الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كَفْرٌ - فَيَشْتُمُونَ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَيَرْمُونَهُ بِمَا اللَّهُ تَعَالَى قَدْ نَزَّهَهُ عَنْهُ تَمْوِيهًا عَلَى الرِّعَاءِ وَالسَّفِلِ، أَنَّ أَخْبَارَهُ لَا تَثْبُتُ بِهَا الْحُجَّةُ؟
- وَإِمَّا خَارِجِيٌّ، يَرَى السَّيْفَ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَلَا يَرَى طَاعَةَ خَلِيفَةٍ، وَلَا إِمَامٍ إِذَا سَمِعَ أَخْبَارَ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خِلَافَ مَذْهَبِهِمْ الَّذِي هُوَ ضَلَالٌ، لَمْ يَجِدْ حِيلَةً فِي دَفْعِ أَخْبَارِهِ بِحُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ كَانَ مَفْزَعُهُ الْوَقِيعَةَ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ!.
- أَوْ قَدَرِيٌّ اعْتَزَلَ الإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ وَكَفَّرَ أَهْلَ الإِسْلَامِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الأَقْدَارَ المَاضِيَةَ الَّتِي قَدَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَضَاهَا قَبْلَ كَسْبِ الْعِبَادِ لَهَا إِذَا نَظَرَ إِلَى أَخْبَارِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّتِي قَدْ رَوَاهَا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي إِثْبَاتِ الْقَدَرِ لَمْ يَجِدْ بِحُجَّةٍ تُؤَيِّدُ صِحَّةَ مَقَالَتِهِ التِي هِيَ كُفْرٌ وَشِرْكٌ، كَانَتْ حُجَّتُهُ عِنْدَ نَفْسِهِ أَنَّ أَخْبَارَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَجُوزُ الاحْتِجَاجُ بِهَا!.
- أَوْ جَاهِلٌ يَتَعَاطَى الْفِقْهَ وَيَطْلُبُهُ مِنْ غَيْرِ مَظَانِّهِ إِذَا سَمِعَ أَخْبَارَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا يُخَالِفُ مَذْهَبَ مَنْ قَدِ اجْتَبَى مَذْهَبَهُ، واخْتَارَهُ تَقْلِيدًا بِلَا حُجَّةٍ وَلَا بُرْهَانٍ تَكَلَّمَ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ، وَدَفَعَ أَخْبَارَهُ الَّتِي تُخَالِفُ مَذْهَبَهُ، وَيَحْتَجُّ بِأَخْبَارِهِ عَلَى مُخَالَفَتِهِ إِذَا كَانَتْ أَخْبَارُهُ مُوَافِقَةً لِمَذْهَبِهِ، وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ هَذِهِ الْفَرَقِ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْبَارًا لَمْ يَفْهَمُوا مَعْنَاهَا أَنَا ذَاكِرٌ بَعْضُهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عز وجل
…
».
ثم أخذ ابن خزيمة رحمه الله يذكر بعض الأحاديث التي استشكلت من أحاديث أبي هريرة، ثم يجيب عنها.
هذه كلمة الحق في أبي هريرة وأحاديثه، وهذا مِمَّا ذهب إليه أئمة الهدى وأعلام الدين، وكبار فقهاء الإسلام ومتشرعيه. وبيدهم الحُجَّة، وبألسنتم المنطق، ومعهم التاريخ الصحيح ووسيلتهم البحث العلمي الهادي الرصين.
كَلِمَةٌ مُجْمَلَةٌ فِي «أَبِي رَيَّةَ» وَكِتَابِه:
حين كتبت مقدمة الطبع لهذا الكتاب وتحدثت عن كتاب «أَبِي رَيَّةَ»
كنت قد ألقيت نظرة سريعة على كتابه فكتبت ما كتبت، ولكني بعد أن تدبرت ما كتبه عن أبي هريرة، وناقشت ما ساقه من نصوص و «حكايات» أستطيع أن أجزم بالحقائق التالية:
أولاً - إن الرجل غير موثوق فيما ينقل، فكثيراً ما يريد في النص الذي ينقده كلمة يفسد بها المعنى، لينسجم النص مع ما يريد، دُونَ ما يريد صاحبه، وكثيراً ما ينقص كلمة، وكثيراً ما يسند القول إلى غير صاحبه تضليلاً وتمويهاً، وقد مر بنا أمثلة من ذلك خلال مناقشته لما كتبه عن أبي هريرة، ونحن نضع الآن بعض هذه الأمثلة أمام القارىء ليتأكد من «أمانة» هذا الرجل، و «تحقيقه العلمي» !
1 -
يقول (1) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه:
«وكان قد أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب، وكان يرويها للناس " عَنْ النَّبِيِّ"» ثم نسب هذا القول إلى ابن حجر في " فتح الباري " ص 166 ج 1، وعبارته في " الفتح " ليس فيها «عَنْ النَّبِيِّ» وإنما زادها أَبُو رَيَّةَ ونسبها إلى الحافظ ابن حجر ليؤكد للقارىء الشك في أحاديث صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كان بعضهم يستمع إلى مُسْلِمَةِ أَهْلِ الكِتَابِ يتحدثون عن أخبار الأمم الماضية، فمنهم من كان ينقلها عنهم على أنها قصص متعلقة بالماضين، ولكن أَبَا رَيَّةَ يتهمهم بأنهم كانوا " ينسبونها " إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم! .. ولم يكتف بذلك البهتان حتى نسبه إلى الحافظ ابن حجر وهو لم يقله قط ولا يقوله مسلم يعرف ما كان عليه هذا الجيل الفذ في تاريخ الإنسانية من صدق اللهجة واستقامة الدين ووقوف عند حدود الله فيما أمر ونهى، وهم يعلمون أن الله لعن الكَاذِبِينَ ومقتهم، وليس أَقَرَّ لعيون أعداء الله والإسلام من أَنْ يُرْمُوا بما رماهم به «أَبُو رَيَّةَ» .
2 -
ونقل (2) عن ابن كثير في " البداية والنهاية " 8/ 206 أن عمر
(1) ص 162 بالهامش رقم 3.
(2)
ص 115.
- رضي الله عنه قال لكعب الأحبار: «لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ (عَنْ رَسُولِ اللهِ) أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ القِرَدَةِ» .
وعبارة ابن كثير: «لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ (عَنْ الأُوَلِ)
…
» وليس فيها «عَنْ رَسُولِ اللهِ» ولكن " أمانة " أَبِي رَيَّةَ أجازت له تحريف هذا النص ليثبت ما ادَّعَاهُ من أن كعبا كان يُحَدِّثُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الصحابة كانوا يأخذون عنه الحديث، وهذه الفرية دسها المُسْتَشْرِقُونَ اليهود أمثال «جولدتسيهر» لِيَدَّعُوا تأثير اليهودية في الدين الإسلامي! .. فتلقفها منهم «المُحَقِّقُ العِلْمِيُّ» أَبُو رَيَّةَ، وتبرع لهم بإثبات الأدلة عن طريق «التزوير» ! ..
3 -
ونقل (1) عن " البداية والنهاية " لابن كثير: 8/ 106 أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه هَدَّدَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِتَرْكِ الحَدِيثِ أَوْ لَيُلْحِقَنَّهُ بِأَرْضِ دَوْسٍ «أَوْ بِأَرْضِ القِرَدَةِ» .
وهذه الزيادة «أَوْ بِأَرْضِ القِرَدَةِ» من مفتريات أَبِي رَيَّةَ على عمر وابن كثير معاً .. وإنما قالها عمر لكعب كما مَرَّ يُهَدِّدُهُ فِي تَرْكِ الحَدِيثِ عَنْ «الأُوَلِ» أي الأمم الماضية - كما نقل ذلك ابن كثير.
4 -
نقل أَبُو رَيَّةَ في عدة مواضع من بحثه عن أبي هريرة نصوصاً في تكذيب عمر وعثمان وَعَلِيٍّ وعائشة وغيرهم لأبي هريرة، ثم نسبها إلى ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث " وترجم أَبُو رَيَّةَ لابن قتيبة في هامش كتابه بأنه كان لأهل السُنَّةِ كالجاحظ للمعتزلة في قوة البيان وَالحُجَّةِ، وقصده من ذلك تأكيد تضليل القارىء بأن رجلا كابن قتيبة له مكانته بين أهل السُنَّةِ يطعن في أبي هريرة هذا الطعن، دليل على صحة ما يذهب إليه أَبُو رَيَّةَ من تكذيب أبي هريرة فيما يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مع أن ابن قتيبة ألَّف كتابه " تأويل مختلف الحديث " للرد على من طعن في أئمة الحديث منذ الصحابة حتى عصره، وأخبر أنهم هم رؤساء
(1) ص 163.
الاعتزال كالنظَّام وأمثاله وآخرين. ثم ساق ابن قتيبة شتائم النظام لأبي بكر وعمر وعثمان وَعَلِيٍّ وابن مسعود وأبي هريرة وغيرهم من كبار الصحابة، ثم كَرَّ بالرد عليه وتفنيد ما قال عن كل واحد من هؤلاء.
فأخذ «أَبُو رَيَّةَ» ما قاله النظَّام في أبي هريرة ونسبه إلى ابن قتيبة وتعامى عن رَدِّ ابن قتيبة على النظَّام، وهكذا تكون «الأمانة العلمية» عند هذا «المُحَقِّقِ العِلْمِيِّ» ! ..
5 -
ونقل (1) عن المرحوم السيد رشيد رضا كلاماً عن كعب ووهب بن منبه قال فيه: «وَمَا يُدْرِينَا أَنََّ كُلِّ الرِّوَايَاتِ - أَوْ المَوْقُوْفَةِ مِنْهَا - تَرْجِعُ إِلَيْهِمَا» مع أن العبارة: «وَمَا يُدْرِينَا أَنََّ كُلِّ (تِلْكَ) الرِّوَايَاتِ
…
الخ. فأسقط أَبُو رَيَّةَ كلمة «تِلْكَ» ، التي أشار بها السيد رشيد رحمه الله إلى مرويات كعب ووهب عن أهل الكتاب، لتجيء العبارة مُوهِمَةً بأن روايات الصحابة ترجع إليهما .. فانظر إلى هذا الدَسِّ والتلاعب في نقل النصوص لتتفق مع أهوائه وأغراضه.
هذه أمثلة لا مجال للمناقشة فبها تدل على تلاعبه في النصوص التي ينقلها ونسبتها إلى غير قائليها وأشهد أني لا أعلم أحداً من أشد المُسْتَشْرِقِينَ تَعَصُّبًا وَدَسًّا، بلغت جرأته في تحريف النصوص والتلاعب فيها كما بلغت جرأة أَبِي رَيَّةَ فماذا تقول في هذا «العلَاّمة المحقّق الأمين؟»
ثانياً - انه يستدل لفكرته التي يخالف بها جمهور العلماء بنصوص للعلماء في موضوع غير الموضوع الذي يتكلم فيه، لِيُوهِمَ القارىء أنه مؤيد فيما يقوله من العلماء الأقدمين.
ونضرب لذلك مثلاً بما زعمه من تدليس أبي هريرة، مع أن جميع العلماء متفقون على أن ما كان يصنعه أبو هريرة وغيره من الصحابة من نسبته حَدِيثًا إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم لم يسمعه ولكنه سمعه من صحابي آخر يسمى
(1) ص 195.
إرسالا، وهو أمر متفق على جوازه وصحته ووقوعه من عدد من الصحابة في أبي هريرة.
ولكن أَبَا رَيَّةَ يسمي هذا العمل تدليساً ثم يذكر ما قاله العلماء مِنْ جَرْحِ المدلس وسقوط اعتباره. ليصل من ذلك إلى أن ابا هريرة - بحسب القواعد التي وَضَّحَهَا هؤلاء العلماء - لايعتبر حديثه ولا يحتج به.
