الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الربع الثالث من الحزب التاسع والعشرين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نتناول الربع الثالث من الحزب التاسع والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى:{قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} إلى قوله تعالى: {أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا} .
ــ
في نهاية الربع الماضي حكى كتاب الله عن منكري البعث ما يخامرهم من شك وريب في النشأة الآخرة، وكيف يستغربون عودة الحياة إليهم بعد البلى والفناء، وفي بداية هذا الربع رد الله على منكري البعث ردا مفحما قاطعا، مؤكدا إمكان البعث ووقوعه بأمر الله الذي فطر السماوات والأرض، وذلك قوله تعالى حكاية عنهم فيما سبق:{وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} ، وقوله تعالى هنا ردا عليهم:{قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} ، والآية الكريمة تشير إلى أنه حتى على
فرض أن الإنسان مكون تكوين الجمادات كالحديد والحجارة، لا تكوين الأحياء الذين تبقى منهم بعد الموت بقايا العظام والرفات، فإن قدرة الله لا تعجز عن نفخ الحياة فيه بعد الموت، كما نفخت فيه الحياة وأوجدته من العدم عند نشأته الأولى، فالقدرة الإلهية متى اتجهت إلى تكوين أي شيء كان حتما {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} .
ونبه كتاب الله إلى أن الإنسان مهما تلكأ وتشكك وطال به الأمد فإنه سيبعث من مرقده لا محالة، وأنه لا مناص له من تلبية النداء الإلهي والاستجابة إليه يوم البعث والجمع للحساب، فقال تعالى:{يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا} . وقوله تعالى {بِحَمْدِهِ} بعد قوله {فَتَسْتَجِيبُونَ} إشارة إلى أن أشد الناس إنكارا للبعث وإلحادا فيه لا يسعهم إلا أن يستجيبوا لدعوة الله عندما تدق الساعة، راضين غير ساخطين، مطيعين غير متمردين، على خلاف ما كانوا عليه في الدنيا من شك في البعث، وإنكار الحساب.
وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن وصية إلهية أخرى تندرج في جملة ما أوحاه الله إلى نبيه من " الحكمة "، فقال تعالى مخاطبا رسوله ليبلغ خطابه إلى المؤمنين:{وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وهذا نداء موجه من الحق سبحانه وتعالى إلى كل من يعتز بالعبودية لله ويتمسك بطاعته، {وَقُلْ لِعِبَادِي} أي يختاروا الكلمة التي هي أحسن على الكلمة التي هي دونها حسنا، في جميع مخاطباتهم وعلاقاتهم مع الناس، ولو كان المخاطبون
مشركين أو كتابيين، فما بالك بإخوانهم المؤمنين. وعرض كتاب الله في هذا السياق مثالا من أمثلة الكلمة التي هي أحسن، لتكون نموذجا للأسوة والإقتداء، وهذا المثال هو قوله تعالى على لسان عباده المؤمنين لمخالفيهم في العقيدة والدين:{رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ} على غرار قوله تعالى في آية أخرى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سبأ: 24].
وقوله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ} آية معترضة بين قوله " التي هي أحسن " وقوله " ربكم أعلم بكم " جيء بها مبالغة في تحذير المؤمنين من فلتات اللسان، التي تعد من أخطر مصايد الشيطان، لأنها توغر صدر الإنسان على أخيه الإنسان {إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} .
وقوله تعالى هنا: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ} يشبه قوله تعالى في سورة البقرة: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [الآية: 253]، والمفاضلة بين الأنبياء والرسل لا تمس جوهر النبوة في حقيقتها، ولا طبيعة الرسالة في حد ذاتها، وإنما تتعلق بجوانب زائدة على ذلك، كالأزمنة التي يظهرون فيها، والأمكنة التي يبعثون بها، والأقوام الذين يبعثون إليهم، ونوع الدعوة المطالب كل منهم بتبليغها، وأسلوب الدعوة المستعمل فيها، ومبلغ النجاح الذي يصادف تلك الدعوة، وعدد الأتباع الذين يؤمنون بها ويكيفون حياتهم بموجبها. وذكر الزبور في قوله تعالى هنا:{وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} تلميح إلى ما تضمنه
" الزبور " من التبشير بخاتم الأنبياء والمرسلين، والتبشير بأمته التي هي في عداد الصالحين، مما أشار إليه كتاب الله في آية أخرى:{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105].
وانتقل كتاب الله إلى تسفيه رأي كل من يلجأ إلى غير الله، أو يتعلق بغيره في جلب نفع أو دفع ضر، ناسيا أنه لا ملجأ من الله إلا إليه، وأنه يجيب المضطر إذا دعاه، ولا يخيب من اعتمد عليه، وذلك معنى قوله تعالى هنا:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا} .
