الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: نشاط أهل الأهواء في وضع الأحاديث
حدثناك أيها القارئ عن جهود علماء الإسلام في القرن الأول والثاني تجاه الوضاعين، وأنهم أخذوا عليهم كل مسلك، وقعدوا لهم كل مرصد ميزوا بين الدخيل، والأصيل من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزنوا الرواة بميزان الجرح والتعديل، وفحصوا عن مروياتهم وأسانيدهم، وعلى الرغم من هذه الجهود العظيمة فإنه ماكاد يطل هذا القرن الثالث حتى كثر الوضع في الحديث بشكل مزعج فهؤلاء الزنادقة يبثون سمومهم لإفساد عقائد المسلمين، وهؤلاء الشعوبيون يضعون الحديث في فضل الفرس، وتفضيلهم على العرب، ومن ورائهم القصاص يستولون على قلوب العامة بالمناكير.
ونحن نذكر لك شيئا من أعمال هذه الطوائف، لتلمس الخطر الذي أحدق بالسنة، وكاد يذهب بنورها وليكبر في عينك ما قام به علماء الحديث من مطاردة الكذابين، والقضاء على أباطيل الأفاكين بما صنفوه من الكتب الحافلة بالحديث، وعلومه في هذا العصر فنقول:
1-
التعصب للجنس وأثره في وضع الحديث:
قامت الدولة العباسية على أكتاف الفرس من أهل خراسان، وكانت هذه البلاد موطن التشيع لآل البيت، ولما كان الفرس يفهمون أن الملك ينال بالوراثة تأثروا إلى حد كبير بآراء الشيعة، فعدوا بني أمية غاصبين لحقوق آل البيت ينغي قتالهم، وتخليص الحق إلى صاحبه الشرعي.
وكانت الفرس أمة ذات حضارة، وتأريخ عظيمين، وكانت لهم السيطرة على كثير من الأمم العربية كالعراق، واليمن فلما دالت دولتهم، ووقعوا في قبضة العرب وأصبحوا موالي لهم يتحكمون فيهم، حنوا بعد ذلك إلى عظمتهم الأولى، ولما قام بنو العباس يطالبون بالخلافة، وجدوا من الفرس قلوا مستعدة لا سيما عند الخاصة منهم، فقد كانوا يأملون الحصول على شيء من السلطان الضائع. لذلك رأينا أبا مسلم الخراساني وأضرابه، يتفانون في نصرة بني العباس ويحاربون بني أمية بكل سلاح، وفي
الواقع لم يكن الصراع بين بني أمية، وبني العباس وإنما كان بين العرب والفرس، ولما استقر الأمر لني العباس لم يكونوا يتحمسون للعرب ضد الفرس؛ لأن الفرس نصروهم وشيدوا لهم الملك بدمائهم؛ ولأن بعض خلفاء بني العباس كانوا من أمهات فارسيات، لكن كانوا يتحمسون كثيرا لأمر الدين، ولا تأخذهم رحمة في محاربة الزنادقة، وقتلهم والتشهير بهم، وهل كان ذلك من الخلفاء حمية دينية أو فكرة سياسية، هذا ما لا يهمنا البحث فيه الآن. بل الذي يهمنا أن فكرة ظهرت على ألسن بعض العامة، وأشربتها قلوب الخاصة ألا وهي فكرة تفضيل العجم على العرب والحط من شأن الآخرين، وهي المعروفة عند المؤرخين بالشعوبية.
أثر الشعوبية في الحديث:
نمت هذه الفكرة، وترعرعت في القرن الثاني ثم بلغت أوجها في القرن الثالث، وساعد على ظهورها أن خلفاء بني العباس لم يقابلوا العصبية الفارسية بالعصبية العربية، كما كان الحال في الدولة الأموية، بل لم يتعصبوا كثيرا للعربية وإن تعصبوا كثيرا للإسلام كما أشرنا إليه، ولقد انتهز الشعوبيون هذا الضعف من الخلفاء، وحاربوا العرب وعابوهم، وسخروا منهم، وقالوا في ذلك الأشعار والخطب الطوال، وألفوا الكتب في مفاخر العجم، ومثالب العرب ولم يدعوا بابا من أبواب الهجاء إلا طرقوه وستغلوا لهذه النزعة الخبيثة وضع الأحاديث، ورواية الأكاذيب في فضل الفرس وبلدانهم وعلمائهم. كما وضعوا أحاديث في الحط من قيمة العرب وعلمائهم، وإليك بعض هذه الأباطيل التي اختلقوها.
قالوا: لما فتحت خراسان، وتطاول إليها العساكر، واجتمعت أذربيجان والجبال ضاق ذرع عمر بن الخطاب فقال: "ما لي وخراسان، وما بخراسان
من ولي وددت أن بيني وبين خراسان جبالا من برد وجبالا من نار، وألف سد كل سد مثل سد يأجوج ومأجوج، فقال علي بن أبي طالب: مهلا يا بن الخطاب هل أتيت بعلم محمد أو اطعلت على علم محمد، فإن لله بخراسان مدينة يقال لها "مرو"، أسسها أخي ذو القرنين، وصلى فيها عزير أنهارها سياحة وأرضها فياحة على كل باب من أبوابها ملك شاهر سيفه، يدفع عن أهلها الآفات إلى يوم القيامة، وإن لله بخراسان مدينة
يقال لها "الطالقان"، وإن كنوزها لا ذهب ولا فضة، ولكن رجال مؤمنون يقومون إذا قام الناس وينصرون إذا فشل الناس، وإن لله بخراسان لمدينة يقال لها "الشاش" القائم فيها، والنائم كالمتشحط بدمه في سبيل الله. وإن لله بخراسان لمدينة يقال لها "بخارى"، وإن رجال بخارى آمنون من الصرخة عند الهول إذا فزعوا. مستبشرين إذا حزنوا فطوبى لبخاري، يطلع الله عليهم في كل ليلة إطلاعة فيغفر لمن يشاء منهم، ويتوب على من تاب منهم
…
إلخ. وهو كلام طويل جدا. ومن ذلك قولهم: "جور الترك، ولا عدل العرب"، وزعمهم الباطل أن الأعاجم ذكرت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:"لأنا بهم أوثق مني بكم"، وفي رواية:"لأنا ببعضهم أوثق مني ببعضكم". "سيأتي ملك من ملوك العجم، فيظهر على المدائن كلها إلا دمشق"، ومن ذلك ما رووه في فضل محمد بن كرام السجستاني العابد، المشهور بالتجسيم، ووضع الحديث المتوفى سنة 255، وقد ارتحل من خراسان إلى الشام، وأقام بها "يجيء في آخر الزمان رجل يقال له محمد بن كرام يحيي السنة والجماعة، هجرته من خراسان إلى بيت المقدس كهجرتي من مكة إلى المدينة"، وما وضعوه في فضل أبي حنيفة النعمان؛ لأنه من أصل فارسي وذم الشافعي؛ لأنه عربي "يكون في أمتي رجل يقال له: محمد ابن إدريس أضر على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له: أبو حنيفة هو سراج أمتي"، وضعه
مأمون بن أحمد الهروي، من أهل القرن الثالث ومن ذلك:"إن آدم افتخر بي وأنا أفتخر برجل من أمتي اسمه نعمان، وكنيته أبو حنيفة وهو سراج أمتي "وفي رواية" إن سائر الأنبياء يفتخرون بي، وأنا أفتخر بأبي حنيفة من أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني".
هذا وقد استعمل العرب، أو من تعصب لهم هذا السلاح سلاح الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك قولهم عن النبي صلى الله عليه وسلم:"العرب سادات العجم".
تلك هي آثار العصب للجنس في وضع الحديث، وإنك لتلمح في بعضها معاني الإلحاد في الدين، والدعوة إلى التحلل من أحكامه كقولهم في فضل مدينة الشاش:"القائم فيها والنائم كالمتشحط بدمه في سبيل الله"1.
2-
الزندقة وأثرها في وضع الحديث:
أكثر ما تطلق الزندقة عليه في العصر العباسي -على ما يظهر- هو اتباع دين المجوس، وخاصة دين "ماني" مع التظاهر بالإسلام، ثم توسعوا في استعمالها فأطلقوها على الملحد الذي لا دين له، وعلى التهتك، والفجور مع تبجح في القول يصل أحيانا إلى ما يمس الدين لكن لا عن نظر بل عن خلاعة ومجون.
وقد أشرنا عبد الكلام على الدور السابق إلى شيء من أعمال الزنادقة
1 تاريخ الأمم الإسلامية للخضري "نشأة الدولة العباسية"، ضحى الإسلام جـ1 ص49= 74. اللآلئ المصنوعة جـ1 ص441، كشف الخفاء، ومزيل الإلباس جـ1 ص337.
في وضع الحديث، وهنا نبين لك شيئا عن العوامل التي ساعدت على فشو الزندقة في العصر العباسي، وعن أثرها في وضع الحديث في هذا القرن الثالث.
ساعد على فشو الزندقة في العصر العباسي عامة، وفي القرن الثالث خاصة عدة أمور منها:
1-
كثرة الجدال حول المسائل الأساسية في الدين، وشيوع الأبحاث الفلسفية، فقد ترجمت كتب الحكمة، والفلسفة، وأقبل على قراءتها كثير من العلماء وبعض الخلفاء كالمأمون، حتى رمي من أجل ذلك بالزندقة.
2-
عدم حصول الفرس على حكومة فارسية بعد زوال دولة بني أمية، فأخذوا يكيدون للإسلام عن طريق إفساد عقائد المسلمين ببث تعاليم المجوسية، وبخاصة مذهب "ماني".
3-
إسناد السلطة الحكومية إلى الموالي من الفرس، وإقصاء العرب عنها مكن للفرس من إظهار مذاهبهم القديمة، وتعضيد من يتظاهر بها.
هذه هي أهم عوامل انتشار الزندقة، التي مكنت الزنادقة من الكيد للإسلام، وكان من أسهل الطرق عليهم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبثوا في الناس كثيرا من الأقاويل، التي تشوه جمال الدين، وتثير حوله المطاعن والشبه يريدون بهذا هدم الإسلام، وتنفير الناس منه ودعوة المسلمين إلى التحلل من أحكامه، وبذلك تضعف شوكة المسلمين، ويصير من السهل على هؤلاء الزنادقة التغلب على البقية الباقية من أهل الإسلام، وإعادة سلطانهم كما كان. فأخذوا ينشرون بين الناس تعاليم المجوسية، ومذاهب المانوية، وظهر منهم طوائف كثيرة بمذاهب خبيثة من
التجسيم وغيره، وكان منهم القصاص والمتصوفة الذين يتظاهرون بالتقوى والورع، ويضمرن الحقد على الدين وأهله1.
من أوضاع الزنادقة:
ونحن نذكر لك طائفة من الأباطيل، التي نسبوها للنبي صلى الله عليه وسلم وهو براء منها. فمن ذلك زعمهم أنه عليه الصلاة والسلام قال:"لما أراد الله خلق نفسه خلق الخيل، فأجراها حتى عرقت ثم خلق نفسه من ذلك العرق"، قال ابن عساكر: حديث إجراء الخيل موضوع، وضعته الزنادقة ليشنعوا به على أصحاب الحديث في روايتهم المستحيل، فقبله من لا عقل له وهو مما يقطع ببطلانه شرعا وعقلا.
ومن ذلك زعمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تعالى خلق الملائكة من شعر ذراعية وصدره، أو من نورهما"، "وأنه -تعالى عن ذلك علوا كبيرا- ينزل عشية عرفة على جمل أورق، يصافح الركبان ويعانق المشاة"، وأنه عليه السلام قال:"رأيت ربي في المنام في أحسن صورة شابا موقرا رجلاه في خضر له نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب"، وكروايتهم في عجيزة الحوراء، أنها ميل في ميل وفيمن قرأ سورة كذا وكذا، ومن فعل كذا وكذا أسكن من الجنة سبعين ألف قصر، في كل قصر سبعون ألف مقصورة، في كل مقصورة سبعون ألف مهاد على كل مهاد سبعون ألف كذا. وكروايتهم أن الفأرة كانت يهودية، وأنها لا تشرب ألبان الإبل، كما أن اليهود لا تشربها. وكروايتهم في السنور أنه عطسة الأسد، والخنزير أنه عطسة الفيل. وأن الضب كان يهوديا عاقا فمسخ.
1 ضحى الإسلام جـ1 ص137، وما بعدها.
وأن سهيلا كان عشارا باليمن، وأن الزهرة كانت بغيا عرجت إلى السماء باسم الله الأكبر، فمسخها الله شهابا، وإن الأرض على ظهر حوت1. إلى غير ذلك من الأكاذيب والأباطيل.
مقاومة الخلفاء العباسيين للزنادقة:
ولقد قاوم الخلفاء الزنادقة، وطهروا الأرض من جراثيمهم، فلم تأخذهم بهم هوادة، بل قتلوهم وحبسوهم، وشردوا بهم من خلفهم. اضطهدهم أبو جعفر المنصور في خلافته، ونكل بهم المهدي أيما تنكيل أيام دولته، وعين للزنادقة رجلا سماه "صاحب الزنادقة"، وكل إليه أمر إبادتهم والقضاء عليهم، وأمر الجدليين من أهل البحث من المتكلمين بتصنيف الكتب في الرد على الملحدين، وإقامة البراهين على المعاندين، وإيضاح الحق للشاكين. وأوصى ابنه موسى الهادي بالعمل على إبادة الزنادقة، وشرح له أمرهم وسوء نيتهم نحو الإسلام والمسلمين، وجاء عنه أنه قال:"والله لئن عشت لأقتلن هذه الفرقة كلها حتى لا أترك منها عينا تطرف"، وقد أنفذ الهادي وصية أبيه بكل أمانة. كذلك تعقبهم هارون الرشيد والمأمون من بعده، روى أن المأمون بلغه خبر عشرة من الزنادقة من أهل البصرة، يذهبون إلى قول "ماني"، ويقولون بإله النور وإله الظلمة، فأمر بحملهم إليه بعد أن سموا واحدا واحدا، فكان يدعوهم رجلا رجلا، ويسألهم عن دينهم، فيخبرونه بالإسلام، فيمتحنهم بأن يظهر لهم صورة "ماني"، ويأمرهم أن يتلفوا عليها، ويبرءوا منها فامتنعوا فقتلهم، وفي عهد المعتصم كانت حادثة كبرى في تاريخ الزندقة، وهي محاكمة قائد جيوشه المسمى "بالأفشين"، اتهم بالزندقة فحبس ومنع من الطعام، والشراب حتى مات ثم صلب، وأحرق بالنار2.
1 انظر مقدمة تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة.
2 انظر ضحى الإسلام جـ1 ص140.
القصص في القرن الثالث وأثره في الحديث:
كما انتشرت الزندقة في هذا العصر، كذلك ذاع القصص، وكثر المحترفون له ولا ننسى أن بين هؤلاء القصص فريقا من الزنادقة أيضا، "كما أشرنا إليه آنفا" ومنهم المرتزقة، ومدعو العلم والإمامة في الحديث، ولقد انتشر القصاص، والزنادقة في هذا العهد حتى أن الخلفاء، كانوا يصدرون أوامرهم بمنع القصاص، والمنجمين من الجلوس في المساجد والطرقات. كذلك منعوا من بيع كتب الفلسفة ففي سنة 279هـ، وهي السنة التي بويع فيها المعتضد الخليفة العباسي بالخلافة أصدره أمره بمنع الوراقين من بيع كتب الفلاسفة، وما شاكلها ومنع القصاص، والمنجمين من القعود في الطريق1.
هذا وإن أصدق مرآة تتراءى لنا فيها أعمال القصاص في هذا القرن، ما ذكره العلامة الإمام عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المتوفى سنة 276هـ في كتابه "تأويل مختلف الحديث"2. قال رحمه الله:
الحديث يدخله الشوب والفساد من وجوه ثلاثة "منها الزنادقة"، واجتيالهم للإسلام، وتهجينه بدس الأحاديث المستشنعة والمستحيلة، كالأحاديث التي قدمنا ذكرها من عرق الخيل، وعيادة الملائكة، وقفص الذهب على جمل أورق وزغب الصدر، ونور الذراعين مع أشياء كثيرة، ليست تخفى على أهل الحديث، ومنهم ابن أبي العوجاء الزنديق، وصالح بن عبد القدوس الدهري "والوجه الثاني القصاص"، على قديم الأيام فإنهم كانوا يميلون وجوه العوام إليهم، ويستدرون ما عندهم بالمناكير والغريب والأكاذيب
1 انظر تاريخ الخلفاء للسيوطي ص246.
2 ص355، وما بعدها.
من الأحاديث. ومن شأن العوام القعود عند القاصد ما كان حديثه عجبا خارجا عن فطر العقول، أو كان رقيقا يحزن القلوب، ويستغزر العيون.
فإذا ذكر الجنة. قال: فيها الحوراء من مسك أو زعفران، وعجيزتها ميل في ميل. ويبوئ الله تعالى وليه قصرا من لؤلؤة بيضاء. فيه سبعون ألف مقصورة في كل مقصورة سبعون ألف قبة، في كل قبة سبعون ألف فراش على كل فراش سبعون ألف كذا وكذا، فلا يزال في سبعين ألف كذا وسبعين ألف كذا، كأنه يرى أنه لا يجوز أن يكون العدد فوق السبعين ألفا، ولا دونها ويقول: لأصغر من في الجنة منزلة عند الله من يعطيه الله تعالى مثل الدنيا كذا وكذا ضعفا. وكلما كان هذا أكثر كان العجب أكثر، والقعود عنده أطول، والأيدي بالعطاء إليه أسرع. والله تبارك وتعالى يخبرنا في كتابه بما في جنته بما فيه مقنع عن أخبار القصاص، وسائر الخلق إلى أن قال: ثم يذكر آدم عليه السلام. ويصفه فيقول: كان رأسه يبلغ السحاب أو السماء، ويحاكها فاعتراه لذلك الصلع، ولما هبط على الأرض بكى على الجنة، حتى بلغت دموعه البحر وجرت فيها السفن، ويذكر داود عليه السلام، فيقول: سجد لله تعالى أربعين ليلة، وبكى حتى نبت العشب بدموع عينيه، ثم زفر زفرة هاج له ذلك النبات، ويذكر عصا موسى عليه السلام، فيقول: كان نابها كنخلة سحوق، وعينها كالبرق الخاطف وعرفها كذا ثم قال: ويذكر عبادا أتاهم يونس عليه السلام في جبل لبنان فيخبرهم عن الرجل منهم أنه كان يركع ركعة في سنة ويسجد نحو ذلك، ولا يأكل إلا في كذا وكذا من الزمان ثم قال:"وأما الوجه الثالث الذي يقع فيه فساد الحديث، فأخبار متقادمة كان الناس في الجاهلية يروونها تشبه أحاديث الخرافة"، كقولهم أن الضب كان يهوديا عاقا، فمسخه الله تعالى ضبا، وكقولهم في الديك، والغراب أنهما كانا
متنادمين فلما نفد شرابهما رهن الغراب الديك عند الخمار، ومضى فلم يرجع إليه، وبقي الديك عند الخمار حارسا. ا. هـ، وروى السيوطي في كتابه1 تحذير الخواص من أكاذيب القصاص، عن جعفر بن محمد الطيالسي قال:"صلى أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهم قاص فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قالا: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال لا إله إلا الله، خلق الله من كل كلمة طيرا منقاره من ذهب وريشه من مرجان، وأخذ في قصة نحوا من عشرين ورقة، فجعل أحمد ينظر إلى يحيى بن معين ويحيى ينظر إلى أحمد فقال له: أنت حدثته بهذا، فقال: والله ما سمعت بهذا إلا الساعة، فلما فرغ من قصصه، وأخذ القطيعات، ثم قعد ينتظر بقيتها قال يحيى بن معين بيده: تعالى فجاء متوهما لنوال، فقال له يحيى: من حدثك بهذا الحديث، فقال: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فقال له: أنا يحيى بن معين وهذا أحمد بن حنبل ما سمعنا بهذا قط، في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان ولا بد والكذب فعلى غيرنا. فقال له: أنت يحيى بن معين. قال: نعم. قال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق ما حققته إلا الساعة. فقال له يحيى: وكيف علمت أني أحمق. قال: كأن ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما. قد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين. فوضع أحمد كمه على وجهه، وقال: دعه يقوم فقام كالمستهزئ بهما" ا. هـ.
1 ص48، وما بعدها.