المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الأول في طبقات كتب الحديث - الحطة في ذكر الصحاح الستة

[صديق حسن خان]

فهرس الكتاب

- ‌خطْبَة الْكتاب

- ‌فَاتِحَة وفيهَا فصلان

- ‌الْفَصْل الأول

- ‌فِي فَضِيلَة الْعلم وَالْعُلَمَاء وَمَا يُنَاسِبهَا تدرسون الْفَوَائِد الْعليا

- ‌الْفَصْل الثَّانِي

- ‌فِي شرف علم الحَدِيث وفضيلة الْمُحدثين

- ‌ الْبَاب الأول فِي معرفَة علم الحَدِيث ومبدأ جمعه وتدوينه ونقلته وَمَا يتَّصل بذلك وَفِيه فُصُول

- ‌الْفَصْل الأول فِي معرفَة علم الحَدِيث

- ‌الْفَصْل الثَّانِي فِي مبدأ جمع الحَدِيث وتأليفه وانتشاره

- ‌الْفَصْل الثَّالِث فِي اخْتِلَاف الْأَغْرَاض فِي تصانيف علم الحَدِيث

- ‌الْفَصْل الرَّابِع فِي أَنْوَاع كتب الحَدِيث كثر الله سوادها

- ‌الْقسم الأول من المصنفات فِي الْأَحَادِيث

- ‌الْقسم الثَّانِي من المصنفات فِي الحَدِيث المسانيد

- ‌وَالْقسم الثَّالِث مِنْهَا المعجم

- ‌وَالْقسم الرَّابِع مِنْهَا الْأَجْزَاء

- ‌وَالْقسم الآخر مِنْهَا أَرْبَعُونَ حَدِيثا

- ‌الْفَصْل الْخَامِس فِي ذكر نقلة الحَدِيث من أهل الِاجْتِهَاد والْحَدِيث

- ‌ الْبَاب الثَّانِي فِي فروع علم الحَدِيث وَذكر الْكتب المصنفة فِيهَا

- ‌الْفَصْل الأول فِي علم الحَدِيث رِوَايَة

- ‌الْفَصْل الثَّانِي فِي علم الحَدِيث دراية

- ‌الْفَصْل الثَّالِث فِي علم نَاسخ الحَدِيث ومنسوخه

- ‌الْفَصْل الرَّابِع فِي علم النّظر فِي الْأَسَانِيد

- ‌الْفَصْل الْخَامِس فِي علم الثقاة والضعفاء من رُوَاة الحَدِيث

- ‌الْفَصْل السَّادِس فِي علم تلفيق الحَدِيث

- ‌الْفَصْل السَّابِع فِي علم الْجرْح وَالتَّعْدِيل

- ‌الْفَصْل الثَّامِن فِي علم أَسمَاء الرِّجَال

- ‌الْفَصْل التَّاسِع فِي علم رجال الْأَحَادِيث أَي رواتها

- ‌الْفَصْل الْعَاشِر فِي علم أَحْوَال رُوَاة الحَدِيث من وفياتهم وقبائلهم وأوطانهم وجرحهم وتعديلهم وَغير ذَلِك

- ‌الْفَصْل الْحَادِي عشر فِي علم غَرِيب الحَدِيث وَالْقُرْآن

- ‌الْفَصْل الثَّانِي عشر فِي علم شرح الحَدِيث

- ‌الْفَصْل الثَّالِث عشر فِي علم الْأَدْعِيَة والأوراد

- ‌الْفَصْل الرَّابِع عشر فِي علم طب النَّبِي صلى الله عليه وسلم

- ‌الْفَصْل الْخَامِس عشر فِي علم متن الحَدِيث

- ‌الْفَصْل السَّادِس عشر فِي علم رموز الحَدِيث

- ‌الْفَصْل السَّابِع عشر فِي علم وضع الحَدِيث

- ‌ الْبَاب الثَّالِث فِي طَبَقَات كتب الحَدِيث وَذكر الْأَحَادِيث المحتج بهَا فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وأنواع ضبط الحَدِيث وَتحمل الحَدِيث وتعريف الْمُحدث وَمَا يتَّصل بذلك وَفِيه فُصُول

- ‌الْفَصْل الأول فِي طَبَقَات كتب الحَدِيث

- ‌الْفَصْل الثَّانِي فِي ذكر الْأَحَادِيث المحتج بهَا فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة

- ‌الْفَصْل الثَّالِث فِي ضبط الحَدِيث ودرسه وتحمله

- ‌فِي صفة الْمُحدث وتقصير النَّاس فِي طلب علم الحَدِيث وَمَا يُنَاسِبه

- ‌الْفَصْل الْخَامِس فِي قلَّة علم الحَدِيث بِأَرْض الْهِنْد وَمَا يُنَاسِبهَا

- ‌ الْبَاب الرَّابِع فِي ذكر الْأُمَّهَات السِّت وشروحها وَمَا يَليهَا وَفِيه فُصُول

- ‌الْفَصْل الأول فِي ذكر موطأ مَالك بن أنس رَحمَه الله تَعَالَى

- ‌الْفَصْل الثَّانِي فِي ذكر صَحِيح البُخَارِيّ وَفِيه أوصال

- ‌الْفَصْل الثَّالِث فِي ذكر الْجَامِع الصَّحِيح للْإِمَام الْحَافِظ أبي الْحُسَيْن مُسلم بن الْحجَّاج الْقشيرِي الشَّافِعِي الْمُتَوفَّى سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ

- ‌الْفَصْل الرَّابِع فِي ذكر الْجَامِع الصَّحِيح للْإِمَام الْحَافِظ أبي عِيسَى مُحَمَّد بن عِيسَى البوغي التِّرْمِذِيّ رَحمَه الله تَعَالَى

- ‌الْفَصْل الْخَامِس فِي ذكر السّنَن لأبي دَاوُد سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث بن اسحاق الْأَزْدِيّ السجسْتانِي الْمُتَوفَّى سنة خمس وَسبعين وَمِائَتَيْنِ

- ‌الْفَصْل السَّادِس فِي ذكر السّنَن لأبي عبد الرَّحْمَن بن شُعَيْب النَّسَائِيّ الْحَافِظ المتوفي سنة ثَلَاث وثلاثمائة

- ‌الْفَصْل السَّابِع فِي ذكر سنَن ابْن مَاجَه لأبي عبد الله بن يزِيد بن مَاجَه الْقزْوِينِي الْحَافِظ المتوفي سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَتَيْنِ

- ‌الْفَصْل الثَّامِن فِي ذكر مُسْند الإِمَام أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل المتوفي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ

- ‌ الْبَاب الْخَامِس فِي تراجم أَصْحَاب الْأُمَّهَات السِّت وَالْإِمَام مَالك وَأحمد بن حَنْبَل رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ وَفِيه فُصُول

- ‌الْفَصْل الأول فِي تَرْجَمَة الإِمَام مَالك

- ‌الْفَصْل الثَّانِي فِي تَرْجَمَة مُحَمَّد بن اسماعيل البُخَارِيّ

- ‌الْفَصْل الثَّالِث فِي تَرْجَمَة مُسلم بن الْحجَّاج

- ‌الْفَصْل الرَّابِع فِي تَرْجَمَة أبي دَاوُد السجسْتانِي

- ‌الْفَصْل الْخَامِس فِي تَرْجَمَة أبي عِيسَى التِّرْمِذِيّ

- ‌الْفَصْل السَّادِس فِي تَرْجَمَة النَّسَائِيّ

- ‌الْفَصْل السَّابِع فِي تَرْجَمَة ابْن مَاجَه

- ‌الْفَصْل الثَّامِن فِي تَرْجَمَة الإِمَام أَحْمد

- ‌خَاتِمَة

الفصل: ‌الفصل الأول في طبقات كتب الحديث

-‌

‌ الْبَاب الثَّالِث فِي طَبَقَات كتب الحَدِيث وَذكر الْأَحَادِيث المحتج بهَا فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وأنواع ضبط الحَدِيث وَتحمل الحَدِيث وتعريف الْمُحدث وَمَا يتَّصل بذلك وَفِيه فُصُول

-

‌الْفَصْل الأول فِي طَبَقَات كتب الحَدِيث

اعْلَم أَنه لَا سَبِيل لنا إِلَى معرفَة الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام إِلَّا خبر النَّبِي صلى الله عليه وسلم بِخِلَاف الْمصَالح فَإِنَّهَا قد تدْرك بالتجربة وَالنَّظَر الصَّادِق والحدس وَنَحْو ذَلِك وَلَا سَبِيل لنا إِلَى معرفَة أخباره صلى الله عليه وسلم إِلَّا تلقي الرِّوَايَات المنتهية إِلَيْهِ بالاتصال والعنعنة سَوَاء كَانَت من لَفظه صلى الله عليه وسلم أَو كَانَت أَحَادِيث مَوْقُوفَة قد صحت الرِّوَايَة بهَا عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بِحَيْثُ يبعد إقدامهم على الْجَزْم بِمثلِهِ لَوْلَا النَّص وَالْإِشَارَة من الشَّارِع فَمثل ذَلِك رِوَايَة عَنهُ صلى الله عليه وسلم دلَالَة وتلقي تِلْكَ الرِّوَايَات لَا سَبِيل إِلَيْهِ فِي يَوْمنَا هَذَا إِلَّا تتبع الْكتب الْمُدَوَّنَة فِي علم الحَدِيث فَإِنَّهُ لَا يُوجد الْيَوْم رِوَايَة يعْتَمد عَلَيْهَا غير مدونة

وَكتب الحَدِيث على طَبَقَات مُخْتَلفَة ومنازل متباينة فَوَجَبَ الاعتناء بِمَعْرِِفَة صِفَات كتب الحَدِيث فَنَقُول هِيَ بِاعْتِبَار الصِّحَّة والشهرة على أَربع طَبَقَات وَذَلِكَ لِأَن أَعلَى أَقسَام الحَدِيث مَا ثَبت بالتواتر واجمعت

ص: 114

الْأمة على قبُوله وَالْعَمَل بِهِ ثمَّ مَا استفاض من طرق مُتعَدِّدَة لَا يبْقى مَعهَا شُبْهَة يعْتد بهَا وَاتفقَ على الْعَمَل بِهِ جُمْهُور فُقَهَاء الْأَمْصَار أَو لم يخْتَلف فِيهِ عُلَمَاء الْحَرَمَيْنِ خَاصَّة فَإِن الْحَرَمَيْنِ مَحل الْفُقَهَاء الرَّاشِدين فِي الْقُرُون الأولى ومحط رحال الْعلمَاء طبقَة بعد طبقَة يبعد أَن يسلمُوا مِنْهُم الْخَطَأ الظَّاهِر أَو كَانَ قولا مَشْهُورا مَعْمُولا بِهِ فِي قطر عَظِيم مرويا عَن جمَاعَة عَظِيمَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ثمَّ مَا صَحَّ أَو حسن سَنَده وَشهد بِهِ عُلَمَاء الحَدِيث وَلم يكن قولا متروكا لم يذهب إِلَيْهِ أحد من الْأمة إِمَّا مَا كَانَ ضَعِيفا مَوْضُوعا أَو مُنْقَطِعًا أَو مقلوبا فِي سَنَده أَو مَتنه أَو من رِوَايَة المجاهيل أَو مُخَالفا لما أجمع عَلَيْهِ السّلف طبقَة بعد طبقَة فَلَا سَبِيل إِلَى القَوْل بِهِ

