الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْعَزِيز وَالسّنَن المرويات وعَلى السّنَن مدَار أَكثر الْأَحْكَام الفقهيات فَإِن أَكثر الْآيَات الفروعيات مجملات وبيانها فِي السّنَن المحكمات وَقد اتّفق الْعلمَاء على أَن من شَرط الْمُجْتَهد من القَاضِي والمفتي أَن يكون عَالما بالأحاديث الحكميات فَثَبت بِمَا ذكرنَا أَن الِاشْتِغَال بِالْحَدِيثِ من أجل الْعُلُوم الراجحات وَأفضل أَنْوَاع الْخَيْر وآكد القربات وَكَيف لَا يكون كَذَلِك وَهُوَ مُشْتَمل على مَا ذكرنَا من بَيَان حَال أفضل الْمَخْلُوقَات وَلَقَد كَانَ أَكثر اشْتِغَال الْعلمَاء بِالْحَدِيثِ فِي الْأَعْصَار الخاليات حَتَّى لقد كَانَ يجمع فِي مجْلِس الحَدِيث من الطالبين أُلُوف متكاثرات فتناقض ذَلِك وضعفت الهمم فَلم تبْق إِلَّا آثَار من آثَارهم قليلات وَالله الْمُسْتَعَان على هَذِه الْمُصِيبَة وَغَيرهَا من البليات
وَقد جَاءَ فِي فضل إحْيَاء السّنَن المماتات أَحَادِيث كَثِيرَة معروفات مشهورات فَيَنْبَغِي الاعتناء بِعلم الحَدِيث والتحريص عَلَيْهِ لما ذكرنَا من الدلالات ولكونه أَيْضا من النَّصِيحَة لله تَعَالَى وَكتابه وَرَسُوله صلى الله عليه وسلم وللأئمة وللمسلمين وَالْمُسلمَات وَذَلِكَ هُوَ الدّين كَمَا صَحَّ عَن سيد البريات وَلَقَد أحسن الْقَائِل أَن من جمع أدوات الحَدِيث استنار قلبه واستخرج كنوزه الخفيات وَذَلِكَ لِكَثْرَة الْفَوَائِد البارزات الكامنات وهوجدير بذلك فَإِنَّهُ كَلَام أفْصح الْخلق وَمن أعْطى جَوَامِع الْكَلِمَات صلى الله عليه وسلم صلوَات متضاعفات
الْفَصْل الْخَامِس فِي قلَّة علم الحَدِيث بِأَرْض الْهِنْد وَمَا يُنَاسِبهَا
إعلم أَن الْهِنْد لم يكن بهَا علم الحَدِيث مُنْذُ فتحهَا أهل الْإِسْلَام بل كَانَ غَرِيبا كالكبريت الْأَحْمَر وعديما كعنقاء مغرب فِي الْخَبَر وَإِنَّمَا صناعَة أَهلهَا من قديم الْعَهْد وَالزَّمَان فنون الفلسفة وَحِكْمَة اليونان والإضراب عَن عُلُوم السّنة وَالْقُرْآن إِلَّا مَا يذكر من الْفِقْه على الْقلَّة وَلذَلِك تراهم إِلَى الْآن عارين عَن ذَلِك متحلين بِمَا هُنَاكَ وعمدة بضاعتهم الْيَوْم هِيَ الْفِقْه الْحَنَفِيّ على طَرِيق التَّقْلِيد دون التَّحْقِيق إِلَّا مَا شَاءَ الله تَعَالَى فِي أَفْرَاد مِنْهُم وَلأَجل هَذَا يتوارثه أَوَّلهمْ عَن آخِرهم ويتناقله كابرهم عَن كابرهم حَتَّى كثرت فيهم الْفَتَاوَى وَالرِّوَايَات وعمت الْبلوى بتعامل هَذِه التقليدات وَتركت النُّصُوص المحكمات وهجرت سنَن سيد البريات ورفض عرض الْفِقْه على الحَدِيث وتطبيق المجتهدات بالسنن ودرج على ذَلِك زمَان كثير حَتَّى من الله تَعَالَى على الْهِنْد بإفاضة هَذَا الْعلم على بعض علمائها كالشيخ عبد الْحق بن سيف الدّين التّرْك الدهلوي الْمُتَوفَّى سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَألف وأمثالهم وَهُوَ أول من جَاءَ بِهِ فِي هَذَا الإقليم وأفاضه على سكانه فِي أحسن تَقْوِيم ثمَّ تصدى لَهُ وَلَده الشَّيْخ نور الْحق الْمُتَوفَّى سنة ثَلَاث وَسبعين وَألف وَكَذَلِكَ بعض تلامذته على الْقلَّة وَمن سنّ سنة حَسَنَة فَلهُ أجرهَا وَأجر من عمل بهَا كَمَا اتّفق عَلَيْهِ أهل الْملَّة وتحديث هَؤُلَاءِ أهل الصّلاح وَإِن كَانَ على طَرِيق الْفُقَهَاء المقلدة الصراح دون المخدثين المبرزين المتبعين الإقحاح وَلَكِن مَعَ ذَلِك لَا يَخْلُو عَن كثير فَائِدَة فِي الدّين وعظيم عَائِدَة بِالْمُسْلِمين جزاهم الله تَعَالَى عَن الْمُسلمين خير الْجَزَاء وأفاض عَلَيْهِم رَحمته السحاء
