الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الرابع: تراجم لبعض مشاهير المحدثين في القرن الثاني
مالك بن أنس:
هو، الإمام الجليل مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر. ينتهي نسبه إلى ذي أصبح -قبيلة باليمن- قدم أحد أجداده إلى المدينة، وسكنها وجده أبو عامر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، شهد معه المغازي كلها ما خلا بدرا. ولد مالك بالمدينة سنة ثلاث وتسعين، وأخذ العلم عن علماء المدينة، وأول من لازمه منهم عبد الرحمن بن هرمز، الذي أقام معه مدة طويلة من الزمان لم يشركه بغيره، وسمع نافعا مولى ابن عمر، ومحمد بن المنكدر، وأبا الزبير، والزهري، وكثيرا من التابعين، وتابعيهم بلغ عددهم على ما يقال تسعمائة شيخ. من التابعين ثلثمائة، ومن تابعيهم ستمائة، وكلهم ممن اختاره مالك، وارتضى دينه وفقههه، وقيامه بحق الرواية، وشروطها، وخلصت الثقة به. كما ترك الرواية عن أهل دين وصلاح لا يعرفون الرواية، وأخذ عنه الحديث يحيى الأنصاري، والزهري، وهما من شيوخه، وينازع ابن عبد البر في رواية الزهري عن مالك. كذلك أخذ عنه ابن جريج، ويزيد بن عبد الله بن الهادي، والأوزاعي، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، والليث، وابن المبارك والشافعي وابن علية وابن وهب، وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة، وابن مهدي ومعن بن عيسى وخلائق لا يحصون غيرهم. أجمع العلماء على إمامته، وجلالته في الحديث ونقد الرواة، واستخراج الأحكام من الكتاب والسنة، وشهد له بذلك أقرانه وعلماء عصره. فذا حبيب الوراق يقول: دخلت على مالك فسألته عن ثلاثة رجال لم لم يرو عنهم، قال: فأطرق ثم رفع رأسه، وقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله -وكان كثيرًا ما يقولها- فقال: يا حبيب أدركت هذا المسجد، وفيه سبعون شيخا ممن أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى عن التابعين، ولم نحمل الحديث إلا عن أهله.
وكان مالك يقول: ربما جلس إلينا الشيخ، فيحدث نهاره ما نأخذ عنه حديثا واحدا ما بنا أن نتهمه، ولكن لم يكن من أهل الحديث.
كان مالك ثبتا في الحديث عالما بالرجال، موثوقا به في كل ذلك حتى
أخذ الحديث عنه شيوخه وأقرانه، ولما كانت المدينة هي منبع الحديث، ومهبط الوحي لم يرحل مالك عنها، لذا تجد معظم روايته عن أهل الحجاز، وقلما تجد في موطئه ذكرا لغيرهم، ورحل إليه الناس من الأقطار البعيدة يتلقون عنه الحديث والمسائل، لما سمعوا عن علمه ونباهة شأنه في علوم الحديث، والفقه وكانوا يزدحمون على بابه، ويقتتلون عليه من الزحام لطلب العلم.