ومثلاً آخر: إنه يتهم أبا هريرة بالكذب، ثم ينقل نصوص العلماء في سقوط الاحتجاج بمن كذب ولو مَرَّةً واحدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن بعضهم ذهب إلى تكفيره، ويريد أن يطبق ذلك على أبي هريرة .. أي أنه يأتي بمقدمة صغرى غير صحيحة، ومقدمة كبرى مُسَلَّمَةٍ، ثم يأتي بالنتيجة التي يهواها على أنه ألزم خصومه بما لا يسعهم رفضه.
لقد قال في أول بحثه: «إن أحاديث الآحاد تفيد الظن. والظن لا يغني من الحق شيئاً» ، واستنتج من ذلك أن أحاديث الآحاد لا تلزمنا بشيء ..
استدل للمقدمة الصغرى بنصوص العلماء في هذا الشأن وهي صحيحة، ولكن المقدمة الكبرى غير مُسَلَّمَةٍ لأن جماهير أئمة العلم ذهبوا إلى وجوب العمل بأحاديث الآحاد، فالنتيجة التي ذكرها أَبُو رَيَّةَ غير صحيحة، ومن المعلوم أن القياس لا يكون صحيحاً مُلْزَمًا إلا إذا سلمت مقدمتاه.
هكذا شأنه في كل أبحاثه، ومن هنا أكثر من الاستشهاد بنصوص من مراجع علمية محترمة في الأوساط العلمية، لكنها لا تلتقي معه في اتجاهه، بل هي في اتجاه معاكس له تماماً، وإنما حشرها بين مراجعه لِيُمَوِّهَ بها على القُرَّاءِ البُسَطَاءِ، أو الذين لا اطَّلَاعَ لهم على هذه المباحث.
ثالثاً - أنه يسيء فهم النصوص عَمْدًا، ويتحكم في فهمها تَحُكْمًا يمليه الهوى لا البحث العلمى كما فعل في فهمه معنى قول أبي هريرة - رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ -: «عَلَى مِلْءِ بَطْنِي» (1) وكما فعل في فهمه معنى قول بُسْر بن سعيد فيمن كان يحضر مجلس أبي هريرة فيجعل ما يرويه أبو هريرة عن كعب مَرْوِيًّا عن رسول الله، وما يرويه أبو هريرة عن رسول الله مَرْوِيًّا عن كعب، وقد سبق التنبيه إلى ذلك.
وهذا الأسلوب هو أسلوب المُتَعَصِّبِينَ من المُسْتَشْرِقِينَ، وهو الذي أسقطهم من عيون المُسْتَشْرِقِينَ المُحَقِّقِينَ الذين أتوا بعدهم، وأضعف من الثقة بأبحاثهم.
رابعاً - إنه في سبيل تأكيد الفكرة المُسْتَوْلِيَةِ عليه يرفض نصوصاً أجمع العلماء على صحتها، من حيث يعتمد على روايات مكذوبة نص العلماء على بطلانها وعلى «حكايات» تُرْوَى في مجالس الأدب، ومن مصادر غير موثوقة في نظر العلماء وليس لها سند ولا يعرف قائلها.
وبهذا ليس عنده مانع يمنع من تكذيبه لما جاء في كل كُتُبِ السُنَّةِ الصحيحة كـ "البخاري " و"مسلم " و"السنن الأربعة " وغيرها في بسط رداء أبي هريرة ودعاء الرسول له بالحفظ، ويذهب في تكذيب هذه الرواية إلى حد السخرية والاستهزاء، في حين أنه يعتمد على ما جاء في كتاب " [حياة] الحيوان " للدميري، و" شرح ابن أبي الحديد "، و" عيون الأخبار "، و" مقامات " بديع الزمان الهمذاني!! ..
وهذا هو بعينه أسلوب أولئك المُتَعَصِّبِينَ من المُسْتَشْرِقِينَ كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق، فافتدى بهم، حذوك النًعل بالنعل.
خامساً - اعتماده في سب أبي هريرة وتكذيبه وفي التشكيك بِالسُنَّةِ وَرُوَّاتِهَا، على ما كتبه المستشرق «جولدتسيهر» و «شبرنجر» و «فون كريمر» و" دائرة المعارف الإسلامية (البريطانية) " وتفاخره بأنه يأخذ عن هؤلاء ويتلقى عنهم دروس السب والشتيمة في جلة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم!.
بل إنه كان أكثر منهم بذاءة وأطول لساناً، انظر إلى «شبرنجر» إنه يقول عن أبي هريرة:«المُتَطَرِّفُ فِي الاخْتِلَاقِ وَرَعًا» .
ألا ترى أن هذا الكلام على ما فيه من نسبة الكذب إلى أبي هريرة
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(1)
[انظر ص 363 من هذا الكتاب].
يعتبر كالتسبيح بجانب ما أضفاه أَبُو رَيَّةَ على أبي هريرة من ألفاظ السب والشتم والهجاء المقذع حين زعم أنه كان يختلق الأحاديث لِيُرْضِي بها الأُمَوِيِّينَ.
ثم إن «شبرنجر» يعترف بأن كثيراً من الأحاديث التي تنسبها الروايات إليه إنما قد نحلت في عصر متأخر، فهو «شبرنجر» لا يُحَمِّلُ أبا هريرة وِزْرَهَا، ولكن أَبَا رَيَّةَ حَمَّلَ أبا هريرة وِزْرَ كل الروايات المكذوبة عليه واستنتج منها تلك النتائج البعيدة عن الحق.
وقد ذكرنا لك كيف زعم أن أبا هريرة كان يَسْتَحِلُّ الكذب على الرسول بأنه ما دام لا يحلل حراماً ولا يحرم حلالاً فلا بأس، ثم استشهد بأحاديث رويت عنه، وقد ثبت أنها كلها موضوعة عليه كما بَيَّنَ ذلك أئمة الحديث ..
وهكذا يفوق التلميذ أستاذه .. لكن لا في الذكاء وعمق البحث والأدب، بل في شيء آخر غير هذا ..
سادساً - أنه لم يتحل بالأدب الكريم في بحثه، فكانت له الكلمات النابية التي مكانها مجالس السوقة والرعاع، لا الكتب والمؤلفات.
إنه قد ذهب في أول بحثه إلى أن الكذب هو عدم مطابقة الخبر للواقع سواء كان عمداً أو خطأً، ثم قال:«فلعنة الله على الكَاذِبِينَ متعمِّدين أو غير متعمِّدين» هذا مع العلم بأن كبار الصحابة، وكبار المُحَدِّثِينَ، وكبار الفقهاء، وكبار العلماء، قد وقع منهم الخطأ وَالوَهْمُ إما في الرواية وإما في الفتوى وإما في رواية التاريخ، فهؤلاء جميعاً في أدب «أَبِي رَيَّةَ» قد نالتهم لعنة الله! .. ومن عدالة الله أنا أمسكنا بأَبِي رَيَّةَ مُتَلَبِّسًا بجريمة الكذب العمد كما رأيت.
ثم انظر إلى الألفاظ البذيئة التي قالها عن أبي هريرة، ثم عن معاوية، ثم عن الذين سيخالفونه في نتائج «بحثه العلمي الذي لم ينسج أحد من قبل على منواله» كيف كال لهم السباب المقذع ووصفهم بِأَحَطِّ الأوصاف والنعوت.
لقد كنت أقرأ هذا وأنا أعجب كيف يَتَفَوَّهُ إنسان يحترم نفسه بمثل هذه الكلمات، حتى حَدَّثَنِي عنه من يعرفه شخصياً ما أزال عجبي «وَكُلُّ إِنَاءٍ بِالذِي فِيهِ يَنْضَحُ» .
سابعاً - إنه لم يتورع خلال بحثه - ليثبت عبقريته وأنه أتى بما لم يأته الأوائل، وأنه اكتشف حقيقة أبي هريرة التي خفيت على ثمانمائة من حَمَلَةِ العِلْمِ من الصحابة والتَّابِعِينَ - من أن يَتَّهِمَ الصحابة - وفيهم عمر- بالغفلة والسذاجة، حيث سمحوا لِمُسْلِمَةِ أَهْلِ الكِتَابِ الذين أسلموا لِيَدُسُّوا على الإسلام، أَنْ يَكْذِبُوا على الرسول، ثم نقلوا عنهم هذا الكذب، من غير أن يُؤْتُوا ذَرَّةً من الفطنة التي أوتيها أَبُو رَيَّةَ فيعلموا أن هؤلاء مَدْسُوسُونَ دَسَّاسُونَ، بَلْ خُدِعُوا بِهِمْ وَنَقَلُوا عَنْهُمْ وتركوهم يدسون على الدين ويفسدون عقائده أحراراً يسرحون ويمرحون، بل يُعَظَّمُونَ وَيُقَدَّسُونَ! ..
ثم اتهم الأجيال المتلاحقة من بعدهم - وفيهم عشرات الألوف من كبار العلماء والفقهاء وَالمُتَشَرِّعِينَ وَالمُحَدِّثِينَ بالغفلة وعدم التيقظ لما تيقظ له «مُحَقِّقُنَا العَلَاّمَةُ العَبْقَرِيُّ» وأنهم جميعاً فاتهم من معرفة الحقائق التي أودعها في كتابه مِمَّا كان ينبغي أن يُؤَلَّفَ فيها مثل كتابه منذ ألف سَنَةٍ! .. ولكنهم لم يفعلوا حتى قام هو بهذه المُهِمَّةِ التى سَتُغَيِّرُ وجه الدراسات العلمية من بعد ..
هذا ما قاله بلسانه وسطره بقلمه، وتكاد تلمسه في كل صفحة من صفحات كتابه. ولا تدل هذه الدعوى والغرور والتبجح إلا على شيء واحد .. على عقل صاحبها .. وسبحان مقسم الحظوظ في العقول، كما يقسم الحظوظ في الأرزاق.
ثامناً - زعم أَبُو رَيَّةَ أنه استكثر في كتابه من الأدلة التي لايرقى الشك إليها وتزيد من الشواهد التي لا ينال الضعف منها. وحسبنا أن نلمس مكان هذه الدعوى في المصادر التي استمد منها كل ما خالف رأي جماهير المُسْلِمِينَ جيلاً بعد جيل. وهي مثل هذه الكتب التي أشار إليها ونقل عنها:
" حياة الحيوان ": للدميرى.
" العُمْدَةُ ": لابن رشيق.
" شرح نهج البلاغة ": لابن أبي الحديد.
" المعارف ": لابن قتيبة.
" نهاية الأرب ": للنويري.
" البيان والتبيين ": للجاحظ.
" الحيوان ": للجاحظ.
" عيون الأخبار ": لابن قتيبة.
" رحلة " ابن جُبَيْرْ.
" الخُطَطْ ": للمقريزي.
" الفخري ": لابن طَبَاطَبَا.
" معجم الأدباء ": لياقوت.
" حلية الأولياء ": لأبي نعيم.
" تاريخ بغداد ": للخطيب.
تاريخ دمشق: لابن عساكر.
" تاريخ " أبي الفدا.
" النجوم الزاهرة ": لا بن تغري بردي.
" معجم الحيوان ": لمعلوف باشا.
" أبوهريرة ": لِعَبْدِ الحُسَيْن شَرَفُ الدِّينِ.
" خزانة الأدب ": لعبد القادر البغدادي.
" خاص الخاص ": للثعالبي.
" ثمار القلوب ": للثعالبي.
" الصداقة والصديق ": للتوحيدي.
" نكت الهميان في نكت العميان ": للصفدي.
" شرح لامية العجم ": للعلواني.
" تاريخ التمدن الإسلامي ": لجرجي زيدان.
" العرب قبل الإسلام ": لجرجي زيدان.
" دائرة المعارف الإسلامية "(البريطانية).
" الحضارة الإسلامية ": لكريمر.
" السيادة العربية ": لفلوتن.
" حضارة الإسلام ": لإبراهيم اليازجي.
" تاريخ العرب المطول ": لفيليب حتي، وإدوارد جرجس، وجبرائيل جبور.
" تاريخ الشعوب الإسلامية ": لبروكلمان.
" المسيحية في الإسلام ": للقس إبراهيم لوقا.
" العقيدة والشريعة في الإسلام ": لجولدتسيهر.
هذا نموذج من المصادر التي أثبتها في آخر كتابه، والتي زعم أنه أتى منها بالأدلة التي لا يرقى الشك إليها، والشواهد التي لا ينال الضعف منها!! .. (1)
(1) ذكرنا في ثبت المصادر التى زعم أَبُو رَيَّةَ أنها لا يرقى إليها الشك ولا ينالها الضعف " تاريخ ابن عساكر " و" الحلية لأبي نعيم " و" تاريخ بغداد " للخطيب وغيرها، ثم أنكرنا عليه اعتبار مثل هذه المؤلفات من المصادر التي لا يرقى إليها الشك.
ونزيد الأمر إِيضَاحاً بأن كُلاًّ من الخطيب وأبي نعيم وابن عساكر - وإن كانوا من كبار الحفاظ في عصرهم - لم يلتزمو افي كتبهم المذكورة إخراج ما أوردوه عن طريق صحيح، وإنما جمعوا ما وصلهم مِمَّا يتصل بموضوع الكتاب الذي يؤلفونه بقطع النظر عن حُجَّةِ السَّنَدِ أو ضعفه أو صدق الخبر المروي أو كذبه، اعتماداً منهم على ذكر السند، وبمعرفة حال رواته تعرف حال الخبر، ولهذا جاء في كتبهم المذكورة كثير من الأحاديث والأخبار المكذوبة والواهية مِمَّا نص العلماء على كثير منها.
ولذلك يقول الذهبي في " رسالة الثقات ": ص 11 عند ذكره الخطيب: «وَهُوَ وَأَبُوْ نُعَيْمٍ وَكَثِيْرٌ مِنْ عُلَمَاءِ المُتَأَخِّرِيَنَ لَا أَعْلَمُ لَهُمْ ذَنْبًا أَكْبَرُ مِنْ رِوَايَتِهِمْ الأَحَادِيثَ المَوْضُوعَةَ فِي تَآلِيفِهِمْ غَيْرَ مُحَذِّرِينَ مِنْهَا، وَهَذَا إِثْمٌ وَجِنَايَةٌ عَلَىَ السُّنَنِ فَاللَّهُ يَعْفُوَ عَنَّا وَعَنْهُمْ» .
أما النصوص الواردة في " صحيحي " البخاري ومسلم و"مسند " الإمام أحمد و" المُوَطَّأ " و" النَّسَائِي " و" الترمذي " وَمُدَوَََّّنَاتِ السُنَّةِ المُعَتَبَرَةِ فقد كَذَّبَ منها ما شاء، لأنها يرقى إليها الشك وينال منها الضعف ..
" البُخَارِي " يُشَكُّ في نصوصه، أما الإسكافي فَيُوثَقُ بحكاياته.
" مسلم " ينال الضعف رواياته، وأما الثعالبي، فلا ريب في صدقه.
" أحمد " يروي الأكاذيب: ولكن ابن أبي الحديد لا ينقل إلا الصدق.
أنا لا أقول شيئاً عمن يقول هذا الكلام! ولكني أسأل الذي قَرَّظَ كتابه من كبار الأدباء (1) فأبدى إعجابه بكثرة مصادره، أسأله وهو الذي نادى بالمنهج العلمي في هذه البلاد. هل يصح أن يكون قائل هذا الكلام من العلماء؟ أم من طلبة العلم، أم من الذين يفهمون معنى «العلم» ؟!.
ثَامِنًا - زعم «أَبُو رَيَّةَ» أنه ألف كتابه على قواعد التحقيق العلميِّ، فما هو المنهج الذي وضعه لكتابه، ما هي القاعدة أو القواعد التي وضعها لتصحيح الأحاديث؟ ماذا نفعل بهذه الثروة من كُتُبِ السُنَّةِ الموجودة؟ أنرميها كلها؟ أنأخذ بها كلها؟ أنأخذ بعضها ونترك بعضها؟ وما القاعدة في ذلك؟ العقل الصريح؟ عقل من؟ أمثل عقله الذي كَذَّبَ الروايات الثابتة، وَصَدَّقَ «الحكايات» ، المكذوبة!! وَرَدَّ رواية " البخاري "، وقبل حكاية الإسكافي؟.
ثم أبو هريرة ماذا نفعل بأحاديثه؟ أهي كذب كلها؟ أم بعضها كذب وبعضها صحيح؟ وما القاعدة في التمييز بينها؟.
إن كل ما صنعه أَبُو رَيَّةَ أنه عرض علينا عبقريته في التنبه لغفلة العلماء الذين سبقوه عن وضع القواعد العلمية الصحيحة لنقد الحديث! ولم
(1) هو الدكتور طه حسين الذي كتب مقالاً عن كتاب أَبِي رَيَّةَ في بعض الصحف المصرية أبدى فيه إعجابه بكثرة المراجع التي رجع إليها في هذا الكتاب مِمَّا يدل على دأبه وبحثه: ومع ذلك فقد نقده نقداً لاذعاً فيما يتعلق بأبي هريرة. وكان من أمانة هذا المحقق أَبِي رَيَّةَ أن نشر ثناءه عليه في كثرة المصادر وحذف انتقاده اللاذع عليه.
يترك طريقة للتشكيك في السُنَّةِ وَرُوَّاتِهَا من الصحابة إلى التَّابِعِينَ فمن بعدهم إلا سلكها، ثم زعم بعد ذلك أنه أراد خدمة السُنَّة!؟
أفهذا هو المنهج العلمي؟ أهذه هي الدراسة الي قامت على قواعد التحقيق العلمي، وهي الأولى من نوعها ولم ينسج أحد من قبل على منوالها؟! .. إني لأشهد أن أحداً من العقلاء الذين يحترمون أنفسهم ويحترمون عقولهم وعقول قُرَّائِهِمْ لم ينسج من قبل، على هذا المنوال! وَحَسْبُ «أَبِي رَيَّةَ» هذا الشرف! .. بَلْ حَسْبُهُ من الشرف أن ينفق على كتابه جهد ثلاثين سَنَةٍ وتزيد.
وبعد فقد اتضح لنا مِمَّا سبق أن كتاب أَبِي رَيَّةَ ليست له أية قيمة علمية، لأمرين بارزين فيه:
1 -
خُلُوُّ الكتاب من المنهج العلمي.
2 -
وَخُلُوُّ مُؤَلِّفِهِ من الأمانة العلمية، {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (2)} . (3)
(1)[سورة الكهف، الآيتان: 103، 104].
(2)
[سورة الأحزاب، الآية: 4].
(3)
يلاحظ القارئ في نقدنا لأَبِي رَيَّةَ أَنَّا كَرَّرْنَا أحياناً ما ذكرناه في موضع اَخر. وسبب ذلك أن المقدمة التمهيدية (للطبعة الاولى) التي خصصناها لنقد كتاب أَبِي رَيَّةَ إجمالاً قد كتبت قبل بضعة أشهر من كتابتنا لنقد موقف أَبِي رَيَّةَ من أبي هريرة رضي الله عنه، وقد أرسلت تلك المقدمة إلى القاهرة! فور كتابتها وليست عندنا نسخة منها، فلما كتبت الفصل الخاص بأبي هريرة رضي الله عنه غاب عن الذاكرة بعض ما احتوته المقدمة التمهيدية، ومن هنا يتبين سر تكرار المصادر التي استند إليها أَبُو رَيَّةَ في كتابه في كل ما خرج منه عن جمهور المُسْلِمِينَ من اَرَاءٍ. وعذرنا هو ما ذكرناه.