الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الربع الثالث من الحزب الثالث والعشرين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
حصة هذا اليوم تتناول الربع الثالث من الحزب الثالث والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى:{وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} إلى قوله تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} .
ــ
في بداية هذا الربع يواصل كتاب الله الحديث عن المرحلة الأخيرة من قصة نوح عليه السلام. ويحكي لنا أن نوحا عندما أراد أن يركب السفينة التي صنعها بوحي من ربه لم ينس ما عليه من واجب الشكر لله، والتوكل على الله، فأمر المتأهبين للركوب معه عند ركوبهم " سفينة النجاة " أن يذكروا عند ركوبهم اسم الله عليها، وأن يحصنوها باسمه الأقدس من كل سوء ينزل بها، حتى يتم جري سفينة نوح ورسوها في أحسن الأحوال، ولا ينالها أي أذى من الأمواج المتلاطمة والشامخة كالجبال، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى:{وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ} .
ثم وصف كتاب الله نداء نوح لابنه الذي أصر على الكفر، وما دار بينهما من حوار مؤثر في تلك الفترة العصيبة. ومنه يبدو الصراع الداخلي الذي كان قائما بين عاطفة نوح بصفته مجرد (أب عادي)، وواجبه بصفته (رسولا عن الله). فقد ظن نوح عليه السلام أن الاستثناء الذي ورد في قوله تعالى:{إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} بعد قوله تعالى: {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ} إنما هو منصب على ما أمر بحمله معه من أصناف الأحياء المختلفة، بمعنى أن منها ما أذن الله بحمله معه في السفينة ليستمر بقاؤه في العالم، ومنها ما سبق عليه القضاء بالغرق والانقراض نهائيا، ولم يعتقد نوح عليه السلام أن الاستثناء الوارد في قوله تعالى:{إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} منصب حتى على أهله أنفسهم، فمنهم من أذن له بأخذه في السفينة، كأبنائه الثلاثة:(سام وحام ويافث)، ومنهم من لا حظ له فيها كامرأة نوح وابنه الرابع (يام).
وبمقتضى هذا التأويل أخذ نوح ينادي ابنه ليفارق الكافرين من قومه، ويلتحق به في " سفينة النجاة "، فما كان من ابنه المصر على الكفر إلا أن فضل البقاء حيث هو، ظانا أن في إمكانه النجاة من الطوفان إذا اعتصم بالجبل.
ولم يسَعْ نوحاً - وهو الناصح الأمين الذي طالما أسدى النصح للبعيد والقريب - إلا أن يجدد النصح لابنه، ويؤكد له أنه لا عاصم يعصمه من عذاب الله، وأن الطوفان سيدرك الجميع لا محالة، ولا تنجو منه إلا سفينة النجاة التي صنعها نوح بوحي من
ربه، وركبها ومن معه، متحصنين باسمه الأقدس، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى:{وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} . {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} .
قال القاضي أبو بكر (ابن العربي): " قال علماؤنا: إنما سأل نوح ربه، لأجل قول الله: احمل فيها من كل زوجين -إلى- وأهلك. وترك نوح قوله -إلا من سبق عليه القول- لأنه رآه استثناء عائدا إلى قوله: {مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ}، وحمله الرجاء على ذلك، فأعلمه الله أن الاستثناء عائد إلى الكل، وأنه قد سبق القول على بعض أهله، كما سبق على بعض من الزوجين (أي من كل زوجين اثنين) وأن الذي سبق عليه القول من أهله (أي علاوة على امرأته) هو ابنه، تسلية للخلق في فساد أبنائهم وإن كان آباؤهم صالحين ".
وقال ابن العربي: " قوله تعالى: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} نص في ذكر الله في كل حال وعلى كل أمر، وقد روي الدارقطني وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بذكر الله فهو أبتر). وقال ابن كثير: " ولهذا
تستحب التسمية في ابتداء الأمور، وجاءت السنة بالحث على ذلك والندب إليه ".
أما الدعاء الذي دعا به نوح عليه السلام، عندما استوى على السفينة، بتلقين من ربه، فقد نص عليه كتاب الله في آية أخرى إذ يقول مخاطبا لنبيه نوح:{فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} [المؤمنون: 28، 29].
ووصف كتاب الله كيف أن القدرة الإلهية بمجرد ما أغرقت الظالمين المفسدين في الأرض، الذين جعلوها حلبة للفساد لا للإصلاح، وللظلم لا للعدل، وللكفر لا للإيمان، وإبادتهم عن آخرهم في لحظات معدودة، وجهت في الحين نداءها المسموع المطاع للأرض ببلع مياهها، وللسماء بقطع أمطارها، ولسفينة النجاة بوقوفها وإرسائها، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى بمنتهى الإيجاز والإعجاز:{وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ} أي ابتلعته الأرض في جوفها وغار من سطحها {قُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} أي هلاكا لهم وخسارا، وبعدا من رحمة الله وطردا، فقد هلك الظالمون على عهد نوح عن آخرهم بالطوفان، كما سيهلك خلفهم بوسائل أخرى يختارها القاهر فوق عباده في مستقبل الزمان.
