الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلَى أَنْ يَسْقُطَ. وَلَوْ قَتَلَ حَامِلًا لَمْ يَسْقُطْ جَنِينُهَا، أَوْ ضَرَبَ مَنْ [فِي] جَوْفِهَا حَرَكَةٌ أَوْ انْتِفَاخٌ، فَسَكَّنَ الْحَرَكَةَ وَأَذْهَبَهَا، لَمْ يَضْمَنْ الْجَنِينَ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَحُكِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ عَلَيْهِ الْغُرَّةَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ قَتَلَ الْجَنِينَ، فَلَزِمَتْهُ الْغُرَّةُ، كَمَا لَوْ أُسْقِطَتْ. وَلَنَا، أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْوَلَدِ إلَّا بِخُرُوجِهِ، وَلِذَلِكَ لَا تَصِحُّ لَهُ وَصِيَّةٌ وَلَا مِيرَاثٌ، وَلِأَنَّ الْحَرَكَةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لَرِيحٍ فِي الْبَطْنِ سَكَنَتْ، وَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ بِالشَّكِّ. وَأَمَّا إذَا أَلْقَتْهُ مَيِّتًا، فَقَدْ تَحَقَّقَ، وَالظَّاهِرُ تَلَفُهُ مِنْ الضَّرْبَةِ، فَيَجِبُ ضَمَانُهُ، سَوَاءٌ أَلْقَتْهُ فِي حَيَاتِهَا، أَوْ بَعْدَ مَوْتِهَا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ:
وَقَالَ مَالِكٌ: وَأَبُو حَنِيفَةَ: إنْ أَلْقَتْهُ بَعْدَ مَوْتِهَا، لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى أَعْضَائِهَا، وَبِمَوْتِهَا سَقَطَ حُكْمُ أَعْضَائِهَا. وَلَنَا، أَنَّهُ جَنِينٌ تَلِفَ بِجِنَايَتِهِ، وَعُلِمَ ذَلِكَ بِخُرُوجِهِ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوْ سَقَطَ فِي حَيَاتِهَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ سَقَطَ حَيًّا ضَمِنَهُ، فَكَذَلِكَ إذَا سَقَطَ مَيِّتًا، كَمَا لَوْ أَسْقَطَتْهُ فِي حَيَاتِهَا، وَمَا ذَكَرُوهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَكَانَ إذَا سَقَطَ مَيِّتًا ثُمَّ مَاتَتْ، لَمْ يَضْمَنْهُ كَأَعْضَائِهَا، وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مَوْرُوثٌ، فَلَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ أُمِّهِ، كَمَا لَوْ خَرَجَ حَيًّا. فَأَمَّا إنْ ظَهَرَ بَعْضُهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ، وَلَمْ يَخْرُجْ بَاقِيه، فَفِيهِ الْغُرَّةُ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا تَجِبُ الْغُرَّةُ حَتَّى تُلْقِيَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم إنَّمَا أَوْجَبَ الْغُرَّةَ فِي الْجَنِينِ الَّذِي أَلْقَتْهُ الْمَرْأَةُ؛ وَهَذِهِ لَمْ تُلْقِ شَيْئًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَنَا، أَنَّهُ قَاتِلٌ لِجَنِينِهَا، فَلَزِمَتْهُ الْغُرَّةُ، كَمَا لَوْ ظَهَرَ جَمِيعُهُ، وَيُفَارِقُ مَا لَوْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَيَقَّنْ قَتْلَهُ وَلَا وُجُودَهُ. وَكَذَلِكَ إنْ أَلْقَتْ يَدًا، أَوْ رِجْلًا، أَوْ رَأْسًا، أَوْ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْآدَمِيِّ، وَجَبَتْ الْغُرَّةُ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّهُ مِنْ جَنِينٍ. وَإِنْ أَلْقَتْ رَأْسَيْنِ، أَوْ أَرْبَعَ أَيْدٍ، لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ غُرَّةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَنِينٍ وَاحِدٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَنِينَيْنِ، فَلَمْ تَجِبْ الزِّيَادَةُ مَعَ الشَّكِّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ؛ وَكَذَلِكَ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ إذَا لَمْ يَظْهَرْ، فَإِنْ أَسْقَطَتْ مَا لَيْسَ فِيهِ صُورَةُ آدَمِيٍّ فَلَا شَيْءَ فِيهِ، لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ جَنِينٌ.
