الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الربع الأول من الحزب الخامس والعشرين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
حصة هذا اليوم تتناول الربع الأول من الحزب الخامس والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى:{وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} إلى قوله تعالى: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} .
ــ
في بداية هذا الربع أورد كتاب الله ضمن ما حكاه من كلام امرأة العزيز اعتذارها الصريح عما أصابها من نزغات الشيطان، إذ قالت:{وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} فهذا الاعتذار على لسانها، بعد اعترافها ببراءة يوسف مندرج في كلامها، فحكاه كتاب الله في جملة ما حكى من أقوالها. قال ابن كثير:" وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام، وقد حكاه المارودي في تفسيره، وانتدب لنصره الإمام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله، فأفرده بتصنيف على حِدَة ".
وقوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} إشارة إلى قرار ملك مصر، الصادر بجعل يوسف من حاشيته وخاصته، وأهل مشورته ووزارته، تقديرا لمواهبه، وانتفاعا بملكاته.
وقوله تعالى: {فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} إشارة إلى ما قاله الملك ليوسف عند تنصيبه له، وتعريفه إياه بأنه قد أصبح يتمتع لدى ملكه بسلطة ونفوذ، فهو {مَكِينٌ} أي متمكن وذو سلطان، وهو في نفس الوقت {أَمِينٌ} أي مؤتمن على شؤون الدولة، التي أصبح من كبار رجالها، وصفة (الأمانة) صفة أساسية في كل من يراد الانتفاع بمشورتهم ونصيحتهم، إذ " المستشار مؤتمن ".
وقوله تعالى: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} هذا ليس طلبا من يوسف للولاية من أصلها، فقد ولاه الملك بمجرد ما دعاه إليه وقال:{ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} ، وإنما هو تنبيه من يوسف للملك إلى نوع العمل الخاص الذي يرى نفسه أهلا للقيام به، بعد تكليفه من طرف الملك تكليفا عاما، فقد كان يوسف يعلم أن مصر مقبلة على أيام شدة وأيام رخاء، كما فهمه من رؤيا الملك التي عبرها له أحسن تعبير، وكان يحس من أعماق نفسه أنه إذا وضعت خزائن مصر تحت إشرافه المباشر تصرف في غلاتها التصرف الأحوط والأرشد والأصلح لعموم الناس، واستعد الاستعداد اللازم للطوارئ المنتظرة في السنوات المقبلة.
فلفت نظر الملك إلى نوع المسؤولية التي يستطيع تحملها على بينة وعن جدارة، حتى لا يكلفه الملك بمسؤولية أخرى يكون حظ نجاحه فيها أقل.
وقوله في هذا السياق {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} تبرير منه لهذا الاختيار، فهو يعرف من نفسه أنه موصوف بالحفظ والصيانة، اللازمين لكل خزانة، وهو على خبرة بالعلم المناسب لهذا النوع من العمل، ولكل عمل علمه الخاص به. وقد اعتمد يوسف في مجال المسؤولية والخدمة العامة على ما أكرمه الله به من حفظ وعلم، وهما من الخصال المعنوية البحتة، ولم يعرج مطلقا على ما آتاه الله من حسن وحسب ونسب، إذ لا دخل لها في الموضوع.
وهذا المعنى الذي فسرنا به الآية لا يتعارض في شيء مع قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمان بن سمرة فيما رواه مسلم: (لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها)، ولا مع قوله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر رواه مسلم أيضا (إنا لا نستعمل على عملنا من أراده). إذ موضوع الحديثين هو التهالك على الولاية العامة وطلبها من أصلها، لا مجرد اختيار نوع العمل، بعد الاستدعاء لها والتكليف بها.
وتساءل البعض كيف استجاز يوسف عليه السلام لنفسه أن يَقبَل الولايةَ من كافر، وأجيب عنه بأنه يجوز للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر، إذا علم أنه يُصلِح بعضَ الأحوال " نص على ذلك أبو القاسم ابن جُزّي في تفسيره ". كما أجيب عنه بأن
معاملة الأنبياء لغيرهم لم تكن على وتيرة واحدة، بل كانت أحيانا بالسلطة والاستعلاء، وأحيانا بالسياسة والابتلاء، وهذا منها، كما نص عليه أبو بكر (ابن العربي) في أحكام القرآن.
وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ} إشارة إلى ما أكرم الله به يوسف من الحرية والسعة والنفوذ والتصرف في أرض مصر، بعدما ابتلاه فيها بالرق والضيق والسجن الطويل. ثم عقب كتاب الله على ذلك بقوله:{نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} ، إشارة إلى الفرج والنصر، اللذين يأتيان في أعقاب الثبات والصبر.
وقوله تعالى: {وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} إشارة إلى قدوم إخوة يوسف إلى مصر بقصد الحصول على القوت اللازم لهم، إذ كانت بلاد كنعان حيث يستقر يعقوب عليه السلام قد أصابها القحط والجدب، وكانت أخبار عزيز مصر وإحسانه إلى الناس قد بلغت أصداؤها إليهم، وبهذه المناسبة دخلوا على يوسف وهو في أبهة الرياسة وهيبة السلطة فعرفهم يوسف، دون أن يتعرفوا عليه، على خلاف العادة في الجماعة.
والسر في ذلك أنهم فقدوا يوسف وهو في سن الصبا، فتغيرت ملامح وجهه عما كانت عليه، ومنذ اشتراه العزيز لامرأته واتخذاه فتى لهما كان كالمكتوم عن الناس، ثم أقام محبوسا ما شاء الله أن يقيم، وبطول المدة عمي أمره، وخفي خبره على أبيه
وإخوته. يضاف إلى ذلك أن أحدا منهم لم يكن يتخيل أن يصل الأمر بمثله إلى ما وصل إليه من الجاه والنفوذ ومظاهر السلطان، ثم إن المركز الذي أصبح يحتله في الدولة يدعوهم إلى أن يتهيبوه عند المخاطبة لشدة حاجتهم إليه، وكل هذه الأسباب تجعل تعرفهم عليه، فضلا عن إطالة النظر إليه، أمرا عسيرا، بينما يوسف في هذه الحال متمكن من الأمر، متفرغ الذهن، لا يصعب عليه تأمل ملامحهم وملاحظة أحوالهم {فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} .
وقوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف لأبيهم {يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} إشارة إلى ما طالبهم به يوسف من إحضار أخ لهم من أبيهم، ومراده بذلك أخوه الشقيق (بنيامين) كشرط للسماح لهم بالحصول في المستقبل على التموين الضروري لأسرتهم، وكان هذا الإجراء من يوسف تلطفا في إحضار أخيه ثم لقاء أبيه بالوجوه التي أباحها الله.
ومما تنبغي ملاحظته في هذا السياق استعمال إخوة يوسف - بغية اطمئنان أبيهم يعقوب على أخيهم بنيامين - نفس العبارة التي استعملوها ليطمئن على أخيهم يوسف من قبل، فكما قالوا لأبيهم أولا بخصوص يوسف {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} قالوا لأبيهم أخيرا بخصوص بنيامين شقيق يوسف {فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} . وهذا هو السر فيما رد عليهم به أبوهم يعقوب، إذ قال لهم فيما حكاه عنه كتاب الله {قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ} . ثم عقب على تعهدهم القديم بحفظ يوسف، وتعهدهم الجديد بحفظ أخيه
بنيامين، مؤكدا لهم أن الحافظ من كل سوء على وجه التحقيق هو الله تعالى وحده دون سواه {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} . ثم صارحهم بعد ذلك بأنه لن يغامر بإرسال ابنه بنيامين معهم هذه المرة، إلا إذا أعطوه المواثيق والعهود، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى:{قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} أي إلا أن تغلبوا فلا تطيقون الإتيان به {فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} .
وقوله تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام مخاطبا لأولاده {وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ} تنبيه من يعقوب لأبنائه إلى عدم الدخول إلى مصر من باب واحد، حتى لا يستلفتوا الأنظار، وحتى لا تصيبهم الأعين الشريرة بشررها.
قال ابن قيم الجوزية: " فإن النفس الخبيثة الحاسدة تتكيف بكيفية خبيثة، وتقابل المحسود، فتؤثر فيه بتلك الخاصية، وأشبه الأشياء بهذا: الأفعى، فإن السم كامن فيها بالقوة، فإذا قابلت عدوها انبعثت منها قوة غضبية، وتكيفت نفسها بكيفية خبيثة مؤذية ". وقال القاضي أبو بكر (ابن العربي) ما خلاصته: " لا خلاف بين الموحدين أن العين حق، ومن أبدع ما خلق الله النفس، ركبها في الجسم، وجعلها معلومة للعبد ضرورة، لكنها مجهولة الكيفية، إن جاء ينكرُها لم يقدر، لما يظهر من تأثيرها على البدن وجودا وعدما، وإن أراد المعرفة لها لم يستطع، لأنه لا يعلم لأي شيء ينسبها، ولا على أي معنى يقيسها
…
ولها آثار
يخلقها الباري في الشيء عند تعلقها به، منها العين، وهو معنى يحدث بقدرة الله على جري العادة في المعين إذا أعجب منظره العائن فيلفظ به. ولهذا المعنى نهي العائن عن التلفظ بالإعجاب، لأنه إن لم يتكلم لم يضر اعتقاده عادة. وكذلك سبق من حكمة الله أن العائن إذا برك -أي قال تبارك الله- أسقط قوله بالبركة قوله بالإعجاب، وامتنع ضرره، وإن اغتسل العائن شفي معينه، وهذه خواص شرعية، بحكم إلهية، يشهد لصدقها وجودها كما وصفت " انتهى كلام ابن العربي. وروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين). وفي سنن أبي داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغتسل منه المَعِين).
وقوله تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام في نفس السياق {وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} [الآية: 67] إشارة إلى أن هذا التدبير الذي نصحهم به أبوهم إنما هو تدبير احتياطي مظنون النفع، وإلا فإن الأمر في الحقيقة بيد الله " ولا ينفع حذر من قدر "، ولذلك وقع التعقيب بعده بقوله تعالى:{وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا} . والمعنى أن ذلك الإجراء الذي نصحهم به يعقوب لا يدفع قضاء الله، وإنما هو قضاء لحاجة كانت في نفسه هي شفقته عليهم من أن يصيبهم في هذه المرة ما أصابهم في المرة الأولى،
فيرجعوا إليه وقد فقدوا أخاهم بنيامين، كما رجعوا إليه من قبل وقد فقدوا أخاهم يوسف.
وقوله تعالى: {وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} إشارة إلى ما قابل به يوسف إخوته جميعا من كرم الضيافة وحسن الصلة، وإلى ما قابل به أخاه الشقيق بنيامين بالخصوص من عطف خاص، عندما اختلى به وعرفه بأنه هو أخوه يوسف، وطمأنه على مصيره، رغما عن الإجراءات الظاهرة التي سيتخذها للاحتفاظ به عنده، كرهينة خاصة في مقابل (صاع الملك) الذي سيوجد في رحله، والذي سيكون وضعه فيه بمعرفة يوسف ومساعديه الأقربين، {قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} وذلك في انتظار أول فرصة يستقبل فيها أباه وإخوته جميعا، حيث يرتفع الستار عن آخر مشهد لهذه القصة الخالدة، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى:{كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} .