الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: السنة من الوحي
السنة النبوية بالمعنى السابق ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، من قول أو فعل أو تقرير هي أحد قسمي الوحي الإلهي، الذي نزل به جبريل الأمين على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. والقسم الثاني من الوحي هو القرآن الكريم. فالسنة النبوية من الوحي، بذلك نطق الكتاب العزيز:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} ، وبذلك جاءت السنة نفسها، فقد روى أبوداود والترمذي وابن ماجه عن المقدام بن معد يكرب أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله"، وعن حسان بن عطية أنه قال:"كان جبريل عليه السلام ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة، كما ينزل عليه بالقرآن، ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن"، وعن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آتاني الله القرآن ومن الحكمة مثليه"، أخرجهما أبو داود في مراسيله.
هذا ولما كانت السنة صنو الكتاب العزيز، ونوعا من وحي رب العالمين؛ رأينا أن نتكلم عن الوحي وأقسامه بإيجاز، حتى يتضح المقام، ويتبين لنا الفرق بين السنة والكتاب، فنقول:
الوحي وأقسامه:
الوحي يطلق ويراد منه الإيحاء، ويطلق ويراد منه الموحَى به، ولا بد من بيانهما.
الوحي بمعنى الإيحاء:
الوحي بمعنى الإيحاء معناه لغة: الإعلام بالشيء على وجه الخفاء والسرعة، ولذا كانت الكتابة والإشارة والرمز والكلام الخفي من قبيل الوحي عند أهل اللغة.
ومعناه في لسان الشرع: إعلام الله لأنبيائه ما يريد إبلاغه إليهم من الشرائع، والأخبار بطريق خفي بحيث يحصل عندهم علم ضروري قطعي، بأن ذلك من عند الله جل شأنه. فهو أخص من المعنى اللغوي باعتبار مصدره، وهو الله سبحانه ومورده وهم أنبياؤه الكرام.
أقسامه: إعلام الله لأنبيائه ما يريد يقع على أحوال ثلاثة، أشار الله إليها بقوله {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} ، وإليك بيانها:-
أولا: الإعلام بطريق الإلهام، وهو إلقاء المعنى في قلب النبي، دفعة مع العلم اليقيني بأن ذلك من الله عز وجل، وقد يكون هذا الإلهام في المنام كما يكون في اليقظة، وهذا النوع من الوحي هو المراد من قوله تعالى في الآية السابقة {إِلَّا وَحْيًا} بدليل مقابلته بالقسمين بعده.
ثانيا: الكلام من وراء حجاب، أي بدون رؤية النبي لربه عز وجل وقت التكلم بحيث يسمع كلامه، ولا يراه كما حصل ذلك لموسى عليه السلام في بدء رسالته، وقد رأى نارا فقال لأهله امكثوا:{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ} الآيات، وعند مجيئه للميقات كما قال تعالى:
{وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} الآيات. وكما حصل ذلك لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ليلة المعراج عند فرض الصلاة عليه وعلى أمته، ومراجعته ربه فيها على ما صرحت به الأحاديث الصحيحة.
ثالثا: إعلام الله للنبي ما يريد أن يبلغه إليه بواسطة الملَك في اليقظة أو المنام، ثم الإعلام بواسطة الملك يقع على وجهين: لأن النبي تارة يشاهد الملك عند الوحي، إما على صورته الحقيقية، وهذا نادر. وإما متمثلا في صورة بشر كما كان جبريل يتمثل للنبي صلى الله عليه وسلم في صورة الصحابي الجليل دحية الكلبي، وتارة لا يرى النبي الملك عند الوحي، وإنما يسمع عند قدومه دويا وصلصلة شديدة، يعلم الله كنهها ومصدرها فيعتريه حالة روحية غير عادية، لا يدرك الحاضرون منها إلا أماراتها الظاهرية، كثقل بدنه وتفصد جبينه عرقا.
