الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: السنة في القرن الرابع
كان القرن الثالث، الهجري هو أزهى عصور السنة، وأحفلها بخدمة الحديث، ففيه ظهر أفذاذ الرجال من حفاظ الحديث وأئمة الرواية.
وفيه ظهرت الكتب الستة، التي لم تغادر من الحديث الصحيح، سوى النزر اليسير، وفيه اعتنى أئمة السنة بالكلام على الأسانيد، وتواريخ الرجال ومنزلتهم في الجرح والتعديل، ولم يكن العلماء في هذا القرن، يدونون الأحاديث بالنقل من كتب أخرى، بل كان اعتمادهم على ما حفظوه عن مشايخ الحديث، وعرفوا جيده من رديئه وصحيحه من ضعيفه، وما كادت شمس هذ القرن تؤذن بمغيب حتى كانت الموسوعات الحديثية، تزخر بالحديث وعلومه وصار العلماء في القرن الرابع، وما بعده يجمعون ما تفرق في كتب الأولين، أو يختصرونها بحذف الأسانيد، أو يقومون بشيء من الترتيب، والتهذيب إلى غير ذلك، وإذا تكلموا في شيء من الأسانيد، فبلسان من سبقهم من أهل القرون الأولى -غير أن جمهرة كبيرة منهم نسجوا على منوال السابقين، وكان لهم في رواية الأحاديث، وفحص الأسانيد باع طويل.
هذا وكان العلماء في الأدوار السابقة، لا يعتمدون إلا الرواية الشفاهية في نقل الأحاديث، ولا يعولون على مجرد الكتب، حتى ينقلوا أحاديثها بطريق السماع من مؤلفيها، ولو كلفهم ذلك أن يرحلوا الشهور الطوال.
أما في هذا الدور السادس، فقد لفظت فيه الرواية الشفاهية أنفاسها، وذهب من بين الرواة ريحها، وطغى عليها التدوين، الذي بلغ أشده في ذلك الوقت لهذا جعل العلماء الحد الفاصل بين المتقدمين، والمتأخرين من رواة الحديث وحملته هو رأس سنة ثلاثمائة، كما قرره الحافظ الذهبي في خطبة ميزانه.
ولا يغيبن عن بالك أن هذا التطور في تدوين الحديث، وروايته لم يكن طفرة بل كان تدريجيا سنة الله في أنواع العلوم، والصنائع، والدول وغيرها لذلك وجد من بين علماء القرن الرابع طائفة كبيرة، كان لها في تدوين الحديث، طريقة استقلالية على نمط التدوين في القرن الثالث، فمن1 هؤلاء الأئمة الأعلام:
الحاكم: أبو عبد الله النيسابوري، المعروف بابن البيع وهو صاحب "المستدرك" الذي حدثناك عنه في الدور السابق، وله غيره من التصانيف الحديثية: العلل، والأمالي، وفوائد الشيوخ، وأمالي العشيات، ومعرفة علوم الحديث وهو مطبوع بمصر إلى غير ذلك من كتبه التي بلغت ألفا وخمسمائة جزء. رحل إلى العراق والحجاز رحلتين، وذاكر الشيوخ وناظر الحفاظ وتولى القضاء بنيسابور سنة 359هـ، وتوفي رحمه الله بها سنة 405 2هـ.
الدارقطني: هو علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن دينار بن عبد الله الحافظ، الكبير أمير المؤمنين في الحديث، وأستاذ هذه الصناعة. سمع الكثير وصنف، وألف وأجا وأفاد وأحسن النظر، والتعليل
1 كشف الظنون جـ1 ص325.
2 تاريخ ابن كثير جـ11 ص355، ومفتاح السنة ص71.
كان إمام عصره في صناعة الجرح والتعديل، وحسن التأليف واتساع الرواية، وله كتاب الإلزامات، وهو كالمستدرك على الصحيحين، وقد تقدم الكلام عليه، وله كتاب السنن وقد طبع بالهند مع تعليقات لشمس الحق أبي الطيب، محمد بن أحمد بن علي الآبادي، وله كتاب العلل بين فيه الصواب من الدخل، وكتاب الأفراد. وكان الدارقطني من صغره موصوفا بالحفظ، والفهم. قال ابن الجوزي:"اجتمع له مع معرفة الحديث العلم بالقراءات، والنحو، والفقه والشعر مع الإمامة، والعدالة وصحة العقيدة"، وثناء العلماء عليه لا يحصى، توفي رحمه الله سنة 385هـ1.
