الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مِنْ أَهْلِ التَّيَقُّظِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَلَا مَعْنَى لَهُمْ فِي طَلَبِ الْكَثِيرِ، وَقَدْ عَجَزُوا عَنْ مَعْرِفَةِ الْقَلِيلِ»
ــ
الخاصّ (مِنْ أهلِ التيقُّظِ والمعرفةِ) فيه وأصحابهما (. . فلا مَعْنَى لهم) أي: فلا فائدةَ لهؤلاءِ العوامّ المذكورين (في طَلَبِ) جَمْع (الكثيرِ) من هذا العلم (و) الحالُ أنهم (قد عَجَزُوا عن معرفةِ القليلِ) منه، ولم يقدروا على إِدراكه فضلًا عن الكثير منه.
قال السنوسي (1): (قوله: "وقد عَجَزُوا لا هو بفتحِ الجيم في الماضي وكسرِها في المستقبل، وهي اللغةُ الفصيحة، وحَكَى الأصمعي لغةً أُخرى بعكس الأُولى، وفي القرآن: {أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ} فجاء على اللغة الفصيحة).
فصل في ذكر نبذة من أقسام الحديث وبيان أنواعه
(2)
قال ابنُ الصلاح: (الصحيح من الحديث: هو الحديث المُسْنَدُ الذي يَتَّصِلُ إِسنادُه بنَقْلِ العَدْلِ الضابطِ عن العَدْلِ الضابطِ إِلى مُنتهاه، ولا يكون شاذًّا ولا مُعَلّلًا)(3).
وفي هذه الأوصاف احتراز عن المرسَل والمُنْقَطِع والمُعْضَل والشاذّ، وما فيه علّةٌ قادحةٌ، وما في راويه نوعُ جَرْح.
أمَّا الحسن: فهو قسمان:
أحدهما: الحديثُ الذي لا يخلو رجالُ إِسناده من مستورٍ لم تتحقَّق أهليتُه، غيرَ أنه ليس مُغَفَّلًا كثيرَ الخطإ فيما يرويه، ولا هو مُتَّهمٌ بالكذب في الحديث، ويكون متنُ الحديث مع ذلك قد عُرِفَ بأنْ رُويَ مِثْلُه أو نحوُه من وجهٍ آخرَ أو أكثرَ حتى اعْتَضدَ، فيَخْرُجُ بذلك عن أن يكون شاذًّا ومنكرًا، وكلامُ الترمذي على هذا القسم يُتنزّل.
(1)"مكمل إِكمال الإكمال"(1/ 8)، واختصره من كلام النووي في "شرح صحيح مسلم"(1/ 48).
(2)
ذكره الإِمام السنوسي في "مكمل إكمال الإكمال"(1/ 6 - 8)، وهو مختصرٌ من كلام الإِمام ابن الصلاح في "علوم الحديث".
(3)
"علوم الحديث"(ص 10، 27 - 28، 32، 33، 35، 37 - 38، 89 - 90، 69 - 71، 81 - 83، 84 - 85، 47، 52 - 53، 54).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثاني: أن يكون راويه من المشهورين بالصِّدْقِ والأمانةِ غيرَ أنه لم يَبْلُغْ درجةَ رجال الصحيح؛ لكونه يَقْصُرُ عنهم في الحفظ والإِتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حالِ مَنْ يُعَدُّ ما يَتَفَرَّدُ به من حديثه منكرًا، ويُعْتَبَرُ في كل هذا -مع سلامة الحديث من أنْ يكونَ شاذًّا ومنكرًا- سلامتُه من أن يكون مُعَلّلًا، وعلى القسم الثاني يتنزّل كلام الخَطَّابي.
وكتابُ أبي عيسى التِّرمذي رحمه الله تعالى أصلٌ في معرفة الحديث الحَسَن، وهو الذي نَوَّهَ باسمه وأَكْثَرَ من ذِكْره في "جامعه"(1)، ومن مَظَانِّه "سننُ أبي داود".
وفي قول الترمذيِّ وغيرِه: (هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ) إِشكالٌ؛ لأن الحَسَنَ قاصرٌ عن الصحيح، ففي الجَمْعِ بينهما جَمْعٌ بين نَفْي ذلك وإِثباتِه، وجوابُه: أَنَّ ذلك راجعٌ إِلى الإسناد، فإذا رُويَ الحديثُ الواحدُ بإسنَادين أحدهما إِسنادٌ حَسَنٌ والآخرُ إِسنادٌ صحيحٌ. . فالمعنى أنه حَسَنٌ بالنِّسْبة إِلى إِسنادٍ، صحيحٌ بالنسبة إِلى إِسنادٍ آخر، أو أرادَ بالحَسَن معناه اللُّغَويّ، وهو ما تميلُ إِليه النفْسُ ولا يأباه القلب دون المعنى الاصطلاحي.
واعلم: أَنَّ الضعيفَ من الحديث: هو كُلُّ حديثٍ لم يجتمع فيه صفاتُ الحديثِ الصحيحِ ولا صفاتُ الحديث الحَسَن المذكوراتُ فيما تقدَّم، وتدخل تحته أقسامٌ كثيرةٌ نَفَاها أبو حاتم بن حِبَّان إِلى تسعةٍ وأربعين قسمًا، منها: الموضوع، والمقلوب، والشاذّ، والمُعَلَّل، والمُضْطَرِب، والمُرسَل، والمُنْقَطِع، والمعضَل، والمنكَر، إِلى غير ذلك من الأقسام المذكورة في علم الحديث.
فالموضوع: شَرُّ الأحاديث الضعيفة، وحقيقتُه: هو المُخْتَلَقُ المصنوعُ، ولا تَحِلُّ روايتُه لأحدٍ في أيّ معنىً كان إِلَّا مقرونًا ببيان وَضْعِه، بخلاف غيره من
(1) زاد الإِمام ابن الصلاح في "علوم الحديث"(ص 32): (ويوجَدُ في متفرّقاتٍ من كلام بعضِ مشايخه والطبقة التي قبله كأحمد بن حنبل والبخاري وغيرهما) اهـ، وهذا يُفِيدُ أَن ذكر الحديث الحَسَن انتشر وشاع قبل زمان الإِمام الترمذي، ولكن الإِمام الترمذي هو الذي شهره ونوّه بذِكْرِه واستعمله بكثرةٍ في كتابه، والله أعلم.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأحاديث الضعيفة التي تحتملُ الصِّدْقَ في الباطن حيث جازَ روايتُها في الترغيب والترهيب.
ويُعرف وَضْعُ الحديث بإِقرارِ وَضعِه، أو ما يتنزَّل منزلتَه من قرينةِ حال الراوي والمَرْويّ، فقد وُضِعَتْ أحاديثُ طِوالٌ يَشْهَدُ بوَضْعِها ركاكةُ ألفاظِها ومعانيها، والواضعون أصنافٌ، وأعظمُهم ضررًا قومٌ منسوبون إِلى الزُّهْدِ، وَضَعُوا الحديثَ احتسابًا فيما زَعَمُوا فتقَبَّلَ الناسُ موضوعاتِهم.
وأمَّا المقلوب: فهو نَحْوُ حديثٍ مشهورٍ عن سالم جُعل عن نافع؛ ليصيرَ بذلك غريبًا مرغوبًا فيه.
قال ابنُ الصلاح: (وكذلك ما رُوِّينا: أَنَّ البُخَارِيَّ رحمه الله تعالى قَدِمَ بغدادَ، فاجتمعَ قَبْلَ مجلسهِ قومٌ من أصحاب الحديث وعَمَدُوا إِلى مائة حديثٍ فَقَلَبُوا متونَها وأسانيدَها، وجعلوا متنَ هذا الإِسناد لإِسنادٍ آخر، وإسنادَ هذا المتن لمتنٍ آخر، ثم حضروا مجلسه وألقوها عليه، فلمَّا فَرَغُوا من إِلقاء تلك الأحاديث المقلوبة. . الْتَفَتَ إِليهم، فَرَدَّ كُلَّ متنٍ إِلى إِسناده، وكُلَّ إِسنادٍ إِلى مَتْنِه، فَأَذْعَنُوا له بالفَضْلِ)(1).
وأمَّا الشاذُّ: فعن الشافعي: ليس معناه أن يرويَ الثقةُ ما لا يروي غيره، وإِنما الشاذُّ أنْ يرويَ الثقةُ حديثًا يُخَالِفُ ما روى الناسُ.
وحكى الحافظُ أبو يعلى الخليليُّ نحوَ هذا عن جماعةٍ من أهل الحجاز، ثم قال: الذي عليه حُفَّاظُ الحديثِ: أَنَّ الشاذَّ من الحديث ما ليس له إِلا إِسنادٌ واحدٌ يَشُدُّ بذلك شيخٌ، ثقةً كان أو غيرَ ثقة، فما كان عن غير ثقةٍ. . فمتروكٌ لا يُقبل، وما كان عن ثقةٍ. . يُتوَقَّفُ فيه ولا يُحْتَجُّ به.
وذَكَرَ الحاكمُ: (أَنَّ الشاذَّ هو الحديثُ الذي يَنْفَرِدُ بهِ ثِقَةٌ من الثقات، وذَكَرَ أنه
(1)"علوم الحديث"(ص 91)، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى عقب إِيراده هذه القصة:(قلتُ: هنا نخضع للبُخاري، فما العجب من رَدَّه الخطأ إِلى الصواب، بل العجب من حفظه للخطإ على ترتيبِ ما ألقوه عليه من مرّةٍ واحدة)"تغليق التعليق"(5/ 415).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يغاير المُعَلّل مِن حيثُ إِنَّ المعلّلَ وُقِفَ على علّتِه الدَّالةِ على جهة الوَهَم فيه، والشاذَّ لم يُوقَفْ فيه على ذلك) (1).
قال ابنُ الصلاح: (أمَّا ما حَكَمَ بهِ الشافعيُّ بالشذوذ. . فلا إِشكال في أنه شاذٌ غيرُ مقبول، وأمَّا ما حُكِيَ عن غيرهِ. . فيُشكل بما يَنْفَرِدُ به العَدْلُ الحافظُ الضابطُ كحديث: "إِنما الأعمال بالنيات"؛ فإنه حديثٌ قد تَفَرَّدَ بهِ عُمَرُ بن الخَطَّاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تَفَرَّد به عن عُمَرَ: علقمةُ بن وَقَّاص، ثم عن علقمة محمدُ بن إِبراهيم، ثم عنه يحيى بن سعيد)(2).
فهذا وأشباهُهُ يُبيِّنُ لك أنه ليس الأمرُ في ذلك على الإِطلاق الذي أَتَى به الخليليُّ والحاكمُ، بل الأمرُ في ذلك على تفصيلِ نُبَيِّنُه فنقول:
إِذا انفردَ الراوي بشيءٍ. . يُنْظَرُ فيه:
فإِنْ كان ما انْفَرَدَ به مخالفًا لما رواه مَنْ هو أَوْلَى منه بالحفظِ لذلك وأضبط. . كان ما انفردَ به شاذًّا مردودًا.
وإِنْ لم تَكُنْ فيه مخالفةٌ لما رواه غيرهُ، وإِنما هو أمرٌ رواه هو ولم يَرْوه غيرُه. . فيُنْظَر:
فإنْ كان عَدْلًا حافظًا موثوقًا بإِتقانهِ وحفظهِ. . قُبِلَ ما انْفَرَدَ بهِ، ولم يَقْدَح الانفرادُ فيه.
وإِنْ لم يَكُنْ ممَّنْ يُوثَقُ بحِفْظِهِ وإِتقانهِ لذلك الذي انْفَرَدَ به. . كان انفرادُهُ به مُزَحْزِحًا له عن حَيِّزِ الصحيح.
ثمَّ هو بعدَ ذلك دائرٌ بين مراتبَ متفاوتةِ بحَسَبِ الحال فيه، فإن كان المنفردُ به غيرَ بعيدٍ من درجة الحافظِ الضابط المقبولِ تفرُّده. . اسْتَحْسَنَّا حديثَه ذلك، ولم نَحُطَّهُ إِلى قَبيل الحديث الضعيف، وإِنْ كان بعيدًا من ذلك. . رَدَدْنا ما انْفَرَدَ به، وكانَ من قَبيلِ الشاذّ المنكر.
(1)"معرفة علوم الحديث"(ص 119).
(2)
"علوم الحديث"(ص 69 - 71).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيظهرُ بذلك أَن الشَّاذَّ المردودَ قسمان:
أحدهما: الحديث الفرد المخالف.
والثاني: الفَرْدُ الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يَقَعُ جابرًا لِمَا يُوجبُهُ التفرُّدُ والشُذُوذُ من النكارة والضَّعْف.
وأمَّا المُنكَر: فهو الشاذُّ المردود.
وأمَّا المُعَلَّل -ويُسمِّيه أهلُ الحديث المعلولَ؛ وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس: العِلَّة والمعلول، مَرْذُولٌ عند أهلِ العربيةِ واللغة-: فهو الحديثُ الذي اطُّلِعَ فيه على عِلَّةِ تَقْدَحُ في صحتهِ مع أَنَّ ظاهرَه السلامةُ منها، ويتطرقُ ذلك إِلى الإِسنادِ الذي رجالهُ ثِقاتٌ، الجامعِ شروطَ الصحة من حيث الظاهرُ، ويُسْتَعانُ على إِدراكها بتفرُّدِ الراوي وبمخالفةِ غيره له مع قرائنَ تنضمُّ إِلى ذلك تُنَبِّهُ العارفَ بهذا الشأن على إِرسالِ في الموصول، أو وَقْفٍ في المرفوع، أو دخولِ حديثٍ في حديثٍ، أو وَهَمِ واهمٍ بغير ذلك.
وكثيرًا ما يُعلّلون الموصولَ بالمرسل، مثل: أنْ يجيءَ الحديثُ بإسنادٍ موصولٍ، ويجيءَ أيضًا بإسنادٍ منقطعِ أقوى من إِسناد الموصول، ولهذا اشْتَمَلَتْ كُتُبُ عِلَلٍ الحديث على جَمْعِ طُرُقِه.
قال الخطيبُ أبو بكر: السبيلُ إِلى معرفة علّة الحديث: أنْ يُجْمَعَ بين طُرُقهِ، ويُنْظَرَ في اختلافِ رُوَاتِهِ، ويُعتبر بمكانِهم في الحفظ ومنزلتِهم في الإِتقان والضبط.
ورُوي عن عليّ بن المَدِيني قال: (البابُ إِذا لم يُجْمَعْ طُرُقُهُ لم يَتَبيَّنْ خطؤُه)(1).
ثم قد تَقَعُ العِلَّةُ في إِسناد الحديث وهو الأكثر، وقد تَقَعُ فِي مَتْنِهِ، ثم ما يَقَعُ في الإِسناد قد يَقْدَحُ في صِحَّة الإسنادِ والمتنِ جميعًا كما في التعليل بالإِرسال والوقف، وقد يَقْدَحُ في صحَّةِ الإسناد خاصَّةً من غير قَدْحٍ في صحة المتن.
ومن أمثلة ما وقعت العلّةُ في إِسناده من غير قَدْحٍ في المتن: ما رواه الثقةُ يَعلي بن
(1) انظر "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع"(2/ 270)(مبحث كتب الطرق المختلفة).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عبيدِ عن سفيان الثَّوْري عن عَمْرو بن دِينارٍ عن ابن عُمَرَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "البيِّعانِ بالخِيارِ. . ." الحديث، فهذا إِسنادٌ مُتَّصلٌ بنقْلِ العَدْل عن العَدْل، وهو معلَّل غير صحيح، والمتنُ على كُلِّ حالٍ صحيحٌ، والعِلَّةُ في قوله:(عن عَمْرو بن دينار)، إِنما هو (عن عبد الله بن دينار)، كذا رواه الأئمَّةُ من أصحاب سفيان عنه، فوَهِمَ يَعلي بن عبيدِ في العُدُول إِلى عَمْرو بنِ دينارِ وإِنْ كان أيضًا ثقةً.
ومثالُ العلَّة في المتن: ما انْفَرَدَ بهِ مسلمٌ بإخراجه في حديث أنسٍ من اللفظ المُصَرِّح بنَفْي قراءة {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، فعَلَّل قوم روايةَ اللفظ المذكور لمَّا رأَوا الأكثرين إِنما قالوا فيه: فكانوا يستفتحون القراءةَ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ} من غير تَعَرُّضٍ لِذِكْرِ البسملة، وهو الذي اتَّفَقَ البخاريُّ ومسلم على إِخراجه في "الصحيح"، ورأَوْا أَن مَنْ رواه باللفظ المذكور رواه بالمعنى الذي وَقَعَ له، ففَهِمَ مِنْ قوله: كانوا يستفتحون بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ} أنهم كانوا لا يُبَسْمِلُون، فرواه كما فَهِمَ وأَخطأَ؛ لأن معناهُ: أَن السورة التي كانوا يستفتحون بها من السُّوَر هي الفاتحة، وليس فيه تَعَرُّضٌ لذِكْرِ التسمية.
وانْضَمَّ لذلك أمورٌ، منها: أنه ثَبَتَ عن أنسٍ أنه سُئِلَ عن الافتتاح بالتسمية فذَكَرَ أنه لا يَحْفَظُ فيه شيئًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأمَّا المُضْطَرِبُ من الحديث: فهو الذي تختلف الروايةُ فيه، فيرويه بعضُهم على وَجْهٍ، وبعضُهم على وَجْهٍ آخَرَ مخالفٍ له، وإِنما يُسَمَّى مضطربًا إِذا تساوت الروايتان، أمَّا إِذا تَرَجَّحَتْ إِحداهما بحيث لا تُقاومها الأُخرى. . فالحكمُ للراجحة، ولا يُطْلَقُ عليه حينئذٍ وصفُ المضطرب ولا له حُكْمُه.
ثم قد يقعُ الاضطرابُ في متن الحديث، وقد يقعُ في الإسناد، وقد يقعُ ذلك من راوٍ واحدٍ، وقد يقعُ من رواةٍ، والاضطرابُ مُوجِبٌ لضعف الحديث؛ لإِشعاره بأنه لم يُضْبَطْ.
وأما المُرْسَلُ: فقيل: هو قول التابعي مطلقًا: (قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وقيلَ بقَيدِ أن يكون التابعيُّ كبيرًا، وهو الذي لَقِيَ جُمْلَةً من الصحابة وجَالسَهُم.
ثُمَّ إِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ مُبْتَدِئُونَ فِي تَخْرِيجِ مَا سَأَلْتَ وَتَأْلِيفِهِ، عَلَى شَرِيطَةٍ
ــ
وقيل: المُرْسَلُ ما سَقَطَ من إِسناده راوٍ فأكثرُ مطلقًا، وحاصله قولان.
وأمَّا المُنْقَطعُ: فقال الحاكم: هو الإِسنادُ الذي يسقط منه راوٍ قبلَ الوصول إِلى التابعي، ويُطْلَقُ أيضًا على ما ذُكِرَ فيه بعضُ رواته بلفظٍ مُبْهَمٍ نحو: عن رجلٍ أو شيخٍ أو غيرِهما، وقال أبو عُمر بن عبد البرّ:(المرسلُ مخصوصٌ بالتابعين، والمنقطعُ أعمُّ منه، وهو كُلُّ ما لا يَتَّصِلُ إِسنادهُ)(1).
وأمَّا المُعْضَل -بفتح الضاد-: فهو عبارةٌ عمَّا سَقَطَ من إِسناده اثنان فصاعدًا، وهو أَخَصُّ من المنقطع، فكُلُّ معضَلٍ منقطعٌ، وليس كُلُّ منقطعٍ مُعْضَلًا، قال ابنُ الصلاح (2):(وأصحابُ الحديث يقولون: أعضله فهو معضَل بفتح الضاد، وهو اصطلاحٌ مُشْكِلُ المأخذ من حيث اللغةُ، وبَحَثْتُ فوجدتُ له قولَهم: أَمْرٌ عَضِيلٌ؛ أي: مُسْتَغْلِقٌ شديدٌ، ولا التفاتَ في ذلك إِلى مُعْضِل بكسر الضاد وإن كان مِثْلَ عَضِيل في المعنى) اهـ سنوسي.
