الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الربع الأول من الحزب السادس والعشرين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
حصة هذا اليوم تتناول الربع الأول من الحزب السادس والعشرين في المصحف الكريم، وبداية قوله تعالى:{أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} ونهايته قوله تعالى: {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ} .
ــ
في الآية الأخيرة من الربع الماضي تحدث كتاب الله عن فريقين لا ثالث لهما ينقسم إليهما الناس بالنسبة لموقفهم من الدعوة والرسالة، الفريق الأول فريق الذين استجابوا لله، والفريق الثاني فريق الذين لم يستجيبوا له، وبين كتاب الله عاقبة الفريق الأول وهي حسن الجزاء، وعاقبة الفريق الثاني وهي سوء الحساب، فقال تعالى:{لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} .
وفي الآية الأولى من حصة اليوم بين كتاب الله أن الفريق الذي استجاب لربه، والفريق الذي لم يستجب إليه، لا يستويان في شيء، بل هما على طرفي نقيض، فالذي آمن بأن ما أنزل إلى الرسول حق وصدق سليم البصر والبصيرة، ولذلك عرف الحق وصدقه واهتدى به، والذي كذب بما أنزل إلى الرسول أعمى البصر والبصيرة لأنه قد عطل جميع ملكاته عن النظر والبحث والمقارنة، وهل يستوي الأعمى والبصير {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} .
ثم تولى كتاب الله وصف النوع المتبصر الذي يوجد عنده استعداد خاص للتأمل والتدبر في آيات الله الكونية والدينية، وحلل الصفات التي تميز بها هذا النوع من الناس، فقال تعالى:{إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} .
وأول صفة وصف الله بها هذا النوع المتبصر المفضل من الناس - وهم {أُولُو الْأَلْبَابِ} في لغة القرآن - هي صفة الوفاء بالعهد، التي تعتبر بالنسبة إلى غيرها بمنزلة الأصل من الفرع، إذ الوفاء بالعهد يستلزم القيام بجميع الفروض والواجبات، والوفاء بكل العقود والالتزامات، والأداء لكافة الحقوق والأمانات، وفي طليعتها العهد الأول الذي أخذه الله على الإنسان، وهو لا يزال في صلب أبيه آدم بالتزام الإيمان، ثم العهد الذي يترتب على
الإقرار بالشهادتين، الذي هو شرط أساسي للدخول في الدين (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله) فإن الإقرار بهما يلزم عهودا، ويربط عقودا، وينشئ تكليفا بعدة أنواع من الالتزامات الشرعية، الأدبية والمادية، ومنها كما قال أبو بكر (ابن العربي):" الوفاء بالعرفان، والانكفاف عن العصيان، والقيام بحق الإحسان "(أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك). وإلى صفة الوفاء هذه يشير قوله تعالى هنا: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ} .
وثاني صفة وصف الله بها من أراد أن يكون من أولي الألباب صفة الحنان والمروءة ورقة الشعور، التي تتجلى في سلوكهم العام، ولاسيما في صلة الأرحام، وبذل المعروف للفقراء والمحتاجين والعطف عليهم، مما يعين على إقامة مجتمع متحاب فاضل ومتكافل، وإلى هذه الصفة يشير قوله تعالى هنا {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} .
وثالث صفة وصف الله بها أولي الألباب أن يكون لهم وجدان حي، قوي الحساسية، عميق الشعور، بحيث يراقبون الله في أعمالهم كل المراقبة، ويحرصون على الاستقامة في أحوالهم كل الحرص، سواء ما كان منها خصوصيا أو عموميا، وإلى هذه الصفة يشير قوله تعالى هنا:{وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} .
ورابع صفة وصف الله بها أولي الألباب أن تكون لهم قدرة على ضبط النفس والصبر الجميل، فهم بالمرصاد دائما لأنفسهم
وشهواتهم، لا يطلقون لها العنان، ويلتزمون إزاءها حدود الاعتدال والمشروعية دون كبت ولا طغيان، وهم في حالة الرخاء صابرون، بحيث لا يطغون ولا يتعدون الحدود، وفي حالة الشدة صابرون، بحيث لا يسخطون على الموجود طمعا في المفقود. وإلى هذه الصفة يشير قوله تعالى هنا:{وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} فهم صابرون عن رضا لا عن سخط، وعن اختيار لا عن مجرد اضطرار، وهم قاصدون بصبرهم وجه الله ورضاه، أولا وأخيرا.
وخامس صفة وصف الله بها أولي الألباب أن يقيموا الصلاة، أي يقوموا بها على وجهها الكامل، بحيث لا يتركونها ولا يهملونها، ولا يقومون إليها كسالى، فهم على صلة بالله دون انقطاع، يناجونه ويشكرونه، ويؤدون حقه، ويطلبون عونه على الدوام والاستمرار، وإلى هذه الصفة يشير قوله تعالى هنا:{وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} .
