الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الربع الثاني من الحزب السابع والعشرين
في المصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نتناول الربع الثاني من الحزب السابع والعشرين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى:{نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} إلى قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} .
ــ
في بداية هذا الربع قرر كتاب الله مبدأ أساسيا في العقيدة الإسلامية، عليه يقوم الثواب والعقاب، وبه يرتبط الخوف والرجاء، فقال تعالى في إيجاز وإعجاز:{نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} فمن أراد رحمة الله سعى لها سعيها، ومن أراد غير ذلك نال الجزاء الذي يستحقه، ولا يظلمون فتيلا.
وتناول كتاب الله بالذكر في هذا الربع قصة لوط وقومه، التي مر ذكرها في سورة هود، فقد كان العمل الذي ابتدعه قوم لوط في حد ذاته من أنكر المنكرات وأفحش الفواحش، مما أثار غضب الله عليهم، وأوجب ضرب المثل بخطيئتهم وبعقوبتهم،
واحتقار الناس لهم ولمن سلك مسلكهم عبر الأجيال والقرون.
وبمناسبة ذكر قصة لوط وقومه أشار كتاب الله إلى جنوده من الملائكة الذين أرسلهم إلى قوم لوط وعرجوا في طريقهم على إبراهيم الخليل، واستضافوه فأكرم ضيافتهم، وبشروه بغلام عليم، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا:{وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} أي قال إبراهيم إنا منكم خائفون {قَالُوا لَا تَوْجَلْ} أي لا تخف: {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} وهذا الغلام هو إسحاق الذي ولد لإبراهيم بعد أخيه إسماعيل {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} أي أبشرتموني بالولد، مع أنني قد كبر سني {قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ} أي باليقين الثابت {فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} ، وهذا دليل على تحريم القنوط من رحمة الله {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ} أي ما شأنكم وبأي شيء جئتم {قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ} والمراد هنا قوم لوط، وصفوا بالإجرام، لإقبالهم على الشذوذ الجنسي الذي هو من أكبر الآثام:{إِلَّا آلَ لُوطٍ} أي فإنهم مستثنون من القوم المجرمين، وقد استثنى الله من آل لوط أنفسهم امرأته التي بقيت على ملة قومها {إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ} أي أن الله تعهد بنجاة آل لوط، ما عدا امرأته فإنها من الهالكين {فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} أي قال لهم لوط إنني أجهلكم ولا أعرفكم {قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ
يَمْتَرُونَ} أي جئنا لإخبارك بعذاب قومك، ذلك العذاب الذي أنذرتهم به وكانوا يشكون في وقوعه، ويستهزئون بك من أجله {وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} أي اخرج يا لوط من هذه الأرض الظالم أهلها برفقة أهلك، بعد مضي جزء من الليل {وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ} أي اجعل أهلك أمامك وسر خلفهم من ورائهم {وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ} أي إذا سمعتم وقع الصيحة بالقوم المجرمين فلا تلتفتوا إليهم، واتركوهم فيما حل بهم من العذاب - {وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} أي واصلوا السير إلى المكان الذي أمركم الله أن تسيروا إليه، ويفهم من هذه الآية أنه كان معهم من يدلهم على مقرهم الجديد {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ} أي إن الله قضى أن يقطع دابر قوم لوط عند الصباح {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ} [هود: 81].
{وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ} أي جاء قوم لوط المتساكنون بمدينتهم، مظهرين الفرح بضيوف لوط ناوين بهم سوءا، دون أن يعرفوا أن هؤلاء الضيوف إنما هم في الحقيقة جنود الله وملائكته الموكلون بعذابهم على فاحشتهم الكبرى، لكن الله أراد أن يقيم الحجة عليهم وهم شبه متلبسين بالجريمة، لأنهم عزموا عليها، فبادرهم نبيهم لوط:{قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ * قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ} أي أما نهيناك أن تضيف أحدا عندك، وذلك حتى يتمكنوا من ضيوفهم ويعتدوا على كرامتهم {قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ
كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} المراد إرشادهم إلى وجوب الاقتصار على الزواج بالإناث من قومه، وتذكيرهم بأن الله تعالى إنما خلق الذكر والأنثى ليزاوج بينهما من أجل عمران العالم واستمرار النوع البشري عن طريق التناسل جيلا بعد جيل، في حدود الشريعة والفضيلة، وأنه لا يرضى عن الشذوذ الجنسي الذي هو أكبر رذيلة {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ} أي عند شروق الشمس، والمراد " بالصيحة " العذاب الذي رافقه صوت مزعج كصوت الرعد القاصف {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} أي قلبنا مدينتهم رأسا على عقب قلبا ماديا ومعنويا، {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} .
ثم عقب كتاب الله على قصتهم بقوله {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} أي أن في عذاب قوم لوط وانتقام الله منهم آيات قاطعة، وبراهين ساطعة، يعتبر بها كل من عنده فراسة وبصيرة من المؤمنين، حتى لا يقع فيما وقعوا فيه {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ} أي أن مدينة قوم لوط التي قلبها الله عليهم انتقاما منهم واقعة على طريق مطروق يمر به الناس حتى اليوم، ليعتبروا ويتذكروا {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ} [الصافات: 137، 138]. وتأكيدا لنفس العبرة المقصودة من قصتهم قال تعالى:{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} أي إن في ذلك لعبرة لمن آمن بالله وقدرته، حتى لا يعمل عمل قوم لوط المستهجن، ولا يسلك مسلكهم المرذول، وحتى لا يتعرض في ذاته لنوع من المسخ والقلب، إن لم يكن مسخا وقلبا ماديا كان على الأقل قلبا ومسخا معنويا.
وقوله تعالى ضمن قصة لوط: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} الظاهر أنه خطاب للوط عليه السلام، وتنديد بقومه الذين أصروا على الغواية والضلال. وذهب بعض المفسرين إلى أنه جملة معترضة، وجه الخطاب فيها إلى الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام. قال ابن كثير:" أقسم تعالى بحياة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وفي هذا تشريف عظيم، ومقام رفيع، وجاه عريض ". وعن ابن عباس أنه قال: " ما خلق الله نفسا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره ". قال الله تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} ، وقال ابن جزي:" {لَعَمْرُكَ} قسم. والعمر الحياة، ففي ذلك كرامة للنبي صلى الله عليه وسلم، لأن الله أقسم بحياته ".
ثم أشار كتاب الله هنا بغاية الإيجاز إلى قصة شعيب وقومه، فقال تعالى:{وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ} ، وأصحاب الأيكة هم قوم شعيب، والمراد " بالأيكة " الغيضة من الشجر الملتف، وقد أضرمها الله عليهم نارا لما ظلموا وتمردوا، قال ابن كثير:" وقد كانوا قريبا من قوم لوط في الزمان، ومسامتين لهم في المكان "، وذلك معنى قوله تعالى هنا:{وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ} أي أن مقر قوم لوط، ومقر قوم شعيب واقعان على طريق واضح يراه الناس ويمرون عليه باستمرار، للذكرى والاعتبار.
وانتقل كتاب الله إلى الحديث عن قصة أصحاب الحجر، وبها سميت هذه السورة " سورة الحجر "، والمراد بهم ثمود، وهم
قوم صالح عليه السلام، فقال تعالى:{وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ * فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} . والحجر هنا اسم للمكان الذي كان قوم صالح نازلين به مستقرين فيه، وهو واقع بين المدينة والشام، وكانت بيوت ثمود ومنازلهم منقورة بالمعاول في الجبال، وقد بلغ تحديهم لنبيهم صالح منتهاه عندما عقروا ناقة الله، التي طالما أمرهم صالح بعدم المساس بها، والتي طالما دعاهم إلى تركها تأكل من أرض الله وتشرب من مائه، فعاقبهم الله على جرائمهم كلها عند عقرهم لها، وكان عقابهم بالصيحة صباحا، فهلكوا وبادوا.
وقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} إشارة إلى أن الله تعالى لم يخلق خلقه عبثا، وإنما خلقهم لحكم دقيقة، بعضها معلوم، وبعضها استأثر الله بعلمه، ويشبهه قوله تعالى في آية ثانية:{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} [المؤمنون: 115]، وقوله تعالى في آية ثالثة:{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [ص: 27].
وقوله تعالى: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} تنبيه من الله لرسوله إلى وجوب الصبر على معاملة المشركين وتحمل أذاهم، في سبيل الدعوة إلى الله. و " الصفح الجميل " هو الذي ليس معه أدنى مؤاخذة ولا عتاب.
وقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} فيه إشارة إلى أم القرآن الكريم، وهي فاتحة الكتاب. و " المثاني " جمع مثنى، مشتق من التثنية وهي الإعادة والتكرير، لأن الفاتحة تتكرر قراءتها في الصلاة وغيرها، وعطف القرآن على السبع المثاني من عطف العام على الخاص. وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم)، قال ابن كثير:" فهذا نص في أن الفاتحة هي السبع المثاني والقرآن العظيم، ولكن ذلك لا ينافي وصف القرآن بكامله بذلك أيضا ". قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} [الزمر: 23]، فهو " مثاني " من وجه، و " متشابه " أي متماثل، من وجه آخر، وهو القرآن العظيم.
والمراد " بالسبع الطوال " عند من فسر بها " السبع المثاني " في هذه الآية: سور البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس. وقد ذهب إلى هذا التفسير ابن مسعود، وابن عمر، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك. وسميت السبع الطوال " مثاني " لأن الحدود والفرائض والأمثال ثنيت فيها حسبما روي عن ابن عباس.
وقوله تعالى: {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} بعد امتنان الله على رسوله بالسبع المثاني والقرآن العظيم مباشرة، هذا تنبيه من الله لرسوله إلى أن ما أنعم به عليه من نعمة الوحي والإيمان، ومعجزة القرآن، يفوق كل نعمة أخرى أنعم بها على بني الإنسان، فكل النعم سواها
تتضاءل دونها، ولا تبلغ درجتها، وما عند أصناف الكفار من متاع الدنيا على اختلاف أنواعه لا قيمة له بالنسبة لنعمة الوحي والرسالة.
قال أبو حيان: " هذا النهي وإن كان خطابا للرسول صلى الله عليه وسلم فالمعنى نهي أمته عن ذلك، لأن من أوتي القرآن شغله النظر فيه، وامتثال تكاليفه، وفهم معانيه عن الاشتغال بزهرة الدنيا، و " مد العين " للشيء إنما هو لاستحسانه وإيثاره ".
وقال ابن كثير: " قوله تعالى: {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ} أي استغن بما آتاك الله من القرآن العظيم عما هم فيه من المتاع والزهرة الفانية ". وهذه الآية تشبه قوله تعالى في آية ثانية: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [طه: 131]. والمراد " بالأزواج " في كلتا الآيتين أصناف الكفار وطبقات المترفين، المتعددة الأنواع والأشكال.
وقوله تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} تنبيه من الله لرسوله على مواصلة الإحسان في معاملة المؤمنين، تأليفا لقلوبهم، وتركيزا للإيمان في نفوسهم. و " خفض الجناح " استعارة للين الجانب والتواضع. على أن الأمر بخفض الجناح للمؤمنين ورد مقيدا في قوله تعالى في سورة الشعراء:{وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الآية: 215].
وقوله تعالى: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} تنديد بالذين
يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض من السابقين واللاحقين، وهم أولئك الذين يقولون في الوحي المنزل من عند الله أقوالا متناقضة، ويقفون من أحكامه وتعاليمه مواقف متعارضة، فيحقون ما وافقته آراؤهم، ويبطلون ما خالفته أهواؤهم، ومن ذوي السوابق في هذا الباب، " أهل الكتاب " الذين حرفوا الكتب المنزلة عليهم وجزأوها أجزاء، فآمنوا ببعض وكفروا ببعض.
وكلمة " عضين " جمع عضة بمعنى القطعة. يقال عضا الشاة " يعضوها إذا جعلها أعضاء وأجزاء وأقساما، وكلمة " المقتسمين " جمع " مقتسم " وهذا اللفظ له وجهان من الاشتقاق كلاهما وارد وصحيح:
- الوجه الأول اعتبار لفظ " المقتسم " مأخوذا من القسم وهو الحلف واليمين، ويصدق بهذا المعنى على أولئك الذين تحالفوا وتعاهدوا فيما بينهم على الطعن في كتاب الله، وصد الناس عن سبيل الله، فعبأوا جميع طاقاتهم لإعلان الحرب عليه وجها لوجه دون هوادة ولا تختل. ويندرج في هذا الصنف كل الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم في القديم والحديث. ومن السلف الطالح في هذا الباب الرهط الذين تقاسموا على اغتيال صالح وأهله ليلا، وإنكار العلم باغتياله نهارا، واليهم يشير قوله تعالى في سورة النمل:{وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الآيتان: 48، 49].