ثم وَعَدَ المؤلِّفُ رحمه الله تعالى بما سيذكره في كتاب الإِيمان إِلى آخر الكتاب وبَيَّنَ طريقتَه في ذلك فقال:
(ثُمَّ) بعد ما تقدَّم لك نَذْكُرُ ونقولُ: (إنَّا) نحن (إنْ شاءَ اللهُ) تعالى ابتداءَنا وشروعَنا فيما سيأتي (مُبْتَدِئوُن) أي: مفتتحون وشارعون (في تخريجِ) أي: في تلخيصِ وبيانِ (ما سألتَ) أيها الطالب تلخيصَه وبيانَه لك من جملة الأخبار المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُقال: خَرَّج الشيءَ تخريجًا إِذا بَيَّنَ له وجهًا، وخرَّج اللبنَ إِذا أَخْرَجَ زُبْدَه وخلاصتَه، (و) شارعون في (تأليفِه) أي: في تأليفِ وجَمْعِ ما سألتَني جَمْعَه لك في كتابٍ مُؤَلَّفٍ من جملة الأخبار المأثورة.
وقولُه: (على شَرِيطَةٍ) تنازَعَ فيه كُلٌّ من التخريج والتأليف، والشريطةُ لغةٌ في الشرط، معناها: إِلزامُ الشيء والتزامُه، يُقال: شَرطَ عليه كذا إِذا ألزمه، وشَرَطَه على نفسه إِذا التزمه، يَشرِطُه ويَشرُطُه بكسر الراء وضمّها لغتان، وجمع الشريطة:
(1)"التمهيد"(1/ 19 - 21).
(2)
"علوم الحديث"(ص 54).
سَوْفَ أَذْكُرُهَا لَكَ، وَهُوَ إِنَّا نَعْمِدُ إِلَى جُمْلَةِ مَا أُسْنِدَ مِنَ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَنَقْسِمُهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ،
ــ
شرائط، وجمع الشَّرْط: شُرُوط (1).
وجملةُ قولهِ: (سوف أَذْكُرُها) وأُبيِّنُها (لكَ) قريبًا متصلًا بهذا الكلام، و (سوف) هنا بمعنى السين التي للاستقبال القريب في محلّ الجرّ صفة لشَرِيطةٍ.
والمعنى: ثم إِنَّا شارعون في تخريج ما سألتَنيه وفي تأليفهِ حال كونه مقيّدًا بقيدٍ سأذكره لك متّصلًا بهذا الكلام؛ أي: مشتملًا على قيدٍ التزمتُه في ذلك التأليف.
(وهو) أي: ذلك الشرطُ، وذَكَّرَ الضميرَ؛ لأنَّ التاءَ فيه ليستْ للتأنيث بل هي تاء المصدر؛ أي: وذلك الشرطُ ما يتضمّنه قولي (إنَّا) نحن (نَعْمِدُ) ونقصدُ في تأليفنا هذا (إِلى) ذِكْرِ (جُمْلَةِ) وبعضِ (ما أُسْنِدَ) ورُويَ بسندٍ متّصل من أوله إِلى آخره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حالةَ كونهِ (من الأخبارِ) والأحاديثِ المرفوعةِ إِليه صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (نَعْمِدُ) بكسر الميم من باب ضَرَبَ، يُقال: عَمَدَ إِلى الشيء يَعْمِدهُ إِذا قصده واهْتَمَّ به.
قال النووي: (وليس المرادُ بالجملة جميعَ الأخبار المُسْندةِ؛ لِمَا عُلِمَ أنه لم يذكر الجميعَ بل ولا النِّصْف؛ لأنه قد قال: ليس كُل حديثٍ صحيحٍ وضعتُه ها هنا)(2).
وقولُه: (عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم متعلق بـ (أُسْنِدَ).
وقولهُ: (فنقْسِمُها) معطوفٌ على (نَعْمِدُ) أي: نقسمُها باعتبار صحّتِها وضعفِها ونجعلُها (على ثلاثةِ أقسامٍ) وأنواع:
الأولُ: ما رواه الحُفَّاظُ الْمتقِنُون.
(1) انظر "شرح صحيح مسلم" للنووي (1/ 48)، و"مكمل إكمال الإكمال"(1/ 9).
(2)
"شرح صحيح مسلم"(1/ 48).
وَثَلَاثِ طَبَقَاتٍ مِنَ النَّاسِ
ــ
والثاني: ما رواه المستورون المتوسّطون في الحِفْظ والإِتقان.
والثالث: ما رواه الضعفاء المتروكون.
وأنه إِذا فَرَغَ من القسم الأول. . أَتْبَعَه الثانيَ، وأمَّا الثالث. . فلا يُعَرِّجُ عليه كما سيذكره فيما بعدُ.
(و) نَقْسِمُها باعتبار حالِ رواتِها على (ثلاثِ طَبَقاتٍ) ودرجاتٍ كائناتٍ (من النَّاسِ) الراوين لها، الأول منها: الحُفَّاظ الْمُتقِنُون، والثاني: الحُفَّاظُ المستورون، الثالث: الضعفاء المتروكون.
والطبقاتُ جمعُ طبقةِ، وهم القوم المتشابهون من أهل العصر الواحد (1).
قال السنوسي: (وقد اختلف العلماءُ في إِتيانه في هذا الكتاب بالقسمين الأولين، فقال الإِمامان الحافظان أبو عبد الله الحاكمُ وصاحبُه أبو بكرٍ البيهقيُّ رحمهما الله تعالى: إِنَّ المنيَّة اخْتَرَمَتْ مسلمًا رحمه الله تعالى قبل إِخراج القسم الثاني، وإِنه إِنما ذَكَرَ القسمَ الأولَ فقط)(2).
وذَهَبَ القاضي عِيَاضٌ (3) رحمه الله تعالى إِلى أنه أَتَى في أبواب هذا الكتاب
(1) وقال العلامة محمد عبد الحيّ اللكنوي: (والطبقةُ عند أصحاب هذا الفنّ: عبارةٌ عن جماعةٍ اشتركوا في السنّ -ولو تقريبًا- ولُقِيِّ المشايخ، بأن يكون شيوخُ هذا شيوخَ ذلك، أو يُماثِل، وربما اكْتَفَوْا بالاشتراك في التلاقي) ثم أفاض في بيان طبقات الصحابة والتابعين واختلاف العلماء في تقسيمها باعتبارات معيّنة. "ظفر الأماني"(ص 94).
(2)
"مكمل إِكمال الإِكمال"(1/ 9)، و"المدخل إلى الصحيح"(ص 112)، وقال الإِمام أبو العباس القرطبي رحمه الله تعالى:(وظاهرُ هذا: أَنَّ مسلمًا أَدْخَلَ في كتابه الطبقتَين المتقدمتَين: الأولى والثانية، غيرَ أَن أبا عبد الله الحاكم قال: "إِنَّ مسلمًا لم يُدخل في كتابه إلا أحاديث الطبقة الأولى فقط، وأمَّا الثانية والثالثة. . فكان قد عَزَمَ على أن يُخرج حديثهما فلم يُقَدَّرْ له إِلا الفراغ من الطبقة الأولى واخترمته المنيَّة. . ." ومساقُ كلامه لا يقبل ما قاله الحاكم، فتأمله)"المفهم"(1/ 102).
(3)
"إِكمال المعلم"(1/ 86 - 87).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بحديث الطبقتَين الأُوليَين، وأتَى بأسانيد الثانية منهما على طريق الإِتباعِ للأولى والاستشهادِ بها، أو حيث لم يَجِدْ في الباب من الأولى شيئًا، وكأَنَّ الحاكمَ تأوَّلَ أنه إِنما أراد أنْ يُفْرِدَ لكُلِّ طبقةِ كتابًا ويأتي بأحاديثها خاصَّة منفردةً، وليس ذلك مرادَه (1).
(1) وقال الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء"(12/ 575 - 577) ما نصُّه: (قال الحافظ أبو القاسم ابنُ عساكر في أول "الأطراف" له بعد أنْ ذكر "صحيح البخاري": ثم سلك سبيله مسلمُ بن الحجّاج، فأخذَ في تخريج كتابهِ وتأليفه، وترتيبه على قسمين، وتصنيفه، وقصدَ أن يَذْكُرَ في القسم الأول: أحاديثَ أهلِ الإِتقان، وفي القسم الثاني: أحاديثَ أهل السَّتْرِ والصدقِ الذين لم يبلُغوا درجة المتَثَبْتين، فحالت المنيَّةُ بينه وبين هذه الأُمنيّة، فمات قبل استتمام كتابه، غيرَ أن كتابه مع إِعْوازِهِ اشتهَرَ وانتشر.
وقال الحاكم: أراد مسلمٌ أن يخرج "الصحيح" على ثلاثة أقسام، وعلى ثلاثِ طبقاتٍ من الرُّواة، وقد ذَكر هذا في صدر خُطبته، فلم يُقدَّر له إِلا الفراغُ من الطبقة الأولى، ومات. ثم ذكر الحاكمُ مقالةً هي مُجرَّد دعوى، فقال: إِنه لا يَذْكُر من الأحاديثِ إلا ما رواه صحابيٌّ مشهورٌ له راويان ثقتان فأكثر، ثم يرويه عنه أيضًا راويان ثقتان فأكثر، ثم كذلك مَن بعدهم، فقال أبو علي الجَيَّاني: المراد بهذا أَن هذا الصحابي أو هذا التابعي قد روى عنه رجلان، خَرَج بهما عن حدِّ الجهالة.
قال القاضي عِياض: والذي تَأَوَّله الحاكمُ على مُسلم من اخترام المنيَّة له قبل استيفاء غرضِه إِلا من الطبقة الأولى، فأنا أقول: إِنكَ إِذا نظرتَ في تقسيم مَسلم في كتابهِ الحديث على ثلاثِ طبقاتٍ من الناس على غير تَكرار، فذكر أَن القسمَ الأولَ: حديثُ الحُفّاظ، ثم قال إِذا انقضى هذا. . أتبعْتُه بأحاديثِ مَن لم يُوصف بالحِذق والإِتقان، وذكر أَنَّهم لاحِقون بالطبقة الأولى، فهؤلاء مذكورون في كتابه لمن تَدَبَّر الأبواب، والطبقة الثانية قومٌ تكلَّم فيهم قومٌ، وزكَّاهم آخرون، فخَرَّج حديثَهم عمّن ضُعِّف أو اتُّهم ببدعة، وكذلك فعل البخاريُّ.
ثم قال القاضي عِياض: فعندي أَنَّه أتى بطبقاتِه الثلاث في كتابه، وطرح الطبقةَ الرابعة.
قلتُ: بل خرَّج حديث الطبقةِ الأولى، وحديثَ الثانية إِلا النَّزْرَ القليل مما يستنكرُه لأهل الطبقة الثانية، ثم خرَّج لأهلِ الطبقةِ الثالثة أحاديثَ ليست بالكثيرة في الشواهدِ والاعتبارات والمتابعات، وقَلَّ أن خَرَّج لهم في الأصول شيئًا، ولو استُوعبتْ أحاديثُ أهلِ هذه الطبقة في =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تنبيه:
عاب عائبون على مسلم روايتَه في "صحيحه" عن جماعةٍ من الضعفاء والمتوسطين الواقعين في الطبقة الثانية الذين ليسوا على شرط الصحيح، وأُجيب بأَوْجُهٍ ذَكَرَها ابنُ الصلاح رحمه الله تعالى:
الأول: أن يكون ذلك فيمَنْ هو ضعيفٌ عند غيره ثقةٌ عنده، ولا يُقال: الجَرْحُ مُقَدَّمٌ؛ لأنَّ ذلك حيث يكون الجَرْحُ مُفَسَّرَ السببِ.
الثاني: أن يكون ذلك واقعًا في المتابعاتِ والشواهدِ لا في الأُصول.
الثالث: أن يكون ضَعْفُ الضعيفِ الذي احْتَجَّ به طَرَأَ بعد أَخْذِه عنه.
الرابع: أنْ يَعْلُوَ بالشخص الضعيف إِسنادُه، وهو عنده من رواية الثقات نازلٌ،
= "الصحيح". . لجاء الكتابُ في حجمِ ما هو مرَّة أخرى، ولنَزَل كتابُه بذلك الاستيعاب عن رُتبة الصحة، وهم كعطاءِ بن السائب، وليث بن أبي سليم، وَيزيد بن أبي زياد، وأبان بن صَمْعَة، ومحمدِ بن إِسحاق، ومحمد بن عَمْرو بن علقمة، وطائفةِ أمثالهم، فلم يُخَرِّج لهم إِلا الحديثَ بعد الحديث إِذا كان له أصلٌ، وإنما يسوق أحاديثَ هؤلاء، ويُكْثِر منها أحمدُ في "مُسنده"، وأبو داود، والنسائي وغيرهم، فإذا انحطُّوا إِلى إِخراج أحاديث الضُّعفاء الذين هم أهل الطبقة الرابعة. . اختاروا منها، ولم يستوعبوها على حسب آرائهم واجتهاداتهم في ذلك.
وأما أهل الطبقة الخامسة، كمن أُجْمع على اطِّراحِه وَتَرْكِه لعدم فهمِه وَضَبْطِهِ، أو لكونه مُتَّهمًا. . فيندرُ أن يُخرج لهم أحمدُ والنسائيُّ، ويُورِدُ لهم أبو عيسى فيُبَينه بحسبِ اجتهاده، لكنه قليلٌ، ويُورِدُ لهم ابنُ ماجهْ أحاديثَ قليلة ولا يُبَيِّن، والله أعلم، وقل ما يورِد منها أبو داود، فإنْ أوردَ. . بَيَّنَهُ في غالب الأوقات.
وأما أهل الطبقة السادمة كغُلاة الرانضة والجهميَّة الدعاة، وكالكذابين والوضّاعين، وكالمتروكين المهتوكين، كعُمر بن الصُّبْح، ومحمدِ المصلوب، ونوحِ بن أبي مريمٍ، وأحمد الجُوَيباري، وأبي حُذيفة البخاري. . فما لهم في الكتب حرفٌ، ما عدا عُمر؛ فإنّ ابنَ ماجهْ خرَّجَ له حديثًا واحدًا فلم يُصِبْ، وكذا خَرَّج ابن ماجهْ للواقديِّ حديثًا واحدًا، فدَلَّسَ اسمه وأبهمه) اهـ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيقتصر على العالي، ولا يُطَوِّلُ بإضافة النازل إِليه مكتفيًا بمعرفة أهل الشأن ذلك، والله أعلم. اهـ سنوسي (1)
فائدة:
وجملةُ الضعفاء المتروكين الذين أدخلهم مسلمٌ في "جامعه" على سبيل المتابعة والمقارنة ستةَ عَشَرَ رجلًا: (1) يحيى بن فلان في المقدمة: مجهول، (2) مصعب بن شَيبة: لين الحديث، (3) عِيَاض بن عبد الله الفِهْري المَدَني: فيه لين، (4) الوليد بن أبي الوليد عثمان: فيه لين، (5) زَمْعة بن صالح: ضعيفٌ (2)، (6) سُلَيمان بن قَرْم بن معاذ: ضعيف (3)، (7) عبد الله بن عُمر بن حفص بن عاصم بن عُمر بن الخطاب: ضعيف، (8) عبد الكريم بن أبي المُخَارِق البصري: ضعيف، (9) عبد الملك بن الربيع بن سَبْرة بن مَعْبَد الجُهني: ضعيف (4)، (10) علي بن
(1)"صيانة صحيح مسلم"(ص 96 - 100)، و"مكمل إِكمال الإِكمال"(1/ 9).
(2)
قال الحافظ المري: (روى له مسلمٌ مقرونًا بمحمد بن أبي حفصة). "تهذيب الكمال"(9/ 389).
قلتُ: وحديثه في "صحيح مسلم"(2/ 985) في كتاب الحج (80 - باب النزول بمكة للحاج وتوريث دورها) حديث رقم (1351/ 440).
(3)
قال الحافظ ابن حجر: (ذكره الحاكم في باب من عيب على مسلم إِخراج حديثهم، وقال: غمزوه بالغلوِّ في التشيُّع وسوء الحفظ جميعًا، أعني سُلَيمان بن قَرْم).
قلتُ: روى له مسلمٌ حديثًا واحدًا في المتابعات (4/ 2034) في آخر كتاب البرّ والصلة والآداب (50 - باب المرء مع من أحبّ) حديث رقم (2640/ 165).
قال الإِمام النووي في "شرح صحيح مسلم"(16/ 188): (سُلَيمَان بن قَرْم: هو بفتح القاف وإسكان الراء، وهو ضعيف، لكنْ لم يَحْتَجَّ به مسلمٌ بل ذكره متابعة، وقد سبق أنه يذكرُ في المتابعة بعضَ الضعفاء، والله أعلم).
(4)
قال الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب"(6/ 393): (وقال أبو الحَسَن بن القطّان: لم تَثْبُتْ عدالتُه، وإِنْ كان مسلمٌ أخرج له. . فغير مُحتَجٍّ به. اهـ، ومسلمٌ إِنما أخرج له حديثًا واحدًا في المُتْعة متابعةً، وقد نبَّهَ على ذلك المؤلِّفُ). يعني الحافظَ المِزِّيَّ في "تهذيب الكمال"(18/ 306 - 307). =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
زيد بن جُدْعان: ضعيف (1)، (11) عُمر بن حمزة بن عبد الله بن عُمر بن الخطاب: ضعيف (2)، (12) محمد بن يزيد بن محمد بن كثير الرفاعي: ضعيف (3)، (13) مُجَالِد بنَ سعيد بن عُمَير الهَمْداني: ضعيف (4)، (14) النعمان بن راشد الجَزَري: ضعيف ولكن احْتَجَّ به مسلم (5)، (15) أبو عَقِيل يحيى بن المتوكل صاحب بُهَيَّة: ضعيف، (16) يزِيد بن أبي زياد القُرشي الكوفي: ضعيف.
= قلتُ: وحديثه رواه مسلم في "صحيحه"(2/ 1025) في كتاب النكاح (3 - باب نكاح المتعة. . .) حديث رقم (1406/ 22)، ولفظه:(أَمَرَنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمُتْعة عام الفتح حين دَخَلْنا مكة، ثم لم نَخْرُجْ منها حتى نهانا عنها).
(1)
روى له مسلم في "صحيحه"(3/ 1415) مقرونًا بثابتٍ البُناني في كتاب الجهاد والسير (37 - باب غزوة أحد) حديث رقم (1789/ 100).
(2)
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"(10/ 83): (وأمَّا تضعيف القاضي عياض لحديث أبي هريرة بعُمر بن حمزة. . فهو مختلَفٌ في توثيقه، ومثلُه يُخْرِجُ له مسلمٌ في المتابعات)، وانظر أيضًا (2/ 497).
(3)
قلتُ: روى له الإِمام مسلم حديثين: أحدهما: في كتاب الزكاة (18 - باب الترغيب في الصدقة قبل أنْ لا يُوجد مَنْ يقبلها) حديث رقم (1013/ 62)، والآخر: في كتاب الفتن وأشراط الساعة (18 - باب لا تقوم الساعة حتى يمرّ الرجل بقبر الرجل فيتمنّى أن يكون مكان الميت من البلاء) حديث رقم (157/ 54). وانظر "هدي الساري"(ص 236) و (442).
(4)
قلتُ: روى له مسلمٌ حديثًا واحدًا في "صحيحه"(2/ 1117) في كتاب الطلاق (6 - باب المطلّقة ثلاثًا لا نفقة لها) حديث رقم (42/ 1480) مقرونًا بغيره، فقال: حدثني زُهير بن حرب، حدثنا هُشَيم، أخبرنا سَيَّارٌ وحُصَينٌ ومغيرةُ وأشعثُ ومُجالِدٌ وإِسماعيل بن أبي خالد وداود، كُلُّهم عن الشعبي.
قال النووي في "شرح صحيح مسلم"(10/ 102): (ومُجَالِدٌ: هو بالجيم، وهو ضعيف، وإنما ذكره مسلمٌ هنا متابعةٌ، والمتابعةُ يدخل فيها بعضُ الضعفاء).
(5)
قلتُ: روى له مسلمٌ في المتابعات، وحديثه في "صحيحه"(4/ 1904) في كتاب فضائل الصحابة (15 - باب فضائل فاطمة بنت النبي عليها الصلاة والسلام) حديث رقم (2449/ 96).
عَلَى غَيْرِ تَكْرَارٍ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ مَوْضِعٌ لَا يُسْتَغْنَى فِيهِ عَنْ تَرْدَادِ حَدِيثٍ فِيهِ زِيَادَةُ مَعْنًى، أَوْ إِسْنَادٌ يَقَعُ إِلَى جَنْبِ إِسْنَادٍ، لِعِلَّةٍ تَكُونُ هُنَاكَ، لِأَنَّ الْمَعْنَى الزَّائِدَ فِي الْحَدِيثِ الْمُحْتَاجَ إِلَيْهِ يَقُومُ مَقَامَ حَدِيثٍ تَامٍّ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ مَا وَصَفْنَا مِنَ الزِّيَادَةِ،
ــ
وقولُه: (على غيرِ تَكْرَارٍ) ولا إِعادةٍ متعلِّقٌ بقوله: (نَعْمِدُ) و (على) فيه بمعنى مِنْ؛ أي: إِنَّا نَعْمِدُ إِلى ذِكْرِ جملة ما أُسْنِدَ من الأخبار من غير تكرارٍ ولا تَرْدَادٍ، ولا إِعادةٍ لتلك الأخبار مرَّةً بعد مرَّةٍ (إلَّا أنْ يأتيَ) ويَقَعَ في الكتاب (مَوْضِعٌ) وَمَحَلٌّ (لا يُسْتَغْنَى فيه) أي: في ذلك الموضع (عن تَرْدَادِ) وتكرار (حديثٍ) موصوفٍ بأنْ يكونَ (فيه) أي: في ذلك الحديثِ (زيادةُ مَعْنىً) وفائدةٍ؛ أي: موصوف بكون معنىً زائد على الحديث السابق فيه.
وقولُه: (أو إسنادٌ) بالرفع معطوفٌ على قوله: (موضعٌ) أي: أو يأتي في الكتاب إِسنادٌ لاحقٌ (يَقَعُ) ويذكر (إلى جَنْبِ إسنادٍ) أي: بعد إِسنادٍ سابقٍ.
وقولُه: (لِعِلَّةٍ) متعلِّقٌ بـ (يَقَعُ) أي: يذكر ذلك اللاحق بعد السابق لعلةٍ وفائدةٍ (تكونُ) وتُوجَدُ (هُنَاكَ) أي: في الإِسناد اللاحق دون السابق كتصريحه بالسماع والسابقُ مُعَنْعَنٌ، أو في اللاحق عُلُوٌّ وفي السابق نزولٌ.
والحاصلُ: أَن التكرارَ تارةً يكونُ للحديث بزيادةٍ فيه، وتارةً يكون للإسناد، وإِن اتَّحَدَ الحديثُ. . ففي هاتين الحالتين يحصل التكرار؛ (لأنَّ المَعْنَى الزائدَ في الحديثِ) اللاحقِ.
وقولُه: (المُحْتَاجَ إليه) بالنصب صفةٌ للمعنى، وجملةُ قولهِ:(يقومُ مَقَامَ حديثٍ تامٍّ) في محلّ الرفع خبر أَنَّ؛ أي: وإِنما حَصَلَ التكرارُ حينئذٍ؛ لأنَّ المعنى الزائدَ في الحديثِ الثاني المحتاجَ إِليه في إِثبات حُكْمٍ من الأحكام قائمٌ مقامَ حديثٍ تامٍّ مستقلٍّ في عدم الاستغناء عن ذِكْرِه.
(فـ) حينئذٍ (لا بُدَّ) ولا غِنىً (من إعادةِ) وتكرارِ (الحديثِ الذي فيه) أي: في ذلك الحديث (ما وَصَفْنا) هُ وذَكَرناه آنفًا (من الزيادةِ) المحتاجِ إِليها بقولنا: (عَنْ
أَوْ أَنْ يُفَصَّلَ ذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ عَلَى اخْتِصَارِهِ إِذَا أَمْكَنَ،
ــ
ترْدَادِ حديثٍ فيه زيادةُ معنىً).
وقولهُ: (أو أنْ يُفَصَّلَ ذلكَ المَعْنَى) الزائدُ المحتاجُ إِليه في محل الجرّ معطوف على (إِعادةِ الحديث) أي: فلا بُدَّ من إِعادة الحديثِ الذي فيه ذلك المعنى الزائدُ بتمامه إِنْ لم يُمكن فَصْلُ ذلك المعنى الزائدِ من بَقِيَّةِ الحديث، بأن كان المعنى الزائدُ متعلِّقًا بالبقية من حيث المعنى أو الإِعرابُ، بحيث يختلُّ البيانُ وتختلُّ الدلالةُ بتَرْكِ بقية الحديث وذكرِ المعنى الزائد فقط، أو من فَصْل ذلك المعنى الزائد (من جُمْلَةِ الحديثِ) وبقيّتهِ، ويُذكر (على) حِدَتِه بلا إِعادة بقية الحديث مع (اختصارِهِ) أي: مع اختصار ذلك المعنى الزائد.
والاختصارُ: إِيجازُ اللفظ مع استيفاء المعنى المرادِ، وقيل: رَدُّ الكلام الكثير إِلى القليل الذي فيه معنى الكثير (1)(إِذا أَمْكَنَ) فصْلُ ذلك المعنى الزائدِ من بقيّة الحديث، وذلك بأن كان الزائدُ غيرَ متعلِّقٍ بالباقي من حيث المعنى أو الإِعرابُ، بحيث لا يختلُّ البيانُ ولا تختلف الدلالة بتَرْكِه، سواءٌ جَوَّزْنا الروايةَ بالمعنى أم لا، وسواءٌ رواه قَبْلُ تامًّا أم لا.
وحاصلُه: أَنَّ الحديثَ المُشْتَمِلَ على معنىً زائدٍ على ما ذُكِرَ أوَّلًا لا بُدَّ من إِعادته تامًّا إِنْ كان للمعنى الزائد منه تعلُّقٌ بما بقي تحقيقًا أو شكًا، أو من ذِكْرِ ذلك المعنى الزائدِ منه وَحْدَه إِنْ أمكنَ قَطْعُه وحدَه اختصارًا؛ لعدم تَعَلُّقِه بما بَقِيَ تحقيقًا (2).
فائدة:
وهذه المسألةُ -أعني روايةَ بعض الحديث- اختلف العلماءُ فيها، فمنهم مَنْ مَنَعَهُ مطلقًا بناءً على مَنْعِ الرواية بالمعنى، ومنَعَه بعضهم وإِن جازت الرواية بالمعنى إِذا لم يكن رواه هو أو غيرُه بتمامه قبل هذا، وجَوَّزَه جماعة مطلقًا، ونَسَبَه القاضي عِيَاضٌ إِلى مسلم، والصحيحُ -الذي ذهب إِليه الجمهورُ والمحققون- التفصيلُ، فيجوزُ ذلك من العارف إِذا كان ما تَرَكَهُ غيرَ مُتَعلِّقٍ بما رواه، سواء جَوَّزْنا الروايةَ بالمعنى أم لا،
(1)"شرح صحيح مسلم" للنووي (1/ 49).
(2)
"مكمل إِكمال الإِكمال"(1/ 9 - 10).
وَلَكِنْ تَفْصِيلُهُ رُبَّمَا عَسُرَ مِنْ جُمْلَتِهِ، فَإِعَادَتُهُ بِهَيْئَتِهِ إِذَا ضَاقَ ذَلِكَ أَسْلَمُ، فَأَمَّا مَا وَجَدْنَا بُدًّا مِنْ إِعَادَتِهِ بِجُمْلَتِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنَّا إِلَيْهِ،
ــ
رواه قبلُ تامًّا أم لا، والمنعُ فيما تعلَّق معناه بالمتروك.
هذا إِذا ارتفعتْ منزلتُه عن التُّهمة، فأمَّا مَنْ رواه تامًّا ثم خاف إِنْ رواه ثانيًا ناقصًا أن يُتّهم بزيادةِ أوَّلًا أو بنسيانٍ لغفلةٍ أو قِلَّةِ ضَبْطٍ. . فلا يجوز له النقصان.
قال النوويُّ: (وأمَّا تقطيعُ المصنِّفين الحديثَ الواحدَ في الأبواب. . فهو بالجواز أَوْلَى، بَلْ يَبْعُدُ طَرْدُ الخلاف فيه، وقد اسْتَمَرَّ عليهِ عملُ الأئمَّةِ الحُفاظِ الأَجِلَّةِ)(1).
وحَمَلَ قومٌ قولَ مسلمٍ هنا على مذهب الجمهور من القول بالتفصيل، وهو ظاهر، والله أعلم. اهـ سنوسي (2).
وقولُه: (ولكنْ تفصيلُهُ رُبَّما عَسُرَ) استدراكٌ على قوله: (أو أَنْ يُفَصَّلَ ذلك المعنى. . . إِذا أَمْكَنَ)؛ رفعًا لتوهُّم ثبوت تفصيله إِذا أمكن مطلقًا؛ أي: سواءٌ عَسُرَ أم لا؛ أي: ولكنْ تفصيلُ ذلك المعنى الزائدِ (من جُمْلَتِه) أي: من جُمْلَةِ الحديثِ وبَقِيَّتِه قد يَعْسُرُ وَيشُقُّ في بعض الأحاديث مع إِمكانه، بأنْ كان الزائدُ مرتبطًا بالباقي، أو يُشكّ في ارتباطه به (3).
والجارُّ والمجرورُ في قوله: (مِنْ جُمْلَتِه) متعلِّقٌ بالمبتدإ لا بِعَسُرَ كما أشرنا إِليه في الحل.
(فإعادتهُ) أي: فحينئذٍ إِعادةُ الحديثِ (بهَيئَتِهِ) أي: بتمامهِ (إذا ضَاقَ ذلك) أي: إِذا عَسُرَ وشَقَّ تفصيلُ الزائدِ من جُمْلَتِه، وهذه الجملة لا حاجةَ إِلى ذِكْرِها فهي حَشْوٌ، (أَسْلَمُ) من الخطإ والزَّللِ، وأَوْضَحُ في البيان والاستدلال.
(فأمَّا ما وَجَدْنا بُدًّا) وغِنىً (مِنْ إعادتهِ) وذِكْرِهِ ثانيًا؛ أي: فأمَّا الحديثُ الذي وَجَدْنا بُدًّا وغِنىً من إِعادتهِ وتردادهِ (بجُمْلَتِه) وتمامهِ (من غيرِ) حصولِ (حاجةٍ مِنَّا إليه) أي: من غيرِ حصولِ حاجةٍ وعرض لنا إِلى إِعادته كبيان سماع راوٍ من شيخه؛
(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 49).
(2)
"مكمل إكمال الإكمال"(1/ 9).
(3)
انظر "شرح صحيح مسلم"(1/ 49).
فَلَا نَتَوَلَّى فِعْلَهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى " فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّا نَتَوَخَّى أَنْ نُقَدِّمَ الْأَخْبَارَ الَّتِي هِيَ أَسْلَمُ مِنَ الْعُيُوبِ مِنْ غَيْرِهَا،
ــ
لأنَّ المؤلِّفَ ربما أخرج الحديثَ الذي لا حاجة إِلى ذِكْرِه وإِعادته أصلًا ليُبَيِّنَ سماع راوٍ من شيخه لكونه أَخْرَجَ له قبلَ ذلك مُعَنْعَنًا كما ذكره السيوطي في "التدريب"(1/ 93).
وقولُهم: (لا بُدَّ من هذا) معناه: لا عوضَ منه. اهـ سنوسي (1)
(. . فلا نَتَوَلَّى فِعْلَه) أي: فلا نُلزم ولا نُوجِبُ على أنفسنا فعلَ إِعادةِ ذلك الحديث ولا نقصدُه، يُقال: تولَّى الشيء إِذا لزمه.
(إنْ شاءَ اللهُ) سبحانه و (تَعَالى) أي: تَرَفَّع عن كُل ما لا يَلِيقُ بهِ عدمَ تولينا إِعادته، وعلَّقَ بالمشيئةِ لما مَرَّ.
وهذا التفصيل هو ما الْتَزَمَ بهِ الإِمامُ مسلمٌ رحمه الله تعالى في "جامعه"؛ فإنه أعادَ أحاديثَ كثيرةً وكَرَّرَها، ولكنْ إِعادتُه وتكرارُه في كتابه كُلِّه متنًا أو سندًا لم تخلُ من فائدةِ وغَرَضٍ، فإِذا حَصَلَ التكرارُ في كتابه متنًا أو سندًا. . فلا بُدَّ من البحث عن غَرَضِه فيهِ.
والفاءُ في قوله: (فأمَّا القِسْمُ الأَوَّلُ) فاءُ الفصيحةِ؛ لأنها أفصحت عن جوابِ شرطٍ مُقَدَّرٍ تقديرُه: إِذا عَرَفْتَ أنا نَعْمِدُ إِلى جُمْلَةِ ما أُسْنِدَ من الأخبار فنَقْسِمُها على ثلاثةِ أقسامٍ وثلاثِ طبقاتٍ، وأردتَ بيانَ تلك الأقسامِ الثلاثةِ. . فأقول لك:
أمَّا القسمُ الأولُ من أقسام الحديث الثلاثة وأقسام الطبقات الثلاثة: (فـ) مذكورٌ في ضمن قولي: (إنَّا) نحن (نَتَوَخَّى) أي: نتَحَرَّى ونقصدُ، وفي "المختار":(تَوَخَّى مرضاتَه: تَحَرَّى وقَصَدَ) اهـ (أنْ نُقَدِّمَ) في كُلِّ بابٍ وحُكْمٍ من الأحكام (الأخبارَ) أي: ذِكْرَ الأخبارِ والأحاديثِ (التي هي أَسْلَمُ) باعتبار متونها؛ أي: أكثرُ سلامةً (من العُيُوبِ) أي: من أسباب الضعف كالشُّذوذ والنَّكارة والاضطراب (مِنْ) سلامة (غيرِها) منها، والعيوبُ جَمْعُ عَيبٍ، والعَيبُ: النَّقِيصةُ والفسادُ.
(1)"مكمل إِكمال الإِكمال"(1/ 10).
وَأَنْقَى مِنْ أَنْ يَكُونَ نَاقِلُوهَا أَهْلَ اسْتِقَامَةٍ فِي الْحَدِيثِ،
وَ
ــ
وقولهُ: (وأَنْقَى) -بالنون والقاف- معطوفٌ على قوله: (أَسْلَمُ) أي: ونُقَدِّم الأخبارَ التي هي أَنْقَى وأَصْفَى وأَخْلَصُ باعتبار أسانيدها من العيوب كالإرسال والانقطاع والتدليس والتخليط؛ أي: أكثرُ نقاءً من العيوب من نقاء غيرها منها.
و(مِنْ) في قوله: (مِنْ أَنْ يكونَ نَاقِلُوها) تعليليةٌ (1) متعلِّقةٌ بـ (أَسْلَمُ) و (أَنْقَى) على سبيل التنازع.
وعبارة السنوسي: (وهنا تمَّ الكلامُ على قوله: "أسلمُ" و"أنقى"، ثم ابتدأ ببيان سبب كونها أسلمَ وأنقى فقال: "مِنْ أنْ يكونَ ناقلوها أهل استقامةٍ" فالظاهرُ أَنَّ "مِنْ" تعليليةٌ، وعَدَلَ إِلى المضارع في قوله: "يكونَ"؛ لقَصْدِ الاستمرار، والله أعلم) اهـ (2)
أي: فإِنَّا نتَوَخَّى أن نُقَدِّمَ الأخبارَ التي هي أَسْلَمُ وأَنْقَى من العُيُوبِ؛ لأجل كون رواتِها وناقليها (أهلَ استقامةٍ) وعدالةِ وثباتِ وثقَةٍ (في) علم (الحديثِ، و) أهلَ
(1) قال الإِمام النووي رحمه الله تعالى: (والظاهرُ أَنَّ لفظة "مِنْ" هنا للتعليل؛ فقد قال الإِمام أبو القاسم عبد الواحد بن علي بن عمر الأسدي في كتابه "شرح اللمع" في باب المفعول له: اعْلَمْ: أَنَّ الباء تقوم مقام اللام، قال الله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ}، وكذلك "مِنْ"، قال الله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ}، وقال أبو البقاء في قوله تعالى: {وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ}: يجوزُ أن يكون للتعليل، والله أعلم).
"شرح صحيح مسلم"(1/ 50).
(2)
"مكمل إكمال الإكمال"(1/ 10)، وأكثر هذه العبارة من "شرح صحيح مسلم" النووي (1/ 50)، وقال العلّامة السِّنْدي:(قولهُ: "فإنَّا نتَوَخَّى" خبرٌ عن "القسمُ الأولُ" بحسب المعنى؛ أي: فهي الأخبارُ التي هي أَسْلَمُ من العيوب التي تَوَخَّينا أنْ نُقَدِّمها، وقولهُ: "أَسْلَمُ وأَنْقَى" هما من السلامة والنقاء، وهما يتعدّيان بكلمة "مِن"، ولا بُدّ لهما بعد ذلك من كلمة "مِنْ" التفضيلية، فمِنْ في قوله: "من العيوب" للتعدية، و "مِن" في قوله: "مِنْ غيرِها" تفضيليةٌ، وهما متعلِّقان بـ "أَسْلَم"، ولا بُدَّ من تقديرِ مثلهما "لأَنْقَى"، تركتا لفظًا لدلالة العطف عليه، وأمَّا "مِنْ" في قوله: "مِنْ أنْ يكونَ" فتعليليةٌ؛ أي: لأجلِ أن يكون، وهذا هو الصواب، وأمَّا اعتبارُها تفضيليةً بتقديرِ "ذات" فلا وَجْهَ له عند التأمّل الصائب، فليُفهم). "الحل المفهم"(ص 7).
إِتْقَانٍ لِمَا نَقَلُوا، لَمْ يُوجَدْ فِي رِوَايَتِهِمْ اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ، وَلَا تَخْلِيطٌ فَاحِشٌ، كَمَا قَدْ عُثِرَ فِيهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ،
ــ
(إتْقَانٍ) وإِحْكامٍ وضَبْطٍ (لِمَا نَقَلُوا) ورَوَوْا من الأخبار حال كَوْنهم (لم يُوجَدْ في رِوَايَتِهِم) ونَقْلِهم غالبًا (اختلافٌ شديدٌ) أي: كثيرٌ؛ أي: مخالفةٌ كثيرةٌ لرواية غيرهم من الثقات، فلا تَضُرُّ المخالفةُ النادرةُ ولا اليسيرةُ في ضَبْطِهم؛ لأنه لا يُمكن الاحترازُ منها.
وقولُه: (ولا تخليطٌ فاحشٌ) معطوفٌ على (اختلافٌ شديدٌ) أي: وحال كونهم لم يُوجَدْ في رواياتِهم نفسِها غالبًا تغييرٌ فاحشٌ واضطرابٌ كثيرٌ بخلاف النادر أو اليسير. . فلا يَضُرُّ في ضَبْطهم؛ لتعذُّرِ الاحتراز منه.
وهذا تصريحٌ من المؤلِّف بما قاله أئمَّةُ الحديث: إِنَّ ضَبْطَ الراوي يُعْرَفُ بأن تكونَ روايتُه، غالبًا كما رَوَى الثقاتُ، لا يُخَالِفُهم إِلَّا نادرًا؛ فإنَّ النادر لا يَقْدَحُ لعدم إِمكان التحرُّزِ منه وإن كَثُرَت روايتهُ، فأشارَ مسلمٌ إلى الأول بقوله:(أهلَ استقامةٍ)، وإلى الثاني بقوله:(اختلافٌ شديدٌ ولا تخليطٌ فاحشٌ). أفاده السنوسي (1).
والكافُ في قوله: (كمَا) متعلِّقةٌ بمحذوفٍ صفة لـ (اختلاف) و (تخليط)، وَ (ما) واقعةٌ على الاختلاف والتخليط.
وقولُه: (قد عُثِرَ) بضم العين وكسر الثاء المثلثة مبنيًّا للمجهول بمعنى: اطُّلِعَ (2).
وقولُه: (فيه) بمعنى (عليه) نائبُ فاعلٍ لـ (عُثِرَ)، والضميرُ فيه عائدٌ إِلى (ما) الواقعةِ على الاختلاف والتخليط.
وقولُه: (على كثيرٍ من المُحَدِّثين) على فيه بمعنى في، والمعنى: حالة كونهم
(1)"مكمل إكمال الإكمال"(1/ 10)، وهو مختصر من كلام النووي في "شرح صحيح مسلم"(1/ 50).
(2)
"مكمل إكمال الإكمال"(1/ 10)، وقال الإِمام المازري:(معناه: فإن اطُّلعَ، من قول الله تعالى: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا}. يُقال: عَثَرْتُ منه على خيانة، أي: اطَّلَعْتُ، وأعثرتُ غيري أطلعتُه، قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيهِمْ} أي: أطلعنا عليهم أهلَ ذلك الزمان. "المعلم بفوائد مسلم" (1/ 183).
وَبَانَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِهِمْ. فَإِذَا نَحْنُ تَقَصَّيْنَا أَخْبَارَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ النَّاسِ، أَتْبَعْنَاهَا أَخْبَارًا يَقَعُ فِي أَسَانِيدِهَا بَعْضُ مَنْ لَيْسَ بِالْمَوْصُوفِ بِالْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ،
ــ
لم يُوجَدْ في رواياتهم اختلافٌ شديدٌ وتخليطٌ فاحشٌ كائنان كالاختلاف والتخليط الذي قد عُثِرَ واطُّلِعَ عليه في حديثِ كثيرٍ من المُحَدِّثين المتروكين.
وقولُه: (وبَانَ ذلك في حديثِهم) معطوفٌ على قوله: (قد عُثِرَ)، والإِشارةُ في ذلك راجعة إِلى (ما) في قوله:(كَمَا) الواقعةِ على الاختلاف والتخليط، والمعنى: وكالاختلاف والتخليط الذي بَانَ وظَهَرَ في حديث كثيرٍ من المُحَدِّثين المتروكين، ويحتملُ أَنَّ قوله:(قد عُثِرَ فيه) راجعٌ للاختلاف فقط، وأَنَّ قولَه:(بَانَ ذلك) راجعٌ إِلى التخليط فقط على سبيل اللَّفِّ والنَّشْر المُرَتَّب.
والمعنى حينئذ: لم يُوجَدْ في روايتهم اختلافٌ شديدٌ كالاختلاف الذي قد عُثِرَ عليه في حديثِ كثيرٍ من المحدِّثين، ولا تخليطٌ فاحشٌ كالتخليط الذي بَانَ وظَهَرَ في حديثهم.
والفاءُ في قوله: (فإذا نحنُ) فاءُ الفصيحة؛ لأنها أفصحتْ عن جوابِ شرطٍ مُقَدَّرٍ تقديرُه: إِذا عَرَفْتَ القسمَ الأولَ من أقسامِ الحديثِ وأقسام الرواة وأردتَ بيانَ القسم الثاني منها .. فأقول لك: إذا نحن (تَقَصَّينا أخبارَ هذا الصِّنْفِ) الأولِ، و (تَقَصَّينا) هو بالقاف؛ أي: أَتَينا بها على الكمال (1)، وذَكَرْنا قُصْواها وغايَتها؛ أي: إِذا انتهينا إِلى أحاديث هذا الصِّنْفِ الذين هم القسمُ الأول (من) أقسام طبقات (الناسِ) الناقلين للأخبار والأحاديث -يعني بهم أهلَ الاستقامةِ والإِتقانِ- أي: إِذا أتينا بها وفَرَغْنا منها ( .. أَتْبَعْناها) أي: أَتْبَعْنا أخبارَ هذا الصِّنْفِ الأول وأَرْدَفناها وأَلْحَقْنا بها على سبيل المتابعة (أخبارًا) أي: أحاديثَ (يَقَعُ) ويُذْكَرُ (في أسانيدِها) ورجالِها (بعضُ مَنْ ليس بالموصوفِ بالحِفْظِ) والضَّبْطِ (والإِتْقَانِ) والتحقيق.
والباءُ في قوله: (بالموصوفِ) زائدةٌ في خبر ليس.
والمعنى: ذكرنا عقبها للمتابعة أخبارًا يَقَعُ في أسانيدها راوٍ ليس موصوفًا بالحفظ
(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 51)، و "مكمل إكمال الإكمال" (1/ 10). زاد النووي:(يُقال: اقتصّ الحديث وقَصَّهُ وقصَّ الرؤيا أَتى بذلك الشيء بكماله).
كَالصِّنْفِ الْمُقَدَّمِ قَبْلَهُمْ، عَلَى أَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا فِيمَا وَصَفْنَا دُونَهُمْ .. فَإِنَّ اسْمَ السَّتْرِ وَالصِّدْقِ
ــ
والإِتقان البالغَينِ نهايتهما؛ أي: ليس موصوفًا وصفًا (كـ) وَصْفِ (الصِّنْفِ المُقَدَّم قَبْلَهُمْ) بهما؛ أي: كوَصْفِ الصِّنْفِ الذي اسْتَحَقَّ التقديمَ قَبْلَ مَنْ ليس موصوفًا بهما، فالضميرُ في قوله:(قبلَهم) عائدٌ على مَنْ ليس موصوفًا بالحفظ والإِتقان، وهو القسم الثاني من أقسام الطبقات.
والمرادُ بـ (الصِّنْفِ المُقَدَّم): القسمُ الأولُ المذكورُ سابقًا وقد تقدَّم ذِكْرُ الاختلافِ: هل وَفَّى بهذا، أمَ اخْتَرَمَتْهُ المَنِيَّةُ دونَه؟ والراجحُ الأول. اهـ سنوسي (1).
و(على) في قوله: (على أَنَّهم) تعليليةٌ بمعنى اللام متعلقةٌ بقوله: (أتبعَنْاها)، والضميرُ في (أَنَّهم) عائدٌ على (مَنْ ليس موصوفًا بالحفظ والإِتقان)، وخبرُ أَنَّ محذوفٌ دَلَّ عليه السِّيَاقُ، والمعنى: وإِنما أَتْبَعْناها أخبارَ مَنْ ليس موصوفًا بالحِفْظِ والإِتقانِ؛ لأنهم حُفَّاظٌ عُدُول مقبولون.
و(إِنْ) في قوله: (وإنْ كانوا) غائيةٌ لا جوابَ لها على الأصحّ؛ أي: وإِنْ كان أهلُ القسمِ الثاني من الطبقات، أعني بهم مَنْ ليس موصوفًا بالحِفْظِ والإِتقان (فيما وَصَفْنا) هـ؛ أي: ذَكَرناه من الحفظ والإِتقان (دُونَهم) أي: دونَ الصِّنْفِ المُقَدَّم قبلَهم، وهم أهلُ القسم الأول من الطبقات.
والفاءُ في قوله: (فإنَّ اسمَ السَّتْرِ) تعليليةٌ بمعنى اللام المتعلقة بخبرِ أن المحذوفِ؛ أي: وإنما كانوا حُفَّاظًا مقبولين لأنَّ مُسَمَّى السَّتر أي: العِفَّةِ والخُلُوِّ من الرذائل وخوارم المُروءات، و (السَّتْر) بفتح السين مصدرٌ، قال النوويُّ:(ويوجَدُ في أكثرِ الرواياتِ والأصولِ مضبوطًا بكسر السين، قال: ويُمكن تصحيحُه بأن يكون السِّتْر بمعنى المستور كالذِّبْح بمعنى المذبوح)(2)، والنِّقْض بمعنى المنقوض.
(و) مُسَمَّى (الصِّدْقِ) في الأقوال والأخبار، والصدقُ نقيضُ الكذب والفضل
(1)"مكمل إكمال الإكمال"(1/ 10)، اختصره من كلام النووي في "شرح صحيح مسلم"(1/ 51) دون الإِشارة إلى ذلك.
(2)
"شرح صحيح مسلم"(1/ 51).
وَتَعَاطِي الْعِلْمِ يَشْمَلُهُمْ؛ كَعَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ،
ــ
والصلاح، (و) مُسَمَّى (تَعَاطِي العِلْمِ) أي: تناولِه، يُقال: تعاطى الشيءَ تعاطيًا إِذا تَنَاوَلَه، ويحتملُ أَنَّ إِضافةَ اسم إِلى السَّتْر وما بعده للبيان.
وقولُه: (يَشْمَلُهم) -أي: يَعُمُّهم- خبرُ إِنَّ؛ أي: وإِنما كانوا مقبولينَ لا متروكينَ؛ لشُمُولِ اسم السَّتْرِ والصِّدْق وتعاطي العلمِ إِياهم كالصِّنْفِ الأول، وذلك يقتضي قبولَ خَبَرِهم.
قال السنوسيُّ: (وقولهُ: "يَشْمَلُهم" هو بفتح الميم على اللغة الفصيحة؛ أي: يَعُمُّهم، ويجوزُ ضمُّها في لغةٍ، وماضي الأول مكسورُ العين، والثاني مفتوحها)(1).
والمرادُ بـ (السَّتْرِ): أن يكون الراوي مستورَ الحالِ، وقد شَمِلَ "صحيحُ مسلم" رجالًا مستورين ومَنْ قيل في حقه: صدوقٌ، كما يُبَيِّنُ ذلك مسلمٌ نفسه.
وهؤلاء الذين ليسوا موصوفين بالحفظ والإِتقان (كعطاءِ بنِ السَّائبِ) بن مالك أبي محمد -ويُقال: أبو السائب- الثقفي الكوفي التابعي، ثقة إِلا أنه اختلط في آخر عمره، وقال في "التقريب": صدوقٌ من الخامسة، مات سنة ست وثلاثين ومائة، يروي عنه البخاريُّ (2) وأصحابُ السُّنَن. اهـ، ولم يَرْو عنه مسلم.
روى عن أبيه وعن أنس بن مالك وسعيد بن جُبَير والحَسَن البصري، ويروي عنه إِسماعيلُ بن أبي خالد، وأثنى عليه أيوب السَّخْتِياني، وقال أحمد: ثقةٌ ثقةٌ رجلٌ صالحٌ، وتَكَلَّمُوا فيه لاختلاطه بأَخَرَةٍ، وضَعَّفَه ابنُ معين في روايةٍ.
وقال العِجْلِيُّ: كان شيخًا ثقةً قديمًا، روى عن ابن أبي أوفى، فمَنْ سَمِعَ منه قبل اختلاطه .. فهو صحيحُ السماع، ومَنْ سَمِعَ منه متأخرًا أو شُكَّ فيه .. فهو ساقطٌ.
(1)"مكمل إكمال الإكمال"(1/ 10)، وهو للنووي في المصدر السابق.
(2)
قلتُ: له في "صحيح البخاري" حديثٌ واحدٌ عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس في ذكْر الحوض مقرونٌ بأبي بشْر جعفر بن أبي وَحْشِيَّه أحدِ الأثبات، وهو في تفسير سورة الكوثر.
وهذا الحديث (6578) رواه عنه هُشَيم، وسماعُ هُشَيم من عطاء بن السائب بعد اختلاطه، فلذلك أخرج له البخاري هذا الحديث مقرونًا بأبي بِشْر. انظر "هدي الساري"(ص 425)، و "فتح الباري"(11/ 470).
وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ،
ــ
ومن السامعين منه قبلَ الاختلاطِ: سفيانُ الثوري وشُعْبة، وأمَّا مَنْ سَمِعَ منه بأَخَرَةِ .. فهو مضطربُ الحديث، منهم هُشَيمٌ وخالدٌ الواسطيُّ، إلا أَنَّ عطاءً بأَخَرَةٍ كان يتلقَّن إِذا لَقَّنوه في الحديث؛ لأنه غيرُ صالح الكتاب. اهـ
وعلى هذا التفصيل: وَثَّقَه النَّسائيُّ وغيرُه، وأكده ابنُ حِبَّان في "الثقات"(1).
انظر "تهذيب التهذيب"(7/ 203)، و "التاريخ" لابن مَعِين (3/ 403)، و "سير أعلام النبلاء"(6/ 110)، و "الثقات" لابن حِبَّان (7/ 251)، و "الكامل" لابن عدي (5/ 1999).
فهو واللذان بعده وأضرابُهم من أمثلة الطبقة الثانية.
(و) كـ (يَزِيدَ بن أبي زيادِ) القُرَشِيِّ الهاشميِّ مولاهم، أبي عبد الله الكوفي -ويُقال فيه أيضًا: يزيد بن زياد- رأى أنسًا، قال في "التقريب": ضعيفٌ كَبِرَ فَتَغَيَّرَ فصار يتلقَّن، وكان شِيعيًّا، من الخامسة، مات سنة ستٍّ وثلاثين ومائة، روى عنه مسلم وأصحاب السنن. اهـ
وقال السنوسي: (لا يُكْتَبُ حديثُه، خلافًا للدارقطنيِّ وابنِ عَدِيّ؛ فإنهما قالا: يُكْتَبُ حديثُه) اهـ (2)
روى عن مولاه عبد الله بن الحارث بن نوفل وأبي جُحَيفة وإِبراهيم النَّخَعي وعبد الرحمن بن أبي ليلى وأبي صالح السمَّان ومجاهد وعكرمة وغيرهم، ويروي عنه (م عم) وإِسماعيل بن أبي خالد وزائدة وشعبة وزُهَير بن معاوية وعبد العزيز بن مسلم وهُشَيم وأبو عَوَانة وجماعة. اهـ "خلاصة".
(1) قال الحافظ ابن حجر: (فيحصل لنا من مجموع كلام الأئمة: أَنَّ سفيانَ الثوريَّ وشُعْبَة وزُهَيرًا وزائدة وحَمَّاد بن زيدٍ وأيوبَ عنه صحيح، ومَنْ عداهم ويتَوقَّفُ فيه، إلا حماد بن سلمة فاختلف قولهم، والظاهرُ أنه سمع منه مرتين: مرةَ مع أيوب كما يُومئ إِليه كلامُ الدارقطني، ومرةً بعد ذلك لمَّا دخل إِليهم البصرة وسمع منه مع جريرٍ وذويه، والله أعلم). "تهذيب التهذيب"(7/ 207)، و "هدي الساري"(ص 425).
(2)
"مكمل إكمال الإكمال"(1/ 10).
وَلَيثِ بْنِ أَبِي سُلَيمٍ، وَأَضْرَابِهِمْ
ــ
وقال أحمد: ليس بذاك، وقال ابنُ مَعِين: ليس بالقَويِّ، وكذا قال أبو حاتم (1).
(و) كـ (لَيثِ بنِ أبي سُلَيمِ) بن زُنَيم -بالزاي والنون مُصَغَّرًا- واسم أبيه: أيمن، وقيل: أَنَس، أبي بكر القرشي مولاهم، أحدِ العلماءِ والنُّسَّاك.
روى عن عكرمة ومجاهد وطبقتهِ، ويروي عنه (م عم) ومَعْمَر وشُعْبة والثَّوْري وخَلْقٌ.
ضَعَّفَه الجماهيرُ وقالوا: اختلط واضطربتْ أحاديثُه، وقالوا: هو ممن يُكتب حديثُه، وقال أحمد: مُضْطَربُ الحديث، وقال الفُضَيل بن عِياض: ليثٌ أعلمُ أهلِ الكوفة بالمناسك، وقال في "التقريب": صَدُوقٌ اختلط أخيرًا -وفي المطبوع: جدًّا- ولم يَتَمَيَّزْ حديثُه فتُرِكَ، من السادسة مات سنة ثمانٍ وأربعين ومائة (2).
قال السنوسي: (قوله: (وأَضْرَابِهم) أي: أشباهِهم وأمثالِهِم في الاختلاط، جمع ضَرْبٍ.
قال أهل اللغة: يُقال ضَرْبٌ وضَرِيب بوزن كَرِيم بمعنى المِثْل، وجمعُ الأول: أضراب، وجمعُ الثاني: ضُرباء، وبهذا تعرفُ أَنَّ قول القاضي عياض في لفظ مسلم: إِن صوابَه "ضُربائهم" ليس بشيء) (3).
(1) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (يَزِيد بن أبي زياد الكوفي مختلَفٌ فيه، والجمهورُ على تضعيف حديثه، إلا أنه ليس بمتروك، عَلَّق له البخاريُّ موضعًا واحدًا في "اللباس" عقب حديث أبي بردة عن عليّ في الفتنة). "هدي الساري"(ص 459).
(2)
قلتُ: هكذا أرَّخ الحافظ ابن حجر سنة وفاته، ولكن قال الحضرمي: مات سنة ثمان وثلاثين ومائة، وقال ابنُ منجويه: مات سنة ثلاث وأربعين ومائة، وقال أبو عبد الله النخلي: مات سنة إِحدى أو ثنتين وأربعين ومائة. انظر: "تهذيب الكمال"(24/ 287)، و "التاريخ الكبير" للبخاري (7/ 246) ترجمة (1051).
وقال الحافظ المِزّي في آخر ترجمة (ليث بن أبي سُلَيم): (استشهدَ به البخاريُّ في "الصحيح"، وروى له في كتاب "رفع اليدين في الصلاة" وغيره، وروى له مسلمٌ مقرونًا بأبي إِسحاق الشَّيباني، وروى له الباقون". انظر: "تهذيب الكمال" (24/ 288)، و "هدي الساري"(ص 458).
(3)
"مكمل إكمال الإكمال"(1/ 10)، و "إِكمال المعلم"(1/ 100)، ونصُّ قول القاضي =
مِنْ حُمَّالِ الآثَارِ وَنُقَّالِ الأَخْبَارِ. فَهُمْ وَإِنْ كَانُوا بِمَا وَصَفْنَا مِنَ المعِلْمِ وَالسَّتْرِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَعْرُوفِينَ
ــ
كسعيد بن إِياس الجُرَيري، قال في "التقريب": ثقةٌ، من الخامسة، اختلط قبل موته بثلاث سنين، مات سنة أربع وأربعين ومائة.
وسَعِيد بن أبي عَرُوبَةَ: مِهران اليَشْكُري، قال في "التقريب": ثقةٌ، حافظ، له تصانيفُ، كثيرُ التدليس واختلط، وكان من أَثْبَتِ الناس في قتادة، من السادسة، مات سنة ست وخمسين ومائة.
وأبي إِسحاق السَّبِيعي عَمْرو بن عبد الله الهَمْداني الكوفي، قال في "التقريب": مُكْثِرٌ ثقةٌ عابدٌ، من الثالثة، اختلط بأَخَرَةٍ، مات سنة تسع وعشرين ومائة، وقيل: قبل ذلك.
وغيرهم (من حُمَّالِ الآثارِ) الموقوفةِ بضم الحاء وتشديد الميم جمع حامل (ونُقَّالِ الأخبارِ) المرفوعةِ بضم النون وتشديد القاف، ويحتمل أنه من عطف الرديف.
والفاءُ في قوله: (فهُمْ) مُعَلِّلةٌ لمعلولٍ محذوفٍ تقديره: وإِنما مَثَّلْنا بهؤلاءِ الثلاثةِ لأنهم (وإنْ كانوا بما وَصَفْنا) وذَكَرْنا، و (إِنْ) هنا شرطيةٌ، والباءُ متعلِّقةٌ بخبرِ كان الآتي. (من) تعاطِي (العِلْمِ و) اسمِ (السَّتْرِ) والعِفَّةِ و (مِنْ) مُبَيِّنَةٌ لـ (ما).
والظرفُ في قوله: (عندَ أهلِ) هذا (العِلْمِ) والفَنِّ مُتَعَلِّقٌ بقوله: (معروفين)
= عياض: (وَجْهُ العربية فيه: وضربائهم؛ إِذْ لم يَأتِ جَمْعُ فَعِيل على أفعال في الصحيح إلا في كلماتٍ قليلة).
قلتُ: قول السنوسي اختصره -كما هي عادته- من كلام الإِمام النووي في "شرح صحيح مسلم"(1/ 52) ولم يُشِرْ إلى ذلك.
ونصُّ عبارة الإِمام النووي: (وأمَّا قولُه: "وأضرابِهم" فمعناه: أشباههم، وهو جمعُ ضَرْب، قال أهلُ اللغة: الضَّريب على وزن الكَرِيم، والضَّرْب بفتح الضاد وإِسكان الراء، وهما عبارةٌ عن الشكل والمِثْل، وجمعُ الضَّرْب: أَضْرَاب، وجمعُ الضَّريب: ضُرَباء، ككَريم وكُرَماء، وأمَّا إِنكارُ القاضي عياضٍ على مسلم قولَه: "وأضرابهم"، وقولُه: إِنَّ صوابَه "ضُرَبائهم" .. فليس بصحيح؛ فإِنه حَمَلَ قولَ مسلمٍ: "وأضرابهم" على أنه جمعُ ضَرِيب بالياء، وليس ذلك جَمْعَ ضَرِيب، بل جمع ضَرْب بحذفِها كما ذكرتهُ، فاعْرِفْه).
فَغَيرُهُمْ مِنْ أَقْرَانِهِمْ مِمَّنْ عِنْدَهُمْ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الإِتْقَانِ وَالاسْتِقَامَةِ فِي الرِّوَايَةِ يَفْضُلُونَهُمْ فِي الْحَالِ وَالْمَرْتَبَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا
ــ
الذي هو خبرُ كان، والمعنى: لأنهم وإِنْ كانوا معروفين ومشهورين بما ذَكَرْنا من العِلْم والسِّتْرِ عند أهل هذا الفنِّ.
والفاءُ في قوله: ( .. فَغَيرُهُمْ) -أي: غيرُ هؤلاءِ الثلاثةِ- رابطةٌ لجواب "إِنْ" الشرطية، وقولُه:(مِنْ أقرانِهم) ونظائِرهم بيانٌ للغير، والأقرانُ: جمعُ قِرْن بكسر أوله وسكون ثانيه، والقِرْنُ: كُفْؤُك ونَظِيرُك في الشجاعة أو في العلم أو في غيرهما كالكرم، حالةَ كَوْنِ الأقران (مِمَّنْ) ثَبَتَ واسْتَقَرَّ واشْتَهَرَ (عندَهم ما ذَكَرْنا من الإِتقانِ) والتحقيقِ في الدِّراية (والاستقامةِ) والتثبُّتِ (في الروايةِ) والنَّقْلِ عن غيرِهم.
وقولُه: (يَفْضُلُونَهُمْ) خبرٌ لقوله: (فغيرُهم) أي: يَفُوقُونَهم؛ أي: يفوقُ ويَفْضُلُ ذلك الغيرُ هؤلاءِ الثلاثةَ المذكورين وأَضْرَابَهم.
(في الحالِ) أي: في العِفَّةِ والعدالةِ (والمرتبةِ) أي: في الحفظ وتعاطي العلم (1)، وإِنَّما فَضَلُوهم وفَاقُوهم (لأنَّ هذا) الذي ذَكَرْناه من الإِتقان والاستقامة
(1) قال الإِمام المازري رحمه الله تعالى: (إِنْ قيلَ: كيف استجازَ ها هنا أن يقول: فلانٌ أعدلُ من فلان مع أنه صلى الله عليه وسلم قال في الطبيبَين: "لولا غَيبَتُهما لأعلمتُكما أيهما أَطَبُّ"؟ قيل: دَعَت الضرورةُ ها هنا لذِكرِ هذا؛ لأنه موضِعُ تعليم، والحاجةُ ماسّةٌ إِليه؛ لأنَّ العلماءَ إِذا تعارضت الأخبارُ عندهم .. قدّموا خبرَ مَن كان أَعْدَلَ وعَوَّلوا عليه وأفتوا الناس به، ولم تَدْعُ ضرورةٌ إِلى ذِكْرِ الأطَبّ من ذينك الطبيبَين كما دَعَتْ مسلمًا ها هنا، لا سيّما وقد يجوزُ استرشادُ الطبيبِ الموثوقِ بعِلْمِه المَرْجُوِّ النفع بمداواته وإِن كان هناك أوسع منه علما بالطب، ولا يجوزُ الأَخْذُ برواية الناقص في العدالة وأن يقدّم على رواية الأعدل منه.
وقد أُجيز التجريحُ للشهود للضرورة إِليه ولم يُمنع؛ لكَوْنِهِ غِيبةَ، وقال صلى الله عليه وسلم فيمن استُشير في نكاحه:"إنه صعلوك"، وقال في الآخر:"إنه لا يَضَعُ عصاه عن عاتقه"، ولم يَرَ ذلك غِيبةً لمَّا كان مستشارًا في النكاح ودَعَت الضرورةُ إِليه.
وقد اعتذرَ صاحبُ الكتاب -يعني مسلمًا- عن نفسه في ذلك بأَنَّ القصدَ بيانُ منازلِهم؛ اتباعًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أَنْزِلُوا الناسَ منازلَهم"، والذي قلناه أبسط). "المعلم بفوائد مسلم"(1/ 182 - 183).
عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ دَرَجَةٌ رَفِيعَةٌ وَخَصْلَةٌ سَنِيَّةٌ. أَلا تَرَى أَنَّكَ إِذَا وَازَنْتَ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةَ الَّذِينَ سَمَّينَاهُمْ عَطَاءً وَيَزِيدَ وَلَيثًا بِمَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ
ــ
(عندَ أهلِ) هذا (العِلْم) والفنِّ (درجةٌ رفيعةٌ) أي: مرتبةٌ عاليةٌ وهذا راجعٌ إِلى الإتقان (وخَصْلَةٌ سَنِيَّةٌ) أي: حالةٌ شريفةٌ، وهذا راجعٌ إِلى الاستقامة.
(أَلا تَرَى) وتَنْظُرُ بقَلْبِكَ (أَنَّك) أيُها الطالبُ (إذا وَازنْتَ) بالنون؛ أي: قَابَلْتَ -قال القاضي عياض: (ويُروى: "وَازَيتَ" بالياء أيضًا وهو بمعنى الأول)(1) - (هؤلاءِ الثلاثةَ) المذكورين (الذين سَمَّيناهم) أي: ذَكَرْنا أسماءَهم آنفًا بقولنا: (عطاءً) هو ابنُ السائب (ويَزِيدَ) بنَ أبي زيادٍ (ولَيثًا) هو ابنُ أبي سُلَيم.
وقولُه: (بمنصورِ بنِ المُعْتَمِرِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (وَازَنْتَ)، ومنصور هو ابنُ عبد الله السُّلَمي أبو عَتَّاب -بمثناة ثقيلة بعدها باء موحدة- الكوفي، أَحَدُ الأئمةِ الأعلامِ المشاهير.
رَوَى عن إِبراهيم النَّخَعِي وأبي وائل والحَسَن البصري وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع) وأيوب وحُصَين بن عبد الرحمن والأعمش وسُلَيمان التَّيمي والثَّوري وشعبة وخَلْقٌ ممن لا يُحصون.
وقال العِجْلِيُّ: ثقةٌ ثَبْتٌ، له نحو ألفَي حديث.
وقال في "التقريب": ثقة ثَبْتٌ وكان لا يُدَلِّسُ، من طبقة الأعمش، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
قال السنوسي: (وقد يُنْكَرُ على مسلمٍ بأَنَّ عادةَ أهلِ العلم إِذا ذَكَرُوا جماعةً في مِثْل هذا السِّياق .. قَدَّمُوا أجلَّهم مرتبةً، فيُقَدِّمون الصحابيَّ على التابعيِّ، والتابعيَّ على تابعهِ، وهنا عكس مسلمٌ؛ فإِنَّ إِسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ تابعيٌّ مشهورٌ رأى أنس بنَ مالكٍ وسلمةَ بنَ الأكوع، وسَمِعَ عبدَ اللهِ بنَ أبي أَوْفَى وغيرَه من الصحابة، وأمَّا الأعمشُ: فرأى أنس بنَ مالك فقط، وأمَّا منصورُ بن الْمُعْتَمِرِ: فليس هو بتابعيٍّ وإِنما هو من تابعي التابعين.
(1)"إكمال المعلم"(1/ 100)، وفيه:(ومعناهما: قارنتَ ومَثَّلْتَ).
وَسُلَيمَانَ الأَعْمَشِ
ــ
وأُجيب بأنه ليس المراد به هنا التنبيه على مراتبهم، فلا حَجْرَ في ترتيبهم، ويحتمل أن يكون مسلمٌ قَدَّمَ منصورًا لرُجْحَانِه في ديانتِه وعبادتِه وإِنْ كان كُلٌّ من الثلاثة راجحًا على غيره لكنْ منصورٌ أرجحُهم.
قال عبد الرحمن بن مهدي: منصورٌ أثبتُ أهلِ الكوفة.
وقال سفيان: كنتُ لا أُحَدِّثُ الأعمشَ عن أحدٍ من أهل الكوفة إِلَّا رَدَّه، فإذا ذكرتُ منصورًا سَكَت.
وقال أحمدُ بن حنبل: منصورٌ أثبتُ من إِسماعيل بن أبي خالد.
وقال أبو حاتم: منصورٌ أثبتُ من الأعمش، وقالهُ يحيى بن مَعِينِ، ورُوي أنه صام ستين سنةً وقامها، وأمَّا عبادتُه وزُهْدُه وامتناعُه من القضاء حين أُكْرِهَ عليه فأكثرُ من أنْ يُحْصَى، وأشهرُ من أنْ يُذْكَرَ) اهـ (1).
(و) بـ (سُلَيمَانَ) بنِ مِهْرَانَ المُلَقَّبِ بـ (الأعمشِ)(2)؛ لضعف بصره مع سَيلان دَمْعها، الكاهليّ مولاهم، أبي محمد الكوفي، أحَدِ العلماءِ الحُفَّاظ والقُرَّاء، رأى أنسًا يَبُولُ.
روى عن عبد الله بن أبي أوفى وعكرمة -قال أبو حاتم: لم يسمع منهما- وزيد بن وهب وأبي وائل وإِبراهيم التَّيمي والشَّعْبي وخَلْق.
ويروي عنه (ع) وأبو إِسحاق والحكم وزُبَيد -وهو من شيوخه- وسُلَيمان التَّيمي -وهو من طبقته- وشعبة وسفيان وزائدة ووكيع وخَلْقٌ.
وقال ابنُ المَدِيني: له نحو ألف حديث وثلاثمائة، وقال ابن عُيَينَة: كان أقرأهم وأحفظَهم وأعلمَهم، وقال العِجلِيُّ: ثقةٌ ثَبْتٌ، وقال النَّسائِيُّ: ثقةٌ ثَبْتٌ، وعَدَّه في المُدَلِّسين.
(1)"مكمل إكمال الإكمال"(1/ 11)، وهو مختصرٌ من كلام الإِمام النووي في "شرح صحيح مسلم"(1/ 52 - 53).
(2)
هذا أول موضع في الكتاب جَرَى فيه ذِكْر أصحاب الألقاب، وقد تكلّم الإِمام النووي على ذلك بقاعدة مختصرة.
وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ فِي إِتْقَانِ الْحَدِيثِ وَالاسْتِقَامَةِ فِيهِ .. وَجَدْتَهُمْ مُبَايِنِينَ لَهُمْ لَا يُدَانُونَهُمْ، لَا شَكَّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ؛ لِلَّذِي اسْتَفَاضَ عِنْدَهُمْ مِنْ صِحَّةِ
ــ
وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ عارفٌ بالقراءات وَرِعٌ لكنه يُدَلِّسُ، من الخامسة، مات في ربيع الأول سنة سبع أو ثمانٍ وأربعين ومائة، وكان مولده أول سنة إِحدى وستين. اهـ
(و) بـ (إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ) البَجَليِّ الأحمسيِّ التابعيِّ المشهورِ، أبي عبد الله الكوفيِّ أَحَدِ الأئمَّةِ الأعلامِ.
روى عن عبد الله بن أبي أَوْفَى وأبي جُحَيفَة وعَمْرو بن حُريث والشَّعْبي -وكان أعلمَ الناسِ به- وخَلْق، ويروي عنه (ع) وشعبةُ والسُّفْيانان وابنُ إِدريس، وقال ابنُ المَدِيني: له نحو ثلاثِمائة حديث.
وقال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ، من الرابعة، مات سنة ستٍّ وأربعين ومائة.
وقولُه: (في إتقانِ الحديثِ) مُتَعَلِّقٌ بـ (وَازَنْتَ) أيضًا؛ أي: قَابَلْتَ الثلاثةَ الأُوَلَ بالثلاثةِ الأخيرةِ في إِتقانِ الحديث وحِفْظِه (و) في (الاستقامةِ) والتثبُّتِ (فيه) أي: في الحديث.
وقولُه: (وَجَدْتَهُمْ) جوابُ (إِذا) أي: وَجَدْتَ الثلاثةَ الأُوَلَ (مُبَايِنِينَ) أي: مُخَالِفِينَ (لهم) أي: للثلاثة الأخيرةِ في قُوَّةِ الإِتقانِ والاستقامةِ، بل (لا يُدَانُونَهم) ولا يُقَارِبُونَهم فَضْلًا عن المقابلة؛ أي: لا تُدَانِي الثلاثةُ الأُوَلُ الثلاثةَ الأخيرةَ في قوتهما، بل بينَهم بَوْنٌ بائنٌ وفَرْقٌ فَارقٌ، و (لا شَكَّ) أي: لا رَيبَ ولا تَرَدُّدَ موجودٌ (عندَ أهلِ العِلْمِ) والمعرفةِ (بالحديثِ) والأخبار (في ذلك) أي: في كون الثلاثةِ الأُوَل مباينين للثلاثة الأخيرة في عدم مداناتهم إِياهم في الإِتقان والاستقامة.
وقولهُ: (لِلَّذي اسْتَفَاضَ) وشاع عندهم تعليلٌ لنَفْي الشكِّ؛ أي: وإِنما لم يشكّوا ولم يتردّدوا في ذلك للأمر الذي استفاض وشاع واشتهر (عندَهم) أي: عندَ أهلِ العلم بالحديث.
وقولُه: (مِنْ صِحَّةِ) بيانٌ للذي استفاض عندهم؛ أي: حالة كون ما استفاض
حِفْظِ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ وَإِسْمَاعِيلَ، وَإِتْقَانِهِمْ لِحَدِيثِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ عَطَاءٍ وَيزِيدَ وَلَيثٍ. وَفِي مِثْلِ مَجْرَى هَؤُلاءِ إِذَا وَازَنْتَ بَينَ الأَقْرَانِ كَابْنِ عَوْنٍ
ــ
عندهم من صِحَّةِ وقُوَّةِ (حِفْظِ منصورٍ والأعمشِ وإسماعيلَ و) من صِحَّةِ (إتْقَانِهم) أي: إِتقانِ هؤلاء الثلاثة (لـ) نَقْلِ (حديثِهم) الذي رَوَوْه.
والواوُ في قوله: (وأَنَّهُمْ) حاليةٌ؛ أي: والحالُ أَنَّ أهلَ العلمِ بالحديث (لم يَعْرِفُوا) ولم يَعْلَمُوا (مِثْلَ ذلك) أي: مِثْلَ ما استفاض عندَهم في منصورٍ وصَاحِبَيه من صِحَّةِ حفظِهم وإِتقانِهم.
والجارُّ والمجرورُ في قوله: (من عَطَاءٍ ويزيدَ ولَيثٍ) متعلِّقٌ بمحذوف حالٍ من مفعول عرف، أو مفعولٌ ثانٍ له إِن كان بمعنى علم؛ أي: لم يعرفوا مِثْلَ ذلك حال كونه واقعًا من عطاء وصاحبيه وثابتًا لهم فضلًا عن الاستفاضة، والمعنى: لم يعرفوا وقوعَ مِثْلِ ذلك الحفظ والإِتقان من عطاءٍ وصاحبَيهِ فَضْلًا عن استفاضتهِ فيهم.
وقولُه: (وفي مِثْلِ مَجْرَى هؤلاءِ) كلامٌ مستأنفٌ مفيدٌ لعموم الموازنة بين الأقران متعلِّقٌ بمحذوفٍ تقديرهُ: (و) تجري الموازنةُ والمقابلَةُ بين الأقران (في) غير هؤلاء المذكورين آنفًا (مِثْلَ مَجْرَى هؤلاءِ) أي: مِثْلَ جَرَيانِها في هؤلاء الستة المذكورين آنفًا في التبايُنِ والتباعُدِ بينهم (إذا وَازَنْتَ) وقَابَلْتَ (بينَ الأقرانِ) والأشباه غير هؤلاء الستة المذكورين.
والمَجْرَى: مصدرٌ ميميٌّ بمعنى الجري، يُقال: جَرَى الماءُ وغيرُه من باب رَمَى، وجريانًا أيضًا، وما أَشَدَّ جِرْية هذا الماء بالكسر والسكون، وقوله تعالى:{بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} هما مصدران من أجريت السفينة وأرسيت، ومَجْراها ومرساها بالفتح من جرت السفينة ورست، والمَجْرَى: المَمَرُّ والطريق.
وتلك الأقران (كابنِ عَوْنٍ) وهو عبد الله بن عَوْن بن أَرْطَبَان -بفتح فسكون ففتح- المزني مولاهم، أبو عون البصري أحدُ الأئمَّة الأعلام.
روى عن عطاءٍ ومجاهدٍ وسالم والحَسَن والشَّعبي وخَلْق، ويروي عنه (ع) وشعبةُ والثَّوْرِيُّ وابنُ عُلَيَّةَ ويحيى القطان وخلائقُ.
وَأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ مَعَ عَوْفِ بْنِ أبي جَمِيلَةَ
ــ
قال ابنُ مهدي: ما أحد أعلم بالسُّنَّة بالعراق من ابن عَوْن، وقال رَوْحُ بن عُبادة: ما رأيتُ أَعْبَدَ منه.
وقال في "التقريب": ثقة ثَبْتٌ فاضلٌ من أقران أيوب في العلم والعمل والسنّ، من السادسة، مات سنة خمسين ومائة.
(وأيوبَ) بنِ أبي تَمِيمةَ كَيسان (السِخْتِيانيِّ) بفتح المهملة أو كسرها (1)، بعدها معجمةٌ ساكنة، ثم مثناةٌ فوقانيةٌ مكسورةٌ، ثم تحتانية، وبعد الألف نون، نسبة إِلى سِخْتِيان وهي الجلودُ؛ لأنه كان يبيعها (2)، أبي بكر البصري الفقيه، أحدِ الأئمَّة الأعلام.
روى عن عَمْرو بن سَلِمة والحَسَن وعطاء وابن سيرين وخَلْق، ويروي عنه (ع) وابنُ سيرين من شيوخه وشعبة والسُّفْيانان والحَمَّادان وخَلْق.
قال ابنُ عُلَيَّة: كُنَّا نقول عنده ألفا حديث، وقال شعبة: ما رأيتُ مِثْلَه، وقال حماد بن زيد: أيوبُ أفضلُ مَنْ جَالسْتُه وأَشَدُّه اتباعًا للسُّنَّة، وقال ابنُ عُيَينَة: ما لقيتُ مِثْلَه في التابعين، وقال ابنُ سعد: كان ثقةً ثَبْتًا حُجَّةَ جامعًا كثيرَ العِلْم، وُلِدَ سنة ستٍّ وستين.
وقال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ حُجَّةٌ، من كبار الفقهاءِ العُبَّاد، من الخامسة، مات سنة إِحدى وثلاثين ومائة.
إِذا وازنتهما (مَعَ عَوْفِ بنِ أبي جَمِيلَةَ) -بفتح الجيم- العَبْدي أبي سَهْل الهَجَرِيِّ البصري، المعروف بالأعرابيّ - ولم يكن أعرابيًّا.
روى عن أبي العالية وأبي رجاء وأبي عثمان النَّهْدِي، ويروي عنه (ع) وشُعْبة
(1) قال الحافظ الزبيدي في "تاج العروس"(1/ 552): (وَجَزَمَ شُرَّاح البخاري بأَنَّ الفتح هو الأكثر الأفصح). وفيه أوجه أخرى في ضبط السين والتاء من (السختياني)، فانظره إِذا شئت.
(2)
انظر "التمهيد"(1/ 339).
وَأَشْعَثَ الْحُمْرَانِيِّ -وَهُمَا صَاحِبَا الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ كَمَا أَنَّ ابْنَ عَوْنٍ وَأَيُّوبَ صَاحِبَاهُمَا- إِلَّا أَنَّ الْبَوْنَ بَينَهُمَا وَبَينَ هَذَينِ بَعِيدٌ فِي كَمَالِ الْفَضْلِ وَصِحَّةِ النَّقْلِ وَإِنْ كَانَ عَوْفٌ وَأَشْعَثُ غَيرَ مَدْفُوعَينِ عَنْ صِدْقٍ وَأَمَانَةٍ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَلَكِنَّ الْحَال مَا وَصَفْنَا مِنَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ
ــ
وغُنْدَر والنَّضْر بن شُمَيل وخَلْق، وَثَّقَه النَّسائيُّ وجماعةٌ.
قال في "التقريب": ثقةٌ رُمِيَ بالقَدَرِ وبالتشيُّع، من السادسة، مات سنة ستّ أو سبع وأربعين ومائة.
(و) مع (أَشْعَثَ) بنِ عبد الملك (الحُمْرَانِيِّ) بضم الحاء المهملة منسوب إِلى حُمْران مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه، أبي هانئ البصري، ثِقَة.
قال في "التقريب": ثقةٌ فقيهٌ روى عنه (خت 4)، من السادسة، مات سنة اثنتين وأربعين ومائة.
(وهُمَا) أي: عَوْفٌ وأَشْعَثُ (صاحبا الحَسَنِ) البصريِّ (و) محمدِ (ابن سيرينَ كَمَا أَنَّ ابْنَ عَوْنٍ وأيوبَ صاحباهُما) أي: صاحبا الحَسَنِ وابنِ سيرين (إلَّا أَنَّ البَوْنَ) أي: الفَرْقَ (بينَهما) أي: بين عَوْفٍ وأَشعَثَ (وبينَ هَذَينِ) أي: بين ابنِ عَوْنٍ وأيوبَ (بعيدٌ) أي: متباعدٌ.
وقولهُ: (في كَمَالِ الفَضْلِ) والدِّيانةِ متعلِّقٌ بـ (البَوْن)، (و) في (صِحَّةِ النَّقْلِ) والرواية معطوفٌ على (كمالِ الفَضْلِ).
و(إِنْ) في قوله: (وإنْ كان) غائيةٌ لا جوابَ لها؛ أي: وَإِنْ كان (عَوْفٌ وأَشْعَثُ غيرَ مَدْفُوعَينِ) أي: غيرَ محرومَينِ ومردودَينِ ومسلوبَينِ (عَنْ صِدْقٍ) في مقالٍ (وأمانةٍ) في حالٍ (عندَ أهلِ) هذا (العِلْمِ) والفنِّ، أو جوابُها معلومٌ ممَّا قبلها تقديره: وإِنْ كان عَوْفٌ وأَشْعَثُ غيرَ مدفوعَينِ .. فالبَوْنُ حاصلٌ بينهما وبينَ هذين.
وقولُه (ولكنَّ الحال) استدراكٌ على قوله: (غيرَ مَدْفُوعَينِ) أي: ولكنَّ الحال والشأن في هؤلاء الأربعة هو (ما وَصَفْنا) وذَكَرْنا فيهم (من) البَوْنِ والفَرْقِ بينَهم في (المنزلةِ) والدرجةِ الثابتةِ لهم (عندَ أهلِ) هذا (العِلْمِ) والفنِّ.
وَإِنَّمَا مَثَّلْنَا هَؤُلاءِ فِي التَّسْمِيَةِ؛ لِيَكُونَ تَمْثِيلُهُمْ سِمَةً يَصْدُرُ عَنْ فَهْمِهَا مَنْ غَبِيَ عَلَيهِ طَرِيقُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَرْتِيبِ أَهْلِهِ فِيهِ، فَلَا يُقَصَّرُ بِالرَّجُلِ الْعَالِي الْقَدْرِ
ــ
(وإنَّما مَثَّلْنا هؤلاءِ) أي: وإِنما جَعَلْنا أسماءَ هؤلاءِ العَشَرَةِ المذكورين هنا مثالًا (في التسميةِ) أي: تسميةِ وتعيينِ أسماءِ الطبقة الأولى والثانية (ليكونَ تمثيلُهم) أي: لتكون أسماؤهم المذكورةُ في تمثيلنا هنا إِذا وقعت خارجًا في أسانيد أهل العلم (سِمَةً) أي: علامةً على قُوَّةِ الإِسنادِ إِنْ كانتْ من أسماء الطبقة الأولى، أو على ضَعْفِه إِنْ كانتْ من أسماء الطبقة الثانية، بحيث (يَصْدُرُ) ويرجعُ (عَنْ فَهْمِها) أي: عندَ فَهْمِ تلك العلامة والاطلاع عليها في أسانيد أهل العلم، فـ (عَنْ) بمعنى عند (1).
و(مَنْ) في قوله: (مَنْ غَبِيَ) فاعلُ يَصْدُرُ.
قال السنوسي: ("غَبِيَ" بفتح الغين المعجمة وكسر الباء الموحدة؛ أي: خَفِيَ، ويُروى بالعين المهملة وياءين مُثنّاتَين، ويُروى: "عَمِيَ" بالعين والميم) اهـ (2)
أي: بحيث يرجعُ مَنْ خَفِيَ (عليه طريقُ أهلِ) هذا (العِلْمِ) ورجالهم قاضيًا وَطَرَه وحاجتَه (في) معرفة (ترتيبِ) مراتبِ (أهلِه) أي: أهلِ هذا العلم (فيه) أي: في هذا العلم إِذا اطلع على تلك السِّمَةِ التي هي أسماؤهم في الأسانيد الواقعة خارجًا، فيعرف بالاطّلاع على أسماء الطبقة الأولى قوة في الأسانيد، وبالاطّلاع على أسماء الثانية ضعفها.
وإِذا كانت أسماؤهم سِمَةً وعلامةً على ذلك ( .. فلا يُقَصَّرُ) أي: لا يُحطّ ولا يُنقص (بالرجلِ العالي القَدْرِ) أي: بالإسناد الذي ذُكِرَ فيه الشخصُ الرفيعُ القَدْرِ والمرتبةِ في هذا العلم بقوة الإِتقان والاستقامة.
(1) قال الإِمام النووي: (وقولُه: "يَصْدُرُ" أي: يَرْجِعُ، يُقال: صَدرَ عن الماءِ والبلادِ والحَجِّ إِذا انصرفَ عنه بعد قضاء وطَرِه، فمعنى "يَصْدُرُ عن فهْمِهَا": ينصرفُ عنها بعدَ فَهْمِها وقضاءِ حاجتهِ منها). "شرح صحيح مسلم"(1/ 54).
(2)
"مكمل إكمال الإكمال"(1/ 11).
عَنْ دَرَجَتِهِ، وَلَا يُرْفَعُ مُتَّضِعُ الْقَدْرِ فِي الْعِلْمِ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ، وَيُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ فِيهِ حَقَّهُ، وَيُنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ. وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهَا أَنَّهَا قَالتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نُنَزِّلَ الناسَ مَنَازِلَهُمْ،
ــ
وقولُه: (عَنْ دَرَجَتِهِ) ومنزلتِه متعلِّقٌ بـ (يُقَصَّرُ) أي: لا يُحَطُّ ذلك الإِسنادُ عن عالي درجتِه وقُوَّتِه؛ لوجودِ سِمَةِ القُوَّةِ فيه (ولا يُرْفَعُ) أي: ولا يُعْلَى ويُقَوَّى إِسنادٌ ذُكِرَ فيه شخصٌ (مُتَّضِعُ القَدْرِ) والمنزلةِ والدرجةِ؛ أي: وَضِيعُ القَدْرِ وناقصُه (في) هذا (العِلْمِ) والفَنِّ بقلَّةِ الإِتقان والضبط والاستقامة.
وقولُه: (فوقَ منزلتِه) متعلِّقٌ بـ (يُرْفَعُ)؛ أي: لا يُرْفَعُ ولا يُعْلَى ذلك الإِسنادُ فوقَ منزلتهِ ودرجتهِ، بل هو على ضعفه لوجودِ سِمَة الضعف فيه (ويُعْطَى كُلُّ ذي حَقٍّ) ومرتبةٍ (فيه) أي: في هذا العلم من عالي القَدْر ومُتَّضِعِه (حَقَّهُ) أي: ما يَسْتَحِقُّه من قُوَّةِ إِسنادٍ أو ضَعْفِه، (ويُنَزَّلُ) أي: يُبَوَّأُ كُلُّ ذي حَقٍّ منهما ويُعْطَى (منزلتَه) ودرجتَه من الإِتقان والاستقامة وضِدِّهما.
(و) إِنما نُزِّلَ كُلُّ ذي حَقٍّ منزلتَه لِمَا (قد ذُكِرَ) ورُويَ (عن عائشةَ) الصِّدِّيقةِ أُمِّ المؤمنين أُمِّ عبد الله (رَضِيَ اللهُ) سبحانه و (تعالى عنها) أي: قَبِلَ اللهُ سبحانه وتعالى حسناتِها عنها وجازاها عليها (أنها قالتْ: أَمَرَنَا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه) وعلى آلِهِ (وَسَلَّمَ أَنْ نُنَزِّلَ الناسَ) أي: آحادَهم في الحقوقِ وبعضِ الأحكامِ؛ أي: إلا فيما قام الدليلُ على وجوب التسوية بينهم فيه كالحدودِ والقِصَاص وشِبْهِ ذلك (مَنَازِلَهُمْ) ومراتبَهم فيُعْطَى كُلُّ ذي حَقٍّ حَقَّه؛ أي: كُل ذي رفعةٍ رِفْعَتَه، وكُلُّ ذي ضَعَةٍ ضعتَه، لا فوقَه ولا دُونَه؛ لأن هذا هو العَدْلُ الواجبُ علينا بقوله تعالى:{اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} .
قال القرطبي: (واستدلالُ مسلمٍ بهذا الحديث يَدُلُّ ظاهرًا على أنه لا بأس به، وأنه ممَّا يُحْتَجُّ به عنده، وإِنما لم يُسْنِدْه في كتابه لأنه ليس على شَرْطِ كتابه، وقد أسنده أبو بكرٍ البَزَّارُ في "مسنده" عن ميمون بن أبي شَبيب، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: لا يُعْلَمُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم إِلا من هذا الوجه، وقد رُويَ عن عائشة من غير هذا الوجه موقوفًا.
مَعَ مَا نَطَقَ بِهَ الْقُرْآنُ
ــ
وقد ذكره أبو داود في "مصنَّفه"(1) فقال: حدثنا يحيى بن إِسماعيل وابن أبي خلف (2)، أَنَّ يحيى بن يَمَانٍ أخبرهم، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب: أَنَّ عائشة مَرَّ بها سائلٌ فأَعْطَتْه كِسْرَةً، ومَرَّ بها رجلٌ عليه ثيابٌ وهيئةٌ فأقعدتْه فأَكَلَ، فقيل لها في ذلك فقالت: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أنْزِلُوا النَّاسَ مَنازِلَهم".
قال ابنُ الأعرابي: قال أبو داود: ميمون لم يُدْرِكْ عائشة.
وعلى هذا: فالحديثُ منقطعٌ، فقد ظَهَرَ لأبي داود من هذا الحديث ما لم يَظْهَرْ لمسلمٍ، ولو ظَهَرَ له ذلك .. لما جاز له أن يستدلَّ به إِلا أن يكون يعمل بالمراسيل، والله أعلم، على أَنَّ مسلمًا إِنما قال: وذُكِرَ عن عائشة وهو مُشْعِرٌ بضَعْفِه، وأنه لم يكن عنده ممَّا يعتمدُه (3).
ومعنى هذا الحديثِ. الحضُّ على مراعاة مقاديرِ الناس ومراتبِهم ومناصبهم، فيُعَامَلُ كُلُّ أحدٍ منهم بما يَلِيقُ بحالِه، وبما يُلائِمُ منصبَه في الدِّين والعلم والشَّرَف والمرتبة؛ فإِنَّ الله تعالى قد رتب عبيدَه وخَلْقَه، وأَعْطَى كُلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه، وقال صلى الله عليه وسلم:"خِيَارُهم في الجاهلية خِيَارُهم في الإِسلام إِذا فقهوا"(4) اهـ (5).
والظرفُ في قوله: (مَعَ ما نَطَقَ به القرآنُ) متعلِّقٌ بقوله: (ذُكِرَ عن عائشة) أي: لما ذكر عنها مع دلالة ما نَطَقَ به القرآنُ ونَزَلَ به وحواه على التنزيل المذكور المروي عن
(1)"سنن أبي داود"(5/ 173 - 174) في كتاب الأدب، (23 - باب في تنزيل الناس منازلَهم)، حديث رقم (4842).
(2)
وقع في "المفهم" للقرطبي (1/ 125): (حدثنا إِسماعيل بن أبي خلف) وفيه سقط، والصواب:(حدثنا يحيى بن إِسماعيل وابن أبي خلف) كما في المصدر السابق و "تحفة الأشراف"(12/ 330) حديث رقم (17669).
(3)
وانظر تخريج هذا الحديث بتوسع في "الجواهر والدرر" للحافظ السخاوي (1/ 4 - 9) وفيه الحكم بأنه حديث حسن، و "إِتحاف السادة المتقين" للحافظ الزَّبيدي (1/ 342 - 343).
(4)
رواه البخاري (3383)، ومسلم (6238/ 160) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(5)
"المفهم"(1/ 125 - 127).
مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالى: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} . فَعَلَى نَحْو مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوُجُوهِ نُؤَلِّفُ مَا سَأَلْتَ مِنَ الأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْ قَوْمٍ هُمْ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ مُتَّهَمُونَ أَوْ عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْهُمْ .. فَلَسْنَا نتَشَاغَلُ
ــ
عائشة رضي الله عنها حالة كون ما نَطَقَ به ونَزَل (مِنْ قَوْلِ اللهِ) سبحانه و (تَعَالى {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} حادثٍ ولو نبيًّا مُرْسَلًا ومَلَكًا مُقَرَّبًا {عَلِيمٌ} أي: كثيرُ العلم منه، فدلَّت للفوقيةُ المذكورةُ في الآية على أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ ذي عِلْمٍ يُنَزَّلُ منزلتَه ومرتبتَه لا يُجَاوَزُ إِلى ما فوقها.
والفاءُ في قوله: (فَعَلَى نَحْو ما ذَكَرْنا من الوُجُوهِ نُؤَلِّفُ) فاءُ الفصيحة داخلةٌ على (نُؤَلِّفُ)، و (على) متعلِّقٌ بـ (نُؤَلِّفُ)، و (نَحْو) بمعنى مِثْل، و (الوُجُوه) جمعُ وَجْهٍ بمعنى قِسْم، والمعنى: إِذا عَرَفْتَ ما ذكرتُه لك من تقسيم الأخبار والطبقات على ثلاثة أقسام وأردتَ بيانَ ما نُدْخِلُه في كتابنا من تلك الأقسام فأقول لك:
نُؤَلِّفُ ونَجْمَعُ (ما سَأَلْتَـ) ـني جَمْعَه وتلخيصَه (من الأخبارِ) المأثورةِ (عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في كتابٍ مُشْتَمِلٍ على مِثْلِ ما ذَكَرْناه سابقًا من جملة الوجوه والأقسام الثلاثة، والذي ذُكِرَ منها هو القسم الأول والثاني من الأخبار والطبقات.
والفاءُ في قوله: (فأمَّا ما كان منها) فاءُ الفصيحة أيضًا؛ لأنها أفصحتْ عن جوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ تقديرُه: إِذا عَرَفْتَ القسمَينِ الأَولَينِ من الأقسام الثلاثة وعَرَفْتَ إِدخالهما في كتابنا وأردتَ بيانَ القسمِ الثالثِ وبيانَ حالِه وشأنِه .. فأقول لك:
أمَّا ما كان من الأخبار منقولًا (عن قَوْمٍ) متروكين؛ لشِدَّةِ ضَعْفِهم (هُمْ) أي: أولئك القومُ (عندَ) جميع (أهلِ الحديثِ مُتَّهَمُون) بالكذب؛ لشُهْرَتِهم بوَضْع الأحاديث وتوليدها من عند أَنفسهم، والظرف في قوله:(عندَ أهلِ الحديثِ) متعلِّقٌ بـ (مُتَّهَمُون).
(أو) مُتَّهَمُون (عندَ الأكثرِ منهم) أي: مِنْ أهلِ الحديثِ لا عند جميعهم.
والفاءُ في قوله: ( .. فلَسْنا) رابطةٌ لجواب (أمَّا) في قوله: (فأمَّا ما كان
…
) إِلخ أي: فلسنا نحن (نَتَشَاغَلُ) ونتَعَاطَى ونَقْصِدُ؛ أي: لسنا
بِتَخْرِيجِ حَدِيثِهِمْ، كَعَبْدِ اللهِ بْنِ مِسْوَرٍ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَدَائِنِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، وَعَبْدِ الْقُدُّوسِ الشَّامِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَصْلُوب، وَغِيَاثِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَسُلَيمَانَ بْنِ عَمْرٍو أبي دَاوُدَ النَّخَعِيِّ،
ــ
متشاغلين (بتخريجِ حديثِهم) ونَقْلِه عنهم؛ لشِدَّةِ ضَعْفِهم وشُهْرَةِ وَضْعِهم، وأولئك القومُ (كعبدِ اللهِ بنِ مِسْوَرٍ) بكسر الميم وسكون السين المهملة المُكَنَّى بـ (أبي جعفرٍ المدائنيِّ) أي: المنسوب إِلى المدائن، وهي بلدةٌ قرب بغداد، وكان فيها إِيوان كسرى، سُمِّيَتْ بلفظ الجَمْع لِعِظَمِها.
فائدة:
والفَرْقُ بين قولهم في النِّسْبة: المدني والمديني والمدائني، أَنَّ الأولَ منسوبٌ إِلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثانيَ نِسْبةٌ إِلى عدة مدن منها مدينة المنصور بلدةٍ بخُراسان، والثالثَ نِسْبَةٌ إِلى بلدةٍ بقرب بغداد.
(و) كـ (ـعَمْرِو بنِ خالدٍ) أبي حفص الأعشى الكوفي، روى عن الأعمش وهشام بن عُرْوة، وعنه عَمْرُو بن عبد الله الأَوْدِي، قال ابن عدي: مُنْكَر الحديث، وقال ابنُ حِبَّان: يروي عن الثقات الموضوعاتِ، لا تَحِلُّ الروايةُ عنه.
(وعبدِ القُدُّوسِ) بن حبيبٍ الكَلاعي (الشاميِّ) بالشين المعجمة نسبة إِلى الشام، روى عن عكرمةَ وعطاءٍ وغيرِهما.
(ومحمدِ بنِ سعيدٍ) الدِّمشقي أبي عبد الرحمن ويُقال: أبو عبد الله، ويُقال: أبو قيس (المصلوبِ) أي: الذي قُتِلَ وصُلِبَ في الزندقة، قتَلَه أبو جعفر.
(وغِيَاثِ بنِ إبراهيمَ) الكوفيِّ الوَضَّاع.
(وسُلَيمَانَ بنِ عَمْرٍو) -بفتح العين- قال السنوسي: (فالواو التي تُوجَدُ بعد الراء في عَمْرٍو هذا هي الواوُ التي تُزَادُ فيه للفَرْق بينه وبين عُمَرَ المضمومِ العين لا عاطفةٌ؛ لأنَّ ما بعدها عطفُ بيانٍ لسليمانَ بنِ عَمْرٍو لا رجلٌ آخر)(1) - المُكنَّى بـ (أبي داود النَّخَعِيِّ) أي: المنسوب إِلى نَخَع بفتح الخاء ابن عَمْرو بن عُلَة -بضم العين وفتح اللام
(1)"مكمل إكمال الإكمال"(1/ 12).
وَأَشْبَاهِهِمْ مِمَّنِ اتُّهِمَ بِوَضْعِ الأَحَادِيثِ وَتَوْلِيدِ الأَخْبَارِ. وَكَذَلِكَ مَنِ الْغَالِبُ عَلَى حَدِيثِهِ الْمُنْكَرُ أَو
ــ
المخففة- ابن جلد بن مالك بن أُدد أبي قبيلةٍ باليمن.
(وأَشْبَاهِهِمْ) أي: نظائرِهم وأمثالِهم في الوَضْعِ والضَّعْفِ، كأبي داود الأَعْمى، وموسى بن دِهْقان، وحَكِيم بن جُبَير، وحمَّاد بن عَمْرٍو، وغيرِهم (ممَّن اتُّهِمَ) عند أهل الحديث (بوَضْع الأحاديث) واختلاقِها من عند نفسه.
قال السنوسي: (والحديثُ الموضوعُ: هو المُخْتَلَقُ المصنوعُ، وربما أَخَذَ الواضعُ كلامًا لغيره مما فيه حكمةٌ وتَكَلَّمَتْ به الحُكَمَاءُ ونحو ذلك فيجعله حديثًا، وربما وَضَعَ كلامًا من عند نفسه.
وكثيرٌ من الموضوعات أو أكثرُها يَشْهَدُ بوَضْعِها ركاكةُ لفظِها.
وحُكْمُ وَضْعِ الحديثِ: التحريمُ بإِجماع المسلمين الذين يُعْتَدُّ بقولهم، وشَدَّ منْ لا يُعْتَدُّ به من المبتدعة كالكَرَّامية فقالوا: يجوزُ وَضْعُ الحديث في الترغيبِ والترهيبِ والزُّهْدِ، وقد سَلَكَ مسلكَهم بعضُ المتوسّمين بسِمَةِ الزهادة ترغيبًا في الخير بزَعْمِهم الباطل.
قال النوويُّ: وهذه غباوةٌ ظاهرةٌ وجهالةٌ متناهيةٌ، ويكفي في الردِّ عليهم قولُه صلى الله عليه وسلم:"مَنْ كَذَبَ عليَّ مُتَعمِّدًا .. فليتبوأْ مقعدَه من النار") اهـ (1)
وقولُه: (وتوليدِ الأخبارِ) وإِنشائِها وزيادتِها من عند نفسه: من عطف الرَّدِيف على ما قبله.
(وكذلك) أي: وكهؤلاء المذكورين في عدم التشاغُل بحديثهم (مَنِ الغالبُ) والكثيرُ (على حديثِه) أي: في حديثهِ الذي يرويه، فعَلَى بمعنى في (المُنكَرُ) أي: الحديثُ المُنْكَرُ المردودُ، وهو الحديثُ الفردُ المُخَالِفُ لما رواه الثِّقاتُ، أو الفَرْدُ الذي ليس في راويه من الاستقامة والإِتقان ما يحتملُ معه تَفَرُّدُه (أَو) الغالبُ في حديثه
(1)"مكمل إكمال الإكمال" وبعضه من كلام الإِمام النووي في "شرح صحيح مسلم"(1/ 56).
الْغَلَطُ .. أَمْسَكْنَا أَيضًا عَنْ حَدِيثِهِمْ. وَعَلامَةُ الْمُنْكَرِ فِي حَدِيثِ الْمُحَدِّثِ: إِذَا مَا عُرِضَتْ رِوَايَتُهُ لِلْحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةِ غَيرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ وَالرِّضَا .. خَالفَتْ رِوَايَتُهُ رِوَايَتَهُمْ، أَوْ لَمْ تَكَدْ تُوَافِقُهَا،
ــ
(الغَلَطُ) والخطأُ، وهو ضِدُّ الصواب .. فإنّا نحن (أَمْسَكْنا) كلامنا وسكتنا (أيضًا) أي: كما لا نَتَشَاغَلُ بحديثِ أولئك أَمْسَكْنا (عن) رواية (حديثِهم) أي: عن رواية حديثِ مَنِ الغالبُ في حديثه المُنْكَرُ أو الغَلَطُ، وقولُه: (أَمْسَكْنا
…
) إِلخ تصريحٌ بما عُلِمَ من التشبيه السابق في قوله: (وكذلك).
(وعلامةُ) الحديثِ (المُنْكَرِ) أي: أَمَارَتُهُ التي تَدُلُّ على نكارتِه إِذا وَقَعَ (في) جنسِ (حديثِ المُحَدِّثِ) وهو -أعني: المُحَدِّثَ- من اشتغل به رِوايةً ودِرايةً وجَمْعَ رُواةٍ، واطَّلَعَ على كثيرٍ من الرُّواةِ والرِّواياتِ في عصره.
قال السنوسي: (وهذه العلامةُ التي ذَكَرَ علامةُ المنكرِ المردودِ، وقد يُطْلَقُ المُنْكَرُ في الاصطلاح على انفرادِ الثقةِ بحديثٍ، وليس هذا بمنكرٍ مردودٍ إِذا كان الثِّقَةُ ضابطًا مُتْقِنًا) اهـ (1)
أي: علامةُ المنكرِ إِذا وَقَعَ في حديثِ المُحَدِّثِ أنه (إذا ما عُرِضَتْ) وقُوبِلَتْ (روايتهُ) أي: روايةُ المُحَدِّث (لـ) ـذلك (الحديثِ على روايةِ غيرهِ) أي: على روايةِ غيرِ المُحَدِّثِ له من الثقات حالةَ كَوْنِ ذلك الغير (مِنْ أَهلِ الحِفْظِ) والإِتقانِ (والرِّضا) والدِّيانة، وجوابُ إِذا قولُه:(خَالفَتْ روايتُه) أي: روايةُ ذلك المُحَدِّث (روايتَهم) أي: روايةَ أولئك الغير الذين كانوا من أهل الحفظ والرِّضا في جميع مُتُونِها وأسانيدِها (أَوْ لَمْ تَكَدْ) أي: لم تُقَارِبْ روايتُه (تُوَافِقُها) أي: تُوَافِقُ روايتَهم في جميع مُتُونها وأسانيدِها؛ أي: لا تُوَافِقُها إلا في قليل.
قال السنوسيُّ: (استعمل كادَ هنا على طريق مَنْ قال: نَفْيُها نَفْيٌ وإِثباتُها إِثباتٌ؛ أي: لم تَقْرُبْ موافقتُها في الأكثر، وفي النادر قريب من الموافقة، ولو استعملَها على طريقِ مَنْ قال: ثبوتُها نَفْيٌ ونَفْيُها ثبوتٌ .. لفَسَدَ المعنى، والله أعلم) اهـ (2).
(1)"مكمل إكمال الإكمال"(1/ 12)، وانظره في "شرح صحيح مسلم"(1/ 57).
(2)
"مكمل إكمال الإكمال"(1/ 12)، وقال الإِمام النووي رحمه الله تعالى: (قوله: "أو لم =
فَإِذَا كَانَ الأَغْلَبُ مِنْ حَدِيثِهِ كَذَلِكَ .. كَانَ مَهْجُورَ الْحَدِيثِ، غَيرَ مَقْبُولهِ وَلَا مُسْتَعْمَلِهِ. فَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَرَّرٍ،
ــ
والفاءُ في قوله: (فإذا كان الأغلبُ) والأكثرُ: فاءُ الفصيحة؛ لأنها أَفْصَحَتْ عن جوابِ شرطٍ مُقَدَّرٍ تقديرُه: إِذا عَرَفْتَ علامةَ المنكرِ وأردتَ بيانَ حُكْمِه .. فأقول لك:
إِذا كان الأغلبُ والأكثرُ (من حديثِه) أي: من حديثِ المُحَدِّثِ كائنًا (كذلك) أي: المنكر أو الغلط ( .. كان) ذلك المُحَدِّثُ (مهجورَ الحديثِ) أي: متروكَه، وكان (غيرَ مقبولِه) أي: غيرَ مقبولِ الحديث (ولا مُسْتَعْمَلِهِ) بصيغة اسم المفعول؛ أي: وكان غيرَ مُسْتَعْمَلِ الحديث، والمعنى: أَن حديثَه مهجورٌ لفظًا غيرُ مقبولٍ معنًى، وغيرُ مستعمل حُكْمًا.
والفاءُ في قوله: (فمِنْ هذا الضَّرْبِ) فاءُ الفصيحة؛ لأنها أفصحتْ عن جوابِ شرطٍ مُقَدَّرٍ تقديرهُ: إِذا عَرَفْتَ أَنَّ مَنْ كان الأغلبُ في حديثه المُنْكَرَ أو الغلطَ كان مهجورَ الحديثِ غيرَ مقبولهِ ولا مُسْتَعْمَلِه، وأردتَ بيانَ أمثلةِ هذا الضَّرْبِ .. فأقول لك:
من هذا الضَّرْبِ والنوع الذي كان الغالبُ من حديثه المُنْكَرَ أو الغَلَطَ حالةَ كَوْنِ ذلك الضَّرْبِ (من .. المُحَدِّثين) أي: من المشتغلين بالحديث رِوايةً ودِرايةً، والجارُّ والمجرورُ في قوله:(فمِنْ هذا الضَّرْبِ) خبرٌ مُقَدَّمٌ لقوله: (عبدُ اللهِ بن مُحَرَّرٍ) وما عُطِفَ عليه، وهو بضمِّ الميم وبفتح الحاء المهملة وبراءين مهملتين الأُولى منهما مفتوحةٌ مشددةٌ.
قال النوويُّ: (هكذا في روايتنا وفي أُصول أهل بلادنا، وهذا هو الصواب، وكذا ذكره البُخَاريُّ في "تاريخه" وأبو نصر بن ماكولا وأبو علي الغَسَّانيُّ الجَيَّانِيُّ
= تَكَدْ تُوافِقُها" معناه: لا تُوافِقُها إِلَّا في قليل.
قال أهلُ اللُّغة: "كادَ" موضوعةٌ للمقاربة، فإنْ لم يَتَقَدَّمْها نَفْيٌ .. كانتْ لمقاربة الفعل ولم يُفعل كقوله تعالى:{يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} ، وإِنْ تَقَدَّمها نَفْيٌ .. كانت للفعل بعدَ بُطْءٍ، وإِنْ شئتَ .. قلتَ: لمقاربة عدم الفعل كقوله تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} ).
وَيَحْيَى بْنُ أَبِي أُنَيسَةَ، وَالْجَرَّاحُ بْنُ الْمِنْهَالِ أَبُو الْعَطُوفِ، وَعَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ، وَحُسَينُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ضُمَيرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ صُهْبَانَ، وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ
ــ
وآخرُون من الحُفَّاظ، وذَكَرَ القاضي عِيَاضٌ: أَنَّ جماعةً من شيوخه رَوَوْه "مُحْرِزًا" بإِسكانِ الحاء وكسرِ الراء وآخرُه زايٌ، وهو غلطٌ، والصوابُ الأول.
وعبدُ اللهِ بن مُحَرَّرٍ عامريٌّ هو من أتباع التابعين، روى عن الحَسَنِ وقتادةَ والزُّهْريّ ونافعٍ مولى ابن عُمر وآخرين من التابعين، واتَّفقَ الحُفَّاظُ على تَرْكِهِ) اهـ (1)
(ويحيى بن أبي أُنَيسَةَ) بضمِّ الهمزة، ونونٍ مفتوحةٍ، وسينٍ مهملةٍ مُصغرًا، أبو زيد الجزري، ضعيف، من السادسة، مات سنة ستٍّ وأربعين ومائة، روى عنه (ت)، واسمُ أبي أُنَيسَةَ: زيدٌ.
(والجَرَّاحُ) بفتح الجيم وتشديد الراء (بن المِنْهَالِ) بكسر الميم وسكون النون (أبو العَطُوفِ) بفتح العين وضمّ الطاء المهملتَين.
(وعَبَّادُ بن كَثِيرٍ) الثقفيُّ البصريُّ، متروك، قال أحمد: روى أحاديث كَذِب، وقال في "التقريب": من السابعة، مات بعد الأربعين ومائة، وروى عنه (د ق).
(وحُسَينُ بن عبد اللهِ بن ضُمَيرَةَ) بضمِّ الضاد المعجمة، وفتح الميم مصغرًا، ابن أبي ضميرة سعيد الحِمْيري المدني، روى عن أبيه، وعنه زيدُ بن الحُبَاب وغيرُه، كَذَّبَه مالكٌ، وقال أبو حاتم: متروكُ الحديثِ كَذَّابٌ، وقال أحمد: لا يُسَاوي شيئًا، وقال البخاريُّ: منكرٌ ضعيفُ الحديث.
(وعُمَرُ بن صُهْبَانَ) بضمِّ الصاد المهملة وسكون الهاء، ويُقال: اسمُ أبيه محمدٌ، الأسلميُّ أبو جعفر المدنيُّ خالُ إِبراهيم بن يحيى، ضعيفٌ، من الثامنة، مات سنة سبع وخمسين ومائة، روى عنه (ق).
(وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ) أي: قَصَدَ قَصْدَهم كحُبَيِّب -بضمِّ الحاء المهملة، وتشديد التحتية، بين موحدتين أُولاهما مفتوحة- ابن حَبِيب بوزن كَرِيم أخي حمزة الزيَّات،
(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 57)، و "إِكمال المعلم"(1/ 101 - 102)، و "مشارق الأنوار"(1/ 396)، وانظر "صيانة صحيح مسلم"(ص 120).
فِي رِوَايَةِ الْمُنْكَرِ مِنَ الْحَدِيثِ .. فَلَسْنَا نُعَرِّجُ عَلَى حَدِيثِهِمْ، وَلَا نَتَشَاغَلُ بِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالَّذِي نَعْرِفُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِي قَبُولِ
ــ
روى عن أبي إِسحاق وغيرِه، وَهَّاهُ أبو زُرْعَة، وتَرَكَه ابنُ المبارك (1).
وحبيبِ بن جَحْدَر أخي خصيب، كَذَّبَه أحمدُ ويحيى بن مَعِين وكأنهما رأياه (2).
وحبيبِ بن أبي الأشرس، هو حبيب بن حسّان، له عن سعيدِ بنِ جُبَيرِ وغيرِه، رَوى عنه مروانُ بن معاوية وإِسماعيلُ بن جعفر، وقال ابنُ حِبَّان: منكر الحديث جِدًّا، وكان قد عشق نصرانيةَ فقيل: إِنه تَنَصَّرَ وتَزَوَّجَ بها. اهـ "ميزان الاعتدال"(1/ 450 - 451).
(في روايةِ المُنْكَرِ من الحديثِ) ونَقْلِه.
والفاءُ في قوله: (فَلَسْنا) فاء الفصيحةِ؛ لأنها أفصحت عن جوابِ شرطِ مُقَدَّرٍ تقديرُه: إِذا عَرَفْتَ أَنَّ هؤلاء المذكورين من الضَّرْب الذي كان الغالبُ من حديثهِ المُنْكَرَ أو الغَلَطَ، وأردتَ بيانَ حالِنا وشأنِنا في حديثهم .. فأقول لك:
لَسْنا نحن (نُعَرِّجُ) ونلتفتُ ونعتمدُ (على حديثِهم) أي: على حديثِ هؤلاء المذكورين في حُكْمٍ من الأحكام، ولا نستدلُّ به عليه، يُقال: فلانٌ لا يُعَرَّجُ على كلامه؛ أي: لا يُعْتَمَدُ عليه (ولا نَتَشَاغَلُ بهِ) أي: لا نحاولُ ولا نشتَغِلُ بروايتِه ونَقْلِه.
واللامُ في قوله: (لأن حُكْمَ أهلِ العِلْمِ) للتعليل، متعلِّقَةٌ بقوله:(فلَسْنَا نُعَرِّجُ)، (وَحُكْمَ) اسمُ أَنَّ.
وقولُه: (والذي نَعْرِفُ مِنْ مَذْهَبِهم) معطوفٌ عليه، والمعنى: وإِنما لم نُعَرِّجْ على حديثِهم؛ لأنَّ الحُكْمَ الذي حَكَمَهُ أهلُ هذا العلم والفنّ، والشَّرْطَ الذي نعرفُه ونعتقدُه من مذهبهم.
وقولُه: (في قَبُولِ) تَنَازَعَ فيه كُلٌّ من قوله: (حُكْمَ) و (نَعْرِفُ) أي: لأنَّ
(1)(ميزان الاعتدال)(1/ 457).
(2)
المصدر السابق (1/ 451).
مَا يَتَفَرَّدُ بِهِ الْمُحَدِّثُ مِنَ الْحَدِيثِ: أَنْ يَكُونَ قَدْ شَارَكَ الثِّقَاتِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْحِفْظِ فِي بَعْضِ مَا رَوَوْا، وَأَمْعَنَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُوَافَقَةِ لَهُمْ، فَإِذَا وُجِدَ كَذَلِكَ ثُمَّ زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ شَيئًا لَيسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ .. قُبِلَتْ زِيَادَتُهُ
ــ
الحُكْمَ الذي حَكَمُوه في قَبُولِ (ما يَتَفَرَّدُ بهِ المُحَدِّثُ مِن) زيادةِ (الحديثِ) على غيرِه، والشَّرْطَ الذي نعرفهُ من مذهبهم في قَبُولِهِ.
وقولهُ: (أَنْ يكونَ) خبرُ أَنَّ؛ أي: أن يكون ذلك المُحَدِّثُ المُتَفَرِّدُ (قد شارَكَ الثِّقاتِ) وصَاحَبَهم، والثِّقاتُ: جَمْعُ ثِقَةٍ، وهو من يُعْتَمَدُ عليهِ ويُؤتَمَنُ به، ويُستعملُ بلفظٍ واحدٍ للمذكر والمؤنث.
وقولُه: (مِنْ أهلِ العِلْمِ والحِفْظِ) بيانٌ للثقات؛ أي: حالة كون أولئك الثقات من أهل هذا العلم والفنّ، ومن أهل الحفظ والضبط فيما نَقَلُوه.
وقولُه: (في بعضِ ما رَوَوْا) مُتَعَلِّقٌ بـ (شَارَكَ)؛ أي: أن يكون ذلك المُحَدِّثُ المتفرِّدُ قد شَارَكَ الثِّقاتِ من أهل هذا العلم، وصَاحَبَهم في رواية بعض ما رَوَوْهُ ونَقَلُوه.
وقولُه: (وأَمْعَنَ) واطمأَنَّ: معطوفٌ على (شَارَكَ).
وقولُه: (في ذلك) متعلِّقٌ بالموافقة المذكورة بعده.
وقولُه: (على المُوَافَقَةِ لهم) متعلِّقٌ بـ (أَمْعَنَ)، أي: وأن يكون ذلك المُحَدِّثُ المتفرِّدُ قد أَمْعَنَ وكَلَّف نفسَه على الموافقة للثقات في بعض ما رَوَوْه، وبَالغَ واسْتَقْصَى فيها؛ أي: في الموافقة لهم في ذلك.
والفاءُ في قوله: (فإذا وُجِدَ) فاءُ الفصيحة؛ لأنها أفصحتْ عن جوابِ شرطٍ مقدرٍ تقديره: إِذا عرفتَ الشرطَ المذكورَ، وأردتَ بيانَ حُكْمِ ما تَفَرَّدَ به، إِذا وُجِدَ الشرطُ المذكورُ .. فأقول لك:
إِذا وُجدَ المُحَدِّثُ (كذلك) أي: مشاركًا للثقات في بعض ما رَوَوْه ومُمْعِنًا -أي: مُكَلِّفًا- نفسَه على الموافقة لهم في ذلك (ثم زادَ بعدَ ذلك) أي: بعدَ مشاركتِهم في ذلك (شيئًا) من الحديث (ليس) ذلك الشيءُ موجودًا (عندَ أصحابه) من الثِّقاتِ ( .. قُبِلَتْ زيادتُه) أي: زيادةُ ذلك المُحَدِّث، التي تَفَرَّد بها من الثقَات؛ لوجود الشرطِ المذكورِ من المشاركة لهم في بعض ما رَوَوْه.
فَأَمَّا مَنْ تَرَاهُ يَعْمِدُ لِمِثْلِ الزُّهْرِيِّ فِي جَلالتِهِ وَكَثْرَةِ أَصْحَابِهِ الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ لِحَدِيثِهِ وَحَدِيثِ غَيرِهِ،
ــ
والفاءُ في قوله: (فأمَّا مَنْ تَرَاهُ يَعْمِدُ لِمِثْلِ الزُّهْرِيِّ) فاءُ الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جوابِ شرطٍ مقدرٍ تقديره: إِذا عرفتَ قبولَ ما تَفَرَّدَ به المُحَدِّثُ بالشرط المذكور، وأردتَ بيانَ حُكْمِ ما تفَرَّدَ به مع عدم الشرط المذكور .. فأقول لك: أمَّا مَنْ تَرَاهُ
…
إِلخ، فـ (مَنْ) مبتدأُ سيأتي خبرُه بقوله:(فغيرُ جائزٍ قبولُ حديثِ هذا الضَّرْبِ)، و (ترى) علميةٌ لا بصريةٌ، ويُقال: عَمَدَ الشيءَ وإِلى الشيء، من باب ضرَبَ، إِذا قَصَدَ فِعْلَه، ومِثْلُ الشخصِ: نظيرُه في العلم والفَضْل.
والزُّهْرِيُّ: هو محمد بن مسلم بن عُبَيد الله بن عَبْد الله بن شِهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرة بن كِلاب القُرَشِي الزُّهْري، أبو بكر المدني، أحدُ الأئمة الأعلام، وعالمُ الحجاز والشام، تابعيٌّ صغيرٌ، منسوبٌ إِلى زُهْرة بن كلاب.
روى عن ابن عُمر وسهل بن سعد وأنس بن مالك ومحمود بن الربيع وابن المُسَيِّب وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع) وأبانُ بن صالح وأيوبُ وابنُ عُيَينة وابنُ جُرَيج واللَّيثُ ومالكٌ وخلائقُ.
قال ابنُ المَدِيني: له نحو ألفي حديث.
وقال ابن شهاب: ما استودعتُ قلبي شيئًا قطّ فنسيتُه.
وقال أيوب: ما رأيتُ أعلمَ من ابن شهاب.
وقال في "التقريب": حافظٌ مُتْقِنٌ متَّفَقٌ على جلالتِه وإِتقانِه، وهو من رؤوس الطبقة الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومائة.
ومِن أمثالِهِ: الحَسَنُ البصريُّ، ومحمدُ بن سيرين.
والمعنى: أمَّا المُحَدِّثُ الذي تراه وتعلمه يَعْمِدُ ويقصدُ أن يرويَ عمَّنْ هو مِثْلُ الزُّهْري (في جلالتهِ) وفَضْلِه وعلمِه (و) في (كَثْرَةِ أصحابه) الذين يَرْوُون عنه.