امتحن مالك سنة 147 وضرب بالسياط، واختلف الناس في سبب ذلك فقيل: أنه أفتى بعدم وقوع طلاق المكره، وقد كانوا يكرهون الناس على الحلف بالطلاق عند البيعة، فرأوا أن فتوى مالك تجعل الناس في حل من نقض البيعة، وقيل: إن ابن القاسم سأل مالكا عن البغاة يجوز قتالهم. فقال: إن خرجوا على مثل عمر بن عبد العزيز. قال: فإن لم يكن مثه. فقال: دعهم ينتقم الله من ظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما. فكانت هذه الفتوى سبب محنته، فضربه عامل المنصور بالمدينة سبعين سوطا، ولما بلغ ذلك المنصور غضب على عامله وعزله، ثم لقي المنصور مالكا من قابل في موسم الحج، فاعتذر إليه، وفاتحه في كثير من مسائل الدين، وطلب إليه أن يجمع ما ثبت لديه من الأحاديث، والآثار ويدونها في كتاب يوطئه للناس، فاعتذر الإمام عن ذلك فلم يقبل المنصور عذره، فألف كتاب الموطأ، ولما جاء المهدي حاجا بعد ذلك سمعه منه، ولم يزل مالك رحمه الله محل احترام الخلفاء، وإجلالهم وتقدير العلماء وتعظيمهم، وقد سمع منه الرشيد وأولاده االموطأ في موسم الحج. وقال له الرشيد:
أردت أن أعلق كتابك هذا في الكعبة، وأفرقه في الأمصار، وأحمل الناس عليه. فقال له مالك: لا تفعل، فإن الصحابة تفرقوا في الآفاق، ورووا أحاديث غير أحاديث أهل الحجاز، وأخذ الناس بها، فاتركهم وما هم عليه
فقال له الرشيد: جزاك الله خيرا يا أبا عبد الله. وكان مالك رحمه الله كثير التواضع، جم الحياء عظيم الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إنه كان لا يركب دابة في المدينة، إجلالا لأرض ضمت جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم. توفي رحمه الله سنة مائة وتسعة وسبعين بالمدينة، ودفن بالبقيع1.
يحيى بن سعيد القطان:
هو، أبو سعيد يحيى بن سعيد بن فروخ التميمي، ولاء البصري القطان إمام جليل، ومحدث كبير من أتباع التابعين. أخذ الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وابن جريج وسعيد بن أبي عروبة، والثوري وابن عيينة، ومالك وشعبة وكثير غيرهم، وأخذ عنه الحديث السفيانان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وابن مهدي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وخلائق غيرهم. اتفق العلماء على إمامته، وكثرة حفظه، وعلمه وصلاحه، وشهد له بذلك كثير من المحدثين، قال ابن حنبل: ما رأيت مثل يحيى القطان في كل أحواله، وقال فيه أيضا: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وهو أثبت من وكيع وابن مهدي، وأبي نعيم ويزيد بن هارون، وقد روى عن خمسين شيخا ممن روى عنهم سفيان. قال: ولم يكن في زمان يحيى مثله. وقال أبو زرعة: هو من الثقات الحفاظ. وقال ابن منجويه: كان يحيى القطان من سادات أهل زمانه حفظا، وورعا، وفقهاء، وفضلا ودينا وعلما، وهو الذي مهد لأهل العراق رسم الحديث، وأمعن في البحث عن الثقات وترك
1 تهذيب الأساء ج2 ص75، الانتقاء لابن عبد البر، مفتاح السنة ص23.
الضعفاء. قال ابن سعد: توفي يحيى القطان في صفر سنة ثمان وتسعين ومائة وكان مولده سنة 120هـ مائة وعشرين رحمه الله1.
وكيع بن الجراح:
هو، الحافظ الجليل، والمحدث الكبير، إمام أهل الكوفة في الحديث وغيره، أبو سفيان وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي من أتباع التابعين.
أخذ الحديث عن الأعمش، وهشام بن عروة وعبد الله بن عون، وحنظلة بن أبي سفيان، وابن جريج، وشريك بن عبد الله، والأوزاعي والسفيانين وغيرهم. اتفق العلماء على جلالته، وكثرة علمه، وحفظه للحديث، وإتقانه له وصلاحه وفضله. كان أحمد بن حنبل إذا حدث عنه قال: حدثني من لم تر عيناك مثله وكيع بن الجراح. وقال فيه: ما رأيت رجلا قط مثل وكيع في العلم، والحفظ والإسناد، والأبواب، ويحفظ الحديث جيدا، ويذاكر بالفقه مع ورع، واجتهاد ولا يتكلم في أحد، وقال ابن معين: ما رأيت أحدا يحدث لله غير وكيع بن الجراح. وهو أحب إلي من سفيان وابن مهدي، وأبي نعيم، وما رأيت رجلا قط أحفظ من وكيع، ووكيع في زمانه كالأوزاعي في زمانه، وقال ابن عمار: ما كان بالكوفة في زمن وكيع أفقه، ولا أعلم بالحديث من وكيع. توفي وكيع سنة 197هـ، سبع وتسعين ومائة. وكان مولده سنة 127هـ2.