وَإِنْ أَلْقَتْ مُضْغَةً، فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنْ الْقَوَابِلِ أَنَّ فِيهِ صُورَةً خَفِيَّةً، فَفِيهِ غُرَّةٌ، وَإِنْ شَهِدَتْ أَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ لَوْ بَقِيَ تَصَوَّرَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَصَحُّهُمَا، لَا شَيْءَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُتَصَوَّرْ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ، كَالْعَلَقَةِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، فَلَا نَشْغَلُهَا بِالشَّكِّ. وَالثَّانِي، فِيهِ غُرَّةٌ؛ لِأَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَصَوَّرَ. وَهَذَا يَبْطُلُ بِالنُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ.،
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ غُرَّة الْعَبْد وَالْأَمَة]
(6844)
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْغُرَّةَ عَبْدٌ أَوْ أُمَّةٌ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ عُرْوَةُ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ: عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ
أَوْ فَرَسٌ؛ لِأَنَّ الْغُرَّةَ اسْمُ لِذَلِكَ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:«قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ فَرَسٍ أَوْ بَغْلٍ» . وَجَعَلَ ابْنُ سِيرِينَ مَكَانَ الْفَرَسِ مِائَةَ شَاةٍ، وَنَحْوَهُ قَالَ الشَّعْبِيُّ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ «عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ جَعَلَ فِي وَلَدِهَا مِائَةَ شَاةٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، أَنَّهُ قَضَى فِي الْجَنِينِ إذَا أُمْلِصَ بِعِشْرِينَ دِينَارًا، فَإِذَا كَانَ مُضْغَةً، فَأَرْبَعِينَ، فَإِذَا كَانَ عَظْمًا سِتِّينَ، فَإِذَا كَانَ الْعَظْمُ قَدْ كُسِيَ لَحْمًا فَثَمَانِينَ، فَإِنْ تَمَّ خَلْقُهُ وَكُسِيَ شَعْرُهُ فَمِائَةَ دِينَارٍ. قَالَ قَتَادَةُ: إذَا كَانَ عَلَقَةً فَثُلُثُ غُرَّةٍ، وَإِذَا كَانَ مُضْغَةً فَثُلُثَيْ غُرَّةٍ. وَلَنَا، «قَضَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي إمْلَاصِ الْمَرْأَةِ بِعَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ» ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَاضِيَةٌ عَلَى مَا خَالَفَهَا. وَذِكْرُ الْفَرَسِ وَالْبَغْلِ فِي الْحَدِيثِ وَهْمٌ انْفَرَدَ بِهِ عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ سَائِرِ الرُّوَاةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَهَمَ فِيهِ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ فِي الْبَغْلِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَكَذَلِكَ فِي الْفَرَسِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِيهِ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ بِهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا خَالَفَهُ.
وَقَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، تَحَكُّمٌ بِتَقْدِيرِ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ، وَكَذَلِكَ قَتَادَةُ، وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ مِنْ قَوْلِهِمَا. إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ الْغُرَّةُ، فَإِنْ أَرَادَ دَفْعَ بَدَلِهَا وَرَضِيَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ، جَازَ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ، فَجَازَ مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ وَأَيُّهُمَا امْتَنَعَ مِنْ قَبُولِ الْبَدَلِ، فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهَا، فَلَا يُقْبَلُ بَدَلُهَا إلَّا بِرِضَاهُمَا. وَتَجِبُ الْغُرَّةُ سَالِمَةٌ مِنْ الْعُيُوبِ، وَإِنْ قَلَّ الْعَيْبُ؛ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ وَجَبَ بِالشَّرْعِ، فَلَمْ يُقْبَلْ فِيهِ الْمَعِيبُ، كَالشَّاةِ فِي الزَّكَاةِ، وَلِأَنَّ الْغُرَّةَ الْخِيَارُ، وَالْمَعِيبُ لَيْسَ مِنْ الْخِيَارِ. وَلَا يُقْبَلُ فِيهَا هَرِمَةٌ، وَلَا ضَعِيفَةٌ، وَلَا خُنْثَى، وَلَا خَصِيٌّ، وَإِنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ. وَلَا يَتَقَدَّرُ سِنُّهَا، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يُقْبَلُ فِيهَا مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مِنْ يَكْفُلُهُ لَهُ وَيَحْضُنُهُ، وَلَيْسَ مِنْ الْخِيَارِ. وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهَا غُلَامٌ بَلَغَ خَمْسَةَ عَشَرَ سَنَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَى النِّسَاءِ، وَلَا ابْنَةُ عِشْرِينَ؛ لِأَنَّهَا تَتَغَيَّرُ. وَهَذَا تَحَكُّمٌ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يُقْبَلَ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى الْكَفَالَةِ بَاطِلٌ بِمَنْ لَهُ فَوْقَ السَّبْعِ، وَلِأَنَّ بُلُوغَهُ قِيمَةَ الْكَبِيرِ مَعَ صِغَرِهِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ خِيَارٌ، وَلَمْ يَشْهَدْ لِمَا ذَكَرُوهُ نَصٌّ، وَلَا لَهُ نَظِيرٌ يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَالشَّابُّ الْبَالِغُ أَكْمَلُ مِنْ الصَّبِيِّ عَقْلًا وَبِنْيَةً، وَأَقْدَرُ عَلَى التَّصَرُّفِ، وَأَنْفَعُ فِي الْخِدْمَةِ، وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَكَوْنُهُ لَا يَدْخُلُ عَلَى النِّسَاءِ إنْ أُرِيدَ بِهِ النِّسَاءُ الْأَجْنَبِيَّاتُ، بِلَا حَاجَةٍ إلَى دُخُولِهِ عَلَيْهِنَّ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ سَيِّدَتُهُ، فَلَيْسَ بِصَحِيحِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ:{لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ} [النور: 58] إلَى قَوْلِهِ: