الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَاتِحَة وفيهَا فصلان
الْفَصْل الأول
فِي فَضِيلَة الْعلم وَالْعُلَمَاء وَمَا يُنَاسِبهَا تدرسون الْفَوَائِد الْعليا
واكتفيت مِمَّا ورد فِيهَا من الْآيَات وَالْأَخْبَار بِالْقَلِيلِ لشهرتها وَقُوَّة الدَّلِيل قَالَ الله تبارك وتعالى {يرفع الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين أُوتُوا الْعلم دَرَجَات} {هَل يَسْتَوِي الَّذين يعلمُونَ وَالَّذين لَا يعلمُونَ} {شهد الله أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة وأولو الْعلم قَائِما بِالْقِسْطِ} {وَلَكِن كونُوا ربانيين بِمَا كُنْتُم تعلمُونَ الْكتاب وَبِمَا كُنْتُم تدرسون} {وَقل رب زِدْنِي علما} {وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ} {إِن فِي ذَلِك لآيَات للْعَالمين} و {إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء}
وَعَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ إِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول من سلك طَرِيقا يطْلب فِيهِ علما سلك الله بِهِ طَرِيقا من طرق الْجنَّة وَأَن الْمَلَائِكَة لتَضَع أَجْنِحَتهَا رضى لطَالب الْعلم وَأَن الْعَالم يسْتَغْفر لَهُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض وَالْحِيتَان فِي جَوف المَاء وَأَن فضل الْعَالم على العابد كفضل الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر على سَائِر الْكَوَاكِب وَأَن الْعلمَاء وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وَأَن الْأَنْبِيَاء لم يورثوا دِينَارا وَلَا درهما وَإِنَّمَا
ورثوا الْعلم فَمن أَخذه أَخذ بحظ وافر رَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَأَبُو داؤد وَابْن مَاجَه والدارمي وَالْبَيْهَقِيّ وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وصححوه وَله طرق عديدة وألفاظ كَثِيرَة
وَعَن عبد الله بن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم
قَلِيل الْعلم خير من كثير الْعِبَادَة أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط
وَعَن أبي أُمَامَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم
يجاء بِالْعلمِ وَالْعَابِد فَيُقَال للعابد ادخل الْجنَّة وَيُقَال للْعَالم قف حَتَّى تشفع للنَّاس رَوَاهُ الْأَصْفَهَانِي وَعَن ثَعْلَبَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول الله عز وجل يَوْم الْقِيَامَة إِذا قعد على كرسيه لفصل عباده إِنِّي لم أجعَل علمي وحلمي فِيكُم إِلَّا وَأَنا أُرِيد أَن أَغفر لكم وَلَا أُبَالِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من جَاءَ أَجله وَهُوَ يطْلب الْعلم لَقِي الله تَعَالَى وَلم يكن بَينه وَبَين النَّبِيين إِلَّا دَرَجَة النُّبُوَّة أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَعَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن الله وَمَلَائِكَته وَأهل السَّمَوَات وَالْأَرْض حَتَّى النملة فِي جحرها وَحَتَّى الْحُوت ليصلون على معلم النَّاس الْخَيْر رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأخرجه الدَّارمِيّ عَن مَكْحُول مُرْسلا
وَعَن معَاذ بن جبل قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم تعلمُوا الْعلم فَإِن تعلمه لله خشيَة وَطَلَبه عبَادَة ومذكراته تَسْبِيح والبحث عَنهُ جِهَاد وتعليمه لمن لَا يُعلمهُ صَدَقَة وبذله لأَهله قربَة لإنه معالم الْحَلَال وَالْحرَام ومنار سبل أهل الْجنَّة وَهُوَ الأنيس فِي الوحشة والصاحب فِي الغربة والمحدث فِي الْخلْوَة وَالدَّلِيل فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالسِّلَاح على الْأَعْدَاء والزين عِنْد الإخلاء يرفع الله بِهِ أَقْوَامًا فيجعلهم فِي الْخَيْر قادة وأئمة يقتفى آثَارهم ويقتدى بفعالهم وينتهى إِلَى رَأْيهمْ يرغب الْمَلَائِكَة فِي خلتهم وبأجنحتها تمسحهم يسْتَغْفر لَهُم كل رطب
ويابس وحيتان الْبَحْر وَهُوَ أمه وسباع الْبر وأنعامه لِأَن الْعلم حَيَاة الْقُلُوب من الْجَهْل ومصابيح الْأَبْصَار من الظُّلم يبلغ العَبْد بِالْعلمِ منَازِل الأخيار والدرجات العلى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة والتفكر فِيهِ يعدل الصّيام ومدارسته تعدل الْقيام بِهِ توصل الْأَرْحَام وَبِه يعرف الْحَلَال وَالْحرَام وَهُوَ إِمَام الْعَمَل وَالْعَمَل تَابعه يلهمه السُّعَدَاء ويحرمه الأشقياء أوردهُ ابْن عبد الْبر فِي كتاب جَامع بَيَان الْعلم بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ حَدِيث حسن جدا وَفِي إِسْنَاده ضعف وروى أَيْضا من طرق شَتَّى مَوْقُوفا على معَاذ وَقد يُقَال الْمَوْقُوف فِي مثل هَذَا كالمرفوع لِأَن مثله لَا يُقَال بِالرَّأْيِ
قَالَ النَّوَوِيّ الِاشْتِغَال بِالْعلمِ من أفضل الْقرب وَأجل الطَّاعَات وأهم أَنْوَاع الْخَيْر وأكد الْعِبَادَات وَأولى مَا أنفقت فِيهِ نفائس الْأَوْقَات وشمر فِي إِدْرَاكه والتمكين فِيهِ أَصْحَاب الْأَنْفس الزاكيات وبادر إِلَى الاهتمام بِهِ المسارعون إِلَى الْخيرَات وسابق إِلَى التحلي بِهِ مستبقوا الكرمات وَقد تظاهر على مَا ذكرته جمل من الْآيَات الكريمات وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة المشهورات وأقاويل السّلف النيرات وَلَا ضَرُورَة إِلَى ذكرهَا لكَونهَا من الواضحات الجليات انْتهى
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي صيد الخاطر لَيْسَ فِي الْوُجُود شَيْء أشرف من الْعلم كَيفَ لَا وَهُوَ الدَّلِيل فَإِذا عدم وَقع الضلال انْتهى
وَقَالَ الشَّافِعِي من شرف الْعلم أَن كل من نسب إِلَيْهِ وَلَو فِي شَيْء حقير فَرح وَمن رفع عَنهُ حزن
وَقَالَ الْأَحْنَف كل عز لم يُوجد بِعلم فَإلَى ذل مصيره قيل سَادَات الْخلق ثَلَاثَة الْمَلَائِكَة والأنبياء والسلاطين وَكلهمْ خضعوا للْعلم أَمر الْمَلَائِكَة بِالسُّجُود لآدَم لفضل علمه وَأما الْأَنْبِيَاء فَحَدِيث مُوسَى وخضر وَأما الْمُلُوك فقصة يُوسُف فَلَمَّا كَلمه قَالَ {إِنَّك الْيَوْم لدينا مكين أَمِين} وَيُقَال الْعلم دَوَاء الْقُلُوب وشفاء الذُّنُوب وَنعم الحارس والفارس
ونظم
(تعلم فَلَيْسَ الْمَرْء يُولد عَالما
…
وَلَيْسَ أَخُو علم كمن هُوَ جَاهِل)
(وَإِن كَبِير الْقَوْم لَا علم عِنْده
…
صَغِير إِذا الْتفت عَلَيْهِ المحافل
وَهُوَ قوت الْأَرْوَاح والقلوب وروضة الْمُحب والمحبوب بِهِ يفضل الذَّوْق الروحاني على الجسماني من عَالم الْمِيثَاق وَلَيْسَ يدْرك ذَاك إِلَّا من تضلع أَو ذاق شعر
(لَا يعرف الشوق إِلَّا من يكابده
…
وَلَا الصبابة إِلَّا من يدانيها)
وَلَكِن على كل خير مَانع وعَلى الْعلم مَوَانِع مِنْهَا الوثوق بالمستقبل وبالذكا وبالانتقال من علم الى علم قبل أَن يحصل مِنْهُ قدرا يعْتد بِهِ أَو من كتاب إِلَى كتاب قبل خَتمه وَمِنْهَا طلب المَال والجاه أَو الركون إِلَى اللَّذَّات البهيمية وضيق الْحَال وَعدم المعونة على الِاشْتِغَال وإقبال الدُّنْيَا وتقليد الْأَعْمَال وَكَثْرَة التَّأْلِيف فِي الْعُلُوم وَكَثْرَة الاختصارات فَإِنَّهَا مخلة عائقة وَلكُل مِنْهَا تَفْصِيل ذكر فِي مَحَله فَائِدَة
اعْلَم ان شرف الشَّيْء إِمَّا لذاته أَو لغيره وَالْعلم حائز للشرفين جَمِيعًا لِأَنَّهُ لذيذ فِي نَفسه فيطلب لذاته ولذيذ لغيره فيطلب لأَجله أما الأول فَلَا يخفى على أَهله أَنه لَا لَذَّة فَوْقهَا لِأَنَّهَا لَذَّة روحانية وَهِي اللَّذَّة الْمَحْضَة وَأما اللَّذَّة الجسمانية فَهِيَ دفع الْأَلَم فِي الْحَقِيقَة كَمَا أَن لَذَّة الْأكل دفع ألم الْجُوع وَلَذَّة الْجِمَاع دفع ألم الامتلاء بِخِلَاف اللَّذَّة الروحانية فَإِنَّهَا ألذ وأشهى من اللذائذ الجسمانية وَلذَا كَانَ الإِمَام أَبُو حنيفَة رحمه الله يَقُول لَو يعلم الْمُلُوك مَا نَحن فِيهِ من لَذَّة الْعلم لحاربونا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ
وَقَالَ الْفَقِيه الرباني مُحَمَّد بن حسن الشَّيْبَانِيّ عِنْدَمَا انْحَلَّت لَهُ مشكلات الْعُلُوم أَيْن أَبنَاء الْمُلُوك من هَذِه اللَّذَّة سِيمَا إِذا كَانَت الفكرة
فِي حقائق الملكوت وأسرار اللاهوت وَمن لذته التابعة لغيره أَنه لَا يقبل الْعَزْل وَالنّصب مَعَ دوامة لَا مزاحمة فِيهِ لأحد لِأَن المعلومات متسعة مزيدة بِكَثْرَة الشُّرَكَاء والصناعات متكالمة متزايدة بتلاحق الأفكار والآراء وَمَعَ هَذَا لَا ترى أحدا من الْوُلَاة الْجُهَّال إِلَّا يتمنون أَن يكون عزهم كعز أهل الْعلم إِلَّا أَن الْمَوَانِع البهيمية تمنع عَن نيله وَأما اللذائد الْحَاصِلَة لغيره أما فِي الْأُخْرَى فلكونه وَسِيلَة إِلَى أعظم اللذائد الأخروية والسعادة الأبدية وَأما فِي الدُّنْيَا فالعز وَالْوَقار ونفوذ الحكم على الْمُلُوك والحكام وَلزِمَ الاحترام فِي الطباع فَإنَّك ترى أغبياء التّرْك وأجلاف الْعَرَب وأرذال الْهِنْد وَغَيرهم يصادفون طبائعهم مجبولة على التوقير لشيوخهم وعلمائهم لاختصاصهم بمزيد علم مُسْتَفَاد من التجربة بل الْبَهِيمَة تجدها توقر الْإِنْسَان بطبعها لشعورها بتمييز الْإِنْسَان بِكُل مجاوز لدرجتها حَتَّى أَنَّهَا تنزجر بزجره وَإِن كَانَت قوتها أَضْعَاف قُوَّة الْإِنْسَان ثمَّ السَّعَادَة منحصرة فِي قسمَيْنِ جلب الْمَنَافِع وَدفع المضار وكل مِنْهُمَا دينوي وديني فالأقسام أَرْبَعَة
الأول مَا ينجلب بِالْعلمِ من الْمَنَافِع الدِّينِيَّة وَهُوَ خَفِي وَخلقِي
الثَّانِي مَا ينجلب بِهِ من الْمَنَافِع الدُّنْيَوِيَّة وَهُوَ وجداني وذوقي وجاهي رتبي ثمَّ مَا يجلبه الْعلم من الوجاهة والرتبة وَهِي إِمَّا عِنْد الله سبحانه وتعالى وَإِمَّا عِنْد الْمَلأ الْأَعْلَى وَإِمَّا عِنْد الْمَلأ الْأَسْفَل
الثَّالِث مَا ينْدَفع بِالْعلمِ من المضار الدِّينِيَّة وَهُوَ نَوْعَانِ فعل النواهي وَترك الْأَوَامِر
الرَّابِع مَا ينْدَفع بِهِ من المضار الدُّنْيَوِيَّة وَهُوَ أَيْضا نَوْعَانِ الأول دفع الْمصَالح والمقاصد وجلب المعايب والمفاسد الثَّانِي مضرَّة اجتلاب الْمَفَاسِد برفض القانون الشَّرْعِيّ العاصم من كل ضلال
وَفِي الحَدِيث السَّابِق الْمَرْوِيّ من معَاذ بن جبل إِشَارَة إِلَى كل من هَذِه الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة
فَائِدَة أُخْرَى
لَا شَيْء من الْعلم من حَيْثُ هُوَ علم بضار وَلَا شَيْء من الْجَهْل من حَيْثُ هُوَ جهل بِنَافِع لِأَن فِي كل علم مَنْفَعَة إِمَّا فِي أَمر الْمعَاد أَو المعاش أَو الْكَمَال الإنساني وَإِنَّمَا يتَوَهَّم فِي بعض الْعُلُوم أَنه ضار أَو غير نَافِع لعدم اعْتِبَار الشُّرُوط الَّتِي تجب مراعاتها فِي الْعلم وَالْعُلَمَاء فَإِن لكل علم حدا لَا يتجاوزه فَمن الْوُجُوه المغلطة أَن يظنّ بِالْعلمِ فَوق غَايَته كَمَا يظنّ بالطب أَنه يبريء من جَمِيع الْأَمْرَاض وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن مِنْهَا مل لَا يبرأ بالمعالجة
وَمِنْهَا أَن يظنّ بِالْعلمِ فَوق مرتبَة فِي الشّرف كَمَا يظنّ بالفقه أَنه أشرف الْعُلُوم على الْإِطْلَاق وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن علم التَّوْحِيد وَالْكتاب وَالسّنة أشرف مِنْهُ قطعا
وَمِنْهَا أَن يقْصد بِالْعلمِ غير غَايَته كمن يتَعَلَّم علما لِلْمَالِ أَو الجاه فالعلوم لَيْسَ الْغَرَض مِنْهَا الِاكْتِسَاب بل الِاطِّلَاع على الْحَقَائِق وتهذيب الْأَخْلَاق على أَنه من تعلم علما للاحتراف لم يَأْتِ عَالما إِنَّمَا جَاءَ شَبِيها بالعلماء وَلَقَد كوشف عُلَمَاء مَا وَرَاء النَّهر بِهَذَا ونطقوا بِهِ لما بَلغهُمْ بِنَاء الْمدَارِس بِبَغْدَاد أَقَامُوا مأتم الْعلم وَقَالُوا كَانَ يشْتَغل بِهِ أَرْبَاب الهمم الْعلية والأنفس الزكية الَّذين يقصدون الْعلم لشرفه والكمال بِهِ فَيَأْتُونَ عُلَمَاء ينْتَفع بهم وبعلمهم وَإِذا صَار عَلَيْهِ أجره تداني إِلَيْهِ الإخساء وأرباب الكسل فَيكون سَببا لارتفاعه
وَمِنْهَا أَن يمتهن الْعلم بابتذاله إِلَى غير أَهله كَمَا اتّفق فِي علم الطِّبّ فَإِنَّهُ كَانَ فِي الزَّمن الْقَدِيم حِكْمَة موروثة عَن النُّبُوَّة فصارمهانا لما تعاطاه الْيَهُود بل زَالَ الْعلم بهم وَمَا أحسن قَول أفلاطون أَن الْفَضِيلَة تستحيل فِي النَّفس الرَّديئَة رذيلة كَمَا يَسْتَحِيل الْغذَاء الصَّالح فِي بدن السقيم إِلَى الْفساد
وَمِنْهَا أَن يكون الْعلم عَزِيز المنال رفيع الرقي قَلما يتَحَصَّل غَايَته ويتعاطاه من لَيْسَ من أَهله لينال من تمويهه غَرضا كَمَا اتّفق فِي عُلُوم
الكيميا والسيميا وَالسحر والطلسمات وَالْعجب مِمَّن يقبل دَعْوَى من يَدعِي علما من هَذِه الْعُلُوم فَإِن الْفطْرَة قاضية بِأَن من يطلع على ذُبَابَة من أسرار هَذِه الْعُلُوم يكتمها عَن وَالِده وَولده
وَمِنْهَا ذمّ جَاهِل متعالم لجهله إِيَّاه فَإِن من جهل شَيْئا أنكرهُ وعاداه كَمَا قيل الْمَرْء عَدو لما جَهله وَقَالَ تَعَالَى {كذبُوا بِمَا لم يحيطوا بِعِلْمِهِ} أَو ذمّ جَاهِل متعالم لتعصبه على أَهله بِسَبَب من الْأَسْبَاب وَلَعَلَّ المُرَاد من منع الْأَئِمَّة عَن تَعْلِيم بعض الْعُلُوم وتعلمه تَخْلِيص أَصْحَاب الْعُقُول القاصرة من تَضْييع الْعُمر وتوزيبه بِلَا فَائِدَة فَإِن فِي تَعْلِيم أَمْثَاله لَيْسَ لَهُ عَائِدَة وَإِلَّا فالعلم إِن كَانَ مذموما فِي نَفسه لَا يَخْلُو تَحْصِيله عَن فَائِدَة أقلهَا رد الْقَائِلين بهَا كالمنطق وَغَيره فَائِدَة أُخْرَى شَرَائِط تَحْصِيل الْعلم كَثِيرَة
وَمِنْهَا مَا نقل عَن سقراط وَهُوَ قَوْله يَنْبَغِي أَن يكون الطَّالِب شَابًّا فارغ الْقلب غير متلفت إِلَى الدُّنْيَا صَحِيح المزاج محبا للْعلم بِحَيْثُ لَا يخْتَار على الْعلم شَيْئا من الْأَشْيَاء مصدوقا منصفا بالطبع متدينا أَمينا عَالما بالوظائف الشَّرْعِيَّة والأعمال الدِّينِيَّة غير مخل بِوَاجِب فِيهَا وَيحرم على نَفسه مَا يحرم فِي مِلَّة نبيه ويوافق الْجُمْهُور فِي محَاسِن الرسوم وشرائف الْعَادَات وَلَا يكون فظا سيء الْخلق وَيرْحَم من دونه فِي الْمرتبَة وَلَا يكون أكولا وَلَا متهتكا وَلَا جَامعا لِلْمَالِ إِلَّا بِقدر الْحَاجة فَإِن الِاشْتِغَال بِطَلَب أَسبَاب الْمَعيشَة مَانع عَن التَّعَلُّم انْتهى
وَمِنْهَا تَزْكِيَة الطَّالِب عَن الْأَخْلَاق الرَّديئَة
وَمِنْهَا الْإِخْلَاص فِي مقاسات هَذَا المسلك وَقطع الطمع عَن قبُول أحد وتقليل الْعَوَائِق حَتَّى الْأَهْل وَالْأَوْلَاد والوطن فَإِنَّهَا صارفة شاغلة {مَا جعل الله لرجل من قلبين فِي جَوْفه} وَترك الكسل وإيثار السهر فِي اللَّيَالِي والعزم والثبات على التَّعَلُّم إِلَى آخر الْعُمر كَمَا قيل الطّلب من المهد إِلَى اللَّحْد وَقَالَ تَعَالَى لرَسُوله {وَقل رب زِدْنِي علما} وَقَالَ {وَفَوق كل ذِي علم عليم} فَإِن مَرَاتِب الْكَمَال مُتَفَاوِتَة وَهِي فِي حد ذَاتهَا كَثِيرَة
وَمِنْهَا اخْتِيَار معلم نَاصح نقي الْحسب كَبِير السّنَن أَمِين متدين لَا يلابس الدُّنْيَا بِحَيْثُ تشغله عَن دينه ويسافر فِي طلب الْأُسْتَاذ إِلَى أقْصَى الْبِلَاد وَيُقَال أول مَا يذكر من الْمَرْء أستاذه فَإِن كَانَ جَلِيلًا جلّ قدره وَإِذا وجد يلقى إِلَيْهِ زِمَام أمره ويذعن لنصحه إذعان الْمَرِيض للطبيب
وَمِنْهَا أَن يَأْتِي على مَا قَرَأَهُ مستوعبا لمسائله من مباديه إِلَى نهايته بتفهيم واستثبات بالحجج وَأَن يقْصد فِيهِ الْكتب الجيدة المستندة وَأَن لَا يعْتَقد فِي علم أَنه حصل مِنْهُ على مِقْدَار لَا يُمكن الزِّيَادَة عَلَيْهِ فَإِن هَذَا طيش يُوجب الحرمان
وَمِنْهَا المذاكرة مَعَ الأقران والمناظرة مَعَ الإخوان لما قيل الْعلم غرس وماؤه درس لَكِن طلبا للثَّواب وَإِظْهَار الصَّوَاب لَا لمماراة السُّفَهَاء ومجاراة الْعلمَاء قيل مطالعة سَاعَة خير من تكْرَار شهر وَلَكِن مَعَ منصف سليم الطَّبْع صَحِيح الْفِكر مهذب النَّفس
وَمِنْهَا مُرَاعَاة مَرَاتِب الْعُلُوم فِي الْقرب والبعد من الْمَقْصد فَلِكُل مِنْهَا رُتْبَة ترتيبا ضَرُورِيًّا بِحَسب الرِّعَايَة فِي التَّحْصِيل إِذا لبَعض طَرِيق إِلَى الْبَعْض وَلكُل علم حد لَا يتعداه فَعَلَيهِ أَن يعرفهُ فَلَا يتَجَاوَز ذَلِك الْحَد ولهذه الشَّرَائِط تفاصيل ذكرت فِي محلهَا فَائِدَة أُخْرَى
يقدم فِي تَعْلِيم الْعُلُوم الأهم فالأهم فِيهِ والوسيلة مُقَدّمَة على الْمَقْصد كَمَا أَن المباحث اللفظية مُقَدّمَة على المباحث المعنوية لِأَن الْأَلْفَاظ وَسِيلَة إِلَى الْمعَانِي وَالتَّحْقِيق أَن تقدم الْعلم على الْعلم لثَلَاثَة أُمُور إِمَّا لكَونه أهم مِنْهُ كتقديم فرض الْعين على فرض الْكِفَايَة وَهُوَ على الْمَنْدُوب إِلَيْهِ وَهُوَ على الْمُبَاح وكتقديم الْكتاب وَالسّنة على الْإِجْمَاع وَالْقِيَاس وكتقديم السّنَن على الْبدع وَإِمَّا لكَونه وَسِيلَة إِلَيْهِ وَإِمَّا لكَون مَوْضُوعه جُزْء من مَوْضُوع الْعلم الآخر والجزء مقدم على الْكل فَيقدم الصّرْف على النَّحْو وَرُبمَا يقدم علم على علم لَا لشَيْء بل الْغَرَض مِنْهَا التمرين على إِدْرَاك المعقولات كَمَا أَن طَائِفَة من القدماء قدمُوا تَعْلِيم الْحساب وَكَثِيرًا مَا يقدم الأهون فالأهون وَلذَا قدم المصنفون فِي كتبهمْ النَّحْو على الصّرْف ولعلهم راعوا فِي ذَلِك أَن الْحَاجة إِلَى النَّحْو أمس ثمَّ إِنَّه يخْتَلف فروض الْكِفَايَة فِي التَّأْكِيد وَعَدَمه بِحَسب خلو الْأَعْصَار والأمصار فَرب مصر لَا يُوجد فِيهِ من يُقيم الْفَرِيضَة إِلَّا وَاحِد أَو إثنان وَيُوجد فِيهِ عشرُون فَقِيها فَيكون تعلم الْحساب فِيهِ أكد من أصُول الْفِقْه وَالْوَاجِب علمه هُوَ فرض عين وَهُوَ كل مَا أوجبه الشَّرْع على الشَّخْص فِي خَاصَّة نَفسه وَمَا أوجبه على الْمَجْمُوع ليعملوا بِهِ لَو قَامَ وَاحِد لسقط عَن البَاقِينَ يُسمى فرض كِفَايَة والعلوم الَّتِي هِيَ فروض كِفَايَة على الْمَشْهُور كل
علم لَا يسْتَغْنى عَنهُ فِي قوام أَمر الدُّنْيَا وقانون الشَّرْع كفهم الْكتاب وَالسّنة وحفظهما من التحريفات وَمَعْرِفَة الِاعْتِقَاد بِإِقَامَة الْبُرْهَان عَلَيْهِ مِنْهُمَا وَإِزَالَة الشُّبْهَة وَمَعْرِفَة الْأَوْقَات والفرائض وَالْأَحْكَام الفرعية وَحفظ الْأَبدَان والأخلاق والسياسة وكل مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى شَيْء من هَذِه كعلم اللُّغَة والتصريف والنحو والمعاني وَالْبَيَان وَمَعْرِفَة الْأَنْسَاب والحساب إِلَى غير ذَلِك من الْعُلُوم الَّتِي هِيَ وَسَائِل إِلَى هَذِه الْمَقَاصِد وتفاوت درجاتها فِي التَّأْكِيد بِحَسب الْحَاجة إِلَيْهَا فَائِدَة أُخْرَى
الرحلة فِي طلب الْعلم مفيدة وَسبب ذَلِك أَن الْبشر يَأْخُذُونَ معارفهم وأخلاقهم وَمَا ينتحلونه من الْمذَاهب تَارَة علما وتعليما وإلقاء وَتارَة محاكاة وتلقينا بِالْمُبَاشرَةِ إِلَّا أَن حُصُول الملكات عَن الْمُبَاشرَة والتلقين أَشد استحكاما وَأقوى رسوخا فعلى قدر كَثْرَة الشُّيُوخ يكون حُصُول الملكة ورسوخها والاصطلاحات أَيْضا فِي تَعْلِيم الْعُلُوم مخلطة على المتعلم حَتَّى لقد يظنّ كثير مِنْهُم أَنَّهَا جُزْء من الْعلم وَلَا يدْفع عَنهُ ذَلِك إِلَّا مُبَاشَرَته لاخْتِلَاف الطّرق فِيهَا من المعلمين فلقاء أهل الْعُلُوم وتعدد الْمَشَايِخ يفِيدهُ تَمْيِيز الاصطلاحات بِمَا يرَاهُ من اخْتِلَاف طرقهم فِيهَا فيجرد الْعلم عَنْهَا وَيعلم أَنَّهَا أنحاء تَعْلِيم وتنهض قواه إِلَى الرسوخ وَالْأَحْكَام فِي الملكات فالرحلة لَا بُد مِنْهَا فِي طلب الْعلم لِاكْتِسَابِ الْفَوَائِد والكمال بلقاء الْمَشَايِخ ومباشرة الرِّجَال وَمن تشوق بفطرته إِلَى الْعلم مِمَّن نَشأ فِي الْقرى وَلَا يجد فِيهَا التَّعْلِيم لَا بُد لَهُ من الرحلة فِي طلبه إِلَى الْأَمْصَار فَائِدَة أُخْرَى
الْحِفْظ غير الملكة العلمية وَمن كَانَ عنايته بِالْحِفْظِ أَكثر من عنايته إِلَى تَحْصِيل الملكة لَا يحصل إِلَى طائل من ملكة التَّصَرُّف فِي الْعلم وَلذَلِك ترى من حصل الْحِفْظ لَا يحسن شَيْئا من الْفَنّ وتجد ملكته قَاصِرَة فِي علمه إِن فاوض أَو نَاظر وَمن ظن أَنه الْمَقْصُود من الملكة العلمية فقد أَخطَأ وَإِنَّمَا الْمَقْصُود هُوَ ملكة الاستخراج والاستنباط وَسُرْعَة الِانْتِقَال
من الدوال إِلَى المدلولات وَمن اللَّازِم إِلَى الْمَلْزُوم وَبِالْعَكْسِ فَإِن ضم إِلَيْهَا ملكة الاستحضار فَنعم الْمَطْلُوب وَهَذَا لَا يتم بِمُجَرَّد الْحِفْظ من أَسبَاب الاحتضار وَهُوَ رَاجع إِلَى جودة الْقُوَّة الحافظة وضعفها وَذَلِكَ من أَحْوَال الأمزجة الخلقية وَإِن كَانَ مِمَّا يقبل العلاج نقل الرَّازِيّ عَن الْحُكَمَاء أَن الْفَهم وَالْحِفْظ لَا يَجْتَمِعَانِ على سَبِيل الْكَمَال لِأَن الْفَهم يَسْتَدْعِي مزِيد رُطُوبَة فِي الدِّمَاغ وَالْحِفْظ يَسْتَدْعِي مزِيد يبوسة فِيهِ وَالْجمع بَينهمَا على سَبِيل التَّسَاوِي مُمْتَنع عَادَة شعر
(آه على فهم وَحفظ وَأَن
…
استحضر الْأَشْيَاء فِي وَقتهَا) فَائِدَة أُخْرَى
تعْيين الْعلم الَّذِي هُوَ فرض عين على كل مُكَلّف أَعنِي الَّذِي يتضمنه قَوْله صلى الله عليه وسلم طلب الْعلم فَرِيضَة على كل مُسلم للْعُلَمَاء اخْتِلَاف عَظِيم فِيهِ قَالَ الْفُقَهَاء هُوَ الْعلم بالحلال وَالْحرَام وَقَالَ المتكلمون هُوَ الْعلم الَّذِي يدْرك بِهِ التَّوْحِيد الَّذِي هُوَ أساس الشَّرِيعَة وَقَالَ الصُّوفِيَّة هُوَ علم الْقلب وَمَعْرِفَة الخواطر لِأَن النِّيَّة الَّتِي هِيَ شَرط الْأَعْمَال لَا تصح إِلَّا بهَا وَقَالَ أهل الْحق هُوَ علم المكاشفة وَقَالُوا الْأَقْرَب إِلَى التَّحْقِيق أَنه الْعلم الَّذِي يشْتَمل عَلَيْهِ قَوْله صلى الله عليه وسلم بني الْإِسْلَام على خمس الحَدِيث لِأَنَّهُ الْفَرْض على عَامَّة الْمُسلمين وَهُوَ اخْتِيَار الشَّيْخ أبي طَالب الْمَكِّيّ وَزَاد عَلَيْهِ بَعضهم أَن وجوب المباني الْخَمْسَة إِنَّمَا هُوَ بِقدر الْحَاجة مثلا من بلغ ضحوة النَّهَار يجب عَلَيْهِ أَن يعرف الله سبحانه وتعالى بصفاته اسْتِدْلَالا وَأَن يتَعَلَّم كلمتي الشَّهَادَة مَعَ فهم مَعْنَاهُمَا وَإِن عَاشَ إِلَى وَقت الظّهْر يجب أَن يتَعَلَّم أَحْكَام الطَّهَارَة وَالصَّلَاة وَإِن عَاشَ إِلَى رَمَضَان يجب أَن يتَعَلَّم أَحْكَام الصَّوْم وَإِن ملك مَالا يجب أَن يتَعَلَّم كَيْفيَّة الزَّكَاة وَإِن حصل لَهُ استطاعة الْحَج يجب أَن يتَعَلَّم أَحْكَام الْحَج ومناسكه وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ والمحدثون هُوَ علم الْكتاب وَالسّنة وَلَقَد صدقُوا فَإِن الْعَالم
بهما عَالم بجملة الْعُلُوم الْمَذْكُورَة إِذْ كل الصَّيْد فِي جَوف الفرى وَلَيْسَ قربَة وَرَاء عبادان وَقد قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْعلم ثَلَاثَة آيَة محكمَة أَو سنة قَائِمَة أَو فَرِيضَة عادلة وَمَا كَانَ سوى ذَلِك فَهُوَ فضل رَوَاهُ أَبُو دؤاد وَابْن مَاجَه فَائِدَة أُخْرَى
إِنَّمَا الْمَقْصُود من الْعلم والتعليم والتعلم معرفَة الله سبحانه وتعالى وَهِي غَايَة الغايات وَرَأس أَنْوَاع السعادات ويعبر عَنْهَا بِعلم الْيَقِين وَهُوَ الْكَمَال الْمَطْلُوب من الْعلم الثَّابِت من الْأَدِلَّة فإياك أَن يكون شغلك من الْعلم أَن تَجْعَلهُ صفة غلبت على قَلْبك حَتَّى قضيت نحبك بتكراره عِنْد النزع كَمَا يَحْكِي أَن أَبَا طَاهِر الزيَادي كَانَ يُكَرر مَسْأَلَة ضَمَان الدَّرك حَالَة نَزعه بل يَنْبَغِي لَك أَن تتخذه سَبِيلا إِلَى النجَاة وَلِهَذَا قيل من أَرَادَ أَن يرغم عدوه فليحصل الْعلم وَأَن لَا يترفه فِي الْمطعم والملبس وَأَن لَا يتجمل فِي الأثاث والمسكن بل يُؤثر الِاقْتِصَار فِي جَمِيع الْأُمُور ويتشبه بالسلف الصَّالح وَكلما ازْدَادَ إِلَى جَانب الْقلَّة ميله ازْدَادَ قربه من الله سبحانه وتعالى لِأَن التزين بالمباح وَإِن لم يكن حَرَامًا لَكِن الْخَوْض فِيهِ يُوجب الْأنس بِهِ حَتَّى يشق تَركه فالحزم اجْتِنَاب ذَلِك لِأَن من خَاضَ فِي الدُّنْيَا لَا يسلم مِنْهَا الْبَتَّةَ مَعَ أَنَّهَا مزرعة الْآخِرَة فَفِيهَا الْخَيْر النافع والسم الناقع
قَالَ السُّبْكِيّ فِي معيد النعم الْعلمَاء فرق كَثِيرَة مِنْهُم الْمُفَسّر والمحدث والفقيه والأصولي والمتكلم وَغَيرهم وينشعب كل فرقة من
هَؤُلَاءِ فرقا كَثِيرَة وَيجمع الْكل أَنه حق عَلَيْهِم إرشاد وإفتاء المستفتين ونصح الطالبين وَإِظْهَار الْعلم كم علما ألْجمهُ الله بلجام من نَار وَأَن لَا يقصدوا بِالْعلمِ الرِّيَاء والمباهاة والسمعة وَلَا يَجْعَلُوهُ سَبِيلا إِلَى الدُّنْيَا فَإِن الدُّنْيَا أقل من ذَلِك وَأَقل دَرَجَات الْعَالم أَن يدْرك حقارة الدُّنْيَا وخستها وكدورتها وانصرامها وَعظم الاخرة ودوامها وصفاءها وَحقّ الْحق أَنِّي لاعجب من عَالم يَجْعَل علمه سَبِيلا إِلَى حطام الدُّنْيَا وَهُوَ يرى كثيرا تنَال بِالْجَهْلِ فَمَا بالنا نشتريها بأنفس الاشياء وَهُوَ الْعلم فَيَنْبَغِي أَن يقْصد بِهِ وَجه الله تَعَالَى والترقي إِلَى جوَار الْمَلأ الْأَعْلَى انْتهى مُلَخصا والإفادة أفضل من الْعِبَادَة وَلَا بُد لَهُ من النِّيَّة ليَكُون ذَلِك ابْتِغَاء لمرضات الله تَعَالَى وإرشاد عباده وَلَا يُرِيد بذلك زِيَادَة جاه وَحرمه وَلَا يطْلب على إفادته أجرا اقْتِدَاء بِصَاحِب الشَّرْع صلى الله عليه وسلم وَمن بلغ رشده فِي الْعلم يَنْبَغِي أَن يبث إِلَيْهِ حقائق الْعُلُوم وَإِلَّا فحفظ الْعلم وإمساكه عَمَّن لَا يكون أَهلا لَهُ أولى بِهِ شعر
…
سأكتم علمي عَن ذَوي الْجَهْل طاقي
…
وَلَا أنثر الدّرّ النفيس على الغلم
…
فَمن منح الْجُهَّال علما أضاعه
…
وَمن منع المستوجبين فقد ظلم
…
وَعَن أنس رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَاضع الْعلم عِنْد غير أَهله كمقلد الْخَنَازِير الْجَوْهَر واللؤلؤ وَالذَّهَب رَوَاهُ ابْن مَاجَه أَي يحدث من لَا يفهمهُ أَو من يُرِيد مِنْهُ عرضا دنيويا أَو من لَا يتعلمه لله تَعَالَى كَذَا فِي الْمرقاة
فَائِدَة أُخْرَى
كَانَت الْعَرَب فِي صدر الْإِسْلَام لَا تعتي بِشَيْء من الْعُلُوم إِلَّا بلغتهَا وَمَعْرِفَة أَحْكَام شريعتها وبصناعة الطِّبّ فَإِنَّهَا كَانَت مَوْجُودَة عِنْد أَفْرَاد مِنْهُم لحَاجَة النَّاس طرا إِلَيْهَا وَذَلِكَ مِنْهُم صونا لقواعد الاسلام وعقائد أَهله عَن تطرق الْخلَل من عُلُوم الْأَوَائِل قبل الرسوخ وَالْأَحْكَام حَتَّى يرْوى أَنهم أحرقوا مَا وجدوا من الْكتب فِي فتوحات الْبِلَاد وَقد ورد النَّهْي عَن النّظر فِي التَّوْرَاة والانجيل لِاتِّحَاد الْكَلِمَة واجتماعها على الْأَخْذ وَالْعَمَل بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله صلى الله عليه وسلم وَاسْتمرّ ذَلِك إِلَى اخر عصر التَّابِعين ثمَّ حدث اخْتِلَاف الاراء وانتشار الْمذَاهب والأهواء فآل الْأَمر إِلَى التدوين والتحصين وَكَانَ الصَّحَابَة والتابعون لَهُم بِإِحْسَان لخلوص عقيدتهم ببركة صُحْبَة النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَقرب الْعَهْد اليه ولقة الِاخْتِلَاف والواقعات وتمكنهم من الْمُرَاجَعَة إِلَى الثِّقَات مستغنين عَن تدوين علم الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام حَتَّى أَن بَعضهم كره كتارة الْعلم كَابْن عَبَّاس رضي الله عنه لَكِن لما انْتَشَر الاسلام واتسعت الْأَمْصَار وَتَفَرَّقَتْ الصَّحَابَة فِي الأقطار وَحدثت الفنن وَاخْتِلَاف الرَّاء وَكَثُرت الفتاوي وَالرُّجُوع إِلَى الكبراء أخذُوا فِي تدوين الحَدِيث وَالْفِقْه وعلوم الْقُرْآن وَاشْتَغلُوا بِالنّظرِ وَالِاسْتِدْلَال وَالِاجْتِهَاد والاستنباط وتمهيد الْقَوَاعِد وَالْأُصُول وترتيب الْأَبْوَاب والفصول وتكثير الْمسَائِل بأدلتها وإيراد الشُّبْهَة بأجوبتها وَتَعْيِين الأوضاع والاصطلاحات وتبيين الْمذَاهب والاختلافات وَكَانَ ذَلِك مصلحَة عَظِيمَة وفكرة فِي الصَّوَاب مُسْتَقِيمَة فَرَأَوْا ذَلِك مُسْتَحبا بل وَاجِبا لقضية الْإِيجَاب الْمَذْكُور فِي القَوْل الْمَأْثُور الْعلم صيد وَالْكِتَابَة قيد وَمَا كتب قر وَمَا لم يكْتب فر
ثمَّ صنف سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَمَالك بن أنس بِالْمَدِينَةِ المنورة وَعبد الله بن وهب بِمصْر وَمعمر وَعبد الرَّزَّاق بِالْيمن وسُفْيَان الثَّوْريّ وَمُحَمّد بن فُضَيْل بن غَزوَان بِالْكُوفَةِ وَحَمَّاد بن سَلمَة وروح بن عبَادَة بالبصبرة وهشيم بواسط وَعبد الله بن مبارك بخراسان وَكَانَ مطمح نظرهم بالتدوين ضبط معاقد الْقُرْآن والْحَدِيث ومعانيهما ثمَّ دونوا فِيمَا هُوَ كالوسيلة إِلَيْهِمَا وَلما اتَّسع ملك الْملَّة الاسلامية ودرست عُلُوم الْأَوَّلين بنبوتها وكتابها صيروا علومهم الشَّرْعِيَّة صناعَة بعد أَن كَانَت نقلا فَحدثت فِيهِ الملكات وتشوقوا إِلَى عُلُوم الْأُمَم فنقلوها بالمترجمة إِلَى علومهم وبعيت تِلْكَ الْكتب والدفاتر الَّتِي بلغتهم الأعجمية نسيا منسيا وأصبحت الْعُلُوم كلهَا بلغَة الْعَرَب وَاحْتَاجَ القائمون بِالْعلمِ إِلَى معرفَة الدلالات اللفظية والخطية فِي لسانهم دون مَا سواهُ من الألسن لدروسها وَذَهَاب الْعِنَايَة بهَا
ولأول من عني بعلوم الْأَوَائِل الْخَلِيفَة الثَّانِي أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور ثمَّ لما أفضت الْخلَافَة إِلَى السَّابِع عبد الله الْمَأْمُون بن الرشيد تمم مَا بَدَأَ بِهِ جده فَأقبل على طلب الْعلم فِي موَاضعه واستخراجه من معادنه فداخل مُلُوك الرّوم وسألهم وصلَة مَا لديهم من كتب الفلاسفة فبعثوا إِلَيْهِ مِنْهَا بِمَا حضرهم من كتب الْحُكَمَاء وأحضر لَهَا مهرَة المترجمين فترجموا لَهُ على غَايَة مَا أمكن فنفقت لَهُ سوق الْعلم وَقَامَت دولة الْحِكْمَة فِي عصره
فَائِدَة أُخْرَى
وَمن النَّاس من يُنكر التصنيف فِي هَذَا الزَّمَان مُطلقًا وَلَا وَجه لانكاره من أَهله وَإِنَّمَا يحملهُ عَلَيْهِ التنافس والحسد الْجَارِي بَين أهل الاعصار وَللَّه در الْقَائِل فِي نظمه نظم
…
قل لمن لَا يرى المعاصر شَيْئا
…
وَيرى للأوائل التقديما
…
إِن ذَاك الْقَدِيم كَانَ حَدِيثا
…
وسيبقى هَذَا الحَدِيث قَدِيما
كَيفَ ونتائج الأفكار لَا تقف عِنْد حد وتصرفات الأنظار لَا تَنْتَهِي إِلَى غَايَة بل لكل عَالم ومتعلم مِنْهَا حَظّ يحرزه فِي وقته الْمُقدر لَهُ وَلَيْسَ لأحد أَن يزاحمه فِيهِ لِأَن الْعَالم الْمَعْنَوِيّ وَاسع كالبحر الزاخر والفيض الإلهي لَيْسَ لَهُ إنقطاع وَلَا آخر والعلوم منح إلهية ومواهب صمدانية فَغير مستبعد أَن يدّخر لبَعض الْمُتَأَخِّرين مَا لم يدّخر لكثير من الْمُتَقَدِّمين قَالَ صلى الله عليه وسلم مثل أمتِي مثل الْمَطَر لَا يدْرِي أَوله خير أم آخِره رَوَاهُ الْبَغَوِيّ فِي المصابيح عَن أنس وَقَالَ أمتِي أمة مباركة لَا يدْرِي أَولهَا خير أَو آخرهَا وَقَالَ ابْن عبد ربه فِي العقد إِنِّي رَأَيْت آخر طبقَة واضعب كل حِكْمَة ومؤلفي كل أدب أهذب لفظا وأسهل لُغَة وَأحكم مَذَاهِب وأوضح طَريقَة من الأول لِأَنَّهُ نَاقص متعقب وَالْأول باديء مُتَقَدم انتهي قَالَ الشَّاعِر
…
وَإِنِّي وَإِن كنت الْأَخير زمانة
…
لآت بِمَا لم تستطعه الْأَوَائِل
…
وَلَا غرو فِي هَذَا فَرب حَدِيث تقدم على قديم وَسبق وَإِن تَأَخّر فالرجال معادن وَلكُل زمَان محَاسِن والخواطر موارد لَا تنزح والأفكار مصابيح لَا تطفىء والأفهام مرايا لَا تتناهي صورها والعقول سحائب لَا ينفذ مطرها والمعالي غير متناهية والفضائل غير متوارية وَأم اللَّيَالِي ولود وَالْفضل فِي كل حِين مشهود وَإِن الْفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء
فَائِدَة أُخْرَى
حَملَة الْعلم فِي الْإِسْلَام أَكْثَرهم الْعَجم وَذَلِكَ من الْغَرِيب الْوَاقِع لِأَن عُلَمَاء الْملَّة الإسلامية فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة والعقلية أَكْثَرهم الْعَجم إِلَّا فِي الْقَلِيل النَّادِر وَإِن كَانَ مِنْهُم الْعَرَبِيّ فِي نسبته فَهُوَ أعجمي فِي لغته وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَن الْملَّة فِي أَولهَا لم يكن فِيهَا علم وَلَا صناعَة لمقْتَضى أَحْوَال البداوة وَإِنَّمَا أَحْكَام الشَّرِيعَة كَانَ الرِّجَال ينقلونها فِي صُدُورهمْ وَقد عرفُوا مأخذها من الْكتاب وَالسّنة بِمَا نقلوه من صَاحب الشَّرْع وَأَصْحَابه وَالْقَوْم يَوْمئِذٍ عرب لم يعرفوا أَمر التَّعْلِيم والتدوين وَلَا دعتهم إِلَيْهِ حَاجَة إِلَى آخر عصر التَّابِعين وَكَانُوا يسمون المختصين بِحمْل ذَلِك وَنَقله الْقُرَّاء فهم قراء كتاب الله سبحانه وتعالى وَالسّنة المأثورة الَّتِي هِيَ فِي غَالب مواردها تَفْسِير لَهُ وَشرح فَلَمَّا بعد النَّقْل من لدن دولة الرشيد احْتِيجَ إِلَى وضع التفاسير القرآنية وَتَقْيِيد الحَدِيث مَخَافَة ضيَاعه ثمَّ احْتِيجَ إِلَى معرفَة الْأَسَانِيد وتعديل الروَاة ثمَّ كثر اسْتِخْرَاج أَحْكَام الْوَاقِعَات من الْكتاب وَالسّنة وَفَسَد مَعَ ذَلِك اللِّسَان فاحتيج إِلَى وضع القوانين النحوية وَصَارَت الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة كلهَا ملكات فِي الاستنباط والتنظير وَالْقِيَاس واحتاجت إِلَى عُلُوم أُخْرَى هِيَ وَسَائِل لَهَا كقوانين الْعَرَبيَّة وقوانين الاستنباط وَالْقِيَاس والذب عَن العقائد بالأدلة فَصَارَت هَذِه الْأُمُور كلهَا علوما محتاجة إِلَى التَّعْلِيم فاندرجت فِي جملَة الصَّنَائِع وَالْعرب أبعد النَّاس عَنْهَا فَصَارَت الْعُلُوم لذَلِك حضرية والحضر هم الْعَجم أَو من فِي معناهم لِأَن أهل الحواضر تبع للعجم فِي الحضارة وَأَحْوَالهَا من الصَّنَائِع والحرف لأَنهم أقوم على ذَلِك للحضارة الراسخة فيهم مُنْذُ دولة الْفرس فَكَانَ صَاحب صناعَة النَّحْو سِيبَوَيْهٍ والفارسي والزجاج كلهم عجم فِي أنسابهم اكتسبوا اللِّسَان الْعَرَبِيّ بمخالطة الْعَرَب وصيروه قوانين لمن بعدهمْ وَكَذَلِكَ حَملَة الحَدِيث وحفاظه أَكْثَرهم عجم أَو مستعجمون باللغة وَكَانَ عُلَمَاء أصُول الْفِقْه كلهم عجما وَكَذَلِكَ حَملَة أهل الْكَلَام وَأكْثر الْمُفَسّرين وَلم يقم بِحِفْظ الْعلم وتدوينه إِلَّا الْأَعَاجِم وَأما الْعَرَب الَّذين أدركوا هَذِه الحضارة وَخَرجُوا إِلَيْهَا عَن
البداوة فشغلهم الرِّئَاسَة فِي الدولة العباسية وَمَا دفعُوا إِلَيْهِ من الْقيام بِالْملكِ عَن الْقيام بِالْعلمِ مَعَ مَا يلحقهم من الأنفة عَن انتحال الْعلم لكَونه من جملَة الصَّنَائِع والرؤساء يستنكفون عَن الصَّنَائِع وَأما الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة فَلم تظهر فِي الْملَّة إِلَّا بعد أَن تميز حَملَة الْعلم ومؤلفوه وَاسْتقر الْعلم كُله صناعَة فاختصت بالعجم وَتركهَا الْعَرَب فَلم يحملهَا إِلَّا المستعربون من الْعَجم فَائِدَة أُخْرَى
الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة كَثِيرَة وَهِي علم التَّفْسِير وَعلم الْقِرَاءَة وَعلم الحَدِيث وَعلم الْفِقْه وَعلم الْكَلَام وَعلم العقائد وَغَيرهَا وفروع هَذِه الْعُلُوم وأفضلها رُتْبَة وأكملها شرافة وأعظهما نفعا علم الحَدِيث وَالْقُرْآن وَالنَّظَر فيهمَا لَا بُد أَن يتقدمه الْعُلُوم الْعَرَبيَّة لِأَنَّهُ مُتَوَقف عَلَيْهَا وَهِي علم اللُّغَة والنحو وَالْبَيَان وَنَحْو ذَلِك وَهَذِه الْعُلُوم النقلية كلهَا مُخْتَصَّة بالملة الإسلامية وَإِن كَانَت كل مِلَّة لَا بُد فِيهَا من مثل ذَلِك فَهِيَ مُشَاركَة لَهَا من حَيْثُ أَنَّهَا عُلُوم الشَّرِيعَة وَأما على الْخُصُوص فمباينة لجَمِيع الْملَل لِأَنَّهَا ناسخة لَهَا وكل مَا قبلهَا من عُلُوم الْملَل فمهجورة وَالنَّظَر فِيهَا مَحْظُور وَإِن كَانَ فِي الْكتب الْمنزلَة غير الْقُرْآن كَمَا ورد النَّهْي عَن النّظر فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل ثمَّ إِن هَذِه الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة قد نفقت أسواقها فِي هَذِه الْملَّة بِمَا لَا مزِيد فِيهِ وانتهت فِيهَا مدارك الناظرين إِلَى الْغَايَة الَّتِي لَا فَوْقهَا وَحدثت الاصطلاحات ورتبت الْفُنُون وَكَانَ لكل فن رجال يرجع إِلَيْهِم فِيهِ ووضاع يُسْتَفَاد مِنْهُم التَّعْلِيم واختص الْمشرق من ذَلِك وَالْمغْرب بِمَا هُوَ مَشْهُور مِنْهَا وَكتب الْعلم كَثِيرَة لاخْتِلَاف أغراض المصنفين فِي الْوَضع والتأليف وَقد دون أَسمَاء تدويناتهم صَاحب كشف الظنون على وَجه الِاسْتِقْصَاء ولعمري إِنَّه أجدى من تفاريق الْعَصَا فَائِدَة أُخْرَى
المؤلفون الْمُعْتَبرَة تصانيفهم فريقان
الأول من لَهُ فِي الْعلم ملكة تَامَّة ودراية كَامِلَة وتجارب وَثِيقَة
وحدس صائب وَفهم ثاقب فتصانيفهم عَن قُوَّة تبصرة ونفاذ فكر وسداد رَأْي وَهَؤُلَاء أحسنو إِلَى النَّاس كَمَا أحسن الله تَعَالَى إِلَيْهِم وَهَذَا لَا يسْتَغْنى عَنهُ أحد
وَالثَّانِي من لَهُ ذهن ثاقب وَعبارَة طَلْقَة طالع الْكتب فاستخرج دررها ومارس الصُّحُف فَأحْسن نظمها وَهَذَا ينْتَفع بِهِ المبتدؤن والمتوسطون وَمِنْهُم من جمع وصنف للاستفادة للإفادة فَلَا حجر عَلَيْهِ بل يرغب إِلَيْهِ إِذا تأهل فَإِن الْعلمَاء قَالُوا يَنْبَغِي للطَّالِب أَن يشْتَغل بالتخريج والتصنيف فِيمَا فهمه مِنْهُ إِذا احْتَاجَ النَّاس إِلَيْهِ بتوضيح عِبَارَته كي يكسبه جميل الذّكر وتخليده إِلَى آخر الدَّهْر والتعقب على الْكتب سهل بِالنِّسْبَةِ إِلَى تأليفها ووضعها وترصيفها كَمَا يُشَاهد فِي الْأَبْنِيَة الْعَظِيمَة والهياكل الْقَدِيمَة حَيْثُ يعْتَرض على بانيها من عرى فِي فنه عَن القوى وَالْقدر بِحَيْثُ لَا يقدر على وضع حجر على حجر
وَقد كتب القَاضِي الْفَاضِل عبد الرَّحِيم البيساني إِلَى الْعِمَاد الْأَصْفَهَانِي معتذرا عَن كَلَام استدركه عَلَيْهِ أَنه وَقع لي شَيْء وَمَا أَدْرِي أوقع لَك أم لَا وَهَا أَنا أخْبرك بِهِ وَذَلِكَ أَنِّي رَأَيْت أَنه لَا يكْتب إنْسَانا كتابا فِي يَوْمه إِلَّا قَالَ فِي غده لَو غير هَذَا لَكَانَ أحسن لَو زيد هَذَا لَكَانَ يستحسن وَلَو قدم هَذَا لَكَانَ أفضل وَلَو ترك هَذَا لَكَانَ أجمل وَهَذَا من أعظم العبر وَهُوَ دَلِيل على اسْتِيلَاء النَّقْص على جملَة الْبشر وَهَذِه الْفَوَائِد قد التقطتها من مُقَدّمَة كتاب كشف الظنون وَغَيره من كتب الْفُنُون وَإِن كَانَت قَليلَة الْمُنَاسبَة بفن الرسَالَة وَوضع هَذِه الْمقَالة نظم
(خرجت من شَيْء إِلَى غَيره
…
كَذَلِك الْفَاضِل إِذا ينْسَخ)
(يكْتب هَذَا ثمَّ هَذَا وَذَا
…
لَعَلَّه فِي قلبه يرسخ) فَائِدَة أُخْرَى
أَخذ النَّاس الْيَوْم يزهدون فِي الْعلم وينتفرون مِنْهُ ويشتغلون عَنهُ بتزاحم الْفِتَن تَارَة وَجمع الشمل أُخْرَى وبقلة الرغبات فِيهِ وَكَثْرَة
الْخَوْض فِيمَا لَا يعنيه إِلَى أَن كَاد يرْتَفع جملَة وَكَذَا شَأْن سَائِر الصَّنَائِع والدول فَإِنَّهَا تبتديء قَلِيلا قَلِيلا وَلَا يزَال يزِيد حَتَّى يصل إِلَى غَايَة هِيَ منتهاه ثمَّ يعود إِلَى النُّقْصَان فيؤول أمره إِلَى الْغَيْبَة فِي مهاد النسْيَان شعر
(ثمَّ انْقَضتْ تِلْكَ السنون وَأَهْلهَا
…
فَكَأَنَّهَا وَكَأَنَّهُم أَحْلَام)
وَالْحق أَن أعظم الْأَسْبَاب فِي رواج الْعلم وكساده هُوَ رَغْبَة الْمُلُوك فِي كل عصر وَعدم رغبتهم فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون سِيمَا على ذهَاب علم الدّين وَالْإِسْلَام من الحَدِيث وَالتَّفْسِير اللَّذين عَلَيْهِمَا مدَار العقائد وَالْأَحْكَام وَقد مَال أهل الْعَصْر عَن شاكلة الصَّوَاب وانخدعوا بلامع السراب واقتنعوا من الْعُلُوم بالقشر عَن اللّبَاب
قَالَ الْغَزالِيّ أَدِلَّة الطَّرِيق هم الْعلمَاء الَّذين هم وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وَقد شغر عَنْهُم الزَّمَان وَلم يبْق إِلَّا المترسمون وَقد استحوذ على أَكْثَرهم الشَّيْطَان واستغواهم الطغيان وَأصْبح كل وَاحِد مِنْهُم يعاجل حَظه مشغوفا فَصَارَ يرى الْمَعْرُوف مُنْكرا وَالْمُنكر مَعْرُوفا حَتَّى ظلّ علم الدّين مندرسا ومنار الْهدى فِي أقطار الأَرْض منطمسا وَلَقَد خيلوا إِلَى الْخلق أَن لَا علم إِلَّا فَتْوَى حُكُومَة تستعين ثمَّ الْقُضَاة على فصل الْخِصَام عِنْد تهارش الطغام أَو جدل يتدرع بِهِ طَالب المباهاة إِلَى الْغَلَبَة والإفحام أَو سجع مزخرف يتوسل بِهِ الْوَاعِظ إِلَى اسْتِدْرَاج الْعَوام إِذْ لم يرَوا مَا سوى هَذِه الثَّلَاثَة مصيدة لِلْحَرَامِ وشبكة للحطام
فَأَما علم طَرِيق الْآخِرَة وَمَا درج عَلَيْهِ السّلف الصَّالح مِمَّا سَمَّاهُ الله سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه فقها وَحِكْمَة وعلما وضياء ونورا وهداية ورشدا فقد أصبح من بَين الْخلق مطويا وَصَارَ نسيا منسيا ولعمري إِنَّه لَا سَبَب لإصرارك على النكير إِلَّا الدَّاء الَّذِي عَم الجم الْغَفِير بل شَمل الجماهير من الْقُصُور عَن مُلَاحظَة ذرْوَة هَذَا الْأَمر وَالْجهل بِأَن الْأَمر إد والخط جد وَالْآخِرَة مقبلة وَالدُّنْيَا مُدبرَة وَالْأَجَل قريب وَالسّفر بعيد والزاد طفيف والخطر عَظِيم وَالطَّرِيق سد وَمَا سوى الْخَالِص لوجه الله
من الْعلم وَالْعَمَل عِنْد النَّاقِد الْبَصِير رد وسلوك طَرِيق الْآخِرَة مَعَ كَثْرَة الغوائل من غير دَلِيل وَلَا رَفِيق مُتْعب ومكد انْتهى
وَلَقَد أنصف الذَّهَبِيّ فِي قَوْله {وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا} وَأما الْيَوْم فَمَا بَقِي من هَذِه الْعُلُوم القليلة أَيْضا إِلَّا الْقَلِيل فِي أنَاس قَلِيل وَمَا أقل من يعْمل مِنْهُم بذلك الْقَلِيل فحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل انْتهى
وَلَقَد روينَا عَن زِيَاد بن لبيد أَنه قَالَ ذكر النَّبِي صلى الله عليه وسلم شَيْئا فَقَالَ ذَاك عِنْد أَو أَن ذهَاب الْعلم قلت يَا رَسُول الله وَكَيف يذهب الْعلم وَنحن نَقْرَأ الْقُرْآن ونقرئه أبناءنا ويقرئه ابناؤنا أَبْنَاءَهُم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ ثكلتك أمك زِيَاد إِن كنت لأرَاك من أفقه رجل بِالْمَدِينَةِ أوليس هَذَا الْيَهُود وَالنَّصَارَى يقرأون التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل لَا يعْملُونَ بِشَيْء مِمَّا فيهمَا رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه وروى التِّرْمِذِيّ نَحوه وَكَذَا الدَّارمِيّ عَن أبي أُمَامَة
وَعَن عَليّ كرم الله وَجهه فِي الْجنَّة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يُوشك أَن يَأْتِي على النَّاس زمَان لَا يبْقى من الْإِسْلَام إِلَّا اسْمه وَلَا من الْقُرْآن إِلَّا رسمه مَسَاجِدهمْ عامرة وَهِي خراب من الْهدى علماؤهم شَرّ من تَحت أَدِيم السَّمَاء من عِنْدهم تخرج الْفِتْنَة وَفِيهِمْ تعود رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان فيا للْمُسلمين ألم يَأن للَّذين آمنُوا أَن تخشع قُلُوبهم لذكر الله وَمَا نزل من الْحق نظم
(يَا أسفي من فِرَاق قوم
…
هم المصابيح والحصون)
(والمدن والمزن والرواسي
…
وَالْخَيْر وَالدّين والسكون)
(لم تَتَغَيَّر لنا اللَّيَالِي
…
حَتَّى توفتهم الْمنون)
(بعدهمْ الْعَيْش لَيْسَ يصفو
…
كَيفَ وَقد جَفتْ الْعُيُون)
(فَكل جمر لنا قُلُوب
…
وكل مَاء لنا عُيُون)