فالصحة أَن يشْتَرط مؤلف الْكتاب على نَفسه إِيرَاد مَا صَحَّ أَو حسن غير مقلوب وَلَا شَاذ وَلَا ضَعِيف إِلَّا مَعَ بَيَان حَاله فَإِن إِيرَاد الضَّعِيف مَعَ بَيَان حَاله لَا يقْدَح فِي الْكتاب والشهرة أَن يكون الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة فِيهَا دَائِرَة على أَلْسِنَة الْمُحدثين قبل تدوينها وَبعد تدوينها فَيكون أَئِمَّة الحَدِيث قبل الْمُؤلف رووها بطرق شَتَّى وأوردوها فِي مسانيدهم ومجاميعهم وَبعد الْمُؤلف اشتغلوا بِرِوَايَة الْكتاب وَحفظه وكشف مشكله وَشرح غَرِيبه وَبَيَان إعرابه وَتَخْرِيج طرق أَحَادِيثه واستنباط فقهها والفحص عَن أَحْوَال رواتها طبقَة بعد طبقَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا حَتَّى لَا يبْقى شَيْء مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ غير مبحوث عَنهُ إِلَّا مَا شَاءَ الله وَيكون نقاد الحَدِيث قبل المُصَنّف وَبعده وافقوه فِي القَوْل بهَا وحكموا بِصِحَّتِهَا وارتضوا رَأْي المُصَنّف فِيهَا وتلقوا كِتَابه بالمدح وَالثنَاء وَيكون أَئِمَّة الْفِقْه لَا يزالون يستنبطون عَنْهَا ويعتمدون عَلَيْهَا ويعتنون بهَا وَيكون الْعَامَّة لَا يخلون عَن اعتقادها وتعظيمها

ص: 115

وَبِالْجُمْلَةِ فَإِذا اجْتمعت هَاتَانِ الخصلتان كملا فِي كتاب كَانَ مي الطَّبَقَة الأولى ثمَّ وَثمّ وَإِن فقدتا رَأْسا لم يكن لَهُ اعْتِبَار وَمَا كَانَ أَعلَى حد فِي الطَّبَقَة الأولى فَإِنَّهُ يصل إِلَى الاستفاضة ثمَّ إِلَى الصِّحَّة القطعية أَعنِي الْقطع الْمَأْخُوذ فِي علم الحَدِيث الْمُفِيد للْعَمَل والطبقة الثَّانِيَة إِلَى الاستفاضة أَو الصِّحَّة القطعية أَو الظنية وَهَكَذَا يزَال الْأَمر

فالطبقة الأولى منحصرة بالاستقراء فِي ثَلَاثَة كتب الْمُوَطَّأ وصحيح البُخَارِيّ وصحيح مُسلم قَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى أصح الْكتب بعد كتاب الله موطأ مَالك وَقد اتّفق أهل الحَدِيث على أَن جَمِيع مَا فِيهِ صَحِيح على رَأْي مَالك وَمن وَافقه وَأما على رَأْي غَيره فَلَيْسَ فِيهِ مُرْسل وَلَا مُنْقَطع إِلَّا قد اتَّصل السَّنَد بِهِ من طرق أُخْرَى فَلَا جرم أَنَّهَا صَحِيحَة من هَذَا الْوَجْه وَقد صنف فِي زمَان مَالك موطآت كَثِيرَة فِي تَخْرِيج أَحَادِيثه وَوصل مُنْقَطِعَة مثل كتاب ابْن أبي ذُؤَيْب وَابْن عُيَيْنَة وَالثَّوْري وَمعمر وَغَيرهم مِمَّن شَارك فِي الشُّيُوخ وَقد رَوَاهُ عَن مَالك بِغَيْر وَاسِط أَكثر من ألف رجل وَقد ضرب النَّاس فِيهِ أكباد الْإِبِل إِلَى مَالك من أقاصي الْبِلَاد كَمَا كَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم ذكره فِي حَدِيثه فَمنهمْ المبرزون من الْفُقَهَاء كالشافعي رَحمَه الله تَعَالَى وَمُحَمّد بن الْحسن وَابْن وهب وَابْن الْقَاسِم وَمِنْهُم نحارير الْمُحدثين كيحيى بن سعيد الْقطَّان وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَعبد الرَّزَّاق وَمِنْهُم الْمُلُوك الْأُمَرَاء كالرشيد وابنيه وَقد اشْتهر فِي عصره حَتَّى بلغ إِلَى جَمِيع ديار الْإِسْلَام ثمَّ لم يَأْتِ زمَان إِلَّا وَهُوَ أَكثر لَهُ شهرة وَأقوى بِهِ عناية وَعَلِيهِ بنى فُقَهَاء الْأَمْصَار مذاهبهم حَتَّى أهل الْعرَاق فِي بعض أَمرهم وَلم يزل الْعلمَاء يخرجُون أَحَادِيثه ويذكرون متابعاته وشواهده ويشرحون غَرِيبه ويضبطون مشكله ويبحثون عَن فقهه ويفتشون عَن رِجَاله إِلَى غَايَة لَيْسَ بعْدهَا غَايَة وَإِن شِئْت الْحق الصراح فقس كتاب الْمُوَطَّأ بِكِتَاب الْآثَار لمُحَمد والأمالي لأبي يُوسُف تَجِد بَينه وَبَينهمَا بعد المشرقين فَهَل سَمِعت أحدا من الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء تعرض لَهما واعتنى بهما

