الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فِي الْمسند أَحَادِيث انتخبتها من أَكثر سَبْعمِائة ألف وَخمسين ألفا فَمَا اختلفتم فِيهِ فَارْجِعُوا إِلَيْهِ وَمَا لم تَجدوا فِيهِ فَلَيْسَ بِحجَّة
قَالَ السَّيِّد الشريف المُرَاد بِهَذِهِ الْأَعْدَاد الطّرق لَا الْمُتُون
وَقَالَ أَبُو المكارم عَليّ بن شهَاب الصديقي الظَّاهِر أَن هَذَا القَوْل مَوْضُوع على الإِمَام أَحْمد لِأَن فِي الْكتب الصَّحِيحَة من الْأَحَادِيث مَا لم يُوجد فِي الْمسند مَعَ الْإِجْمَاع على صِحَّتهَا
الْفَصْل الثَّانِي فِي مبدأ جمع الحَدِيث وتأليفه وانتشاره
فَإِنَّهُ لما كَانَ من أصُول الْفُرُوض وَجب الاعتناء بِهِ والاهتمام بضبطه وَحفظه ولذك يسر الله سبحانه وتعالى للْعُلَمَاء الثِّقَات الَّذين أحفظوا قوانينه وَأَحَاطُوا فِيهِ فيناقلوه كَابِرًا عَن كَابر وأوصله كَمَا سَمعه أول إِلَى آخر وحببه الله تَعَالَى لَهُم لحكمة حفظ دينه وحراسة شَرِيعَته فَلم يزل هَذَا الْعلم من عهد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم غض طري وَالدّين مُحكم الأساس قوي أشرف الْعُلُوم وأجلها لَدَى الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعي التَّابِعين خلفا بعد سلف لَا يشرف بَينهم أحد بعد حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى إِلَّا بِقدر مَا يحفظ مِنْهُ وَلَا يعظم فِي النُّفُوس إِلَّا بِحَسب مَا سمع من الْأَحَادِيث فتوفرت الرغبات فِيهِ فَمَا زَالَ لَهُم من لدن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى أَن انْقَطَعت الهمم على تعلمه حَتَّى لقد كَانَ أحدهم يرحل إِلَى المراحل ذَوَات الْعدَد ويفني الْأَمْوَال وَالْعدَد وَيقطع الفيافي والمفاوز ويجوب الْبِلَاد شرقا وغربا فِي طلب حَدِيث وَاحِد ليسمعه من راوية فَمنهمْ من يكون الْبَاعِث لَهُ على الرحلة طلب ذَلِك الحَدِيث لذاته وَمِنْهُم من يقرن بِتِلْكَ الرَّغْبَة سَمَاعه من ذَلِك الرَّاوِي بِعَيْنِه إِمَّا لِثِقَتِهِ فِي نَفسه وَإِمَّا لعلو إِسْنَاده فانبعثت العزائم إِلَى تَحْصِيله وَكَانَ اعتمادهم أَولا على الْحِفْظ والضبط فِي الْقُلُوب غير ملتفتين إِلَى مَا يكتبونه مُحَافظَة على هَذَا الْعلم كحفظهم كتاب الله سبحانه وتعالى وَلَا معولين على مَا يسطرونه وَذَلِكَ لسرعة حفظهم وسيلان أذهانهم
فَلَمَّا انْتَشَر الْإِسْلَام واتسعت الْأَمْصَار وَتَفَرَّقَتْ الصَّحَابَة فِي الأقطار وَكَثُرت الفتوحات وَمَات مُعظم الصَّحَابَة وتفرق أَصْحَابهم وأتباعهم وَقل الضَّبْط واتسع الْخرق وَكَاد الْبَاطِل أَن يلتبس بِالْحَقِّ احْتَاجَ الْعلمَاء إِلَى تدوين الحَدِيث وتقييده بِالْكِتَابَةِ ولعمري إِنَّهَا الأَصْل فَإِن الخاطر يغْفل والقلم يحفظ فمارسوا الدفاتر وسايروا المحابر وَأَجَابُوا فِي نظم قلائده أفكارهم وأنفقوا فِي تَحْصِيله أعمارهم واستغرقوا لتقييده ليلهم ونهارهم فأبرزوا تصانيف كثرت صنوفها ودونوا دواوين ظَهرت شفوفها فاتخذها الْعَالمُونَ قدوة ونصبها العارفون قبْلَة فجزاهم الله سبحانه وتعالى عَن سَعْيهمْ الحميد أحسن مَا جزى بِهِ عُلَمَاء أمته وأحبار مِلَّته
