الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هَلْ كَانَ الخَوَارِجُ يَكْذِبُونَ فِي الحَدِيثِ
؟:
وقد ذكر العلماء هنا بأن أقل الفرق الإسلامية كذباً هي فرقة الخوارج الذين خرجوا على عَلِيٍّ بعد قبوله التحكيم، ويرجع قلة كذبهم إلى أنهم يرون كُفْرَ مرتكب الكبيرة على ما هو المشهور عنهم، أو مرتكبي الذنوب مطلقاً كما حكاه الكعبي (1) فما كانوا يستحلون الكذب ولا الفسق، وقد كانوا من التقوى على جانب عظيم، ومع ذلك فلم يسلم بعض رؤسائهم من الكذب على الرسول، فقد روي عن شيخ لهم أنه قال:«إِنَّ هَذِهِ الأَحَادِيثَ دِينٌ فَانظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ فَإِنَّا كُنَّا إِذَا هَوَيْنَا أَمْرًا صَيَّرْنَاهُ حَدِيثًا» (2) ويقول عبد الرحمن بن مهدي: «إِنَّ الخَوَارِجَ وَالزَّنَادِقَةَ قَدْ وَضَعُوا هَذَا الحَدِيثَ " إِذَا أَتَاكُمْ عَنِّي حَدِيثٌ فَأَعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ فَإِنْ وَافَقَ كِتَابَ اللهِ فَأَنَا قُلْتُهُ "» الخ
…
هكذا قال الكاتبون في هذا الموضوع من القُدَامَى وَالمُحْدَثِينَ، ولكني لم أعثر على حديث وضعه خارجي. وبحثت كثيراً في كتب الموضوعات، فلم أعثر على خارجي عُدَّ من الكَذَّابِينَ والوَضَّاعِينَ. أما النص السابق الذي يذكرونه عن شيخ للخوارج. فلا أدري من هو هذا الشيخ؟ وقد سبق مثل هذا التصريح يرويه حماد بن سلمة عن شيخ رافضي، فلماذا لا تكون نسبته إلى شيخ خارجي خطأ؟ خصوصاً ولم نعثر على حديث واحد موضوع.
أما قول عبد الرحمن بن مهدي عن حديث «إِذَا أَتَاكُمْ
…
الخ». أنه وضعته الزنادقة والخوارج، فلا أدري مدى صحته بالنسبة لابن مهدي؟ بل هو قول لا دليل عليه. إذ لم يذكر لنا من هو واضعه. ومتى تم هذا الوضع؟ ومما يُؤَكِّدُ شَكَّنَا في هذه النسبة أنه أضاف هذا الحديث أيضاًً للزنادقة، فكيف اتفق الخوارج والزنادقة على وضعه؟ هل وضعوه في وقت
(1)" الفرق بين الفرق ": ص 45.
(2)
السيوطي في " اللآلئ المصنوعة ": 2/ 486 نَقْلاً عن ابن الجوزي في مقدمة كتابه " الموضوعات ".
واحد؟ أم سبق الخوارج إلى ذلك أم الزنادقة؟ على أن المنقول عن غير ابن مهدي لفظ «الزَّنَادِقَةِ» فقط، قال شمس الحق العظيم آبادي:«فَأَمَّا مَا رَوَاهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا جَاءَكُمْ الحَدِيثُ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ فَإِنْ وَافَقَ فَخُذُوهُ " فَإِنَّهُ حَدِيثٌ لَا أَصْلَ لَهُ» (1). وَقَدْ حَكَىَ زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ عَنْ يَحْيَىَ بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ: «هَذَا حَدِيثٌ وَضَعَتْهُ الزَّنَادِقَةُ» ونقل الفُتَّنِي (2) عن الخَطَّابِي أنه قال أيضاًً: «وَضَعَتْهُ الزَّنَادِقَةُ» وليس في هذين النصين ذكر الخَوَارِج بحال. على أنه سيأتي معك أن بعضهم حكم على هذا الحديث بالضعف فقط. وسنرى هناك تمام البحث فيه.
لقد حاولت أن أعثر على دليل علمي يؤيد نسبة الوضع إلى الخوارج، ولكني رأيت الأدلة العلمية على العكس، تنفي عنهم هذه التهمة، فقد كان الخوارج كما ذكرنا يُكَفِّرُونَ مرتكب الكبيرة أو مرتكب الذنوب مطلقاً، والكذب كبيرة فكيف إذا كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يقول المبرد:(3)«وَالخَوَارِجُ فِي جَمِيعِ أَصْنَافِهَا تَبَرَّأُ مِنَ الكَاذِبِ وَمِنْ ذَوِي المَعْصِيَةِ الظَّاهِرَةِ» وكانوا في جمهرتهم عُرَبًا أَقْحَاحًا فلم يكن وسطهم بالوسط الذي يقبل الدسائس من الزنادقة وَالشُعُوبِيِّينَ كما وقع ذلك للرافضة، وكانوا في العبادة على حظ عظيم شجعاناً صرحاءَ لا يجاملون ولا يلجؤون إلى التقية كما يفعل الشِّيعَةُ. وقوم هذه صفاتهم يبعد جِدًّا أن يقع منهم الكذب، ولو كانوا يَسْتَحِلَُونَ الكَذِبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لاستحلوا الكذب على من دونه من الخلفاء والأمراء والطغاة كَزِيَادٍ وَالحَجَّاجَ، وكل ما بين أيدينا من النصوص التاريخية يدل دلالة قاطعة على أنهم واجهوا الحكام والخلفاء والأمراء بمنتهى الصراحة والصدق فلماذا يكذبون بعد ذلك؟
على أني أعود فأقول: إن المهم عندنا أن نلمس دليلاً محسوساً يَدُلُّ
(1)" عون المعبود شرح سنن أبي داود ": 4/ 329.
(2)
" تذكرة الموضوعات ": ص 28.
(3)
" الكامل في الأدب ": 2/ 106.