الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْحَاضِرِ لَا يُفِيدُ شَيْئًا فِي الْحَالِ، وَإِنْ كَانَ مُوجِبًا لِلْمَالِ، كَالْخَطَإِ وَعَمْدِ الْخَطَإِ، فَلِلْحَاضِرِ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَحْلِفَ، وَيَسْتَحِقَّ قِسْطَهُ مِنْ الدِّيَةِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ حَامِدٍ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَاخْتَلَفُوا فِي كَمْ يُقْسِمُ الْحَاضِرُ؟ فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُقْسِمُ بِقِسْطِهِ مِنْ الْأَيْمَانِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى اثْنَيْنِ أَقْسَمَ الْحَاضِرُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً أَقْسَمَ سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا، وَإِنْ كَانُوا أَرْبَعَةً أَقْسَمَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ يَمِينًا، وَكُلَّمَا قَدِمَ غَائِبٌ أَقْسَمَ بِقَدْرِ مَا عَلَيْهِ، وَاسْتَوْفَى حَقَّهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْجَمِيعُ حَاضِرِينَ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ قِسْطِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا غَابَ بَعْضُهُمْ كَمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ قِسْطِهِ مِنْ الدِّيَةِ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ قِسْطِهِ مِنْ الْأَيْمَانِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَحْلِفُ الْأَوَّلُ خَمْسِينَ يَمِينًا. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ الْكَامِلَةِ، وَالْبَيِّنَةُ هِيَ الْأَيْمَانُ كُلُّهَا، وَلِذَلِكَ لَوْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا دَيْنًا لِأَبِيهِمَا، لَمْ يَسْتَحِقَّ نَصِيبَهُ مِنْهُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ الْمُثْبِتَةِ لِجَمِيعِهِ؛ وَلِأَنَّ الْخَمْسِينَ فِي الْقَسَامَةِ كَالْيَمِينِ الْوَاحِدَةِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ. وَلَوْ ادَّعَى مَالًا لَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ، لَهُ بِهِ شَاهِدٌ، لَحَلَفَ يَمِينًا كَامِلَةً، كَذَلِكَ هَذَا. فَإِذَا قَدِمَ الثَّانِي: أَقْسَمَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا، وَجْهًا وَاحِدًا عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ يَبْنِي عَلَى أَيْمَانِ أَخِيهِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ، أَنَّهُ يُقْسِمُ خَمْسِينَ يَمِينًا أَيْضًا، لِأَنَّ أَخَاهُ إنَّمَا اسْتَحَقَّ بِخَمْسِينَ، فَكَذَلِكَ هُوَ. فَإِذَا قَدِمَ ثَالِثٌ، أَوْ بَلَغَ، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، يُقْسِمُ سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ يَبْنِي عَلَى أَيْمَانِ أَخَوَيْهِ، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، فِيهِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا؛ أَنَّهُ يُقْسِمُ سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا. وَالثَّانِي: خَمْسِينَ يَمِينًا وَإِنْ قَدِمَ رَابِعٌ، كَانَ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْل الْخُنْثَى الْمُشْكِل يَحْتَمِل أَنْ يَقْسِم]
(7029)
فَصْلٌ: وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقْسِمَ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْقَسَامَةِ وُجِدَ فِي حَقِّهِ، وَهُوَ كَوْنُهُ مُسْتَحِقًّا لِلدَّمِ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْمَانِعُ مِنْ يَمِينِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا قَسَامَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْقِلُ مِنْ الْعَقْلِ، وَلَا يَثْبُتُ الْقَتْلُ بِشَهَادَتِهِ، أَشْبَهَ الْمَرْأَةَ.
[مَسْأَلَةٌ خَلَف الْمَقْتُولُ ثَلَاثَةَ بَنِينَ]
(7030)
مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا خَلَّفَ الْمَقْتُولُ ثَلَاثَةَ بَنِينَ، جُبِرَ الْكَسْرُ عَلَيْهِمْ، فَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا. اخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ أَيْمَانُ الْقَسَامَةِ؛ فَرُوِيَ أَنَّهُ يَحْلِفُ مِنْ الْعَصَبَةِ الْوَارِثُ مِنْهُمْ وَغَيْرُ الْوَارِثِ، خَمْسُونَ رَجُلًا، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمِينًا وَاحِدَةً.