وقد نقل ابن كثير عن قتادة أنه قال: " قد أبقى الله سفينة نوح عليه السلام على الجودي من أرض الجزيرة عبرة وآية، حتى
رآها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة قد كانت بعدها، فهلكت وصارت رمادا ".
ثم تحدث كتاب الله عما أوحى الله به إلى نوح عليه السلام عندما أرست سفينته على الجودي، وما صدر إليه من الإذن بالنزول من السفينة إلى الأرض، مصحوبا فيها بسلام الله، مع البشارة بحلول بركات الله عليه وعلى أمم المؤمنين من ذريته، والإنذار لأمم أخرى ستكفر بالله، فتنال حظها من المتاع في الدنيا ثم يلحقها العذاب الأليم في الآخرة، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى:{قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} . قال محمد بن كعب: " دخل في هذا السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، وكذلك دخل في العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة ".
وعقب كتاب الله على تفاصيل هذه القصة المثيرة، مبينا أنها قد ظلت مطوية تحت أستار الغيب قرونا وقرونا، حتى كشف الوحي الإلهي عنها النقاب، ونزلت في شأنها آيات الكتاب، منبها خاتم الأنبياء والمرسلين إلى العبرة المقصودة، من عرض قصة نوح، بالنسبة للمشركين والمؤمنين، فقال تعالى:{تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} .
وفي هذه القصة نقطة لا بد من الوقوف عندها وقفة خاصة،
فقد رأينا كيف من الله على نوح بنجاة أهله، وأمره بحمل أهله معه في " سفينة النجاة ". قائلا:{احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ} ، وقد رأينا كيف دعا نوح ابنه الذي لم يؤمن بالله إلى مفارقة كفار قومه، واللحاق به في السفينة، باعتباره داخلا في (أهله)، وقد رأينا كيف نادى نوح ربه قائلا {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} ، إلا أن الحق سبحانه وتعالى رد على نبيه نوح عليه السلام ردا قاطعا وصارما، {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} . ثم بين الحق سبحانه وتعالى حيثية ذلك الحكم الإلهي الذي لا معقب له، وأوضح الحكمة المتوخاة منه، حتى لا يبقى حكما غامضا، فقال تعالى:{إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} مما ألقى الأضواء على نوع العلاقة التي لها اعتبار في نظر الشارع، والعلاقة التي لا اعتبار لها، أو لها اعتبار ثانوي جدا.
فهذه الآية تنص صراحة على أن قرابة العقيدة والإيمان هي القرابة الحقيقية والوحيدة، التي لها الاعتبار الأول بين الأقرباء في تكافلهم وتعاونهم، وتحديد مصيرهم المشترك، فإذا انتفت هذه القرابة الروحية والدينية بينهم كانت قرابة الدم المادية في الدرجة الأخيرة من الاعتبار، أو لا اعتبار لها بالمرة، لأن طابع البنوة الصحيح هو أن يكون الابن وارثا سر أبيه، يرث منه خير خصاله، وأفضل خلاله، والروحية منها قبل المادية، فتتصل به سلسلة الصلاح ولا تنقطع، وتنتقل الأمانة عن طريقه من جيل إلى جيل. وهكذا يصبح ابنك الروحي في العقيدة أو أخوك الروحي في الإيمان هو ابنك الحقيقي وأخوك الحق الذي تعتمد عليه بعد الله
تعالى كل الاعتماد، في إدراك المنى وبلوغ المراد.
ولهذا طالب كتاب الله المسلمين بأن يكون الله ورسوله أحب إليهم مما سواهما، وحذر من موالاة العشيرة ومن التودد إلى الأقرباء متى كانوا غير إخوان في العقيدة والدين، فقال تعالى:{لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22] فالبغض في الله والحب في الله من الإيمان كما جاء في الأثر.
ومن قصة نوح عادت الآيات الكريمة للحديث عن قصة هود مع قومه عاد، فقال تعالى:{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ * يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ} .
وأشارت نفس الآيات إلى جواب عاد لهود {قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} .
وبين كتاب الله مصير عاد بعد إصرارهم على الكفر بالله، والتكذيب برسالة هود، وما أكرم الله به هودا والذين آمنوا معه من النجاة والرحمات، فقال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ * وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ}.
وهكذا رأينا مرة أخرى أن الدعوة التي يدعو إليها الأنبياء والرسل دعوة واحدة، يجددها الواحد بعد الآخر، وأن موقف خصوم الأنبياء والرسل موقف واحد يقلد فيه بعضهم بعضا، ويتوارثونه خلفا عن سلف، كما رأينا أن مصير أهل الفسق والكفر مصير واحد هو الخسران المبين والعذاب الأليم، ومصير أهل التقوى والإيمان مصير واحد هو الرضوان الأكبر والفوز العظيم.