الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الربع الثاني من الحزب الواحد والعشرين
في المصحف الشريف (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نتناول الربع الثاني من الحزب الواحد والعشرين، ابتداء من قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} إلى قوله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}
ــ
بعدما وجه كتاب الله في هذه السورة -سورة التوبة- الخطاب تلو الخطاب إلى المؤمنين الصادقين يستنفرهم خفافا وثقالا للقيام بواجب الجهاد في سبيل الله، إعلاء لكلمة الله، ونشرا لدينه بين الناس، حتى يدخلوا في دين الله أفواجا، حملت أول آية في هذا الربع أعظم بشرى إلى المؤمنين، بشرى إلى من جاهد في سبيل الله، ثم قضى نحبه فداء للإسلام، وبشرى إلى من جاهد في سبيل الله ولا يزال ينتظر لقاء الله في مستقبل الأيام، وهذه بشرى تقتضي أن الله تعالى -تفضلا منه وكرما- قد عامل المؤمنين معاملة خاصة لا تخطر على قلب بشر، فيها غنم كبير، وربح عظيم، لا يعدلهما غنم ولا ربح.
وتتلخص هذه المعاملة الرابحة في بيع المؤمن نفسه وماله لربه، مقابل عوض يتناسب مع كرم الله وسعة غناه، عوض لا يقدر بثمن، ولا يحد بزمن، يناله المؤمن من ربه، ألا وهو دخول الجنة والخلود في دار النعيم، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا:{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} . فهذه الآية الكريمة تتحدث عن اشتراء الله من عباده المؤمنين أنفسهم وأموالهم، وكأنهم مالكون حقيقيون لتلك الأنفس وتلك الأموال، وكأن أنفسهم وأموالهم ملك خالص لهم، وكأنه لا دخل لله لا في خلقهم ولا في رزقهم، بينما الحقيقة والواقع أن أنفس المؤمنين وأموالهم كغيرها من الأنفس والأموال إنما هي مجرد عطاء من الله، ومحض هبة منه لعباده، إذ لو شاء الله لأبقاهم في حيز العدم ولم يخرجهم إلى حيز الوجود، ولو شاء الله لأوجدهم ثم حرمهم من الرزق، وجعلهم عالة يتكففون الناس، فهو سبحانه المنعم عليهم بنعمة الإيجاد أولا، وبنعمة الإمداد ثانيا، ومع ذلك ها هو الحق سبحانه وتعالى يتكرم عليهم كرما ولا كرم فوقه، فيعاملهم أكرم معاملة، ويعاوضهم على ما أنعم به عليهم في الدنيا بنعمة أجل وأعظم، وأخلد وأبقى في الدار الآخرة، وذلك هو منتهى الكرم وغاية الإحسان، الذي يعجز عن تصوره الإنسان.
روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه لما قرأ هذه الآية قال
معجبا بكرم الله: " ثامنهم -والله- وأغلى الثمن " يريد أن الله تعالى أعطاهم أكثر مما يستحقون، وأن الربح لم يأت على مقدار الشراء، بل زاد عليه وأربى.
ومثل هذا القول يروى عن قتادة والحسن البصري، وقال شمر بن عطية:" ما من مسلم إلا ولله عز وجل في عنقه بيعة، وفى بها أو مات عليها " ثم قرأ هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} .
وقوله تعالى: {يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} معناه أن الله تعالى تعهد لهم بالجنة، سواء قتلوا وعادوا بالأجر والغنيمة، أو قتلوا وفازوا بالأجر والشهادة، أو اجتمع لهم هذا وهذا فنالوا الحسنيين ما دام ذلك كله في سبيل الله، ولإعلاء كلمة الله.
وفيه أيضا إشارة إلى أن المؤمن الذي يقدم نفسه وماله للجهاد في سبيل الله يكون معنويا وماديا على كامل الاستعداد للتضحية والفداء، بحيث يجود بنفسه دون أدنى تحفظ ولا حساب، كيفما كانت النتيجة المرتقبة، وهذه الروح الفدائية العليا هي التي نوه بها كتاب الله ومدحها هنا إذ قال:{فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} .
ومن أجل هذا المعنى وصف المؤمن المقتول في الجهاد في سبيل الله بأنه " شهيد "، لأن إقدامه على الجود بنفسه في سبيل الله هو أقوى دليل يدل على قوة إيمانه، وصدق يقينه، وأكبر شهادة تشهد له على اعتزازه بدينه، وحماسه لملته، ووفائه لربه
بالبيعة التي في عنقه. أضف إلى ذلك أن الله وملائكته والمؤمنين يشهدون له بالجنة، مصداقا لقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} .