سفيان الثوري:
هو، أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق، الثوري، الكوفي الإمام الفذ. كان من تابعي التابعين. تلقى الحديث عن أبي إسحاق السبيعي
1 تهذيب الأسماء جـ2 ص154. تهذيب التهذيب جـ11 ص216.
2 تهذيب التهذيب جـ11 ص123، تهذيب الأسماء جـ2 ص144.
وعبد الملك بن عمير، وعمرو بن مرة، وخلائق من كبار التابعين وغيرهم، وأخذ الحديث عنه محمد بن عجلان، والأعمش وهما تابعيان ومعمر والأوزاعي، ومالك وابن عيينة وشعبة، والفضيل بن عياش، وابن المبارك ووكيع، وأبو نعيم ويحيى بن القطان، وكثير من الأئمة الأعلام. اتفق العلماء على إمامته، وتقدمه في الحديث والفقه والورع والزهد، وخشونة العيش والقول بالحق، وغير ذلك من المحاسن. قال أبو عاصم: الثوري أمير المؤمنين في الحديث. وقال ابن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من الثوري. وقال يحيى بن معين: كل من خالف الثوري فالقول قول الثوري، وقال ابن مهدي: ما رأيت أحفظ للحديث من الثوري. وقال ابن عيينة: كان ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه والثوري في زمانه. وقال أيضا: أنا من غلمان الثوري، وما رأيت أعلم بالحلال والحرام منه، وقال الأوزاعي -وقد ذكر ذهاب العلماء:
لم يبق منهم من يستمع عليه العامة بالرضى والصحة إلا الثوري، وقال عباس الدوري: رأيت ابن معين لا يقدم على الثوري في زمانه أحدا في كل شيء، وبالجملة فالثناء عليه مشهور، وهو أحد أصحاب المذاهب الستة المتبوعة -مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، والثوري، ولد الثوري سنة 97هـ، وتوفي بالبصرة سنة 161هـ إحدى وستين ومائة رضي الله عنه1.
سفيان بن عيينة:
هو، أبو محمد سفيان بن عيينة بن عمران، الكوفي ثم المكي الهلالي، ولاء، كان من أتباع التابعين. أخذ الحديث عن الزهري، وعمرو بن
1 انظر تهذيب التتهذيب جـ4 ص111. تهذيب الأسماء جـ1 ص222.
دينار، والشعبي. وعبد الله بن دينار، ومحمد بن المنكدر، وخلائق من التابعين وغيرهم. وتلقى الحديث عنه الأعمش، والثوري، وابن جريج، وشعبة وهمام ووكيع وابن المبارك وابن مهدي والقطان، والشافعي وأحمد بن حنبل، وابن المديني وابن معين وابن راهويه، والحميدي وخلائق كثيرة لا يحصون من علماء الحديث والفقه. اتفق المحدثون على إمامته وفضله، وبعد شأوه في الحديث وحفظه. قال أبو حاتم وغيره:
أثبت الناس في حديث عمرو بن دينار بن عيينة، وكان أعلم بحديث عمرو بن دينار من شعبة، وقال يحيى القطان في حياة سفيان: سفيان إمام من أربعين سنة وقال أيضا: ما رأيت أحسن حديثا من ابن عيينة، وقال الشافعي: ما رأيت أحدا أكف عن الفتيا من سفيان، وما رأيت أحدا أحسن لتفسير الحديث منه، وقال أحمد بن عبد الله: كان ابن عيينة حسن الحديث، وكان يعد من حكماء أصحاب الحديث، وقال ابن وهب: ما رأيت أعلم بكتاب الله من ابن عيينة. ومناقبه كثيرة مشهورة. ولد سفيان سنة 107هـ، وتوفي سنة 198هـ رضي الله عنه1.
شعبة بن الحجاج:
هو، أبو بسطام شعبة بن الحجاج بن الورد، العتكي الأزدي ولاء الواسطي، ثم البصري أصله من واسط، ثم انتقل إلى البصرة فاستوطنها.