روى البخاري في الصحيح عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها أن الحارث بن هشام، سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي فيفصم عني، وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول". قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا.
وربما سمع الحاضرون عند وجهه الكريم دويا كدوي النحل عند مجيء الوحي. أخرج الترمذي، عن عمر رضي الله عنه أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل
…
الحديث.
الوحي بمعنى الموحى به:
الوحي بمعنى الموحى به ينقسم إلى متلو وإلى غير متلو:
1-
فمن الوحي المتلو القرآن الكريم، الذي جعله الله آية باهرة ومعجزة قاهرة، وحجة باقية على نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتكفل بحفظه من التبديل والتحريف إلى قيام الساعة، فقال:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} ، نزل به جبريل الأمين على النبي صلى الله عليه وسلم بلفظه ومعناه، من غير أن يكون لواحد منهما مدخل فيه بوجه من الوجوه، وإنما هو تنزيل من الله العزيز الحكيم، قال تعالى:{وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} .
وقد انعقد الإجماع على أن القرآن الكريم، نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة بواسطة جبريل عليه السلام، وأنه لم ينزل عليه منه شيء في النوم، ولا بطريق من طرق الوحي الأخرى. وليس ذلك لأن طرق الوحي الأخرى يعتريها اللبس، أو يلحقها الشك. كلا، فالوحي بجميع أنواعه في اليقظة أو المنام يصاحبه علم يقيني ضروري بأنه من الله سبحانه. وإنما كان الإجماع على ما ذكرنا؛ لأنه الواقع الذي تفيده الأحاديث، والآثار الواردة في أسباب النزول، فإن قيل: روى مسلم عن أنس أنه قال: "بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، إذ غفا إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: أنزل علي آنفًا سورة، فقرأ سورة الكوثر"، فهذا يفيد أن سورة الكوثر، نزلت في النوم قلنا: أجاب العلماء عن ذلك بأن الإغفاءة الواردة في الحديث ليست إغفاءة نوم، وإنما هي ما كان يعتريه عند نزول الملك من الوحي وشدته، وقد ذكر العلماء أنه كان يؤخذ عن الدنيا عند نزول الوحي عليه؛ لتغلب روحيته على بشريته صلى الله عليه وسلم.
ومن خصائص القرآن الكريم، أنه متعبد بتلاوته في الصلاة وخارجها، وأنه لا تجوز روايته بالمعنى وأنه معجز بلفظه، ومعناه:{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} .
2-
ومن الوحي غير المتلو السنة النبوية لقوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} ، وقوله:{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} ، إلى غير ذلك من الأدلة، وقد تقدم بعضها غير أن السنة النبوية تفارق القرآن الكريم بأمور كثيرة، أهمها أنها منزلة بالمعنى، ولفظها من النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هنا جاز روايتها بالمعنى للخبير بمقاصدها العارف بمعانيها وألفاظها عند من يرى ذلك من العلماء، وأنها ليست معجزة بألفاظها، ولا متعبدا بتلاوتها، وأنها نزلت بطرق الوحي السابقة في المنام، أو اليقظة بواسطة الملك أو غيره.
وقد يشكل على أن السنة بأقسامها: أقوالها وأفعالها وتقريراتها من الوحي ما قرره العلماء من جواز الاجتهاد له صلى الله عليه وسلم، وأنه اجتهد في كثير من الوقائع في الحروب وغيرها، فجعل السنة بأقسامها الثلاثة موحى بها من الله سبحانه يعارض ما قرره جمهور العلماء، فضلا عن أنه يسلبه صلى الله عليه وسلم خصائصه ومزاياه من الفهم الثاقب والرأي الصائب، والجواب عن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم، وإن اجتهد في كثير من المواطن، التي لم ينزل عليه فيها وحي، بمقتضى ما فطر عليه من العقل السليم والنظر السديد، إلا أن الله سبحانه لا يتركه وشأنه، ولكن يقره إذا أصاب وينبهه إن أخطأ، ومن هنا كان اجتهاده صلى الله عليه وسلم إذا أقره الله عليه وحيا حُكْما. فلا تعارض بين ما قرره العلماء، وما قررنا
من أن السنة بأقسامها وحي من الله سبحانه، ثم إن ذلك لا يسلبه صلى الله عليه وسلم شيئا من خصائصه ومزاياه، كما قيل: بل يؤكدها ويقررها.