وقوله تعالى: {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ} تأكيدا لهذا الوعد الإلهي الناجز، وإشارة إلى أنه وعد قديم كتبه الحق سبحانه وتعالى على نفسه تفضلا وكرما، وكلف النبيئين والمرسلين بتبليغ بشراه إلى كافة المؤمنين. والتنصيص على التوراة والإنجيل والقرآن في هذا السياق إنما هو تخصيص بالذكر لأشهر الكتب المنزلة التي تضمنت هذا الوعد الإلهي الكريم.
وقوله تعالى: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} خطاب من الله تعالى لمن بذلوا النفس والنفيس في سبيله، واعتبروا إعلاء كلمته في الأرض هو أعلى مثل يكرسون له جهودهم، ويصرفون فيه حياتهم، وفحوى هذا الخطاب تبشيرهم من جانب الحق سبحانه وتعالى بتصديقه التام على معاملتهم معه، ورضاه عنها وعنهم كامل الرضا، وتهنئتهم بما نالوه من الكسب الذي لا كسب فوقه، والربح الذي لا ربح بعده {وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} .
ومن هذا السياق انتقل كتاب الله إلى وصف المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم، والذين أعدتهم الأقدار ليكونوا جند الله وحزبه في كل جيل، فقال تعالى في وصفهم تمييزا لهم عن غيرهم: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ
السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ}.
فوصف (التائبين) يقتضي أنهم متمسكون بطاعة الله لا يقربون معصيته، وأنهم إذا فرط منهم ذنب عن غفلة وجهالة ذكروا الله في الحين فاستغفروا لذنوبهم.
ووصف (العابدين) يقتضي أنهم قائمون بعبادة الله محافظون عليها قولا وفعلا، وأنهم لا يقصدون من ورائها إلا وجه الله وابتغاء مرضاته.
ووصف (الحامدين) يقتضي أنهم يصرفون نعمة الله التي ينعم بها عليهم في طاعته، وأنهم لا يسخطون أبدا ولا يتبرمون بقضائه كيفما كان.
ووصف (السائحين) يقتضي أنهم محافظون على فريضة الصيام، لا يهملون القيام بها، وإن تغيرت الفصول والأعوام. روي عن ابن عباس أنه قال:" كلما ذكر الله السياحة في القرآن فالمراد بها الصوم والصائمون ". وقالت عائشة: " سياحة هذه الأمة الصيام ". وقال الحسن البصري: " السائحون هم الصائمون شهر رمضان ". وبهذا المعنى ورد قوله تعالى: {سَائِحَاتٍ} أي صائمات في قوله تعالى في سورة التحريم المدنية أيضا: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ} [الآية: 5].
قال الحافظ ابن كثير: " وليس المراد من السياحة ما قد
يفهمه بعض من يتعبد بمجرد السياحة في الأرض، والتفرد في شواهق الجبال والكهوف والبراري، فإن هذا العمل ليس بمشروع إلا في أيام الفتن والزلازل في الدين، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال -أي أعاليها وقممها- ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن).
وقال القاضي أبو بكر " ابن العربي ": " والسائحون هم الصائمون في هذه الملة، حتى فسد الزمان، فصارت السياحة هي الخروج من الأرض عن الخلق، لعموم الفساد، وغلبة الحرام، وظهور المنكر، ولو وسعتني الأرض لخرجت فيها، لكن الفساد قد غلب عليها، ففي كل واد بنو نحس " هكذا يقول ابن العربي بالحرف الواحد.
ووصف (الراكعين الساجدين) يقتضي أنهم يقيمون الصلاة ويحافظون عليها دون أي كسل أو تهاون أو إهمال.
ووصف (الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر) يقتضي أنهم هداة مرشدون، يجهرون بالحق ولا يخافون لومة لائم، ويقفون في وجه العصاة والفاسقين، حماية للأمة والملة من انتشار المعاصي والفواحش، وحذرا مما يتبعها من غضب الله على العباد والبلاد.
ووصف (الحافظين لحدود الله) يقتضي أنهم كما قاموا بعبادة الحق، ولم يهملوا نصيحة الخلق، امتثلوا الأوامر واجتنبوا
النواهي، ولم يتعدوا حدود الله، فأدوا ما عليهم من حقوق الله وحقوق الإنسان، ولم يخلوا بشيء منها، وهذا الوصف العام الجامع المانع هو وسام الشرف وخاتمة البيان.