وَكَانَ أول من أَمر بتدوين الحَدِيث وَجمعه بِالْكِتَابَةِ عمر بن عبد الْعَزِيز خوف إندراسه كَمَا فِي الْمُوَطَّأ رِوَايَة مُحَمَّد بن الْحسن أخبرنَا يحيى بن سعيد أَن عمر بن عبد الْعَزِيز كتب إِلَى أبي بكر مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم أَن أنظر مَا كَانَ من حَدِيث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَو سنته فاكتبه فَإِنِّي خفت دروس الْعلم وَذَهَاب الْعلمَاء
وَأخرج أَبُو نعيم فِي تَارِيخ أصفهان عَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه كتب إِلَى أهل الْآفَاق أنظروا إِلَى حَدِيث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه وعلقه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فيستفاد مِنْهُ كَمَا قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر ابْتِدَاء تدوين الحَدِيث النَّبَوِيّ
وَقَالَ الْهَرَوِيّ فِي ذمّ الْكَلَام وَلم تكن الصَّحَابَة وَلَا التابعون يَكْتُبُونَ الْأَحَادِيث إِنَّمَا كَانُوا يؤدونها حفظا ويأخذونها لفظا إِلَّا كتاب الصَّدقَات وَالشَّيْء الْيَسِير الَّذِي يقف عَلَيْهِ الباحث بعد الِاسْتِقْصَاء حَتَّى خيف عَلَيْهِ الدُّرُوس وأسرع فِي الْعلمَاء الْمَوْت أَمر عبد الْعَزِيز أَبَا بكر مُحَمَّد بن حزم فِيمَا كتب إِلَيْهِ أَن أنظر ماكان من سنة أوحديث فاكتبه
وَفِي هدي الساري مُقَدّمَة فتح الْبَارِي أول من جمع ذَلِك الرّبيع بن صبيح وَسعد بن أبي عرُوبَة وَغَيرهمَا وَكَانُوا يصنفون كل بَاب على حِدة إِلَى أَن انْتهى الْأَمر إِلَى كبار الطَّبَقَة الثَّالِثَة وزمن
جمَاعَة من الْأَئِمَّة مثل عبد الْملك بن جريج وَمَالك بن أنس وَغَيرهمَا فدونوا الحَدِيث حَتَّى قيل إِن أول كتاب صنف فِي الْإِسْلَام كتاب ابْن جريج وَقيل موطأ مَالك وَقيل أول من صنف وَبَوَّبَ الرّبيع ابْن صبيح بِالْبَصْرَةِ
وَقَالَ الْقُسْطَلَانِيّ صنف مَالك الْمُوَطَّأ بِالْمَدِينَةِ وَعبد الْملك بن جريج بِمَكَّة وَعبد الرَّحْمَن الْأَوْزَاعِيّ بِالشَّام وسُفْيَان الثَّوْريّ بِالْكُوفَةِ وَحَمَّاد بن سَلمَة بن دِينَار بِالْبَصْرَةِ ثمَّ تلاهم كثير من الْأَئِمَّة فِي التصنيف كل على حسب مَا سنح لَهُ وانْتهى إِلَيْهِ علمه انْتهى
وانتشر جمع الحَدِيث وتدوينه وتسطيره فِي الْأَجْزَاء والكتب وَكثر ذَلِك وَعظم نَفعه إِلَى زمن الْإِمَامَيْنِ العظيمين أبي عبد الله مُحَمَّد بن اسماعيل البُخَارِيّ وَأبي الْحُسَيْن مُسلم بن الْحجَّاج النَّيْسَابُورِي فدونا كِتَابَيْهِمَا وأثبتا فيهمَا من الْأَحَادِيث مَا قطعا بِصِحَّتِهِ وَثَبت عِنْدهمَا نَقله وسيما الصَّحِيحَيْنِ من الحَدِيث وَلَقَد صدقا فِيمَا قَالَا وَالله مجازيهما عَلَيْهِ وَلذَلِك رزقهما الله تَعَالَى حسن الْقبُول شرقا وغربا ثمَّ ازْدَادَ انتشار هَذَا النَّوْع من التصنيف وَكثر فِي الْأَيْدِي وَتَفَرَّقَتْ أغراض النَّاس وتنوعت مقاصدهم إِلَى أَن انقرض ذَلِك الْعَصْر الَّذِي قد اجْتَمعُوا وَاتَّفَقُوا فِيهِ مثل أبي عِيسَى مُحَمَّد بن عِيسَى التِّرْمِذِيّ وَمثل أبي دَاوُد سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث السجسْتانِي وَأبي عبد الرَّحْمَن أَحْمد بن شُعَيْب النَّسَائِيّ وَغَيرهم فَكَانَ ذَلِك الْعَصْر خُلَاصَة العصور فِي تَحْصِيل هَذَا الْعلم وَإِلَيْهِ الْمُنْتَهى كَذَا فِي كشف الظنون
وَقَالَ ابْن خلدون وَكَانَ علم الشَّرِيعَة فِي مبدأ هَذَا الْأَمر نقلا صرفا شمر لَهَا السّلف وتحروا الصَّحِيح حَتَّى أكملوها وَكتب مَالك كتاب الْمُوَطَّأ أودعهُ أصُول الْأَحْكَام من الصَّحِيح الْمُتَّفق عَلَيْهِ ورتبه على أَبْوَاب الْفِقْه ثمَّ عني الْحفاظ بِمَعْرِِفَة طرق الْأَحَادِيث وأسانيدها الْمُخْتَلفَة وَرُبمَا يَقع إِسْنَاد الحَدِيث من طرق مُتعَدِّدَة عَن رُوَاة مُخْتَلفين وَقد يَقع الحَدِيث أَيْضا فِي أَبْوَاب مُتعَدِّدَة باخْتلَاف الْمعَانِي الَّتِي اشْتَمَل عَلَيْهَا
وَجَاء مُحَمَّد بن اسماعيل البُخَارِيّ إِمَام الْمُحدثين فِي عصره فَخرج
أَحَادِيث السّنة على أَبْوَابهَا فِي مُسْنده الصَّحِيح بِجَمِيعِ الطّرق الَّتِي للحجازيين والعراقيين والشاميين وَاعْتمد مِنْهَا مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ دون مَا اخْتلفُوا فِيهِ وَكرر الْأَحَادِيث يَسُوقهَا فِي كل بَاب بِمَعْنى ذَلِك الْبَاب الَّذِي تضمنه الحَدِيث فتكررت لذَلِك أَحَادِيثه حَتَّى يُقَال أَنه اشْتَمَل على تِسْعَة آلَاف حَدِيث وَمِائَتَيْنِ مِنْهَا ثَلَاثَة آلَاف متكررة وَفرق الطّرق والأسانيد عَلَيْهَا مُخْتَلفَة فِي كل بَاب
ثمَّ جَاءَ الإِمَام مُسلم بن الْحجَّاج الْقشيرِي فألف مُسْنده الصَّحِيح حذا فِيهِ حَذْو البُخَارِيّ فِي نقل الْمجمع عَلَيْهِ وَحذف المتكرر مِنْهَا وَجمع الطّرق والأسانيد وبوبه على أَبْوَاب الْفِقْه وتراجمه وَمَعَ ذَلِك فَلم يستوعبا الصَّحِيح كُله وَقد استدرك النَّاس عَلَيْهِمَا فِي ذَلِك
ثمَّ كتب أَبُو دَاوُد السجسْتانِي وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ وَأَبُو عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ فِي السّنَن بأوسع من الصَّحِيح وقصدوا مَا توفرت فِيهِ شُرُوط الْعَمَل إِمَّا من الرُّتْبَة الْعَالِيَة فِي الْأَسَانِيد وَهُوَ الصَّحِيح كَمَا هُوَ مَعْرُوف وَإِمَّا من الَّذِي دونه من الْحسن وَغَيره ليَكُون ذَلِك إِمَامًا للسّنة وَالْعَمَل وَهَذِه هِيَ المسانيد الْمَشْهُورَة فِي الْملَّة وَهِي أُمَّهَات كتب الحَدِيث فِي السّنة فَإِنَّهَا وَإِن تعدّدت ترجع إِلَى هَذِه فِي الْأَغْلَب وَمَعْرِفَة هَذِه الشُّرُوط الاصطلاحات كلهَا هِيَ علم الحَدِيث وَرُبمَا يفرد عَنْهَا النَّاسِخ والمنسوخ فَيجْعَل فَنًّا بِرَأْسِهِ وَكَذَا الْغَرِيب وَلِلنَّاسِ فِيهِ تأليف مشهوره انْتهى
ثمَّ نقص ذَلِك الطّلب وَقل الْحِرْص وفترت الهمم وَكَذَلِكَ كل نوع من أَنْوَاع الْعُلُوم والصنائع والدول وَغَيرهَا فَإِنَّهُ يَبْتَدِئ قَلِيلا قَلِيلا وَلَا يزَال يَنْمُو وَيزِيد إِلَى أَن يصل إِلَى غَايَة هِيَ منتهاه ثمَّ لَا يعود وَكَانَ غَايَة هَذَا الْعلم انْتَهَت إِلَى البُخَارِيّ وَمُسلم وَمن كَانَ فِي عصرهما ثمَّ نزل وتقاصر إِلَى مَا شَاءَ الله تَعَالَى حَتَّى لَا يُوجد الْيَوْم مِمَّن يعلم الحَدِيث وَاحِد فِي الْجمع الجم من النَّاس وَقد قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم النَّاس كالأبل الْمِائَة لَا تكَاد تُوجد فِيهَا رَاحَة وَإِنَّمَا هم كحفالة الشّعير فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون