍ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ صَدَّقَتْهُ قَبْلَ لِعَانِهِ، فَعَلَيْهَا الْحَدُّ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَّ نَسَبٌ يَنْفِيهِ، فَيُلَاعِنُ وَحْدَهُ، وَيَنْتَفِي النَّسَبُ بِمُجَرَّدِ لِعَانِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ لِعَانِهِ، فَقَدْ انْتَفَى النَّسَبُ، وَلَزِمَهَا الْحَدُّ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّسَبَ يَنْتَفِي بِمُجَرَّدِ لِعَانِهِ، وَتَقَعُ الْفُرْقَةُ، وَيَجِبُ الْحَدُّ، فَإِنَّ الْحَدَّ يَجِبُ بِإِقْرَارِ مَرَّةٍ. وَهَذِهِ الْأُصُولُ قَدْ مَضَى أَكْثَرُهَا.
وَلَوْ أَقَرَّتْ أَرْبَعًا، وَجَبَ الْحَدُّ، وَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ نَسَبٌ يُنْفَى. وَإِنْ رَجَعَتْ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهَا، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ. وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. فَإِنَّ الرُّجُوعَ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْحَدِّ مَقْبُولٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِلْحَدِّ، فَإِنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ لِتَصْدِيقِهَا إيَّاهُ. وَإِنْ أَرَادَ لِعَانَهَا لِنَفْيِ نَسَبٍ، فَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ لِعَانُهَا لِنَفْيِ النَّسَبِ فِيهَا كُلِّهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَفِيفَةً صَالِحَةً فَكَذَّبَتْهُ، مَلَكَ نَفْيَ وَلَدِهَا، فَإِذَا كَانَتْ فَاجِرَةً فَصَدَّقَتْهُ، فَلَأَنْ يَمْلِكَ نَفْيَ وَلَدِهَا أَوْلَى، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّ نَفْيَ الْوَلَدِ إنَّمَا يَكُونُ بِلِعَانِهِمَا مَعًا، وَقَدْ تَعَذَّرَ اللِّعَانُ مِنْهُمَا؛ وَلِأَنَّهَا لَا تُسْتَحْلَفُ عَلَى نَفْيِ مَا تَقْرَبُهُ، فَتَعَذَّرَ نَفْيُ الْوَلَدِ لِتَعَذُّرِ سَبَبِهِ، كَمَا لَوْ مَاتَ بَعْدَ الْقَذْفِ وَقَبْلَ اللِّعَانِ.
[فَصْلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا زَانِيَةُ فَقَالَتْ بِك زَنَيْت]
(6297)
فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا زَانِيَةُ. فَقَالَتْ: بِك زَنَيْت. فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَلَا عَلَيْهِ وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ:
عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ بِذَلِكَ نَفْيَ الزِّنَا عَنْ نَفْسِهَا، كَمَا يَسْتَعْمِلُ أَهْلُ الْعُرْفِ فِيمَا إذَا قَالَ قَائِلٌ: سَرَقْت. قَالَ: مَعَك سَرَقْت. أَيْ أَنَا لَمْ أَسْرِقْ؛ لِكَوْنِك أَنْتَ لَمْ تَسْرِقْ. وَلَنَا أَنَّهَا صَدَّقَتْهُ فِي قَذْفِهِ إيَّاهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَتْ: صَدَقْت. وَلَا حَدَّ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ حَدَّ الزِّنَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْإِقْرَارِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا حَدُّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَقْذِفْهُ، وَإِنَّمَا أَقَرَّتْ عَلَى نَفْسِهَا بِزِنَاهَا بِهِ، وَيُمْكِنُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ كَوْنِهِ زَانِيًا، بِأَنْ يَظُنَّهَا زَوْجَتَهُ وَهِيَ عَالِمَةٌ أَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ نَفْيَ ذَلِكَ عَنْهُمَا، كَمَا ذَكَرُوهُ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَطَأْنِي سِوَاكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ زِنًا فَأَنْتَ شَرِيكِي فِيهِ.
وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِهِ عَنْ الرَّجُلِ بِظَاهِرِ تَصْدِيقِهَا، وُجُوبُهُ عَلَيْهَا مَعَ الِاحْتِمَالِ؛ فَإِنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلَا يَجِبُ بِهَا. وَلَوْ قَالَ: يَا زَانِيَةُ. فَقَالَتْ: أَنْتِ أَزْنَى مِنِّي. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا: لَا حَدَّ عَلَى الزَّوْجِ؛ بِتَصْدِيقِهَا لَهُ، وَلَا عَلَى الْمَرْأَةِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَيْسَ قَوْلُهَا قَذْفًا. قَالَ الشَّافِعِيُّ: إلَّا أَنْ تُرِيدَ الْقَذْفَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ أَنَّهُ أَصَابَنِي وَهُوَ زَوْجِي، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ، فَهُوَ أَبْلَغُ مِنِّي فِيهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: عَلَيْهَا حَدٌّ لِقَذْفِهَا، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِتَصْدِيقِهَا إيَّاهُ، وَقَدْ أَتَتْ بِصَرِيحِ قَذْفِهِ بِالزِّنَا، فَوَجَبَ عَلَيْهَا الْحَدُّ، كَمَا لَوْ قَالَتْ: أَنْتَ زَانٍ. وَالِاحْتِمَالُ مَعَ التَّصْرِيحِ بِالْقَذْفِ، لَا يَمْنَعُ الْحَدَّ، كَمَا لَوْ قَالَتْ: أَنْتَ زَانٍ.
فَأَمَّا إنْ قَالَ: يَا زَانِيَةُ. فَقَالَتْ: بَلْ أَنْتَ زَانٍ. فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَاذِفٌ لِصَاحِبِهِ، عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ؛ إلَّا أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَمْلِكُ إسْقَاطَ حَدِّهَا إلَّا بِالْبَيِّنَةِ، وَالزَّوْجُ يَمْلِكُ إسْقَاطَهُ بِبَيِّنَةِ أَوْ لِعَانٍ.