ابن حبان: هو محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد، أبو حاتم البستي التميمي، الحافظ الجليل. سمع كثير من الشيوخ في كثير من الأمصار، فقد كان رحالة زمانه. قال ابن السمعاني:"كان أبو حاتم، إمام عصره رحل فيما بين الشاش والإسكندرية"، وقال الحاكم:"كان من أوعية العلم والفقه والحديث، واللغة والوعظ، من عقلاء الرجال"، وقال الخطيب:"كان ثقة نبيلا وله التصانيف الكثيرة منها المسند الصحيح المسمى الأنواع، والتقاسيم قال فيه: لعلنا كتبنا عن ألف شيخ ما بين الشاش والإسكندرية"، وكتابه هذا على ترتيب مخترع.
فلا هو على الأبواب، ولا هو على المسانيد. رتبه مؤلفه على خمسة أقسام، وهي الأوامر، والنواهي، والأخبار، والإباحات، وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم، ونوع كل واحد من هذه الخمسة إلى أنواع لذا كان الكشف في كتابه عسرا جدا، وقد ربه بعض المتأخرين، وهو علاء الدين علي بن لبان الفارسي المتوفى سنة 937 على الأبواب وسماه: "الإحسان
1 تاريخ ابن كثير جـ11 ص317.
في تقريب صحيح ابن حبان". قالوا: وأصح من صنف في الصحيح المجرد بعد الشيخين ابن خزيمة، فابن حبان وقد نسبوا إليه التساهل في التصحيح، إلا أن تساهله أقل من تساهل الحاكم. قال الحازمي: "ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم".
ومنشأ تساهل ابن حبان أنه كان يقول: "من كان منكر الحديث على قلته لا يجوز تعديله إلا بعد السير. ولو كان ممن يروي المناكير، ووافق الثقات في الأخبار لكان عدلا مقبول الرواية، إذ الناس في أقوالهم على الصلاح والعدالة، حتى يتبين منهم ما يوجب القدح هذا حكم المشاهير، فأما المجاهيل الذين لم يرو عنهم إلا الضعفاء، فهم متروكون على الأحوال كلها". قال ابن حجر في مقدمة لسان الميزان، بعد أن حكى قوله هذا:"وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة، حتى يتبين جرحه مذهب عجيب، والجمهور على خلافه، وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب الثقات، فإنه يذكر خلقا ممن نص عليهم أبو حاتم، وغيره على أنهم مجهولون. وقد أفح ابن حبان بقاعدته فقال: العدل من لم يعرف فيه الجرح، إذ التجريح ضد التعديل، فمن لم يجرح فهو عدل حتى يتبين جرح، إذ لم يكلف الناس ما غاب عنهم، وقال في ضابط الحديث الذي يحتج به: "إذا تعرى رواية من أن يكون مجروحا، أو فوقه مجروح أو دونه مجروح، أو كان سنده مرسلا أو منقطعا، أو كان المتن منكرا". ا. هـ فمن هذا ترى أن ابن حبان، يحكم للرجل بالعدالة إذا انتفت جهالة عينه1، حتى يتبين جرحه
1 وجهالة العين ترفع عنده برواية واحد مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة. ومجهول العين عند الجمهور، هو كل من لم يعرفه العلماء، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد.
وهذا خلاف ما عليه الجمهور، فإن جهاة العين عندهم لا تزول إلا برواية عدلين، فصاعدا عن المجهول وتعيينهما له، ومع ذلك لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما هذه. وزعم قوم أن عدالته تثبت بذلك وهذا باطل؛ لأنه يجوز أن يكون العدل لا يرعف عدالته، فلا تكون روايته عنه تعديلا له، ولا خبرا عن صدقه وقد وجد من جماعة من الثقات، الرواية عن جماعة غير مرضيين أمسكوا في بعضها عن ذكر أحوالهم، وفي بعضها شهدوا عليهم بالكذب، فرواية العدل، أو العدلين، أو الأكثر عن راو لا يعد توثيقا له خلافا لما ذهب إليه ابن حبان، ومن هنا نرى أن إطلاق الصحيح على كتابه فيه تجوز؛ لأن كلامه في الرواة يدخل عليه الحسن، وقد حاول بعض العلماء الدفاع عنه. فقال:"إن كانت نسبة التساهل إليه باعتبار وجدان الحسن في كتابه، فهي مشاحة في الاصطلاح؛ لأنه يسميه صحيحا، وإن كانت باعتبار خفة شروطه، فإنه يخرج في الصحيح، ما كان راويه ثقة غير مدلس، سمع من شيخه وسمع منه الآخذ عنه، ولا يكون هناك إرسال لا انقطاع، وإذا لم يكن في الراوي جرح، ولا تعديل، وكان كل من شيخ، والراوي عنه ثقة، ولم يأت بحديث منكر، فهو عنده ثقة وفي كتاب الثقات له كثير ممن هذه حاله، ولأجل هذا ربما اعترض عليه في جعلهم ثقات من لم يعرف اصطلاحه، ولا اعتراض عليه، فإنه لا مشاحة في ذلك، فابن حبان وفي بما التزمه من الشروط بخلاف الحاكم"، توفي رحمه الله سنة 354هـ1.