ثم مضى كتاب الله يبين أن أهل المقامات العلية الذين تعقد عليهم الآمال، وتناط بهم الآمال، عند عامة الناس، هم أنفسهم واقفون بباب الله، يتسابقون فيما بينهم إلى طاعة الله، ويلاحق كل منهم الآخر في ابتغاء رضاه، ليكون أقرب إلى مولاه، وقلوبهم جميعا معلقة بين جناحي الخوف والرجاء، في حالتي السراء والضراء، وذلك معنى قوله تعالى هنا في هذا السياق:{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ} أي أولئك الذين يتوجه اليهم الناس بالدعاء هم أنفسهم {يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} ، و " الوسيلة " هنا هي " القربة " كما قال قتادة، واختاره ابن جرير الطبري {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} . وإذا كان هذا حال المقربين إلى الله فالأولى والأضمن لغيرهم من بقية الناس أن يتجهوا رأسا إلى الله تعالى لكشف غمتهم، وقضاء حاجتهم، إذ لا حجاب بين الله وبين خلقه {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ
لَكُمْ} [غافر: 60]- {وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء: 20].
ووصف كتاب الله في هذا الربع صورة من صور الخلق عندما يركبون البحر ابتغاء التجارة والربح، عن طريق نقل بضائعهم ومحاصيلهم على ظهر الفلك، وما يلحقهم من الجزع ويصيبهم من الفزع عند تغير أحواله، ومفاجأة أهواله، فلا يجدون ملجئا إلا الله، وينسون كل ما سواه، وذلك قوله تعالى:{رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ} أي يسيرها ويجريها {لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} أي بدلا من أن يشكر الإنسان نعمة الله عليه، إذ استجاب دعاءه، ولبى نداءه، يكفر حينا بنعمة الله الذي نجاه، وينسى العون الذي قدمه له مولاه، وكان الأولى به والأوفق له أن يقف ببابه، ملازما لأعتابه، في البر والبحر، في الشدة والرخاء، إذ لا مانع يمنع القدرة الإلهية من تسليط العذاب عليه مرة أخرى، برا أو بحرا، ما دام الإنسان قد أمعن في ضلاله وازداد جهلا وكفرا {أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا} أي ريحا ترميكم بالحصباء من فوق رؤوسكم {ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا * أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى} أي أن ترجعوا وتركبوا البحر الذي نجاكم منه أولا {فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا} أي لا تجدوا علينا أدنى حجة ولا متابعة، فمن كان مصرا على
الكفر بالنعمة أصبح أهلا لكل نقمة.
وأعاد كتاب الله في هذا الربع الحديث عن قصة آدم وإبليس، ووصف أنواع المغريات التي يغري بها إبليس أتباعه من الناس، تحذيرا للمؤمنين من إبليس، ومغرياته، وتعريفا لهم بعداوته ومؤامراته، حتى لا يقعوا في شباك إبليس، ولا يستسلموا إلى ما يصطنعه من وسائل التزييف والتدليس، فقال تعالى:{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ} أي إبليس مخاطبا الحق سبحانه وتعالى: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} أي لأستولين عليهم ولأغوينهم، إلا قليلا منهم.
وقوله هنا: {هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} يؤكد معرفة إبليس بتفضيل الله لآدم وذريته، ويوضح السر في حقده عليه وعداوته، لكنه بالرغم من ذلك سيحاول إيقاع الإنسان في شبكته، وسيحاول الاستيلاء عليه عن طريق شهوته، ولذلك أعلن كتاب الله حكمه القاطع الرادع لمن رضي لنفسه أن يكون من أتباع إبليس {قَالَ} أي الحق سبحانه وتعالى {اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا} .
وكشف كتاب الله الستار عن بعض الوسائل التي يتوسل بها إبليس إلى إغواء الخلق، فقال تعالى في صيغة الزجر والتهديد:{وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} ، ويصدق هذا على
الأغاني المثيرة والمزامير المهيجة، التي تضج بها أندية الليل وأوكار الفساد، كما يصدق على الخطب والتصريحات، التي تثير الفتن بين الأفراد والجماعات، ثم قال:{وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} ، ويصدق هذا على الحروب العدوانية، والفتن الداخلية، {وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} ، قال الزجاج:" كل معصية في مال وولد فإبليس شريكهم فيها ". ويصدق هذا على الأموال والمكاسب المحرمة، والمعاملات الفاسدة، والأموال التي تنفق في اللهو والمجون، والفسوق والفجور، كما يصدق في " الأولاد " على الأولاد الذين يقع إنجابهم بالسبب الحرام، أو يطلب آباؤهم الحصول عليهم عن طريق النذر الحرام، أو يقع استعمالهم في العمل الحرام، ويندرج تحت هذه الآية " أولاد الغير " الذين يقع تبنيهم وإدماجهم في سجل " الحالة المدنية "، فتختلط بسبب تبنيهم الباطل الأنساب والأرحام. وهذه إنما هي أمثلة لبعض ما تصدق عليه الآية الكريمة من فنون الإغواء والإغراء التي يتعرض لها أتباع إبليس، من عشاق الشهوات، وأسراء اللذات.
وقوله تعالى هنا: {وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} يفسره ويؤكده قوله تعالى في آية أخرى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} [إبراهيم: 22]. نعم إن لله عبادا " مخلصين " تعهد الحق سبحانه وتعالى بحمايتهم من إغواء إبليس، وبحفظهم من إغرائه، وواضح أنهم لم يستحقوا أن
يضافوا إلى اسمه الأعلى وجنابه الأقدس، إلا بعد أن جاوزوا القنطرة، وفارقوا منطقة الخطر، فقال تعالى في شأنهم وهو أصدق القائلين:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا} .