ص: 116

أما الصحيحان فقد اتّفق المحدثون على أَن جَمِيع مَا فيهمَا من الْمُتَّصِل الْمَرْفُوع صَحِيح بِالْقطعِ وأنهما متواتران إِلَى مصنفيهما وَإنَّهُ كل من يهون أَمرهمَا فَهُوَ مُبْتَدع مُتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ وَإِن شِئْت الْحق الصراح فقسهما بِكِتَاب ابْن أبي شيبَة وَكتاب الطَّحَاوِيّ ومسند الْخَوَارِزْمِيّ وَغَيرهَا تَجِد بَينهَا وَبَينهمَا بعد المشرقين وَقد استدرك الْحَاكِم عَلَيْهِمَا أَحَادِيث هِيَ على شَرطهمَا وَلم يذكراها وَقد تتبعت مَا استدركه فَوَجَدته قد أصَاب من وَجه وَلم يصب من وَجه وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وجد أَحَادِيث مروية عَن رجال الشَّيْخَيْنِ بشرطهما فِي الصِّحَّة والاتصال فاتجه استدراكه عَلَيْهِمَا من هَذَا الْوَجْه وَلَكِن الشَّيْخَيْنِ لَا يذكران إِلَّا حَدِيثا قد تناظر فِيهِ مشايخهما وَأَجْمعُوا على القَوْل بِهِ والتصحيح لَهُ كَمَا أَشَارَ مُسلم حَيْثُ قَالَ لم أذكر هَاهُنَا إِلَّا مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ وَجل مَا تفرد بِهِ الْمُسْتَدْرك كالموكى عَلَيْهِ المخفي مَكَانَهُ فِي زمن مشايخهما وَإِن اشْتهر أمره من بعد أَو مَا اخْتلف المحدثون فِي رِجَاله فالشيخان كأساتذتهما كَانَا يعتنيان بالبحث عَن خُصُوص الْأَحَادِيث فِي الْوَصْل والانقطاع وَغير ذَلِك حَتَّى يَتَّضِح الْحَال وَالْحَاكِم يعْتَمد فِي الْأَكْثَر مخرجة من صنائعهم كَقَوْلِه زِيَادَة الثِّقَات مَقْبُولَة وَإِذا اخْتلف النَّاس فِي الْوَصْل والإرسال وَالْوَقْف وَالرَّفْع وَغير ذَلِك فَالَّذِي حفظ الزِّيَادَة حجَّة على من لم يحفظ وَالْحق أَنه كثيرا مَا يدْخل الْخلَل فِي الْحفاظ من قبل رفع الْمَوْقُوف وَوصل المنطقع لَا سِيمَا عِنْد رغبتهم فِي الْمُتَّصِل الْمَرْفُوع وتنويههم بِهِ فالشيخان لَا يَقُولَانِ بِكَثِير مِمَّا يَقُوله الْحَاكِم وَالله أعلم وَهَذِه الْكتب الثَّلَاثَة الَّتِي اعتني

ص: 117

القَاضِي عِيَاض فِي الْمَشَارِق بضبط مشكلها ورد تصحيفها

الطَّبَقَة الثَّانِيَة كتب لم تبلغ مبلغ الْمُوَطَّأ والصحيحين وَلكنهَا تتلوها كَانَ مصنفوها معروفين بالوثوق وَالْعَدَالَة وَالْحِفْظ والتبحر فِي فنون الحَدِيث وَلم يرْضوا فِي كتبهمْ هَذِه بالتساهل فِيمَا اشترطوا على أنفسهم فتلقاها من بعدهمْ بِالْقبُولِ واعتنى بهَا المحدثون وَالْفُقَهَاء طبقَة بعد طبقَة واشتهرت فِيمَا بَين النَّاس وَتعلق بهَا الْقَوْم شرحا لغريبها وفحصا عَن رجالها واستنباطا لفقهها وعَلى تِلْكَ الْأَحَادِيث بِنَاء عَامَّة الْعُلُوم كسنن أبي داؤد وجامع التِّرْمِذِيّ ومجتبى النَّسَائِيّ وَهَذِه الْكتب مَعَ الطَّبَقَة الأولى اعتنى بأحاديثها رزين فِي تَجْرِيد الصِّحَاح وَابْن الْأَثِير فِي جَامع الْأُصُول وَكَاد مُسْند أَحْمد يكون من جملَة هَذِه الطَّبَقَة فَإِن الإِمَام أَحْمد جعله أصلا يعرف بِهِ الصَّحِيح والسقيم قَالَ مَا لَيْسَ فِيهِ فَلَا تقبلوه هَكَذَا فِي حجَّة الله الْبَالِغَة وَقَالَ نجله الْمولى عبد الْعَزِيز الدهلوي فِي مُسْند أَحْمد كثير من ضعفاء الْأَحَادِيث لم يبين الإِمَام حَاله لَكِن الضَّعِيف الَّذِي فِيهِ يحسن من كثير حَدِيث مِمَّا يُصَحِّحهُ الْمُتَأَخّرُونَ وَقد جعل عُلَمَاء الحَدِيث وَالْفِقْه الْمسند الْمَذْكُور أسوتهم فِي هَذَا الشَّأْن وَفِي الْحَقِيقَة هُوَ ركن عَظِيم فِي هَذَا الْفَنّ وَكَذَا يَنْبَغِي عد ابْن مَاجَه فِي هَذِه الطَّبَقَة وَإِن كَانَ بعض أحاديثها فِي غَايَة الضعْف انْتهى وَلم يعد ابْن الْأَثِير ابْن مَاجَه فِي الصِّحَاح وَجعل سادسها الْمُوَطَّأ وَالْحق مَعَه قَالَ فِي الْحجَّة الْبَالِغَة