الطبراني: هو، الإمام أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، المتوفى
1 طبقات الشافعية جـ2 ص141، ولسان الميزان. جـ5 ص112، وما بعدها وتوجيه النظر ص140، 325، والرسالة المستطرفة ص66، وما بعدها ومقدمة لسان الميزان لابن حجر.
سنة 360هـ ألف المعاجم1 الثلاثة: الكبير والصغير والأوسط، فالكبير جمع فيه مسانيد الصحابة مرتبين على حروف المعجم، ما عدا مسند أبي هريرة، فإنه أفرده في مصنف، ويقال: إنه أورد في الكبير نحو خمسمائة وعشرين ألف حديث وإذا أطلق المعجم في كلام العلماء فالمراد الكبير، والأوسط ألفه على أسماء شيوخه، وهم نحو ألفي رجل حتى إنه روى عمن عاش بعده لسعة روايته، وكثرة شيوخه وأكثر من غرائب حديثهم، ويقال: إن فيه ثلاثين ألف حديث، وهو في ست مجلدات كبار، وكان يقول فيه:"هذا الكتاب روحي"؛ لأنه تعب فيه. قال الذهبي: "وفيه كل نفيس عزيز ومنكر"، وأما الصغير فهو في مجلد واحد، خرج فيه عن ألف شيخ، يقتصر فيه غالبا على حديث واحد عن كل واحد من شيوخه، وهو نحو ألف وخمسمائة حديث بأسانيدها2.
قاسم بن أصبغ: هو أبو محمد قاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف البياني، نسبة إلى بيانه كجبانة بلدة بالأندلس، على بعد ثلاثين ميلا من قرطبة المالكي، المتوفى سنة 340، وله كتاب الصحيح المنتقى3.
ابن السكن: الحافظ أبو علي، سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن، البغدادي نزيل مصر، والمتوفى بها سنة 353 هجرية الف الصحيح المنتقى، ويسمى أيضا بالسنن الصحاح المأثورة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
1 المعجم في اصطلاحهم، ما يذكر فيه الحديث على ترتيب الصحابة، أو الشيوخ، أو البلدان أو غير ذلك، والغالب أن يكونوا مرتبين على حروف الهجاء.
2 كشف الظنون جـ2 ص290، والرسالة المستطرفة ص101، وما بعدها.
3 الرسالة المستطرفة ص20.
ألفه على الأبواب في جميع ما يحتاج إليه من الأحكام، وضمنه ما صح عنده من السنن المأثورة مع حذف الأسانيد. قال: وما ذكرته في كتابي هذا مجملا، فهو مما أجمعوا على صحته وما ذكرته بعد ذلك مما يختاره أحد من الأئمة، الذين سميتهم، فقد بينت حجته في قبول ما ذكره، ونسبته إلى اختياره دون غيره، وما ذكرته مما ينفرد به أحد من أهل النقل للحديث، فقد بينت علته، ودللت على انفراده دون غيره1. ا. هـ.
أبو جعفر، أحمد بن محمد الطحاوي: هو أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي، المتوفى سنة 321، وله كتاب معاني الآثار، وهو كتاب جليل القدر، ذكر فيه أنه سأله بعض أصحابه تأليفا في الآثار المأثورة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحكام، التي يتوهم أهل الإلحاد، والزندقة أن بعضها ينقض بعضا لقلة علمهم بناسخها ومنسوخها، فألف هذا الكتاب، وجعله أبوابا ذكر في كل باب ما فيه من الناسخ، والمنسوخ وتأويل العلماء، وإقامة الحجة على الصحيح، وقد عمل العيني المتوفى سنة "855" عليه شرحا ولابن قطلوبغا المتوفى سنة "879" كتاب الإيثار برجال معاني الآثار2.
1 الرسالة المستطرفة ص20-21، وكشف الظنون جـ1 ص510.
2 كشف الظنون جـ2 ص286.