- الوجه الثاني اعتبار لفظ " المقتسم " مأخوذا من القسمة والتجزئة، ويصدق بهذا المعنى على أولئك الذين اختاروا للطعن في كتاب الله، وصد الناس عن سبيل الله، طرقا ملتوية، مطبوعة بطابع الدس والمخاتلة والخداع، فوزعوا فيما بينهم أدوار الهدم والتخريب، وتصدى كل فريق منهم لجانب من الجوانب التي يحسن فيها التمويه والتضليل والتدجيل، وذلك في نفس الوقت الذي يتظاهرون فيه بالاهتمام بالإسلام، ويعربون عن إعجابهم ببعض جوانبه، وهكذا نجد البعض منهم يخصص وقته للطعن في عقيدة الإسلام، والبعض الآخر يكرس جهوده لإبطال شريعة الإسلام، ونجد أحدهم يأخذ على عاتقه تشويه تاريخ الإسلام، والآخر ينكر وجود أية حضارة للإسلام، ومن هؤلاء فريق غير قليل من المستشرقين، وكثير من المستغربين. ومن السلف الطالح في هذا الباب ما سجله التاريخ عن بضعة عشر نفرا من مشركي قريش اجتمعوا تحت رياسة كبيرهم الوليد بن المغيرة قبل حلول موسم الحج، وقرروا أن يقتسموا مداخل مكة عندما يحضر الموسم، فقعدوا عند حلول موسم الحج في كل مدخل، متفرقين في طرقها وجبالها وفجاجها، لينفروا الوافدين عليها من الاتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الإيمان به. يقول أحدهم: لا تغتروا به فإنه ساحر، ويقول الآخر: لا تغتروا به فإنه كذاب، ويقول الآخر: لا تغتروا به فإنه شاعر، ويقول الآخر لا تغتروا به فإنه كاهن، ويقول الآخر: لا تغتروا به فإنه من الغاوين، وليجمعوا أمرهم نصبوا الوليد بن المغيرة حكما عند باب البيت الحرام، ليزكيهم ويصدق مقالاتهم كلما سأله أحد الوافدين على البيت عن صدق
ما قالوه، إلى آخر السلسلة الطويلة من البهتان وقول الزور، الذي حمل كل واحد منهم وزره، فلم يلبثوا أن أخذهم الله أخذا وبيلا.
وقوله تعالى {وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ} عقب قوله تعالى هنا: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} تنبيه إلى أن أمر الله لرسوله بخفض جناحه للمؤمنين لا يعني إخراجهم من عهدة النذارة الملازمة لهم إلى يوم الدين، فهو نذير لهم وللناس أجمعين.
وقوله تعالى: {كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ} عقب قوله {وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ} نظير قوله تعالى في آية أخرى: {أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13] وهو إشارة إلى أن القول في النذارة للمؤمنين كالقول فيها لغيرهم من " المقتسمين "، فنذارة الرسول عليه السلام شاملة وعامة للجميع على السواء، دون تمييز ولا استثناء.
وقوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} قسم من الله بذاته وربوبيته، مضاف إلى رسوله على جهة التشريف والتكريم، والضمير في " لنسألنهم " يعود على الجميع من كافر ومؤمن، فالسؤال عن العمل عام للخلق دون فرق، يسألون لماذا عملتم كذا ولم تعملوا كذا؟ على وجه الحساب، للثواب والعقاب، ولا يسألون هل عملتم كذا وكذا؟ لأن الله تعالى أعلم منهم بذلك، وهذا السؤال على وجه الاستفهام المحض هو المنفى في قوله تعالى في سورة الرحمان:{فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ} [الآية: 39].
وقوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} أمر من الله لرسوله بإعلان الدعوة إلى الله، والجهر بالحق، رغما عن معارضة المشركين القوية، وأذاهم البالغ. قال عبد الله بن مسعود:" ما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفيا حتى نزلت {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} فخرج هو وأصحابه ".
وقوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} مواساة من الله لرسوله، وحض له على مواجهة أذى المشركين بسعة الصدر، والتجمل بالصبر، كما أن فيه حضا له على التسلح بسلاح العبادة والذكر، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يصلي كلما حزبه أمر، واستمر على ذلك حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى في أعلى عليين، مصداقا لقوله تعالى:{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} .