وسادس صفة وصف الله بها أولي الألباب أن يحسنوا التصرف فيما آتاهم الله من رزق، وائتمنهم عليه من مال، بحيث يكونون أسخياء النفوس، ذوي فتوة وشهامة وكرم، يعتبرون المال وسيلة لا غاية، وغايته نفعهم ونفع الناس أجمعين، ولذلك فهم لا يبخلون بإنفاقه في وجوه الخير، وسبل النفع، وهم ينفقونه سرا كما ينفقونه علانية، حسب الظروف الطارئة والحاجات الملحة، والوضع الذي يكون فيه المنفق والمنفق عليه، لا يتقيدون بوجه دون وجه، ولا باب دون باب، فلأزواجهم وأولادهم وأقربائهم من أموالهم حظ معلوم، كما أن فيها حقا ثابتا للسائل والمحروم،
وإلى هذه الصفة يشير قوله تعالى هنا: {وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} .
وسابع صفة وصف الله بها أولي الألباب، أن يكونوا على درجة كافية من الانتباه الشديد، والمحافظة على رصيدهم الخاص من الحسنات، حتى يظل رصيدا لا عجز فيه ولا تطغى عليه السيئات، بحيث يكونون ذوي وعي عميق وانتباه تام، وولوع بمحاسبة أنفسهم ونقدها الذاتي على الدوام، وهكذا كلما عملوا سوءا بجهالة أو تحت تأثير نزوة من النزوات، اهتموا بأن يعملوا في أعقابه مباشرة ما يمحو أثره، ويزيل مفعوله، من صالح الحسنات. وإذا أساء إليهم مسيء لم يقابلوا إساءته بالمثل، بل قابلوا إساءته بالإحسان، مساهمة منهم في وضع حد لروح الشر والعدوان، وإشاعة لروح التسامح والغفران، وإلى هذه الصفة يشير قوله تعالى هنا:{وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} أي يدفعون السيئة بالحسنة، مصداقا لقوله تعالى في آية ثانية {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114]، وقوله تعالى في آية ثالثة:{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34]، وقوله تعالى في آية رابعة:{وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63].
فهذه هي الصفات الرئيسية التي يعتبر من اتصف بها في نظر الإسلام - طبقا لمعيار الذكر الحكيم - من " أولي الألباب " أي من أصحاب العقول الناضجة والأفكار السليمة، وبقدر ما ينقص منها عند الشخص يكون ناقص العقل، فاقد اللب، غير معدود
في عداد العقلاء الراشدين، فمن أراد أن يعرف نفسه أهو في عداد العقلاء الراشدين، أم في عداد السفهاء والحمقى والمجانين، فليعيرها بمعيار القرآن، فإنه خير معيار يعير به النقصان والرجحان في ميزان الإيمان. قال القاضي عبد الجبار: " حكى بعض الأئمة أنه سئل عن وصف {المؤمن} فتلا هذه الآية {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ} إلى آخرها.
وبعدما حلل كتاب الله الصفات المعتبرة في أولي الألباب من المؤمنين الصادقين عرج على وصف ما ينتظرهم وينتظر الصالحين من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم من النعيم المقيم في دار السلام، فقال تعالى:{جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} .
وقوله تعالى في هذا السياق: {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} فيه إشارة واضحة إلى أن البيئة التي تشيع فيها مثل هذه الخصال ينتشر فيها الخير والبر، حتى يشمل جميع أعضائها وأفرادها، لأنهم يتنفسون في جو مفعم بالطهر والصلاح والقدوة الحسنة، فيرثون الصلاح خلفا عن سلف، وأبا عن جد.
وكما تحدث كتاب الله عن أولي الألباب وصفاتهم المثلى وما ادخر الله لهم من حسن العاقبة تعرض لمن هم على عكسهم عقيدة وعملا وسلوكا، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي
الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}.
وتناول كتاب الله الرد على المصرين المعاندين من مشركي العرب الذين قالوا للرسول: " لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع فنحرث فيها، أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح "، ومرادهم تسخير الريح لهم، " أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى يحيي الموتى لقومه ". فقال تعالى:{وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} أي لما آمنوا به، ما دام تسيير الجبال، وتقطيع الأرض، وتكليم الموتى، بالنسبة لهؤلاء المعاندين المصرين إنما هو مجرد تحد وإصرار، وعتو واستكبار، وليس الأمر أمر استجلاء للحقائق أو تطلع إلى استكناه الأسرار، فالمعنى المراد إذن أنهم " لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية ".
وقوله تعالى: {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ} مواساة من الله لرسوله والمؤمنين، وتعريف لهم بأن الحرب التي تدور رحاها بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، مستمرة إلى يوم الدين، وأن أعداء الله وخصوم دينه لا بد أن يلاقوا جزاءهم، بشكل أو آخر على مر الأيام، فكلما انجلت عنهم قارعة وأمنوا مكر الله حلت بساحتهم قارعة أخرى أدهى وأمر، وهم بين القارعتين الماضية والآتية في خوف وهلع، واضطراب وجزع، كما جرى في حروبهم المتتالية، ولاسيما في الحربين العالميتين الأولى
والثانية، وإن لم تحل القارعة بدارهم وتقض عليها، حلت بأقرب مكان إليها، وهكذا يمهلهم الله ولا يهملهم، وهو القاهر فوق عباده {إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} .