وبعد ما عدد كتاب الله الأوصاف الرئيسية والمميزة للمؤمنين في أجمل صورهم، وأكمل أحوالهم، عقب على ذلك بتجديد البشرى لهم مرة أخرى، هبة من الله وإكراما، فقال تعالى:{وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} ويا سعد من حلت بساحته البشرى من الله، وأحل عليه رضوان الله. قال القاضي أبو بكر (ابن العربي): " وقوله {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} أي بشرهم بثوابي إذا كانوا على هذه الصفة
…
فأما نفس لا تكون هكذا ولا تتحلى بهذه الحلى، فلا يبذل فيها فلس، فكيف الجنة؟ ".
وفي هذا الربع نفسه تولى كتاب الله الحديث عن قصة الثلاثة الذين خلفوا، وعن توبتهم التي سارت بذكرها الركبان، وسجلها الوحي بأحرف من نور في سور القرآن، حتى سميت بها هذه السورة الكريمة " سورة التوبة ".
وإلى هذه القصة يشير قوله تعالى: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} .
وخلاصة هذه القصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى غزوة تبوك حين طابت الثمار، وبردت الظلال، وخرج في حر شديد، وهي
" العسرة " التي افتضح فيها الناس، وكان ممن تخلف عنه ثلاثة: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي. فلما قفل رسول الله من غزوة تبوك دخل إلى المسجد، فجاء من تخلف عنه يعتذرون إليه وهم ثمانون رجلا، فقبل النبي ظاهر حالهم ووكل سرائرهم إلى الله، إلا هؤلاء الثلاثة فإنهم لم يعتذروا، وصدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة أمرهم، وكان مما قاله له أحدهم، وهو كعب بن مالك:" يا رسول الله لو جلست عند غيرك لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر، لكني والله لقد علمت لئن حدثتك بحديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك بصدق تجد علي فيه أني لأرجو عقبى ذلك من الله عز وجل، والله يا رسول الله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك ". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك). قال كعب بن مالك وهو يروي تمام القصة كما وردت في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من كتب السنة: " فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا نحن الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف بالأسواق، فلا يكلمني منهم أحد، وآتي رسول الله وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأسلم عليه وأقول في نفسي: أحرك رسول الله شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت
على صلاتي (وهو جالس) نظر إلي، فإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي هجر المسلمين
…
ومضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا برسول رسول الله يأتيني يقول:" يأمرك رسول الله أن تعتزل امرأتك " فقلت له: " أطلقها أم ماذا أفعل؟ " فقال: " بل اعتزلها ولا تقربها ". وأرسل رسول الله إلى صاحبي بمثل ذلك
…
فلبثنا على هذا الحال عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا، ثم صليت صلاة الصبح صباح الخمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى (في هذه الآية) قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صارخا أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته:" أبشر يا كعب بن مالك، أبشر " فخررت ساجدا لله، وعرفت أن قد جاء الفرج من الله عز وجل بالتوبة علينا، فأعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم توبة الله علينا، وأعلم بها المسلمين حين صلى الفجر، فأقبل الناس يبشروننا، ولما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك يومئذ غيرهما، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أؤم رسول الله -أي أقصده- وتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بتوبة الله، يقولون: ليهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله جالس في المسجد والناس حوله، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره - وكان كعب لا ينساها لطلحة- فلما سلمت على رسول الله قال وهو يبرق وجهه من السرور:" أبشر يا كعب بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ". فقلت: أمن عندك
يا رسول الله أم من عند الله؟ فقال: " لا بل من عند الله ". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، حتى يعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله:" إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ". فقال عليه السلام: " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ". فقلت يا رسول الله: " إنما نجاني الله بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله عز وجل فيما بقي ".
فهذه هي قصة " الثلاثة الذي خلفوا " كما حكاها كعب بن مالك أحد الثلاثة، ورواها البخاري ومسلم في الصحيحين وغيرهما من أئمة الحديث، وهي أحسن تفسير لقوله تعالى في هذه السورة {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} أي خلفوا عن بقية المعتذرين الذين حلفوا واعتذروا، لأن هؤلاء الثلاثة فضلوا الصدق على الحلف، فلم يحلفوا ولم يعتذروا وصدقوا الله ورسوله، وقضوا خمسين ليلة مهجورين من الرسول والمؤمنين وهم صابرون ينتظرون فرج الله، وعفوه عنهم، وقبول توبتهم، إلى أن نزل بقبول توبتهم الوحي من عند الله {حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} أي مع سعتها {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ} والظن هنا بمعنى اليقين {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}. قال القاضي أبو بكر " ابن العربي ": " وفيه دليل على أن للإمام أن يعاقب
المذنب بتحريم كلامه على الناس أدبا له ".
وتنويها بصدق الثلاثة الذين خلفوا، والتزامهم للصدق دون انحراف ولا تراجع ختم كتاب الله الحديث عن قصتهم بقوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} .