الطَّبَقَة الثَّالِثَة مسانيد وجوامع ومصنفات صنفت قبل البُخَارِيّ وَمُسلم فِي زمانهما وبعدهما جمعت بَين الصَّحِيح وَالْحسن والضعيف

ص: 118

وَالْمَعْرُوف والغريب والشاذ وَالْمُنكر وَالْخَطَأ وَالصَّوَاب وَالثَّابِت والمقلوب وَلم تشتهر فِي الْعلمَاء ذَلِك الاشتهار وَإِن زَالَ عَنْهَا اسْم النكارة الْمُطلقَة وَلم يتداول مَا تفردت بِهِ الْفُقَهَاء كثير تداول وَلم يتفحص عَن صِحَّتهَا وسقمها المحدثون كثير فحص وَمِنْه مَا لم يَخْدمه لغَوِيّ بشرح وَلَا فَقِيه بتطبيقه بمذاهب السّلف وَلَا مُحدث بِبَيَان مشكلة وَلَا مؤرخ بِذكر أَسمَاء رِجَاله وَلَا أُرِيد الْمُتَأَخِّرين المتعمقين وَإِنَّمَا كَلَامي فِي الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين من أهل الحَدِيث فَهِيَ بَاقِيَة على استتارها واختفائها وخمولها كمسند أبي يعلى ومصنف عبد الرَّزَّاق ومصنف أبي بكر بن أبي شيبَة ومسند عبد بن حميد وَالطَّيَالِسِي وَكتب الْبَيْهَقِيّ والطَّحَاوِي وَالطَّبَرَانِيّ وَكَانَ قصدهم جمع مَا وجدوه لَا تلخيصه وتهذيبه وتقريبه من الْعَمَل انْتهى قلت وَرِجَال هَذِه الْكتب بَعضهم موصوفون بِالْعَدَالَةِ وَبَعْضهمْ مستورون وَبَعْضهمْ مَجْهُول الْحَال وَلِهَذَا لم يكن أَكثر أَحَادِيث هَذِه الْكتب مَعْمُولا بهَا عِنْد الْفُقَهَاء بل انْعَقَد الْإِجْمَاع على خلَافهَا وَبَين هَذِه الْكتب أَيْضا تفَاوت وتفاضل بَعْضهَا أقوى من بعض وَمِنْهَا مُسْند الشَّافِعِي وَسنَن ابْن مَاجَه ومسند الدَّارمِيّ وَسنَن الدَّارَقُطْنِيّ وصحيح ابْن حبَان ومستدرك الْحَاكِم هَكَذَا قَالَ الْمولى عبد الْعَزِيز الدهلوي وَهَذَا تَأْوِيل مَا قَالَه الشَّيْخ عبد الْحق الدهلوي رَحمَه الله تَعَالَى الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة لم تَنْحَصِر فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم وَلم يستوعبا الصِّحَاح كلهَا بل هما منحصران فِي الصِّحَاح والصحاح الَّتِي عِنْدهمَا وعَلى شَرطهمَا أَيْضا لم يورداهما فِي كِتَابَيْهِمَا فضلا عَمَّا عِنْد غَيرهمَا

قَالَ البُخَارِيّ مَا أوردت فِي كتابي هَذَا إِلَّا مَا صَحَّ وَلَقَد تركت كثيرا من الصِّحَاح وَقَالَ مُسلم الَّذِي أوردت فِي هَذَا الْكتاب من الْأَحَادِيث صَحِيح وَلَا أَقُول أَن مَا تركت ضَعِيف لَا بُد أَن يكون فِي هَذَا التّرْك والإتيان وَجه تَخْصِيص الْإِيرَاد وَالتّرْك إِمَّا من جِهَة الصِّحَّة أَو من جِهَة مَقَاصِد أخر وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله النَّيْسَابُورِي صنف

ص: 119

كتابا سَمَّاهُ الْمُسْتَدْرك يَعْنِي أَن مَا تَركه البُخَارِيّ وَمُسلم من الصِّحَاح أوردهُ فِي هَذَا الْكتاب وتلافى واستدرك بَعْضهَا على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَبَعضهَا على شَرط أَحدهمَا وَبَعضهَا على غير شَرطهمَا وَقَالَ إِن البُخَارِيّ وَمُسلمًا لم يحكما بِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَادِيث صَحِيحَة غير مَا خرجاه فِي هذَيْن الْكِتَابَيْنِ وَقَالَ قد حدث فِي عصرنا هَذَا فرقة من المبتدعة أطالوا ألسنتهم بالطعن على أَئِمَّة الدّين بِأَن مَجْمُوع مَا صَحَّ عنْدكُمْ من الْأَحَادِيث لم يبلغ زهاء عشرَة آلَاف وَنقل عَن البُخَارِيّ أَنه قَالَ حفظت من الصِّحَاح مائَة ألف حَدِيث وَمن غير الصِّحَاح مِائَتي ألف وَالظَّاهِر وَالله أعلم أَنه يُرِيد الصَّحِيح على شَرطه ومبلغ مَا أورد فِي هَذَا الْكتاب مَعَ تكْرَار سَبْعَة آلَاف ومائتان وَخمْس وَسَبْعُونَ حَدِيثا وَبعد حذف التّكْرَار أَرْبَعَة آلَاف وَلَقَد صنف الْآخرُونَ من الْأَئِمَّة صحاحا مثل صَحِيح ابْن خُزَيْمَة الَّذِي يُقَال لَهُ إِمَام الْأَئِمَّة وَهُوَ شيخ ابْن حبَان وَقَالَ ابْن حبَان فِي مدحه مَا رَأَيْت على وَجه الأَرْض أحدا أحسن فِي صناعَة السّنَن وأحفظ للألفاظ الصَّحِيحَة مِنْهُ كَانَ السّنَن وَالْأَحَادِيث كلهَا نصب عَيْنَيْهِ وَمثل صَحِيح ابْن حبَان تلميذ ابْن خُزَيْمَة ثِقَة ثَبت فَاضل إِمَام فهام وَقَالَ الْحَاكِم كَانَ ابْن حبَان من أوعية الْعلم واللغة والْحَدِيث والوعظ وَكَانَ من عقلاء الرِّجَال وَمثل صَحِيح الْحَاكِم الْحَافِظ الثِّقَة الْمُسَمّى بالمستدرك وَقد تطرق فِي كِتَابه هَذَا التساهل وَأخذُوا عَلَيْهِ وَقَالُوا ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان أمكن وَأقوى من الْحَاكِم وَأحسن وألطف فِي الْأَسَانِيد والمتون وَمثل المختارة لِلْحَافِظِ ضِيَاء الدّين الْمَقْدِسِي وَهُوَ أَيْضا خرج صحاحا لَيست فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَالُوا كِتَابه أحسن من الْمُسْتَدْرك وَمثل صَحِيح بن عوَانَة وَابْن السكن والمنتقى لِابْنِ جارود وَهَذِه الْكتب كلهَا مُخْتَصَّة بالصحاح وَلَكِن جمَاعَة انتقدوا عليهاتعصبا وإنصافا وَفَوق كل ذِي علم عليم انْتهى وَقد أوردت تراجم هَذِه الْكتب وَغَيرهَا فِي جنان الْمُتَّقِينَ فَليعلم قَالَ فِي الْحجَّة الْبَالِغَة

والطبقة الرَّابِعَة كتب قصد مصنفوها بعد قُرُون متطاولة جمع مَا لم يُوجد فِي الطبقتين الْأَوليين كَانَت فِي المجاميع وَالْمَسَانِيد المختفية فنوهوا بأمرها وَكَانَت على السّنة من لم يكْتب حَدِيثه المحدثون ككثير

ص: 120

من الوعاظ المتشدقين وَأهل الْأَهْوَاء والضعفاء أَو كَانَت من آثَار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ أَو من أَخْبَار بني إِسْرَائِيل أَو من كَلَام الْحُكَمَاء والوعاظ خلطها الروَاة بِحَدِيث النَّبِي صلى الله عليه وسلم سَهوا أَو عمدا أَو كَانَت من محتملات الْقُرْآن والْحَدِيث الصَّحِيح فرواها بِالْمَعْنَى قوم صَالِحُونَ لَا يعْرفُونَ غوامض الرِّوَايَة فَجعلُوا الْمعَانِي أَحَادِيث مَرْفُوعَة أَو كَانَت مَعَاني مفهومة من إشارات الْكتاب وَالسّنة جعلوها أَحَادِيث مستبدة برأسها عمدا أَو كَانَت جملا شَتَّى فِي أَحَادِيث مُخْتَلفَة جعلوها حَدِيثا وَاحِدًا بنسق وَاحِد ومظنة هَذِه الْأَحَادِيث كتاب الضُّعَفَاء لِابْنِ حبَان وكامل ابْن عدي وَكتب الْخَطِيب وَأبي نعيم والجوزقاني وَابْن عَسَاكِر وَابْن نجار والديلمي وَكَاد مُسْند الْخَوَارِزْمِيّ يكون من هَذِه الطَّبَقَة وَأصْلح هَذِه الطَّبَقَة مَا كَانَ ضَعِيفا مُحْتملا وأسوؤها مَا كَانَ مَوْضُوعا أَو مقلوبا شَدِيدا لنكارة وَهَذِه الطَّبَقَة مَادَّة كتاب الموضوعات لِابْنِ الْجَوْزِيّ انْتهى

قَالَ الْمولى عبد الْعَزِيز الدهلوي وَأَحَادِيث هَذِه الطَّبَقَة الَّتِي لم يعلم فِي الْقُرُون الأولى إسمها وَلَا رسمها وتصدى الْمُتَأَخّرُونَ لروايتها فَهِيَ لَا تَخْلُو عَن أَمريْن إِمَّا أَن السّلف تفحصوا عَنْهَا وَلم يَجدوا لَهَا أصلا حَتَّى يشتغلوا بروايتها أَو وجدوا لَهَا أصلا وَلَكِن صادفوا فِيهَا قدحا أَو عِلّة مُوجبَة لترك رِوَايَتهَا فتركوها وعَلى كل حَال لَيست هَذِه الْأَحَادِيث صَالِحَة للاعتماد عَلَيْهَا حَتَّى يتَمَسَّك بهَا فِي إِثْبَات عقيدة أَو عمل ولنعم مَا قَالَ بعض الشُّيُوخ فِي أَمْثَال هَذَا شعر

(فَإِن كنت لَا تَدْرِي فَتلك مُصِيبَة

وَإِن كنت تَدْرِي فالمصيبة أعظم)

وَقد أضلّ هَذَا الْقسم من الْأَحَادِيث كثيرا من الْمُحدثين عَن نهج الصَّوَاب حَيْثُ اغتروا بِكَثْرَة طرقها الْمَوْجُودَة فِي هَذِه الْكتب وحكموا بتواترها وتمسكوا بهَا فِي مقَام الْقطع وَالْيَقِين وأحدثوا مَذَاهِب تخَالف أَحَادِيث الطبقتين الْأَوليين على ثقتها

والكتب المصنفة فِي أَحَادِيث هَذَا الْقسم كَثِيرَة مِنْهَا مَا ذكر وَمِنْهَا كتاب الضُّعَفَاء للعقيلي وتصانيف الْحَاكِم وتصانيف ابْن

ص: 121

مرْدَوَيْه وتصانيف ابْن شاهين وَتَفْسِير ابْن جرير وفردوس الديلمي بل سَائِر تصانيفه وتصانيف أبي الشَّيْخ وغالب المساهلة وَوضع الْأَحَادِيث فِي بَاب المناقب والمثالب وَالتَّفْسِير وَبَيَان أَسبَاب النُّزُول وَبَاب التأريخ وَذكر أَحْوَال بني إِسْرَائِيل وقصص الْأَنْبِيَاء السَّابِقين وَذكر الْبلدَانِ والأطعمة والأشربة والحيوانات وَفِي الطِّبّ والرقي والعزائم والدعوات وثواب النَّوَافِل أَيْضا وَقعت هَذِه الْحَادِثَة وَقد جعلهَا ابْن الْجَوْزِيّ فِي مَوْضُوعَاته مجروحة مطعونة وَبرهن على وَضعهَا وكذبها وَكتاب تَنْزِيه الشَّرِيعَة يَكْفِي لدفع تِلْكَ الغائلة ثمَّ الْمسَائِل النادرة كإسلام أَبَوي النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَرِوَايَات الْمسْح على الرجلَيْن عَن ابْن عَبَّاس وأمثالها من النَّوَادِر أَكْثَرهَا تخرج من هَذِه الْكتب حَتَّى أَن غَالب بضَاعَة الشَّيْخ جلال الدّين السُّيُوطِيّ وَرَأس مَاله فِي تصنيف الرسائل ونوادرها هِيَ الْكتب الْمشَار إِلَيْهَا فالاشتغال بأحاديثها واستنباط الْأَحْكَام مِنْهَا لَا طائل تَحْتَهُ وَمَعَ ذَلِك من كَانَت لَهُ رَغْبَة فِي تحقيقها فَعَلَيهِ بميزان الضُّعَفَاء للذهبي ولسان الْمِيزَان لِلْحَافِظِ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي وَمجمع الْبحار للشَّيْخ مُحَمَّد طَاهِر الكجراتي يُغني لشرح غريبها وتوجيه عباراتها عَن جَمِيع الْموَاد انْتهى

قَالَ فِي الْحجَّة الْبَالِغَة وَهَهُنَا طبقَة خَامِسَة مِنْهَا مَا اشْتهر على أَلْسِنَة الْفُقَهَاء والصوفية والمؤرخين وَنَحْوهم وَلَيْسَ لَهُ أصل فِي هَذِه الطَّبَقَات الْأَرْبَع وَمِنْهَا مَا دسه الماجن فِي دينه الْعَالم بِلِسَانِهِ فَأتى بِإِسْنَاد قوي لَا يُمكن الْجرْح فِيهِ كَلَام بليغ لَا يبعد صدوره عَنهُ صلى الله عليه وسلم فأثار فِي الْإِسْلَام مُصِيبَة عَظِيمَة لَكِن الجهابذة من أهل الحَدِيث يوردون مثل ذَلِك على المتابعات والشواهد فتهتك الأستار وَيظْهر العوار

أما الطَّبَقَة الأولى وَالثَّانيَِة فعلَيْهِمَا اعْتِمَاد الْمُحدثين وحوم حماها مرتعهم ومسرحهم

وَأما الثَّالِثَة فَلَا يُبَاشِرهَا للْعَمَل عَلَيْهِ وَالْقَوْل بِهِ إِلَّا النحارير الجهابذة الَّذين يحفظون أَسمَاء الرِّجَال وَعلل الْأَحَادِيث نعم رُبمَا يُؤْخَذ مِنْهَا المتابعات والشواهد وَقد جعل الله لكل شَيْء قدرا

وَأما الرَّابِعَة فالاشتغال بجمعها والاستنباط مِنْهَا نوع تعمق من

ص: 122

الْمُتَأَخِّرين وَإِن شِئْت الْحق فطوائف المبتدعين من الروافضة والمعتزلة وَغَيرهم يتمكنون بِأَدْنَى عناية أَن يلخصوا مِنْهَا شَوَاهِد مذاهبهم فالاقتصار بهَا غير صَحِيح فِي معارك الْعلمَاء بِالْحَدِيثِ وَالله أعلم انْتهى

قَالَ الْمولى عبد الْعَزِيز الدهلوي وَلما اتَّضَح حَال الطَّبَقَات وترتيب كتب الحَدِيث وتقرر أَن الطَّبَقَة الْعليا فِي هَذَا الْبَاب الْمُوَطَّأ والصحيحان فَلَا بُد من مزِيد اهتمام بتحقيق هَذِه الثَّلَاثَة أَولا وبالبقية من الصِّحَاح السِّتَّة ثَانِيًا وَالظَّن الْغَالِب أَن بعد تَحْقِيق الْمُوَطَّأ وأختيه يفرغ عَن الْأَمر بِنَحْوِ ثلثين فِي تَحْقِيق بَقِيَّة الْأُصُول السِّتَّة بلامين وَلَا يبْقى إِلَّا الْقدر الْيَسِير وَأَيْضًا قَالَ إِن علم الحَدِيث لما كَانَ من قبيل الْخَبَر وَالْخَبَر يحْتَمل الصدْق وَالْكذب فَلَا بُد من تَحْصِيل هَذَا الْعلم من أَمريْن الأول مُلَاحظَة حَال الروَاة وَالثَّانِي الِاحْتِيَاط الْعَظِيم فِي فهم مَعَاني الْأَحَادِيث لِأَن المساهلة فِي الْأَمر الأول توجب التباس الْكَاذِب بالصادق وَعدم الِاحْتِيَاط فِي الثَّانِي توجب اشْتِبَاه المُرَاد بِغَيْر المُرَاد وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَا تحصل الْفَائِدَة الَّتِي ترجى من علم الحَدِيث بل يحصل ضدها الْمُوجب للضلال والإضلال معَاذ الله من ذَلِك

فَالْأَمْر الأول أَعنِي مُلَاحظَة حَال الروَاة المخبرين فَكَانَ لَهُم فِي الصَّدْر الأول من التَّابِعين وتبعهم إِلَى زمن البُخَارِيّ وَمُسلم طَرِيقا آخر حَيْثُ كَانُوا يبحثون عَن أَحْوَال رجال كل بَلْدَة وزمان ويفتشون عَنْهَا فَمَتَى شموا فِي أحد مِنْهُم رَائِحَة الْكَذِب وَسُوء الْحِفْظ وَعدم التدين يقبلُوا حَدِيثه وَمن ثمَّ صنفت دفاتر مبسوطة وَكتب مضبوطة فِي أَحْوَال الرِّجَال وَأما الْيَوْم فحاله على طَرِيق آخر وَلذَلِك وَجب التَّمْيِيز بَين الْكتب الْمُجَرَّدَة الصِّحَاح الْقَابِلَة اللاعتماد وَبَين الْكتب الْوَاجِبَة الرَّد وَالتّرْك لِئَلَّا يَقع الطَّالِب فِي ورطة التَّخْلِيط وَقد فَاتَ هَذَا التَّمْيِيز من كثير من الْمُحدثين الْمُتَأَخِّرين حَتَّى خالفوا فِي رسائلهم جُمْهُور السّلف الصَّالِحين وتمسكوا بِأَحَادِيث الْكتب الَّتِي لَا عِبْرَة بهَا عِنْد الْمُحَقِّقين المبرزين

وَالْأَمر الثَّانِي أَي الِاحْتِيَاط فِي فهم مَعَاني الْأَحَادِيث ف مَشَارِق

ص: 123

الْأَنْوَار للْقَاضِي عِيَاض يَكْفِي لتوضيح مَعَاني الصحيحن والموطأ وجامع الْأُصُول لِابْنِ الْأَثِير يُغني عَن الْأُمَّهَات السِّت كلهَا وَمجمع الْبحار يَفِي لتحقيق جَمِيع كتب الحَدِيث من الطَّبَقَات الْأَرْبَع الْمَذْكُورَة وَشرح الشَّيْخ عبد الرؤوف الْمَنَاوِيّ على الْجَامِع الصَّغِير للسيوطي كَاف واف لشرح أَكثر الْأَحَادِيث وَلَكِن كَلَام الشُّرَّاح تنوع فِي شرحهم الْأَحَادِيث وتوجيهاتها كثيرا رطبا ويابسا فَليعلم الطَّالِب رجَالًا عَلَيْهِم الِاعْتِمَاد فِي هَذَا الشَّأْن وعَلى كتبهمْ وتأليفهم التعويل والإيقان

مِنْهُم الإِمَام النَّوَوِيّ شَارِح صَحِيح مُسلم وَالْبَغوِيّ وَكتابه شرح السّنة كَاف فِي فقه الحَدِيث وتوجيه مشكلاته حَتَّى كَاد يحصل مِنْهُ شرح المصابيح والمشكاة كليهمَا والخطابي شَارِح السّنَن لأبي دَاوُد وَهَؤُلَاء هم الشوافع

وَمِنْهُم الطَّحَاوِيّ الْقدْوَة فِي شرح الْأَحَادِيث وَكتابه مَعَاني الْآثَار متمسك للحنفية

وَمِنْهُم ابْن عبد الْبر الْمَالِكِي مقدم هَذِه الْجَمَاعَة وكتاباه الاستذكار والتمهيد تذكرتان عَنهُ وَبِالْجُمْلَةِ فَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة قَوْلهم هُوَ الْمُعْتَمد عَلَيْهِ وَكَلَامهم هُوَ الْمرجع إِلَيْهِ وَإِلَّا فشراح كتب الحَدِيث كَثِيرُونَ يعسر عد أساميهم وأسامي كتبهمْ وَلكُل مِنْهُم شَأْن آخر وَلَكنهُمْ مَعَ ذَلِك آخذون من أُولَئِكَ الْأَئِمَّة فَإِن تيسرت لأحد كتب هَؤُلَاءِ الْقَوْم ارْتَفَعت حَاجَة الطَّالِب عَن تشويشات الْمُتَأَخِّرين وتكلفاتهم الْبَارِدَة فِي الدّين

وللشيخ ولي الدّين الْمُحدث رضي الله عنه قَوَاعِد عَجِيبَة وفوائد غَرِيبَة لفهم مَعَاني الْأَحَادِيث وَدفع التَّعَارُض من بَينهَا وَكتاب المغيث فِي مُخْتَلف الحَدِيث حسن بسن نموذجا فِي هَذَا الْبَاب وَحُصُول ملكة التَّمْيِيز لأحد مَا بَين صَحِيح الحَدِيث وسقيمه واستقامة الذِّهْن وسلامة الطَّبْع وَعدم الْميل إِلَى الْخَطَأ وَقبُول الصَّوَاب بِقَلِيل التَّنْبِيه والإيماء نعْمَة عظمى ودولة كبرى فَإِن الْعلم ومواده كثير فِي الْعَالم وَإِنَّمَا الْعَزِيز هِيَ الملكة الْمَذْكُورَة فَإِنَّهَا الكبريت الْأَحْمَر شعر

ص: 124