وَهَذَا قَوْلٌ لِمَالِكٍ، فَعَلَى هَذَا، يَحْلِفُ الْوَارِثُ مِنْهُمْ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ دَمَهُ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا خَمْسِينَ، تُمِّمُوا مِنْ سَائِرِ الْعَصَبَةِ، يُؤْخَذُ الْأَقْرَبُ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبُ مِنْ قَبِيلَتِهِ الَّتِي يَنْتَسِبُ إلَيْهَا، وَيُعْرَفُ كَيْفِيَّةُ نَسَبِهِ مِنْ الْمَقْتُولِ، فَأَمَّا مَنْ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ الْقَبِيلَةِ، وَلَمْ يُعْرَفْ وَجْهُ النَّسَبِ، لَمْ يُقْسِمْ؛ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ قُرَشِيًّا وَالْمَقْتُولُ قُرَشِيٌّ، وَلَا يُعْرَفُ كَيْفِيَّةُ نَسَبِهِ مِنْهُ، فَلَا يُقْسِمُ؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ مِنْ آدَمَ وَنُوحٍ، وَكُلُّهُمْ يَرْجِعُونَ إلَى أَبٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ قُتِلَ مَنْ لَا يُعْرَفُ نَسَبُهُ، لَمْ يُقْسِمْ عَنْهُ سَائِرُ النَّاسِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْ نَسَبِهِ خَمْسُونَ، رُدِّدَتْ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ، وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمْ، فَإِنْ انْكَسَرَتْ عَلَيْهِمْ، جُبِرَ كَسْرُهَا عَلَيْهِمْ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسِينَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِلْأَنْصَارِ:«يَحْلِفُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» . وَقَدْ عَلِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ خَمْسُونَ رَجُلًا وَارِثًا، فَإِنَّهُ لَا يَرِثُهُ إلَّا أَخُوهُ، أَوْ مَنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهِ، أَوْ أَقْرَبُ مِنْهُ نَسَبًا، وَلِأَنَّهُ خَاطَبَ بِهَذَا بَنِي عَمِّهِ، وَهُمْ غَيْرُ وَارِثِينَ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا يُقْسِمُ إلَّا الْوَارِثُ، وَتُعْرَضُ الْأَيْمَانُ عَلَى وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ دُونَ غَيْرِهِمْ، عَلَى حَسَبِ مَوَارِيثِهِمْ. هَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ فِي دَعْوَى حَقٍّ، فَلَا تُشْرَعُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، تُقْسَمُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ مِنْ الرِّجَالِ مِنْ ذَوِي الْفُرُوضِ وَالْعَصَبَاتِ عَلَى قَدْرِ إرْثِهِمْ، فَإِنْ انْقَسَمَتْ مِنْ غَيْرِ كَسْرٍ، مِثْلُ أَنْ يُخَلِّفَ الْمَقْتُولُ اثْنَيْنِ، أَوْ أَخًا وَزَوْجًا، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَمِينًا، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةَ بَنِينَ، وَجَدًّا أَوْ أَخَوَيْنِ، جُبِرَ الْكَسْرُ عَلَيْهِمْ، فَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا؛ لِأَنَّ تَكْمِيلَ الْخَمْسِينَ وَاجِبٌ، وَلَا يُمْكِنُ تَبْعِيضُ الْيَمِينِ، وَلَا حَمْلُ بَعْضِهِمْ لَهَا عَنْ بَعْضٍ، فَوَجَبَ تَكْمِيلُ الْيَمِينِ الْمُنْكَسِرَةِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَإِنْ خَلَّفَ أَخًا مِنْ أَبٍ وَأَخًا مِنْ أُمٍّ، فَعَلَى الْأَخِ مِنْ الْأُمِّ سُدُسُ الْأَيْمَانِ، ثُمَّ يُجْبَرُ الْكَسْرُ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ تِسْعُ أَيْمَانٍ، وَعَلَى الْأَخِ مِنْ الْأَبِ اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ. وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ فِي الْآخَرِ: يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُدَّعِينَ خَمْسِينَ يَمِينًا، سَوَاءٌ تَسَاوَوْا فِي الْمِيرَاثِ أَوْ اخْتَلَفُوا فِيهِ؛ لِأَنَّ مَا حَلَفَهُ الْوَاحِدُ إذَا انْفَرَدَ، حَلَفَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ، كَالْيَمِينِ الْوَاحِدَةِ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى، وَعَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: يُنْظَرُ إلَى مَنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْيَمِينِ. فَيُجْبَرُ عَلَيْهِ، وَيَسْقُطُ عَنْ الْآخَرِ. وَلَنَا، عَلَى أَنَّ الْخَمْسِينَ تُقْسَمُ بَيْنَهُمْ، قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِلْأَنْصَارِ:«تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» .
وَأَكْثَرُ مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي الْأَيْمَانِ خَمْسُونَ، وَلَوْ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ خَمْسِينَ، لَكَانَتْ مِائَةً وَمِائَتَيْنِ، وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ؛ وَلِأَنَّهَا حُجَّةٌ لِلْمُدَّعِينَ، فَلَمْ تَزِدْ عَلَى مَا يُشْرَعُ فِي حَقِّ الْوَاحِدِ، كَالْبَيِّنَةِ،