الحديث القدسي، ومن أي أقسام الوحي هو؟
هناك طائفة من الأحاديث نقلت إلينا آحادا عنه صلى الله عليه وسلم، مع إسنادها إلى الرب عز اسمه تعرف بالأحاديث القدسية، أو الإلهية أو الربانية، فهل هي من كلامه تعالى وقوله، أو هي من كلامه صلى الله عليه وسلم ولفظه؟ وإذا كانت من كلامه تعالى أفيثبت لها خصائص القرآن الكريم أم لا؟ والجواب عن ذلك: أن للعلماء قولين في الأحاديث القدسية:
الأول: أنها من كلام الله تعالى، وليس للنبي صلى الله عليه وسلم، إلا حكايتها عن ربه عز وجل، وربما يستأنس لذلك بأمور:
1-
أن هذه الأحاديث أضيفت إلى الله تعالى، فقيل: فيها قدسية وإلهية وربانية، فلو كان لفظها من عنده صلى الله عليه وسلم لما كان لها فضل اختصاص بالإضافة إليه تعالى دون سائر أحاديثه صلى الله عليه وسلم.
2-
وأنها اشتملت على ضمائر التكلم الخاصة به تعالى كقوله: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي"، وكقوله:"أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر بالكواكب".
3-
وأن هذه الأحاديث تروى عن الله تعالى متجاوزا بها النبي صلى الله عليه وسلم، فتارة يقول الراوي:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه"، وتارة يقول الراوي:"قال الله تعالى فيما رواه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فلو كان اللفظ من النبي صلى الله عليه وسلم لانتهى بالرواية إليه كما هو الشأن في الأحاديث النبوية.
هذا والأحاديث القدسية، وإن كانت من كلام الله تعالى على هذا القول، لكن ليس لها خصائص القرآن الكريم. فقد نقل القرآن إلينا بطريق التواتر معجزا بلفظه ومعناه متعبدا بتلاوته، يحرم على المحدث مسه وعلى نحو الجنب قراءته مسمى باسم "القرآن" متعينا للصلاة به. الجملة منه تسمى آية وسورة، ولا تجوز روايته بالمعنى، وهو بجميع آياته وسوره نزل به جبريل الأمين على قلب النبي صلى الله عليه وسلم كما سبق.
أما الأحاديث القدسية، فليس لها شيء من تلك المزايا بل هي أحاديث تروى آحادا، عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل، تترجم عن عظمة الباري جل علاه، وسعة رحمته، وعظيم سلطانه، وفيض عطائه، وهي خاضعة لقواعد القبول والرد، أدرجها المحدثون في عداد الأحاديث النبوية، وخلطوها بها في المؤلفات والتصانيف، وأجمعوا على أنها غير معجزة بألفاظها ولا متعبد بتلاوتها، وأنها لا تسمى باسم القرآن والراجح أنها لم يلتزم فيها طريق خاصة من طرق الوحي السابقة، وأنه يجوز روايتها بالمعنى للعارف بالمعاني والألفاظ.
القول الثاني في الأحاديث القدسية: أنها من قوله صلى الله عليه وسلم ولفظه كالأحاديث النبوية، وممن قال ذلك أبو البقاء في كلياته وعبارته:"القرآن ما كان لفظه ومعناه من عند الله بوحي جلي، وأما الحديث القدسي، فهو ما كان لفظه من عند الرسول صلى الله عليه وسلم، ومعناه من عند الله بالإلهام أو بالمنام"، واختاره أيضا الطيبي وعبارته:
"القرآن هو اللفظ المنزل به جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث القدسي إخبار الله معناه بالإلهام أو بالمنام، فأخبر النبي صلى الله
عليه وسلم أمته بعبارة نفسه وسائر الأحاديث لم يضفها إلى الله تعالى، ولم يروها عنه تعالى"، وحكمة أضافتها إليه تعالى على هذا القول دون بقية الأحاديث، زيادة الاهتمام بمضمونها، وتوجيه النفوس إلى ما اشتملت عليه من المعاني والآداب.
"الحكمة في أن الوحي المحمدي منه ما نزل باللفظ، ومنه ما نزل بالمعنى".
من آثار رحمة الله تعالى أن جعل الشريعة المحمدية من دون الشرائع السابقة شريعة باقية خالدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فأنزل القرآن الكريم وحيا يتلى إلى قيام الساعة، محفوظا من التبديل والتغيير:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ، فكان دليلا قائما وبرهانا ساطعا على إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم الدين، وكان خير حافظ للشريعة المحمدية من عبث العابثين، وتحريف الغالين وانتحال المبطلين، وكان وما يزال نورا ساطعا وضياء للمتقين:{يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .
وكما حفظ الله شريعته بكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه رفع الإصر والحرج عن خلقه، فأنزل على نبيه الكريم إلى جانب القرآن العزيز نوعا آخر من الوحي، هو السنة أنزلها عليه بالمعنى، وجعل اللفظ إليه إيذانا بأن في الأمر سعة على الأمة، وتخفيفا عليها، وأن المقصود هو مضمونها لا ألفاظها، فيجوز لصحابته ومن بعدهم أن يبلغوها عنه صلى الله عليه وسلم باللفظ النبوي، وهو الأولى والأحوط لما في قوله صلى الله عليه وسلم من أنوار النبوة، وضياء الرسالة والفصاحة العربية، التي لا يلحق شأوه فيها، ويجوز لهم أن يبلغوها عنه صلى الله عليه وسلم
بعبارات ينشئونها، وأقوال تفي بالمعنى المقصود، ولا يكون ذلك إلا للماهر في لغة العرب وأساليبها العارف بمعاني الشريعة، ومقاصدها حتى لا ينشأ عن الرواية بالمعنى خلل، يذهب بالغرض المقصود من الحديث وفي ذلك من الخطر ما فيه، فإن السنة تبيان للقرآن العزيز، ووحي من رب العالمين وثاني مصادر التشريع، فالخطأ فيها أثره جسيم وخطره عظيم، ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من كذب علي، فليتبوأ مقعده من النار".
وإنك لتلمس آثار رحمة الله، وحكمته في أن جعل الوحي على قسمين، قسما لا تجوز روايته بالمعنى، بل لا بد فيه من التزام الألفاظ المنزلة، وهو القرآن الكريم وقسما تجوز روايته بالمعنى لمن يستطيع ذلك، وهو السنة النبوية المطهرة وفي ذلك صون الشريعة، والتخفيف عن الأمة، ولو كان الوحي كله من قبيل القرآن الكريم في التزام أدائه بلفظه لشق الأمر، وعظم الخطب ولما استطاع الناس أن يقوموا بحمل هذه الأمانة الإلهية.
ولو كان الوحي كله من قبيل السنة في جواز الرواية بالمعنى، لكان فيه مجال للريب ومثار للشك، ومغمز للطاعنين ومنفذ للملحدين إذ يقولون: لا نأمن خطأ الرواة في أداء الشريعة، ولا نثق بقول نقلة العقائد والأحكام والآداب، ولكن الله جلت حكمته صان الشريعة بالقرآن، ورفع الأصر عن الأمة بتجويز رواية السنة في الحدود السابقة؛ لئلا يكون للناس على الله حجة.