الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأَخْبَارِ الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَانِهِمْ مِنْ الاعْتِبَارِ»، ثم قال ابن حجر:«وَقَالَ مَالِكٌ: المُرَادُ جَوَازُ التَحَدُّثِ عَنْهُمْ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ حَسَنٍ أَمَّا مَا عُلِمَ كَذِبُهُ، فَلَا» . اهـ. باختصار (1)، وقد أكثر بعض الصحابة من الأخذ عن كعب الأحبار، ووهب بن منبه حتى فاضت كتب التفسير بالإسرائيليات، كما فاضت كتب الصوفية والأخلاق بالحكم المنقولة عن الأمم الأخرى، فكيف يصح الزعم بعد ما ذكرناه كله بأن المُسْلِمِينَ رفضوا الحكمة والموعظة الحسنة، إذا كانت من أصل غير إسلامي؟
وصفوة القول أن هذا السبب الذي استظهره المؤلف وتخيله لا أساس له من الواقع، ولا دليل يسنده، وكُتُبُنَا الإسلامية حافلة بما ينقضه، ولا أدري ما الذي دعاه إلى هذا التخيل إلا أن يكون مراده الزعم بأن التَشَدُّدَ في التمسك بالكتاب وَالسُنَّةُ كان له من الضرر على الدين ما حمل الناس على الوضع والكذب.
عَدَالَةُ الصَّحَابَةِ:
وقال في [ص 265]: «وأكثر هؤلاء النُقَّاد - أي نُقَّادِ الحديث - عَدَّلُوا الصحابة كلهم إجمالاً وتفصيلاً، فلم يتعرضوا لأحد منهم بسوء، ولم ينسبوا لأحد منهم كَذِباً، وقليل منهم أجرى على الصحابة ما أجرى على غيرهم» . إلى أن قال: في الصحيفة التالية «وعلى كل فالذي جرى عليه العمل من أكثر نُقَّادِ الحديث - وخاصة المتأخرين - على أنهم عَدَّلُوا كل صحابي، ولم يرموا أحداً منهم بكذب، ولا وضع، وإنما جَرَّحُوا من بعدهم» .
مِمَّا اتفق عليه التابعون، ومن بعدهم من جماهير المُسْلِمِينَ من أهل السُنّةِ وَالجَمَاعَةِ، ونُقَّادِ الحديث قاطبة تعديل الصحابة وتنزيههم عن الكذب والوضع، وَشَذَّ عن ذلك من ذكرنا من الخوارج والمعتزلة وَالشِيعَةِ، هذا هو الواقع والمعروف في المسألة.
(1)" فتح الباري ": 6/ 361.
ولكن المؤلف - لغرض في نفسه سبق التنبيه إليه - يريد أن يُشكِّكَنا في هذه الحقيقة، فزعم أَوَلاًً أن أكثر النُقَّاد عدَّلُوا الصحابة، مع أن النُقَّاد (جميعاً) عَدَّلُوهُم، وزعم ثَانِياًً، أن قليلاً منهم من أجرى على الصحابة ما أجرى على غيرهم، واستشهد بعبارة الغزالي، مع أن الذين تكلموا في الصحابة ليسوا من نُقَّاد الحديث، ولكنهم من ذوي الميول المعروفة في تاريخ الإسلام بالتعصب لبعض الصحابة على البعض الآخر.
قال الحافظ الذهبي: «فَأَمَّا الصَحَابَةُ رضي الله عنهم فَبِسَاطُهُمْ مَطْوِيٌّ وَإِنْ جَرَى مَا جَرَى
…
إِذْ عَلَى عَدَالَتِهِمْ وَقَبُولِ مَا نَقَلُوهُ العَمَلَ، وَبِهِ نَدِينُ اللهَ تَعَالَى» (1).
قال الحافظ ابن كثير: «وَالصَحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ عِنْدَ أَهْلِ السُنَّةِ وَالجَمَاعَةِ» ، ثم قال:«وَقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: الصَحَابَةُ عُدُولٌ إِلَاّ مَنْ قَاتَلَ عَلِيًّا قَوْلٌ بَاطِلٌ [مَرْذُولٌ] وَمَرْدُودٌ» .
فأنت ترى أن الذين تكلموا في الصحابة إنما هم أصحاب الفرق المعروفة بميولها السياسية لبعض الصحابة دُونَ بعض، لا من النُقَّادِ الذين وصفهم المؤلف بقوله:«جماعة من العلماء الصادقين، نهضوا لتنقية الحديث مِمَّا أَلَمَّ به، وتمييز جَيِّدِهِ مِنْ رَدِيئِهِ» وزعم المؤلف ثَالِثاًً: أن هذا التعديل كان من أكثر نُقَّادِ الحديث وخاصة المتأخرين منهم، مع أنه لم يُؤْثَرْ عن أحد من المُتَقَدِّمِينَ من أهل العلم من التَّابِعِينَ، فمن بعدهم أنه طعن في صحابي أو ترك الحديث عنه، والغريب أن المؤلف استشهد بعبارة الغزالي في هذا المقام، وعبارته صريحة في أن السلف مُجْمِعُونَ على تعديل
(1) رسالته " في الرُوَاة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم ": ص 4.
(2)
" اختصار علوم الحديث ": ص 220 - 222.