ثمَّ جَاءَ الله سبحانه وتعالى من بعدهمْ بالشيخ الْأَجَل والمحدث الْأَكْمَل نَاطِق هَذِه الدورة وحكيمها وفائق تِلْكَ الطَّبَقَة وزعيمها الشَّيْخ ولي الله بن عبد الرَّحِيم الدهلوي الْمُتَوفَّى سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَة وَألف وَكَذَا بأولاده الأمجاد وَأَوْلَاد أَوْلَاده أولي الْإِرْشَاد المشمرين لنشر هَذَا الْعلم عَن سَاق الْجد وَالِاجْتِهَاد فَعَاد بهم علم الحَدِيث غضا طريا بَعْدَمَا كَانَ شَيْئا فريا وَقد نفع الله بهم وبعلومهم كثيرا من عباده الْمُؤمنِينَ وَنفى بسعيهم المشكور من فتن الْإِشْرَاك والبدع ومحدثات الْأُمُور فِي الدّين مَا لَيْسَ بخاف على أحد من الْعَالمين فَهَؤُلَاءِ الْكِرَام قد رجحوا علم السّنة على غَيرهَا من الْعُلُوم وَجعلُوا الْفِقْه كالتابع لَهُ والمحكوم وَجَاء تحديثهم حَيْثُ يرتضيه أهل الرِّوَايَة ويبغيه أَصْحَاب الدِّرَايَة شهِدت بذلك كتبهمْ وفتاواهم ونطقت بِهِ زبرهم ووصاياهم وَمن كَانَ يرتاب فِي ذَلِك فَليرْجع إِلَى مَا هُنَالك فعلى الْهِنْد وَأَهْلهَا شكرهم مَا دَامَت الْهِنْد وَأَهْلهَا شعر
(من زار بابك لم تَبْرَح جوارحه
…
تروي أَحَادِيث مَا أوليت من منن)
(فالعين عَن قُرَّة والكف عَن وصلَة
…
وَالْقلب عَن جَابر والسمع عَن حسن)
ثمَّ الْيَوْم لم يبْق فِي تِلْكَ الْعِصَابَة أَيْضا من يرجع فِي الحَدِيث إِلَيْهِ أويعول فِي أَمر الدّين عَلَيْهِ بيد ثنائهم الْجَلِيل وَذكرهمْ الْجَمِيل شعر
(وَلَا شَيْء يَدُوم فَكُن حَدِيثا
…
جميل الذّكر فالدنيا حَدِيث)
وَأما إتقان هَذَا الْعلم فِي غَيرهم من بيُوت الْهِنْد فَلم أحط بِهِ خَبرا وَلَا سَمِعت لَهُ ذكرا وَلَكِن النَّاس الْيَوْم قد غلوا فِي أَمرهم وتفوهوا فِي شَأْنهمْ بِمَا لَا يَلِيق بهم فلنذكر هَهُنَا من طريقتهم مَا تتضح بِهِ حَقِيقَة الْأَمر وَهُوَ هَذَا أَن الشاه ولي الله الْمُحدث الدهلوي قد بنى طَرِيقَته على عرض المجتهدات على السّنة وَالْكتاب وتطبيق الفقهيات بهما فِي كل بَاب وَقبُول مَا يوافقهما من ذَلِك ورد مَا لَا يوافقهما كَائِنا مَا كَانَ وَمن كَانَ وَهَذَا هُوَ الْحق الَّذِي لَا محيص عَنهُ وَلَا مصير إِلَّا إِلَيْهِ وَكَذَا ابْن ابْنه الْمولى مُحَمَّد اسماعيل الشَّهِيد اقتفى أثر جده فِي قَوْله وَفعله جَمِيعًا وتمم مَا ابتدأه جده وَأدّى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَبَقِي مَا كَانَ لَهُ وَالله تَعَالَى مجازيه على صوالح الْأَعْمَال وقواطع الْأَقْوَال وصحاح الْأَحْوَال وَلم يكن ليخترع طَرِيقا جَدِيدا فِي الْإِسْلَام كَمَا يزْعم الْجُهَّال وَقد قَالَ تَعَالَى {مَا كَانَ لبشر أَن يؤتيه الله الْكتاب وَالْحكم والنبوة ثمَّ يَقُول للنَّاس كونُوا عبادا لي من دون الله وَلَكِن كونُوا ربانيين بِمَا كُنْتُم تعلمُونَ الْكتاب وَبِمَا كُنْتُم تدرسون}
وَطَرِيقه هَذَا كُله مَذْهَب حَنَفِيّ وشرعة حقة مضى عَلَيْهَا السّلف وَالْخلف الصلحاء من الْعَجم وَالْعرب العرباء وَلم يخْتَلف فِيهِ اثْنَان مِمَّن
قلبه مطمئن بِالْإِيمَان كَمَا لَا يخفى على من مارس كتب الدّين وَصَحب أهل الإيقان كَيفَ وَقد ثَبت فِي مَحَله أَن الرجل الْعَامِل بظواهر الْكتاب وواضحات السّنة أَو بقول إِمَام آخر غير إِمَامه الَّذِي يقلده لَا يخرج عَن كَونه متمذهبا بِمذهب إِمَامه كَمَا يَعْتَقِدهُ جهلة المتفقهة ويتفوه بِهِ الْفُقَهَاء المتقشفة من أهل الزَّمَان المحرومين عَن حلاوة الْإِيمَان وَهُوَ رَحمَه الله تَعَالَى أَحْيَا كثيرا من السّنَن المماتات وأمات عَظِيما من الْإِشْرَاك والمحدثات حَتَّى نَالَ دَرَجَة الشَّهَادَة الْعليا وفاز من بَين أقرانهم بالقدح الْمُعَلَّى وَبلغ مُنْتَهى أمه وأقصى أَجله
قَالَ الإِمَام مُحَمَّد بن عَليّ الشَّوْكَانِيّ فِي القَوْل الْمُفِيد فِي حكم التَّقْلِيد وَإِذا تقرر أَن الْمُحدث لهَذِهِ الْمَرَاتِب والمبتدع لهَذِهِ التقليدات هم جهلة المقلدة فقد عرفت مِمَّا تقرر فِي الْأُصُول أَنه لَا اعْتِدَاد بهم فِي الْإِجْمَاع وَأَن الْمُعْتَبر فِي الأجماع إِنَّمَا هم المجتهدون وَحِينَئِذٍ لم يقل بِهَذِهِ التقليدات عَالم من الْعلمَاء الْمُجْتَهدين أما قبل حدوثها فَظَاهر وَأما بعد حدوثها فَمَا سمعنَا عَن مُجْتَهد من الْمُجْتَهدين أَنه سوغ صَنِيع هَؤُلَاءِ المقلدة الَّذين فرقوا دين الله وخالفوا بَين الْمُسلمين بل أكَابِر الْعلمَاء بَين مُنكر لَهَا وَسَاكِت عَنْهَا سُكُون تقية لمخافة ضَرَرا وفوات نفع كَمَا يكون مثل ذَلِك كثيرا سِيمَا من عُلَمَاء السوء وكل عَالم يعقل أَنه لَو صرخَ عَالم من عُلَمَاء الْإِسْلَام الْمُجْتَهدين فِي مَدِينَة من مَدَائِن الْإِسْلَام فِي أَي مَحل كَانَ بِأَن التَّقْلِيد بِدعَة محدثة لَا يجوز الإستمرار عَلَيْهِ وَلَا الِاعْتِدَاد بِهِ لقام عَلَيْهِ أَكثر أَهلهَا إِن لم يقم عَلَيْهِ كلهم وأنزلوا بِهِ من الإهانة والإضرار بِمَالِه وبدنه وَعرضه مَا لَا يَلِيق بِمن هُوَ دونه هَذَا إِذا سلم من الْقَتْل على يَد أول جَاهِل من هَؤُلَاءِ المقلدة من يعضدهم من جِهَة الْمُلُوك والأجناد فَإِن طبائع الْجَاهِلين لعلم الشَّرِيعَة مُتَقَارِبَة وهم من أَعدَاء أهل الْعلم وَلِهَذَا طبقت هَذِه الْبِدْعَة جَمِيع الْبِلَاد الإسلامية وَصَارَت شَامِلَة لكل فَرد من أَفْرَاد الْمُسلمين فالجاهل يعْتَقد أَن الدّين مَا زَالَ هَكَذَا وَلنْ يزَال إِلَى الْمَحْشَر وَلَا يعرف مَعْرُوفا وَلَا يُنكر مُنْكرا وَهَكَذَا من كَانَ من المشتغلين بِعلم التَّقْلِيد وَأَنه كالجاهل بل أقبح مِنْهُ لِأَنَّهُ على جَهله وَإِقْرَاره على بدعتة
وتحسينها فِي عُيُون أهل الْجَهْل بالازدراء بالعلماء الْمُحَقِّقين العارفين بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله ويصول عَلَيْهِم ويحول وينسبهم إِلَى الابتداع وَمُخَالفَة الْأَئِمَّة والتنقيص من شَأْنهمْ فَيسمع مِنْهُ الْمُلُوك وَمن يتَصَرَّف بالنيابة عَنْهُم من أعوانهم فيصدقونه ويذعنون لقَوْله إِذْ هُوَ مجانس لَهُم فِي كَونه جَاهِلا وَإِن كَانَ يعرف مسَائِل قد قلد فِيهَا غَيره لَا يدْرِي أَهِي حق أم بَاطِل وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ قَاضِيا أَو مفتيا فَإِن الْعَاميّ لَا ينظر إِلَى أهل الْعلم بِعَين مُمَيزَة بَين من هُوَ عَالم على الْحَقِيقَة وَمن هُوَ جَاهِل وَبَين من هُوَ مقصر وَمن هُوَ كَامِل لِأَنَّهُ لَا يعرف الْفضل إِلَّا أهل الْفضل وَأما الْجَاهِل فَإِنَّمَا يسْتَدلّ على الْعلم بالمناصب والقرب من الْمَمْلُوك واجتماع المتدرسين من المقلدين وتحرير الْفَتَاوَى للمتخاصمين وَهَذِه الْأُمُور إِنَّمَا يقوم بهَا رُؤُوس هَؤُلَاءِ المقلدة فِي الْغَالِب كَمَا يعلم ذَلِك كل عَالم بأحوال النَّاس فِي قديم الزَّمن وَحَدِيثه وَهَذَا يعرفهُ الْإِنْسَان بِالْمُشَاهَدَةِ لأهل عصره وبمطالعة كتب التأريخ الحاكية لما كَانَ عَلَيْهِ من قبله وَأما الْعلمَاء الْمُحَقِّقُونَ المجتهدون فالغالب على أَكْثَرهم الخمول لِأَنَّهُ لما كثر التَّفَاوُت بَينهم وَبَين أهل الْجَهْل كَانُوا متقاعدين لَا يرغب هَذَا فِي هَذَا وَلَا هَذَا فِي هَذَا نظم
(ومنزلة الْفَقِيه من السَّفِيه
…
كمنزلة السَّفِيه من الْفَقِيه)
(فَهَذَا زاهد فِي حق هَذَا
…
وَهَذَا فِيهِ أزهد مِنْهُ فِيهِ)
وَمِمَّا يَدْعُو الْعَامَّة إِلَى مهاجرة أكَابِر الْعلمَاء ومقاطعتهم أَنهم يجدونهم غير راغبين فِي علم التَّقْلِيد الَّذِي هُوَ رَأس مَال فقهائهم وقضاتهم والمفتين مِنْهُم بل يجدونهم مشتغلين بعلوم الِاجْتِهَاد وَهِي عِنْد هَؤُلَاءِ المقلدة لَيست من الْعُلُوم النافعة بل الْعُلُوم النافعة عِنْدهم هِيَ الَّتِي يتعجلون نَفعهَا بِقَبض جرايات التدريس وَأُجْرَة الْفَتَاوَى ومفردات الْقَضَاء فالغالب على هَؤُلَاءِ التعصب المفرط على عُلَمَاء الِاجْتِهَاد ورميهم بِكُل حجر
ومدر وإلهام الْعَامَّة بِأَنَّهُم مخالفون لإِمَام الْمَذْهَب الَّذِي قد ضَاقَتْ أذهانهم عَن تصور عَظِيم قدره وامتلأت قُلُوبهم عَن هيبته حَتَّى تقرر عِنْدهم أَنه فِي دَرَجَة لم تبلغها الصَّحَابَة فضلا عَن من بعدهمْ وَهَذَا وَإِن لم يصرحوا بِهِ فَهُوَ مِمَّا تكنه صُدُورهمْ وَلَا ينْطق بِهِ لسانهم فَمَعَ مَا قد صَار عِنْدهم من هَذَا الِاعْتِقَاد فِي ذَلِك الإِمَام إِذا بَلغهُمْ أَن أحدا من عُلَمَاء الِاجْتِهَاد الْمَوْجُودين يُخَالف فِي مَسْأَلَة من الْمسَائِل كَانَ هَذَا الْمُخَالف قد ارْتكب أمرا شنيئا وَخَالف عِنْدهم شَيْئا قَطْعِيا وَأَخْطَأ خطأ لَا يكفره شَيْء وَإِن اسْتدلَّ على مَا ذهب إِلَيْهِ بِالْآيَاتِ القرآنية وَالْأَحَادِيث المتواترة لم يقبل مِنْهُ ذَلِك وَلَا يرفع لما جَاءَ بِهِ رَأْسا كَائِنا من كَانَ وَلَا يزالون منقصين لَهُ بِهَذِهِ الْمُخَالفَة انتقاصا شَدِيدا على وَجه لَا يستحلونه من الفسقة وَلَا من أهل الْبدع الْمَشْهُورَة كالخوارج وَالرَّوَافِض ويبغضونه بغضا شَدِيدا فَوق مَا يبغضونه أهل الذِّمَّة من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَمن أنكر هَذَا فَهُوَ غير مُحَقّق لأحوال هَؤُلَاءِ وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ عِنْدهم ضال مضل وَلَا ذَنْب لَهُ إِلَّا أَنه عمل بِكِتَاب الله أَو سنة رَسُوله صلى الله عليه وسلم واقتدى بعلماء الْإِسْلَام فِي أَن الْوَاجِب على كل مُسلم تَقْدِيم كتاب الله وَسنة رَسُوله صلى الله عليه وسلم على قَول كل عَالم كَائِنا من كَانَ وَمن المصرحين بِهَذِهِ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة فَإِنَّهُ صَحَّ عَن كل وَاحِد مِنْهُم هَذَا الْمَعْنى من طرق متجددة انْتهى كَلَام الشَّوْكَانِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَمن أنكر الْإِجْمَال هان عَلَيْهِ التَّفْصِيل
وَأما الشَّيْخ مُحَمَّد صَاحب نجد فلنذكر من حَدِيثه مَا يشفي العليل ويروي الغليل فَنَقُول هُوَ مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب بن سُلَيْمَان بن عَليّ بن أَحْمد بن رَاشد بن يزِيد بن مُحَمَّد بن يزِيد بن مشرف هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف من نسبه وَيذكر أَنه من مُضر ثمَّ بني تَمِيم وَالله بِهِ عليم ولد سنة خَمْسَة عشر بعد الْمِائَة وَالْألف بالعينية من بِلَاد نجد وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ الْقُرْآن وَأخذ عَن أَبِيه وهم بَيت فقه حنابلة ثمَّ حج وَقصد الْمَدِينَة وَلَقي بهَا شَيخا عَالما من أهل نجد اسْمه عبد الله بن ابراهيم قد لَقِي أَبَا الْمَوَاهِب البعلي الدِّمَشْقِي وَأخذ عَنهُ وانتقل مَعَ أَبِيه إِلَى حريملا من نجد أَيْضا وَلما مَاتَ أَبوهُ رَجَعَ إِلَى العينية وَأَرَادَ نشر الدعْوَة فَرضِي أهل العينية بذلك ثمَّ خرج عَنْهَا بِسَبَب إِلَى الدرعية وأطاعه أميرها مُحَمَّد بن سعود من آل
مقرن وَيذكر أَنهم من بني حنيفَة ثمَّ من ربيعَة وَالله أعلم وَهَذَا فِي حُدُود سنة تسع وَخمسين بعد الْمِائَة وَالْألف وانتشرت دَعوته فِي نجد وشرق بِلَاد الْعَرَب إِلَى عمان وَلم يخرج عَنْهَا إِلَى الْحجاز واليمن إِلَّا فِي حُدُود الْمِائَتَيْنِ وَالْألف وَتُوفِّي سنة سِتّ بعد الْمِائَتَيْنِ وَالْألف
قَالَ الشَّيْخ شَيخنَا الشريف مُحَمَّد بن نَاصِر الْحَازِمِي فِي فتح المنان وَهُوَ رجل عَالم مُتبع الْغَالِب عَلَيْهِ فِي نَفسه الأتباع ورسائله مَعْرُوفَة
وَقد بنى الشَّيْخ مُحَمَّد الْمَذْكُور طَرِيقَته على اتِّبَاع ابْن تَيْمِية وَابْن الْقيم وَأخذ من أقوالهما أطرافا بِحَسب مَا وَقع لَهُ من الِاطِّلَاع والإشراف وَقد أحيت دَعوته بَعْضًا من الشَّرِيعَة وأماتت كثيرا من الْبَاطِل فِي نجد والحجاز واليمن رحمه الله وجزاه أحسن مَا عمل بِهِ إِنَّه ولي ذَلِك والقادر عَلَيْهِ
وَالشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الْحَلِيم بن عبد السَّلَام ابْن تَيْمِية وَأَهله بَيت علم حنابلة يتوارثه خَلفهم عَن سلفهم وَهُوَ من أعاظم حفاظ الْقرن السَّابِع وأفضلهم وَالشَّيْخ شمس الدّين هُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الإِمَام قيم الجوزية الدرعي الْحَنْبَلِيّ الْحَافِظ المُصَنّف وهما إمامان عالمان عاملان ثقتان تقيان من أفضل عُلَمَاء الْحَنَابِلَة وَأَحَدهمَا يتبع الآخر وانفردا بأقوال واختيارات أنصفا فِي بَعْضهَا وَالله يحب الْإِنْصَاف وامتحنا بِسَبَب بَعْضهَا وَبِالْجُمْلَةِ فقد تعبا لأنفسهما وأديا مَا كَانَ عَلَيْهِمَا وَبَقِي مَا كَانَ لَهما وَلم يتعبد أحد من الْخلق باتباعهما وَلَا بِالْعَمَلِ بأقوالهما وأفعالهما وَلَا غَيرهمَا مِمَّن قبلهمَا أَو بعدهمَا وَإِنَّمَا المتعبد بِهِ مَا جَاءَ عَن خَاتم النَّبِيين صلى الله عليه وسلم من وَحي متلو أوغير متلو من قَول أَو فعل أَو تَقْرِير وَفِي ذَلِك مَا يَكْفِي المتبع {مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء} وَلم يحوج الله الْخلق إِلَى أحد بعد الْكتاب وَالسّنة نظم
(فثبتنا الله الْكَرِيم بِدِينِهِ
…
سَوَاء سَبِيل الْمُصْطَفى المتثبت)
(وَمن ظن أَن الْأَمر لَيْسَ بممكن
…
وَأَن وَلَيْسَ إِلَّا اتِّبَاع لفرقة)
(فأحباره أربابه دون ربه
…
وقبلته لَيست إِلَيْهِ بِوَجْهِهِ)
(وَقد كرر الله الْحَلِيم منبها
…
بتيسيره الْقُرْآن فِي غير مرّة)
(وَسنة خير الْمُرْسلين علومها
…
مسهلة للأخذ فِي كل بَلْدَة) انْتهى مُلَخصا
وَقد أثنى عَلَيْهِمَا الشَّيْخ الْمُحدث عبد الْحق الدهلوي والشاه ولي الله الْمُحدث فِي تآليفهما وذكراهما بِخَير وَمَا أحقهما بِاتِّبَاع الْحق الْحقيق بالاتباع وَتَحْقِيق الصدْق وَالصَّوَاب النائي عَن وُجُوه الابتداع كَيفَ وهما لَا يَقُولَانِ شَيْئا إِلَّا وَمَعَهُ دَلِيله من السّنة وَالْكتاب وَهَذِه هِيَ السجية الرضية لأولي الْأَلْبَاب وَإِنَّمَا الْمُعْتَرض عَلَيْهِمَا بعيد عَن الْإِنْصَاف قريب من التعصب والإعتساف لَيْسَ لَهُ من الْعلم خلاق وَمَا لَهُ بِأَهْل التَّقْوَى وَالْحق من وفَاق أَو جَاهِل معاند أَو مبغض حَاسِد وكل من لَهُ إطلاع على أَحْوَال هَؤُلَاءِ الْكِرَام وعثور على تاليف أُولَئِكَ الْأَعْلَام وَلَا يتفوه أبدا بأمثال هَذَا الْكَلَام الناشيء عَن الطعْن والملام وَهَكَذَا الِاعْتِقَاد فِي جملَة الْعلمَاء من دون تَخْصِيص أحد من الْفُضَلَاء الصلحاء وَإِنَّمَا الْمُصَاب من حرم طَرِيق الْحق وَالصَّوَاب وَإِن شِئْت الْحق الصَّرِيح وَالْقَوْل الصَّحِيح
فَاعْلَم أَن الْمُحدثين وَمن يسْلك مسلكهم هم المجددون للدّين فِي الْحَقِيقَة لَا غَيرهم وَعَلَيْهِم تنطبق صفة المجددين الْوَارِدَة فِي الحَدِيث دون من سواهُم كَمَا قَالَ صَاحب التفهيمات وَأقرب النَّاس إِلَى المجددية المحدثون القدماء كالبخاري وَمُسلم وأشباههم وَلما تمت بِي دورة الْحِكْمَة ألبسني الله تَعَالَى خلعة المجددية فَعلمت علم الْجمع بَين المختلفات وَعلمت أَن الرَّأْي فِي الشَّرِيعَة تَحْرِيف وَفِي الْقَضَاء مكرمَة وَأَشَارَ إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِشَارَة روحانية أَن مُرَاد الْحق فِيك أَن يجمع شملا من شَمل الْأمة المرحومة بك انْتهى
وَقد وَقع كَمَا قَالَ وَللَّه الْحَمد وَيُؤَيّد هَذَا حَدِيث إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن العذري قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يحمل هَذَا الْعلم من كل خلف عدوله ينفون عَنهُ تَحْرِيف الغالين وانتحال المبطلين وَتَأْويل الْجَاهِلين رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الْمدْخل مُرْسلا وَهَذَا النَّفْي أَمر
لَا يُشَاهد فِي غير أهل الحَدِيث كَمَا هُوَ الظَّاهِر على المطلع الْعَارِف بأحوالهم قَدِيما وحديثا
وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِن الله عز وجل يبْعَث لهَذِهِ الْأمة على رَأس كل مائَة سنة من يجدد لَهَا دينهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ صَاحب التفهيمات المجدد رجل رزقه الله سبحانه وتعالى حظا من علم الْقُرْآن والْحَدِيث ثمَّ ألبس لِبَاس السكينَة فَجعل يضع التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم وَالْوُجُوب وَالْكَرَاهَة والاستحباب وَالْإِبَاحَة موضعهَا وينقح الشَّرِيعَة عَن الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة وأقيسة القائسين وَعَن كل إفراط وتفريط فِي الدّين ثمَّ أظمأ الله أكبادا إِلَيْهِ فَأخذُوا عَنهُ الْعلم وَالْفرق بَينه وَبَين الْوَصِيّ أَنه متعلم من ظَاهر الْعلم وَالْوَصِيّ أَخذ حَظه من شرح رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ وفْق بِظَاهِر الْعلم وَعِنْدنَا أَن الْمِائَة تخمين لَا تعْيين وَيعْتَبر الْمِائَة من وَفَاته صلى الله عليه وسلم انْتهى
وَسبب ذَلِك انخرام الْعلمَاء غَالِبا على رَأس كل مائَة سنة واندراس السّنَن وَظُهُور الْبدع فَيحْتَاج إِلَى تَجْدِيد الدّين للْأمة المرحومة بإحياء مَا اندرس من الْعَمَل بِالسنةِ وَالْكتاب وَالْأَمر بمقتضاهما فالمبعوث على رَأس الْمِائَة والمجدد للدّين لَا بُد أَن يكون عَالما بالعلوم الدِّينِيَّة الظَّاهِرَة والباطنة ناصرا للسّنة قامعا للبدعة
وَالْمرَاد بِرَأْس الْمِائَة أَولهَا من الْهِجْرَة فَيَأْتِي الله من الْخلف بعوض من السّلف إِمَّا وَاحِدًا ومتعددا فِي مَكَان وَاحِد أَو أمكنة مُتعَدِّدَة كَمَا وَقع فِي رَأس هَذِه الْمِائَة الْحَاضِرَة وَقبلهَا بِقَلِيل زمَان فِي الْهِنْد وَالْعرب وَغَيرهَا من الْبلدَانِ وهم أَمْثَال الشاه ولي الله الْمُحدث الدهلوي وَالْمولى مُحَمَّد إِسْمَاعِيل الشَّهِيد وَالشَّيْخ مُحَمَّد فاخر الْإِلَه آبادي وَالشَّيْخ مُحَمَّد حَيَاة السندي الْمدنِي الْمُتَوفَّى سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَالسَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسماعيل الْأَمِير اليمني وَالْإِمَام مُحَمَّد بن عَليّ الشَّوْكَانِيّ وَالشَّيْخ صَالح بن عمر الْفُلَانِيّ وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن نَاصِر الجازمي وَمن حذا حذوهم من الأقاصي والأداني فَأُولَئِك فرسَان هَذَا الميدان وَمن لَهُم فِي السباحة يدان فَمن يَسْتَطِيع أَن ينقص طريقهم فِي هَذَا الشَّأْن أَو يسبقهم يَوْم الرِّهَان
جزاهم الله تَعَالَى على صنيعهم عَنَّا وَعَن جَمِيع الْمُسلمين جَزَاء وفَاقا وسقاهم من الرَّحِيق الْمَخْتُوم كأسا دهاقا ورقنا وَجَمِيع المتبعين اتِّبَاع طريقهم الْحق وسلوك منهاجهم الصدْق على وَجه الْإِنْصَاف وجنبنا وَجُمْلَة الْمُسلمين عَن الزيغ والزلل والتعصب والتقشف والضلالة والإعتساف وَالله ولي التَّوْفِيق وَقد بدا لي أَن أختم هَذَا الْفَصْل المستطاب بِذكر قصيدة بديعة نظمها الْمولى الإِمَام تَاج الْمُسلمين وَالْإِسْلَام مُحَمَّد بن اسماعيل الْأَمِير رَحمَه الْقَدِير فِي الْحَث على الْعَمَل بِالسنةِ وَالْكتاب تتميما للْكَلَام وتقريعا للطغام وَللَّه دره وعَلى الله أجره فقد أَتَى فِيهَا بالعجب العجاب وَأدْخل جنَّات الْفَوَائِد من كل بَاب وَهِي هَذِه القصيدة
(أما آن عَمَّا أَنْت فِيهِ متاب
…
وَهل لَك من بعد البعاد إياب)
(تقضت بك الْأَعْمَار فِي غير طَاعَة
…
سوى عمل ترضاه وَهُوَ سراب)
(فللعمل الْإِخْلَاص شَرط إِذا أَتَى
…
وَقد وافقته سنة وَكتاب)
(وَقد صين عَن كل ابتداع وَكَيف ذَا
…
وَقد طبق الْآفَاق مِنْهُ عباب)
(طَغى المَاء من بَحر ابتداع على الورى
…
فَلم ينج مِنْهُ مركب وركاب)
(وطوفان نوح كَانَ فِي الْفلك أَهله
…
فأنجاهم والكافرون تباب)
(فَأنى لنا فلك يطير وليته
…
يطير بِنَا عَمَّا نرَاهُ غراب)
(وَأَيْنَ إِلَى أَيْن المطار وَكلهَا
…
على ظهرهَا يَأْتِيك مِنْهُ عُجاب)
(نسائل من دَار الْبِلَاد سياحة
…
عَسى بَلْدَة فِيهَا هدى وصواب)
(فيخبر كل عَن عجائب مَا رأى
…
وَلَيْسَ لأَهْلهَا يكون متاب)
(لأَنهم عدوا قبائح فعلهم
…
محَاسِن يُرْجَى عِنْدهن ثَوَاب)
(كقوم عُرَاة فِي ذرى مصر مَا علا
…
على عَورَة مِنْهُم هُنَاكَ ثِيَاب)
(ويدورون فِيهَا كاشفي عوارتهم
…
تَوَاتر هَذَا لَا يُقَال كَذَّاب)
(يعدونهم فِي مصرهم فضلاؤهم
…
دعاؤهم فِيمَا يرَوْنَ مجاب)
(وَفِي كل مصر مثل مصر وَإِنَّمَا
…
لكل مُسَمّى والجميع ذياب)
(ترى الدّين مثل الشَّاة قد وَثَبت لَهُ
…
ذياب وَمَا عَنهُ لَهُنَّ ذهَاب)
(فقد مزقته بعد كل ممزق
…
فَلم تبْق مِنْهُ جثة وإهاب)
(وَلَيْسَ اغتراب الدّين إِلَّا كَمَا ترى
…
فَهَل بعد هَذَا الإغتراب إياب)
(فيا غربَة هَل ترتجى مِنْك أوبة
…
فَيجْبر من هَذَا البعاد مصاب)
(فَلم يبْق للراجي سَلامَة دينه
…
سوى عزلة فِيهَا الجليس كتاب)
(كتاب حوى كل الْعُلُوم وَكلما
…
حواه من الْعلم الشريف صَوَاب)
(فَإِن رمت تَارِيخا رَأَيْت عجائبا
…
ترى آدما إِذْ كَانَ وَهُوَ تُرَاب)
(ولاقيت هابيلا قَتِيل شقيقه
…
يواريه لما أَن رَآهُ غراب)
(وتنتظر نوحًا وَهُوَ الْفلك إِذْ طَغى
…
على الأَرْض من مَاء السَّمَاء عباب)
(وَإِن شِئْت كل الْأَنْبِيَاء وَقَوْلهمْ
…
وَمَا قَالَ كل مِنْهُم وَأَجَابُوا)
(ترى كل مَا تهوى وَفِي الْقَوْم مُؤمن
…
وَأَكْثَرهم قد كذبوه وخابوا
(وجنات عدن حورها وَنَعِيمهَا
…
وَنَارًا بهَا للْمُشْرِكين عَذَاب)
(فَتلك لأرباب التقاء وَهَذِه
…
لكل شقي قد حواه عِقَاب)
(وَإِن ترد الْوَعْظ الَّذِي إِن عقلته
…
فَإِن دموع الْعين عَنهُ جَوَاب)
(تَجدهُ وَمَا تهواه من أَي مشرب
…
فللروح مِنْهُ مطعم وشراب)
(وَإِن رمت إبراز الْأَدِلَّة فِي الَّذِي
…
تُرِيدُ فَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ تجاب)
(تدل على التَّوْحِيد فِيهِ قواطع
…
بهَا قطعت للملحدين رِقَاب)
(وَمَا مطلب إِلَّا وَفِيه دَلِيله
…
وَلَيْسَ عَلَيْهِ للذكي حجاب)
(وَفِيه الدَّوَاء من كل دَاء فثق بِهِ
…
فوَاللَّه مَا عَنهُ يَنُوب كتاب)
(وَفِي رقية الصحب اللديغ قَضِيَّة
…
وقدرها الْمُخْتَار حِين أَصَابُوا)
(وَلَكِن سكان البسيطة أَصْبحُوا
…
كَأَنَّهُمْ عَمَّا حواه غضاب)
(فَلَا يطْلبُونَ الْحق مِنْهُ وَإِنَّمَا
…
يَقُولُونَ من يتلوه فَهُوَ مثاب)
(فَإِن جَاءَهُم فِيهِ الدَّلِيل مُوَافقا
…
لما كَانَ للآبا إِلَيْهِ ذهَاب)
(رضوه وَإِلَّا قيل هَذَا مأول
…
ويركب للتأويل فِيهِ صعاب)
(ترَاهُ أَسِيرًا كل حبر يَقُودهُ
…
إِلَى مَذْهَب قد قَرّرته صِحَاب)
(أتعرض عَنهُ عَن رياض أريضة
…
وتعتاض جهلا بالرياض مضاب)
(يُرِيك صراطا مُسْتَقِيمًا وَغَيره
…
مفاوز جهل كلهَا وشعاب)
(تزيد على مر الجديدين جدة
…
فألفاظه مهما تَلَوت عَذَاب)
(وآياته فِي كل حِين طرية
…
وتبلغ أقْصَى الْعُمر وَهِي كعاب)
(فَفِيهِ هدى للْعَالمين وَرَحْمَة
…
وَفِيه عُلُوم جمة وثواب)
(فَكل كَلَام غَيره القشر لَا سوى
…
وَذَا كُله عِنْد اللبيب لباب)
(دعوا كل قَول غَيره وَسوى الَّذِي
…
أَتَى عَن 0 رَسُول الله فَهُوَ صَوَاب)
(وعضوا عَلَيْهِ بالنواجذ واصبروا
…
عَلَيْهِ وَلَو لم يبْق فِي الْفَم نَاب)
(تروا كل مَا ترجون من أَي مطلب
…
إِذا كَانَ فِيكُم همة وطلاب)
(أطيلوا على السَّبع الطوَال وفوقكم
…
تدر عَلَيْكُم بالعلوم سَحَاب)
(وَكم من فُصُول فِي الْمفصل قدحوت
…
أصولا إِلَيْهَا للذكي مآب)
(وَمَا كَانَ فِي عصر الرَّسُول وَصَحبه
…
سواهُ لهدي الْعَالمين كتاب)
(تَلا فصلت لما أَتَاهُ مجادل
…
فَأبْلسَ حَتَّى لَا يكون جَوَاب)
(أقرّ بِأَن القَوْل فِيهِ طلاوة
…
ويعلو وَلَا يَعْلُو عَلَيْهِ خطاب)
(وَأدبر عَنهُ هائما فِي ضَلَالَة
…
يدبر مَاذَا فِي الْأَنَام يعاب)
(وَقَالَ ابْن عَم الْمُصْطَفى لَيْسَ عندنَا
…
سواهُ وَإِلَّا مَا حواه قرَاب)
(وَإِلَّا الَّذِي أعطَاهُ فهما إلهه
…
بآياته فاسئل عساك تجاب)
(فَمَا الْفَهم إِلَّا من عطاياه لَا سوى
…
بل الْخَيْر كل الْخَيْر فِيهِ وصاب)
(سُلَيْمَان قد أعطَاهُ فهما فناده
…
يجبك سَرِيعا مَا عَلَيْهِ حجاب)
(وسل مِنْهُ تَوْفِيقًا ولطفا وَرَحْمَة
…
فَتلك إِلَى حسن الختام مآب)
وَقد استوفيت بحث الْعَمَل بِالسنةِ فِي رسالتنا الْمُسَمَّاة بِالْجنَّةِ واستوعبت بحث التَّقْلِيد فِي مؤلفنا الْمُسَمّى بالتنقيد وأرجوا من الله سبحانه وتعالى أَن لَا تبقى بعدهمَا حَاجَة للمنصف فِي تَحْقِيق ذَلِك إِلَى غير ذَلِك وَالله أعلم بِالصَّوَابِ