وهو من تابعي التابعين إمام جليل، وحافظ كبير من أعلام المحدثين، وكبار المحققين. تلقى الحديث عن أنس بن سيرين، وعمرو بن دينار والشعبي، وكثير من التابعين وغيرهم، وأخذ عنه الحديث الأعمش، وأيوب السختياني ومحمد بن إسحاق، وهم من التابعي والثوري وابن مهدي
1 تهذيب التهذيب جـ4 ص117. تهذيب الأسماء جـ1 ص224.
ووكيع وابن المبارك ويحيى القطان، وكثير لا يحصون من كبار الأئمة.
أجمعوا على إمامته في الحديث وجلالته، وتحريه واحتياطه وإتقانه. قال الإمام أحمد: لم يكن في زمن شعبة مثله في الحديث، ولا أحسن حديثا منه قسم له منه حظ، وروى عن ثلاثين رجلا من الكوفة، لم يرو عنهم سفيان الثوري، وقال الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق، وقال حماد بن زيد: لا أبالي من يخالفني إذا وافقني شعبة؛ لأن شعبة كان لا يرضى أن يسمع الحديث مرة، وإذا خالفني شعبة في شيء تركته، وقال سفيان الثوري: شعبة أمير المؤمنين في الحديث، وقال لمسلم بن قتيبة حين قدم من البصرة: ما فعل أستاذنا شعبة؟ وقال صالح بن محمد أول من تكلم في الرجال شعبة، ثم تبعه يحيى القطان ثم أحمد بن حنبل وابن معين، وقال أحمد بن حنبل: كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن، يعني علم الحديث وأحوال الرواة، وقال عبد الصمد: أدرك شعبة من أصحاب ابن عمر نيفا وخمسين رجلا. توفي شعبة بالبصرة في أول سنة 160، ستين ومائة وهو ابن سبع وسبعين سنة رحمه الله1.
عبد الرحمن بن مهدي:
هو، الإمام أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن، العنبري البصري، اللؤلئي، إمام أهل الحديث في عصره، والمعول عليه فيه.
أخذ الحديث عن خالد بن دينار، ومالك بن مغول، ومالك بن أنس والسفيانين، والحمادين وشعبة، وخلائق من أعلام المحدثين، وروى عنه ابن وهب وأحمد بن حنبل، وابن معين، وابن المديني وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام وغيرهم. اتفق الأئمة على جلالته ورسوخه
1 تهذيب التهذيب جت4 ص338. تهذيب الأسماء جـ1 ص244.
في نقد الرجال وفحص الأحاديث مع الورع، والزهد، والأمانة. قال أحمد بن حنبل: كأن ابن مهدي خلق للحديث، وقال ابن معين: ما رأيت رجلا أثبت في الحديث من ابن مهدي، وعن علي بن المديني أنه قال غير مرة:
والله لو أخذت وحلفت بين الركن، والمقام لحلفت بالله أني لم أر قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي، وكان عبد الرحمن بن مهدي، يقول:
لا يجوز أن يكون الرجل إماما، حتى يعلم ما يصح ما لا يصح، وحتى لا يحتج بكل شيء، وحتى يعلم مخارج العلم، وجاءه رجل فقال:
يا أبا سعيد إنك تقول هذا ضعيف، وهذا قوي وهذا لا يصح. فعم تقول ذاك؟ فقال ابن مهدي: لو أتيت الناقد فأريته دراهم فقال: هذا جيد وهذا ستوق وهذا بهرج، أكنت تسأله عم ذاك أم تسلم الأمر إليه؟ فقال: بل كنت أسلم الأمر إليه. فقال ابن مهدي: هذا كذلك. هذا بطول المجالسة، والمناظرة والمذاكرة، والعلم به، ولد سنة 135هـ، وتوفي سنة 198هـ رحمه الله1.
الأوزاعي:
هو، أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الشامي، الدمشقي، كان إمام أهل الشام في عصره بلا نزاع. وكان أهل الشام والمغرب على مذهبه، قبل انتقالهم إلى مذهب مالك رحمه الله، وهو من أتباع التابعين. سمع الحديث عن جماعات من التابعين، كعطاء بن أبي رباح، وقتادة ونافع مولى ابن عمر، والزهري، ومحمد بن المنكدر وغيرهم، وروى عنه جماعة من التابعين من شيوخه كقتادة، والزهري، ويحيى بن أبي كثير وجماعات من أقرانهم، وروى عنه أيضا من الأئمة الكبار سفيان ومالك
1 تهذيب الأسماء جـ1 ص304. تهذيب التهذيب جـ6 ص279.
وشعبة، وابن المبارك وكثير غيرهم. أجمع العلماء على إمامة الأوزاعي، وجلالته وعلو مرتبته وكمال فضله، كما اتفقوا على كثرة حديثه، وغزارة فقهه، وشدة تمسكه بالسنة وبراعته في الفصاحة. عن عبد الرحمن بن مهدي قال: ما كان بالشام أحد أعلم بالسنة من الأوزاعي، وقال أيضا: الأئمة في الحديث أربعة. الأوزاعي ومالك، وسفيان الثوري وحماد بن زيد، وقال أبو حاتم: الأوزاعي إمام متبع لما سمع1، وعن هقل:"وهو أثبت الناس في الرواية عن الأوزاعي" قال: "أجاب الأزاعي في سبعين ألف مسألة أو نحوها"، وكان علماء عصره يجلونه غاية الإجلال، ويكبرونه في أنفسهم ويعترفون له بالإمامة، والسبق والزهد والورع، والجهر بالحق. قيل لأمية بن يزيد: أين الأوزاعي من مكحول. قال: هو عندنا أرفع من مكحول. فقيل له: إن مكحولا رأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وإن كان قد رآهم فإن فضل الأوزاعي في نفسه. فقد جمع العبادة، والورع، والقول بالحق. وعن سفيان الثوري أنه لما بلغه مقدم الأوزاعي، خرج حتى لقيه بذي طوى، فحل سفيان رأس البعير عن القطار ووضعه على رقبته، وكان إذا مر بجماعة قال: الطريق للشيخ.
1 وأما قول الإمام أحمد في الأوزاعي. حديث ضعيف، فهو محمول عند المحققين كالبيهقي على أنه كان يحتج في بعض مسائل الفقه بالروايات الضعيفة، وهذا لا يضيره في الفقه، ولا في الحديث أما الأول؛ فلأن للعلماء في طرق الاستدلال على الأحكام مسالك مختلفة، وكثيرا ما يستدلون بالأحاديث المرسلة، والمنقطعة، والموقوفة لا سيما إذا تعددت طرقها، أو كان لا شواهد تؤيدها. وأما الثاني فقد كان من عادة المحدثين ألا يقصروا أنفسهم على رواية الصحيح من الأحاديث، بل يذكرون الموضوع لبيان حاله، والضعيف لجواز الاعتبار به، أو الاحتجاج إذا تعددت طرقه، أو أيدته الشواهد، أو لغير ذلك من المقاصد.
ولد الأوزاعي رحمه الله سنة 88 من الهجرة. ومات سنة 157هـ في بيروت، وكان قد نزل بها مرابطا في أواخر عمره "تهذيب الأسماء 1-298".
الليث بن سعد:
هو، الإمام الكبير والفقيه البارع، والمحدث الحافظ، أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، مولاهم المصري، كان من أتباع التابعين.
أخذ الحديث عن عطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن أبي مليكة، ونافع مولى ابن عمر، وسعيد المقبري، والزهري، ويحيى الأنصاري، وأبي الزبير، وكثير من التابعين وتابعيهم، وتلقى عنه الحديث محمد بن عجلان، وهشام بن سعد، وهما من شيوخه، وقيس بن الربيع وابن المبارك، وابن وهب وابن لهيعة وعبد الله بن صلاح كاتبه، وكثير من الأئمة. أجمع العلماء على جلالته، وإمامته وعلو مرتبته في الفقه، والحديث وهو إمام أهل مصر في زمانه. قال الشافعي رحمه الله: كان الليث بن سعد أفقه من مالك إلا أنه ضعيه أصحابه، وقال محمد بن سعد: كان الليث مولى لقريش، وكان ثقة كثير الحديث وصحيحه، وكان استقل بالفتوى ف زمانه بمصر، وكان سريا نبيلا سخيا، وقال أحمد بن حنبل: الليث كثير العلم صحيح الحديث ليس في هؤلاء المصريين أثبت منه ما أصح حديثه. وقال أيضا: رأيت من رأيت فلم أر مثل الليث، كان فقيه البدن عربي اللسان يحسن القرآن، والنحو ويحفظ الحديث، والشعر وحسن الذاكرة، وعد خصالا جميلة عنه حتى بلغ عشرا.
ولد الليث سنة ثلاث أو أربع وتسعين وتوفي سنة 165 خمس وستين ومائة في قول ابن سعد1.
1 انظر تهذيب الأسماء جـ2 ص73، تهذيب التهذيب جـ8 ص459.
الإمام الشافعي، رضي الله عنه:
هو، أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس، بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، يلتقي نسبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف، والسائب بن عبيد أسلم يوم بدر، وابنه شافع بن السائب من صغار الصحابة، وأم الشافعي من الأزد. ولد الشافعي رحمه الله بغزة سنة 150هـ، ومات أبوه، وهو صغير فحملته أمه إلى مكة، وهو ابن سنتين لئلا يضيع نسبه، فنشأ بها وقرأ القرآن وأقام في هذيل نحوا من عشر سنين، فعلم منهم اللغة والشعر، وأخذ الفقه والحديث، عن مسلم بن خالد الزنجي، مفتي مكة وغيره من الأئمة، ثم قدم المدينة فلزم مالكا رحمه الله، وأكرمه مالك لعلمه وفهمه وعقله وأدبه، وقرأ الموطأ عليه حفظا فأعجبته قراءته، فكان مالك يستزيده من القراءة لذلك، وكان للشافعي حين قدومه المدينة ثلاث عشرة سنة، ولفقهره ساعده مصعب بن عبد الله القرشي، قاضي اليمن عند هارون الرشيد، فولاه الحكم بنجران من أرض اليمن، ثم وشى به إلى الرشيد أنه يروم الخلافة فاستقدمه الخليفة إلى بغداد سنة 184هـ، وعمره ثلاثون سنة، فتناظر هو ومحمد بن الحسن بين يدي الرشيد، وأحسن محمد القول فيه، وتبين للرشيد براءته مما نسب إليه، وأنزله محمد بن الحسن عنده، وأكرمه وكتب عنه الشافعي وقر بعير، وعاد الشافعي إلى مكة، ثم قدم العراق للمرة الثانية سنة 195هـ، فاجتمع به جماعة من العلماء هذه المرة، منهم أحمد بن حنبل، وأبو ثور والحسين بن علي الكرابيسي، والزعفراني، وغيرهم، وصاروا يأخذون عنه، وأملى عليهم مذهبه القديم، ثم رجع إلى مكة، وفي سنة 198هـ رحل إلى العراق للمرة الثالثة، فأقام بها مدة يسيرة
وفي أواخر سنة 199هـ انتقل إلى مصر، فأقام بها إلى أن مات سنة 204هـ، وفي مصر ظهرت مواهبه، ومقدرته العلمية، وقصده الناس من سائر الأقطار للتفقه عليه والرواية عنه، وأملى على تلاميذه كتبه الجديدة، وفيها مذهبه المصري أو الجديد. وقد أجله المصريون حيا وميتا.
والشافعي، هو الإمام الذي نشر مذهبه بنفسه، بما قام به من الرحلات التي اكتسب فيها علوم الحجازيين، والعراقيين، وهو الذي كتب كتبه بنفسه وأملاها على تلاميذه، ولم يعرف هذا لغيره من كبار الأئمة.
عناية الشافعي رضي الله عنه بالسنة:
كان الشافعي رضي الله عنه أعلم أهل عصره بمعاني القرآن والسنة، وقد جمع في مذهبه بين أطراف الأدلة مع الإتقان، والتحقيق والغوص على المعاني، وهو صاحب الفضل على أهل الآثار، وحملة الحديث بتوقيفه إياهم على معاني السنة، ونصرهم على مخالفيهم بواضح البراهين.
