الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الربع الأول من الحزب الرابع والعشرين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
حصة هذا اليوم تتناول الربع الأول من الحزب الرابع والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى:{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} إلى قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ} .
ــ
تتناول الآيات الكريمة في أكبر قسم من هذا الربع قصة شعيب عليه السلام مع قومه مدين، وفي هذه القصة نواجه نوعا جديدا من المخالفات ارتكبه قوم شعيب وأسرفوا فيه إسرافا بالغا.
فبالإضافة إلى شركهم بالله، وما يترتب على الشرك وحده، وما ينبثق عنه من آفات وعاهات وتقاليد فاسدة، نجد أهل مدين قد بالغوا في استغلال الخلق وأكل أموال الناس بالباطل، فهم يطففون الكيل، ويطففون الوزن، ويبخسون الناس أشياءهم، وهم مثل فاضح للاستغلال المادي الفاحش الذي لا يرحم ولا يخجل،
ولا يتعفف ولا ينصف أحدا، الأمر الذي جعل شعيبا عليه السلام يرفع عقيرته ضد قومه، عملا بأمر الله الذي لا يرضى عن الاستغلال والمستغلين، من أي جنس أو دين، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا:{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} أي في معيشتكم ورزقكم، وأخشى عليكم زوال هذا الخير {وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أي ما يفضل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان خير لكم من أكل أموال الناس بالباطل {وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} .
غير أن المستغلين الشرهين من قوم شعيب لم يتمالكوا أنفسهم من الغضب والاستعلاء، وأخذوا يتبجحون بأن المال الذي يكتسبونه من تجارتهم هو مالهم الخاص، ولذلك فهم فيه أحرار يفعلون به ما يشاؤون، ويتصرفون فيه كيف يريدون، ورفضوا تقييد حريتهم بأي قيد في معاملاتهم التجارية التي اعتادوها، فهم حريصون على اكتساب أكبر ربح ممكن، بأقل عوض ممكن، وهم يعتبرون هذا الأسلوب في التجارة هو أسلوب التجار العقلاء الراشدين في معاملاتهم، وما دونه سفه وبله، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى حكاية عنهم:{قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} ، ثم يختمون ردهم عليه بقول ظاهره المدح وباطنه القدح، فيقولون: {إِنَّكَ
لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ}، ومرادهم منه أن من يدعو إلى العدل والإنصاف في البيع والشراء مثل دعوته يعد في نظرهم جاهلا وسفيها، لا حليما ورشيدا، فالرشد في نظر المستغلين، تجارا أو غير تجار، هو ابتزاز أموال الناس بأدنى مقابل، أو بدون مقابل بتاتا، وهذه سنتهم المتوارثة في كل عصر وجيل.
وقول أهل مدين لنبيهم شعيب {أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} [الآية: 87] تتضمن نوعا من الاستهزاء والتعبير، إذ كانوا متضايقين مما رأوه عليه من المواظبة على عبادة الله، والتضرع بين يديه، شأنهم في ذلك شأن خصوم الرسالات الإلهية في جميع العصور، الذين يتطيرون بأهل الصلاح والتقوى، ويتضايقون من استقامتهم وثباتهم على الحق.
لكن شعيبا لا يسلك في الرد على قومه مسلكهم في المراء والاستهزاء، بل يرد عليهم الرد اللائق بمقام الأنبياء والمصلحين، مؤكدا لهم أن التعليمات التي بلغها إليهم عن ربهم ليست موجهة إليهم دونه، بل هو أول من ينفذها، وأنه ليس ممن يأمر بالبر غيره، ثم ينسى نفسه {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} .
ثم عقَّب شعيب على ما دار بينه وبين كفار قومه بما يوضح الهدف الأساسي، من كل رسالة إلهية بعث الله بها إلى الناس، وهذه الرسالة تتلخص أولا وأخيرا في إصلاح أحوال الناس إصلاحا شاملا، تصلح معه عقيدتهم، وتصلح معه شريعتهم، ويصلح معه سلوكهم، ويصلح معه مجتمعهم، وتصلح معه
معايشهم، وتصلح معه علاقاتهم. وهكذا يتسرب الإصلاح إلى كل زاوية من زوايا حياتهم الظاهرة والباطنة، فيصبحون أمة فاضلة وصالحة، ويصبح مجتمعهم مجتمعا فاضلا وصالحا، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا على لسان شعيب عليه السلام {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .
وها هنا كلمتان في غاية الأهمية لا بد من الوقوف عندهما ولو قليلا، ألا وهما كلمة (الإصلاح) وكلمة (التوفيق). فكلمة الإصلاح تعني على العموم الإتيان بما هو صالح ونافع ومناسب، من الصلاح، ضد الفساد، وأصل معنى " الفساد " في لغة العرب زوال منفعة الشيء وتعذر المقصود منه، وأطلق الفساد في لسان الشرع على الشرك بالله الذي هو منبع جميع الضلالات والبدع، وعلى إذاية الخلق، كما في قوله تعالى:{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205] سواء كانت تلك الإذاية عامة لمجموعهم، أو خاصة ببعضهم، فيكون الصلاح الذي هو ضد الفساد عبارة عن سلوك طريق الهدى والاستقامة، والعمل على نفع الخلق نفعا عاما أو خاصا، ويكون (الصالح) هو الذي قام بما يلزمه من حقوق الله وحقوق العباد.
والمراد بكلمة (التوفيق) هنا ضد الخذلان، من " الوَفْق بين الشيئين "، بمعنى التحامهما، ولم تَرِد كلمة التوفيق بمعنى عدم الخذلان في آية أخرى من كتاب الله. ونعمة التوفيق بهذا المعنى من أجل النعم التي أنعم الله بها على الخواص من عباده، فمن
رُزق نعمة التوفيق فقد رُزق خيراً كثيراً. قال حجة الإسلام الغزالي: " وإنما الاعتبار بقلب العالم الموفق، المراقب لدقائق الأحوال، وهو المحك الذي يمتحن به خفايا الأمور، وما أعز هذا القلب في القلوب ".
وبيَّن كتاب الله أن شعيبا عليه السلام لم يتقهقر عن دعوته إلى الله، بل استمر ثابتا عليها، داعيا إليها دون انقطاع، وقد حاول أن يستخلص العبرة لقومه مما أصاب الأقوام السابقة قبلهم، فهم يعرفون مصارعهم حق المعرفة، وعندهم من خبرها الشيء الكثير {وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي} أي لا يحملنكم بغضي وعداوتي على الإصرار والعناد، وكأنه يريد أن يقول لهم إني أخاف عليكم {أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ * وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} .
إلا أنه بالرغم من جميع الجهود التي بذلها في سبيل هدايتهم وإقناعهم بالحق أصروا على ما هم فيه، ولم يكتفوا بإصرارهم على الباطل، بل أطلقوا لألسنتهم العنان في الطعن على شعيب والطعن في دعوته، والتهديد له بالرجم إلى أن يموت، وذلك ما تشير إليه الآيات التالية:{قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} أي إن دعوتك لا يستسيغها عقل ولا يقبلها منطق {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا} أي لا عصبة لك من كبار القوم {وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} أي لولا أن لعشيرتك معزة عندنا، ومكانة خاصة بيننا، لقمنا برجمك، و " الرجم " أشق العقوبات
وأكثرها تعذيبا {وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} .
وما كان من شعيب عليه السلام إلا أن رد عليهم في حدود الأدب المعهود من الأنبياء، وفي نطاق الدعوة المأمور بتبليغها عن الله {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} أي رفضتم دعوته وعصيتم أمره {إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} .
ولما انقطع كل أمل في قلوبهم للإصلاح الذي جاءهم به شعيب عن الله تبرأ منهم ومن أعمالهم، ووكلهم إلى عذاب الله المرتقب، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى حكاية عن شعيب يحذرهم وينذرهم:{وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ} أي اعملوا على طريقتكم فأنا عامل على طريقتي، على غرار قوله تعالى في آية أخرى:{لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} [الشورى: 15] وقوله تعالى {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 6] ثم مضى ينذرهم قائلا: {سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ} أي ستعلمون من الكاذب فينا ومن المعذب؟ هل أنا أم أنتم، على غرار قوله تعالى في آية أخرى:{وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سبأ: 24]، {وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} .
ثم انتهت قصة شعيب مع كفار أهل مدين بعذابهم وعقابهم، واستئصالهم وإبادتهم، ونجاة شعيب والذين آمنوا معه، كما ينتهي كل صراع بين الخير والشر، والحق والباطل، باندحار الشر والباطل، وانتصار الخير والحق، وذلك ما يشير إليه قوله
تعالى هنا: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} أي كأن لم يعيشوا فيها من قبل {أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} .
ومن هنا انتقل كتاب الله إلى قصة موسى مع فرعون، فأوجز الإشارة إليها في هذا المقام دون تفصيل {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} .
وعقب كتاب الله على هذه القصص كلها بما يبرز العبرة من وقوعها أولا، والتذكير بها ثانيا، فقال تعالى:{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ} أي منها ما لا تزال أطلاله قائمة تشير إلى نقمة الله وعذابه، ومنها ما حل به الخراب والدمار فلم يبق منه عين ولا أثر {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} .