فأيقظهم بعد أن كانوا غافلين، وأصبحت لهم الكلمة العليا بعد أن كانوا خاملين، وغلب في عرف العلماء على متبعي مذهبه لقب "أصحاب الحديث"، وكثيرا ما كان ينهى رضي الله عنه، عن ترك الكتاب والسنة إلى غيرهما من آراء الناس وأهوائهم. قال: لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه كما يفرون من الأسد. وقال: حكمي في أهل الكلام، أن يضربوا بالجريد، ويطاف بهم في القبائل، وينادى عليه:"هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام"، وقال البويطي: سمعت الشافعي يقول: عليكم بأصحاب الحديث، فإنهم أكثر الناس صوابا.
وقال: إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث، فكأنما رأيت رجلا من أصحابرسول الله صلى الله عليه وسلم. جزاهم الله خيرا حفظوا لنا الأصل، فلهم علينا الفضل. ومن شعره في هذا المعنى.
كل العلوم سوى القرآن مشغلة
…
إلا الحديث وإلا الفقه في الدين
العلم ما كان فيه "قال حدثنا"
…
وما سوى ذاك وسواس الشياطين
وقد قدمنا لك أنه دافع دفاعا عظيما عن خبر الواحد، إذا اتصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بنقل الثقة عن الثقة، وقد نال بذلك الدفاع عن الحديث، وأهله حظا كبيرا عند حملة الآثار، حتى كان أهل بغداد يطلقون عليه "ناصر السنة".
قال محمد بن الحسن: إن تكلم أصحاب الحديث يوما فبلسان الشافعي. وقال الزعفراني: كان أصحاب الحديث رقودا فأيقظهم الشافعي. وقال أحمد بن حنبل: "ما أحد مس بيده محبرة، ولا قلما إلا وللشافعي في رقبته منة"، وقال أحمد أيضا لمحمد بن مسلم بن وارة أحد أئمة الحديث -وقد قدم من مصر:"كتبت كتب الشافعي؟ فقال: لا. قال: فرطت. ما علمنا المجمل من المفسر، ولا ناسخ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من منسوخه، حتى جالسنا الشافعي".
وقال ابن خزيمة: وقد سئل هل سنة لم تبلغ الشافعي -فقال: لا، وقال داود بن علي الظاهري:"للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره من شرف نسبه، وصحة دينه، ومعتقده، وسخاوة نفسه، ومعرفته بصحة الحديث وسقمه وناسخه، ومنسوخه وحفظ التاب والسنة وسيرة الخلفاء، وحسن التصنيف وجودة الأصحاب والتلامذة".
وقال الكرابيسي: "ما كنا ندري ما الكتاب والسنة والإجماع، حتى سمعناه من الشافعي، وما رأيت مثل الشافعي ولا رأى الشافعي مثل نفسه، وما رأيت أفصح منه وأعرف".
ومع ثناء هؤلاء الأئمة وغيرهم عليه بالفهم الثاقب، والإحاطة الواسعة بالحديث كان يقول:"إذا صح عندكم الحديث، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا به ودعوا قولي، فإني أقول به وإن لم تسمعوا مني".
هذا وإذا كان العلماء يعتبرون الإمام الشافعي أول من ألف في أصول الفقه، فلا يفوتنا أن نقول أنه أيضا أول من ألف في أصول السنة، وقوانين الرواية ورسم لعلماء الحديث طريقة التدوين في علوم السنة. وأن كل من ألف بعد الشافعي في قواعد الحديث، وعلومه إنما هم عيال عليه، وغارفون من بحاره وكلامهم في ذلك لا يعدو فروعا فرعوها على أصول أصلها، وقواعد وضعها وأوضحها. وأن من يقرأ كلامه عن الحديث والمحدثين في رسالته، ثم يقرأ ما دونه علماء الحديث كابن الصلاح، وغيره يرى أن الشافعي هو أستاذ الجميع في هذه الفنون. فجزاء الله عن الحديث، وأهله خير الجزاء1.
1 البداية والنهاية جـ10 ص251، تهذيب الٍماء واللغات جـ1 ص44، تاريخ التشريع الإسلامي للخضر ص264.