وقولُه: (الحُفَّاظِ) صفة أُولى للأصحاب؛ أي: أصَحابِه الموصوفين بالحفظِ والضَّبْطِ للأخبار، وقولُه:(المُتْقِنِينَ) صفةٌ ثانيةٌ لهم؛ أي: الموصوفين بالإِتقان والتحقيق (لحديثهِ) أي: للحديثِ الذي رَوَوْه عن الزُّهْري (و) لـ (حديثِ غيرهِ)
أَوْ لِمِثْلِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ -وَحَدِيثُهُمَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَبْسُوطٌ مُشْتَرَكٌ، قَدْ نَقَلَ أَصْحَابُهُمَا عَنْهُمَا حَدِيثَهُمَا عَلَى الاتِّفَاقِ
ــ
أي: وللحديثِ الذي رَوَوْه عن غير الزُّهْري كالحَسَنِ البصريِّ.
والضميرُ في قوله: (جلالتِه) وما بعدَه عائدٌ على الزُّهْري.
وقولُه: (أو لِمِثْلِ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ) معطوفٌ على قوله: (لِمِثْلِ الزُّهْرِيِّ) أي: أو مَنْ تَرَاهُ يَعْمِدُ ويقصدُ أن يروي عمَّنْ هوَ مِثْلُ هشامِ بنِ عُرْوَةَ في جلالتهِ وكثرةِ أصحابهِ الحُفَّاظِ كمجاهد وعطاء.
وهو هشام بن عروة بن الزُّبَير بن العَوَّام الأسدي، أبو المنذر، أحد الأئمة الأعلام.
روى عن أبيه وزوجته فاطمة بنت المنذر، وأبي سلمة بن عبد الرحمن وعَمِّه عبد الله بن الزبير وأخويه عبد الله وعثمان وابن عمّه عباد بن عبد الله بن الزُّبَير وخلائقَ، ويروي عنه (ع) وأيوب وابن جُرَيج وشعبة ومَعْمَر ويونس والليث ومالك بن أنس وجماعةٌ.
قال ابنُ المَدِيني: له نحو أربعمائة حديث، وقال ابنُ سعد: ثقةٌ حُجَّةٌ.
وقال في "التقريب": ثقةٌ فقيهٌ ربما دَلَّسَ، من الخامسة، مات سنة خمس وأربعين ومائة، وله سبع وثمانون سنة، وتكَلَّمَ فيه مالكٌ وغيرُه.
وقولُه: (وحديثُهما) مبتدأٌ، خبرهُ قولُه الآتي:(مبسوطٌ مُشْتَرَكٌ)، والجملةُ معترضةٌ أو حاليةٌ، والضميرُ فيه عائدٌ إِلى الزُّهْري وإِلى هشام بن عروة.
والظرفُ في قوله: (عندَ أهلِ) هذا (العِلْمِ) والفنِّ متعلِّقٌ بقوله: (مبسوطٌ) أي: مُنْتَشِرٌ كثيرٌ عندهم (مُشْتَرَكٌ) بينهم؛ لأنه (قد نَقَلَ) ورَوَى (أصحابُهما) أي: أصحابُ الزُّهْرِيِّ وهشامِ (عنهما) أي: عن الزُّهري وهشام (حديثَهما) أي: الحديثَ الذي رَوَى الزهريُّ وهشامٌ عمَّنْ سَبَقَهما.
وقولُه: (على الاتِّفاقِ) -قال النووي: (هو هكذا في معظم الأصول: "الاتفاق"- بالفاء أولًا والقاف آخرًا، وفي بعضها:"الإتقان" بالقاف أولًا والنون
مِنْهُمْ فِي أَكْثَرِهِ- فَيَرْوي عَنْهُمَا أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا الْعَدَدَ مِنَ الْحَدِيثِ مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِمَا، وَلَيسَ مِمَّنْ قَدْ شَارَكَهُمْ فِي الصَّحِيحِ مِمَّا عِنْدَهُمْ .. فَغَيرُ جَائِزٍ قَبُولُ حَدِيثِ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ النَّاسِ، وَاللهُ أَعْلَمُ
ــ
آخرًا، والأول أجودُ، بل هو الصواب) اهـ (1) - متعلِّقٌ بـ (نَقَلَ)، أي: لأنه قد نَقَلَ أصحابُهما مع الاتّفاق والاشتراك (منهم في أكثرِه) أي: في أكثرِ حديثهما.
والفاءُ في قوله: (فيَرْوي) عاطفةٌ على قوله: (يعْمِدُ) أي: أمَّا مَنْ تَرَاه يَعْمِدُ لِمِثْلِ الزُّهْرِيِّ أو لِمِثْلِ هشامٍ فيروي (عنهما) أي: عن الزُّهْرِيِّ وهشامٍ جميعا، (أو) يروي (عن أَحَدِهما) فقط.
وقولُه: (العَدَدَ) بالنصب مفعولُ يروي؛ أي: يروي عنهما أو عن أحدهما الأفرادَ الكثيرةَ الكائنةَ (من الحديثِ) حالة كون تلك الأفراد (مِمَّا لا يَعْرِفُه) ولا يرويه (أَحَدٌ من أصحابِهما) أي: أحدٌ من أصحاب الزهري وهشام.
وجملةُ قولهِ: (وليس) حالٌ من فاعل يروي؛ أي: يروي عنهما أو عن أحدهما، والحالُ أنه ليس (مِمَّنْ قد شَارَكَهُمْ) أي: ممَّنْ قد شارك أصحابهما (في) رواية الحديث (الصحيحِ) ونَقْلِه عنهما الكائن ذلك الصحيح (مِمَّا عندَهم) أي: من الأحاديث التي حَصَلَتْ عندهم؛ أي: عند أصحابهما، ويحتمل أن يكون في كلامه قلب؛ أي: تقديمٌ وتأخيرٌ تقديره: وليس ممن شاركهم فيما عندهم من الصحيح؛ أي: في رواية ما استقرَّ عندهم من الصحيح عنهما.
وقولُه: ( .. فغيرُ جائزٍ) خبرٌ لقوله: (أمَّا مَنْ تراه يَعْمِدُ) كما مَرَّ هناك؛ أي: فغيرُ جائزٍ (قَبُولُ حديث هذا الضَّرْبِ) والقسمِ (من) أقسامِ (النَّاسِ) الثلاثة، يعني: مَنْ تراه يَعْمِدُ لمِثْل الزهري أو لمِثْلِ هشامٍ.
وفي قولهم: (واللهُ) سبحانه وتعالى أَجَلُّ وأَعَزُّ و (أعلمُ) مراعاةٌ لحُسْن كمال الأدب؛ لما فيه من تفويض العلم إِلى الذي عِلْمُه فوقَ كُلِّ ذي علم.
(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 58).
قَدْ شَرَحْنَا مِنْ مَذْهَبِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ بَعْضَ مَا يَتَوَجَّهُ بِهِ مَنْ أَرَادَ سَبيلَ الْقَوْمِ وَوُفِّقَ لَهَا، وَسَنَزِيدُ -إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى- شَرْحًا وَإِيضَاحًا فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْكِتَابِ عِنْدَ ذِكْرِ الأَخْبَارِ الْمُعَلَّلَةِ إِذَا أَتَينَا عَلَيهَا
ــ
وقولُه: (قد شَرَحْنا) وبَيَّنَّا وأَوْضَحْنا .. كلامٌ مستأنف، وفي بعض النسخ:(وقد شرحنا) بواو الاستئناف (مِنْ مَذْهَبِ الحديثِ) وأقسامهِ وأنواعهِ (و) من مذهبِـ (أهلِهِ) ورُوَاتِه؛ أي: من أقسامهم وطبقاتهم، يعني الأقسامَ الثلاثةَ من أقسامِ الحديث، وأقسامِ الرواة.
والجارُّ والمجرورُ بيان مقدَّم لمفعول (شَرَحْنا)، وهو قولُه:(بعضَ ما يَتَوَجَّهُ به)(1)، أي: قد شَرَحْنَا بعضَ تقسيماتٍ يَتَوَجَّه ويَقْصِدُ ويُقْبِلُ بسبب معرفتها إِلى سبيلِ القوم ومذهبهم، و (مَنْ) في قوله:(مَنْ أرادَ سبيلَ القومِ) فاعلُ (يَتَوَجَّه)، و (سبيلَ القوَم) بالنصب، تَنَازَعَ فيه الفعلان قبله، والمعنى: وقد شَرَحْنا وبَيَّنَّا فيما تَقَدَّمَ لكَ بعضَ تقسيماتٍ يَتَوَجَّه ويُقْبِلُ بسبب معرفتها إِلى سبيل القوم المصطلحين وقاعدتهم مَنْ أراد وقَصَدَ معرفةَ سبيلِهم وإِتقانَ قاعدتِهم.
وقولُه: (ووُفِّقَ لها) معطوفٌ على (أرادَ) أي: ورُزِقَ من الله سبحانه وتعالى التوفيقَ لسبيِلهم وطريقتِهم، وهو خَلْقُ قُدْرَةِ الطاعة في العبد وتسهيلُ سبيل الخير له؛ أي: أرادَ سبيلَ القوم مع التوفيق من الله تعالى، ومرادُه بالبعض الذي بَيَّنَه ما ذَكَرَه سابقًا، فنقسمها ثلاثةَ أقسامٍ، وثلاثَ طبقاتٍ من الناس إِلى هنا.
(وسنزيدُ) نحن على ما تَقَدَّمَ (إِنْ شاءَ اللهُ) سبحانه و (تَعَالى) زيادَتَنا إِيَّاهُ (شَرْحًا) أي: بيانًا لسبيل القوم (وإيضاحًا) لقاعدتِهم.
وقولُه: (في مواضعَ) متعلِّقٌ بـ (سَنَزِيدُ)، (من الكتاب عندَ ذِكْرِ الأخبارِ المُعَلَّلَةِ) أي: نزيدُ شرحًا وبيانًا عند ذِكْرِ الأحاديث التي وُجِدَتْ فيها عِلَّةٌ (إذا أَتَينا) وأَقْبَلْنا ومَرَرْنا (عليها) أي: على ذِكْرِ الأخبارِ المُعَلَّلةِ لغرضِ الإتْباعِ والاستشهاد.
(1) قال القاضي عياض: (وقوله: "بعض ما يَتَوَجَّهُ به من أراد سبيلَ القوم" أي: يَقْصِدُ طريقَهم ويسلكُ مذهبَهم، قال الله تعالى: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ}، وقال: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} أي: قَصْدَكَ). "إِكمال المعلم"(1/ 105).
فِي الأَمَاكِنِ الَّتِي يَلِيقُ بِهَا الشَّرْحُ وَالإِيضَاحُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى. وَبَعْدُ -يَرْحَمُكَ اللهُ-: فَلَوْلا
ــ
والمرادُ: أنه يُبَيِّنُ عِلَلَها في مواضعِ ذِكْرِها من اختلافهم في الأسانيد كالإِرسال والرفع والانقطاع والاتصال والزيادة والنقص والسماع والعنعنة، وقد تقدم الخلاف هل وَفَّى بهذا أم لا؟ والظاهرُ: أنه التزم ذلك في المقدِّمة، ولكنه لم يَفِ بما التزمه، وكأنه اخترمتْه المَنِيَّةُ قبل وفائه (1).
و(إِذا) في قوله: (إِذا أَتَينا عليها) متعلِّقةٌ بالجواب المعلوم ممَّا قبلها، تقديره: إِذا أَتَينا عليها ومَرَرْنا بها نزيدُ شرحًا وإِيضاحًا، ويحتملُ أَنَّ (إِذا) ظرفٌ مجرَّدٌ عن معنى الشرط متعلِّقٌ بنَزِيدُ، وهو أَوْلَى؛ لعدم التقدير فيه.
وقولُه: (في الأماكنِ) والمواضعِ متعلِّقٌ بـ (نَزِيدُ) أيضًا.
وقولُه: (التي يَلِيقُ بها) ويناسبُ لها (الشَّرْحُ) والبيانُ (والإِيضاحُ) والإِظهارُ؛ لوجود غموضٍ وخَفَاءٍ فيها .. صفةٌ للأماكن.
والمشيئةُ في قوله: (إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى) إِتياننا عليها .. مُتَعَلِّقَةٌ بـ (أَتَينَا) أو بـ (نَزِيدُ).
والواوُ في قوله: (وبعدُ) نائبةٌ عن (أمَّا) النائبةِ عن (مَهْما يَكُن من شيءٍ)، والظرفُ من معمول الشرط، وكَرَّر لفظةَ:(وبعدُ)؛ لبُعدِ العهْدِ بها، قبل فراغه من المقدمة.
وقولهُ: (يَرْحَمُكَ اللهُ) سبحانه وتعالى جملةٌ دعائيةٌ، خبريةُ اللفظ، إِنشائيةُ المعنى، معترضةٌ بين الشرطِ وجوابِه.
والفاءُ في قوله: (فلولا) رابطةُ الجواب بالشرط، و (لولا): حرفٌ موضوعٌ للدلالة على امتناع الشيء لوجود غيره، وتلزم المبتدأ المحذوف خبره وجوبًا، ولا بُدَّ لها من جوابِ كجواب (لو) الشرطيةِ، والمعنى: مهما يَكُنْ من شيءٍ بعدَ ما ذكر من أقسام الحديث والطبقات فأقول لك أيها السائل يَرْحَمُك اللهُ سبحانه وتعالى:
(1) انظر "إِكمال المعلم"(1/ 105).
الَّذِي رَأَينَا مِنْ سُوءِ صَنِيعِ كَثِيرٍ مِمَّنْ نَصَبَ نَفْسَهُ مُحَدِّثًا فِيمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ طَرْحِ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالرِّوَايَاتِ الْمُنْكَرَةِ، وَتَرْكِهِمُ الاقْتِصَارَ عَلَى الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ مِمَّا نَقَلَهُ الثِّقَاتُ الْمَعْرُوفُونَ بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ، بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ وَإِقْرَارِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا يَقْذِفُونَ بِهِ
ــ
لولا الأمر (الذي رَأَينَا) هـ وأَبْصرْناه موجودٌ حالةَ كونِ ذلك الأمرِ (من سُوءِ صَنيعِ كثيرٍ) أي: من قُبْحِ صَنِيعِ كثيرٍ من الناس وفُحْشِ عَمَلِه.
وقولُه: (مِمَّنْ نَصَبَ) صفةٌ لـ (كثيرِ) أي: كائنين ممَّنْ نَصَبَ وجَعَلَ (نَفْسَهُ مُحَدِّثًا) للأحاديث النبوية.
وقولُه: (فِيمَا يَلْزَمُهُمْ) متعلِّقٌ بسُوءِ؛ أي: مِنْ سُوءِ صَنِيعِهم فيما يَلْزَمُهم ويَتَعَيَّنُ عليهم، حالةَ كون ما يلزمهم (مِنْ طَرْحِ الأحاديثِ الضعيفةِ) ونَبْذِ الأخبارِ المُعَلَّلَةِ، من حيث المتونُ (و) من طَرْحِ (الرواياتِ المُنْكَرَةِ)، ونَبْذِ الأسانيد الواهية من حيث الإِسنادُ، وليس هذا من باب التكرار للتأكيد، بل له معنىً مستقلٌّ؛ لأنه قد يَصِحُّ متنُ الحديث مع ضَعْفِ إِسناده لكون بعض رجاله مُتَّهمًا، فلا يُعَرَّجُ على ذلك الإِسناد، ولا يُلْتَفَتُ إِليه، ويحتمل كونه من باب التكرار للتأكيد إِنْ فُسِّرَتِ الروايةُ بالمتن.
وقولُه: (وتَرْكهِمُ) بالجرِّ معطوفٌ على (سُوءِ) أي: وحالةَ كونِهِ مِنْ تَرْكِ كثيرٍ من الناس (الاقتصارَ على) روايةِ (الأحاديثِ الصحيحةِ) مَتْنًا، (المشهور) سَنَدًا، وتَرْكِهم الاكتفاءَ بها حالةَ كَوْنِ تلك الأحاديثِ (مِمَّا نَقَلَه) أي: من الحديث الذي رواه (الثِّقاتُ) الْمُتقِنُون والحُفَّاظُ (المعروفون) أي: المشهورون (بالصِّدْقِ) والعدالةِ (و) العِفَّةِ و (الأمانةِ).
وقوله: (بعدَ معرفتِهم) متعلق بـ (تركهم) أي: ومن ترك كثير من الناس بعد معرفتهم وإِدراكهم بَجَنانِهم (وإِقْرَارِهم) أي: اعترافِهم (بألسنتِهم).
وقولُه: (أَنَّ كثيرًا) بفتح الهمزة تنازع فيه المصدران قبله، أعني بهما: المعرفةَ والإِقرارَ؛ أي: بعدَ إِيقانِهم بقلبهم وتَلَفُّظِهم بلسانهم أَنَّ كثيرًا (مِمَّا يَقْذِفُون بهِ)(1)
(1) قال القاضي عياض: (وقولُه: "يَقْذِفُون به إلى الأغبياء" أي: يُلْقُون ذلك إِليهم، قال الله =
إِلَى الأَغْبِيَاءِ مِنَ النَّاسِ هُوَ مُسْتَنْكَرٌ وَمَنْقُولٌ عَنْ قَوْمٍ غَيرِ مَرْضِيِّينَ، مِمَّنْ ذَمَّ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِثْلُ مَالِكِ بْنِ أَنسٍ،
ــ
ويُلْقُونَه (إِلى الأَغْبِياء)(1) أي: إِلى الغَفَلَة والجُهَّال (من الناسِ) من العوامّ.
(والأغبياء) بالغين المعجمة والباء الموحدة: هم الغَفَلة والجُهَّال الذين لا فِطْنَةَ لهم (2).
(هو) أي: ذلك الكثيرُ (مُسْتَنْكَرٌ) أي: مُنْكَرٌ عند قومٍ مَرْضِيّين، فالسين والتاء فيه زائدتان.
(ومنقولٌ) أي: مَرْويٌّ (عن قومٍ) مُتَّهَمِين (غيرِ مَرْضِيِّين) أي: غيرِ مقبولين، عند الثقات الْمُتقنِين، كائنين (مِمَّنْ) أي: من الكذّابين الذين (ذَمَّ) وشَنَّعَ وقَبَّح (الروايةَ) والنَّقْلَ (عن هم) أي: عن أولئك الكذّابين.
وقولُه: (أَئمَّة أهلِ الحديثِ) فاعلُ ذَمَّ، أي ذَمَّ الروايةَ عنهم أئمَّةُ أهلِ الحديثِ وحُفَّاظُهم، الذين هُمْ (مِثْلُ مالكِ بنِ أنسٍ) الإِمامِ الأعظمِ في الفروع.
وهو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عَمْرو الأَصْبَحي -بفتح الهمزة والباء الموحدة بينهما صادٌ مهملةٌ ساكنةٌ- نسبة إِلى ذي أَصْبَح، وهو الحارث بن عوف بن مالك، من يعرب بن قحطان، وأصْبَح صَارَتْ قبيلة كما في "اللباب"(1/ 69)، أبو عبد الله المدني، الفقيه إمامُ دار الهجرة، وأحدُ أعلام الإسلام، ورأسُ المُتْقِنين، وكبير المُتَثَبِّتين، حتى قال البخاري: أَصَحُّ الأسانيدِ كُلِّها مالكٌ عن نافعٍ عن ابن عُمر.
وقال الشافعي: مالكٌ حُحَّةُ اللهِ تعالى على خلقه، وقال ابنُ مهدي: ما رأيتُ أحدًا أَتَمَّ عقلًا ولا أَشَدَّ تقوى من مالك، وقال ابنُ المَدِيني: له نحو ألف حديث.
= تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ} . وقد يكون "يَقْذِفُون" بمعنى يقولون ما لا يعلمون كما قال تعالى: {وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} . "إِكمال المعلم"(1/ 105 - 106).
(1)
قال القاضي عياض: (واختلفت رواياتُ شيوخنا في هذا الحرف الأخير، وصوابه: "الأغبياء" بالغين المعجمة والباء بواحدةٍ تحتها، وهي روايتنا من طريق السمرقندي، ومعناه: الجهلة الأغفال، وَيدُلُّ عليه قولُه آخر الفصل: "وقَذْفِهم بها إِلى العوامّ").
"إِكمال المعلم"(1/ 106).
(2)
"شرح صحيح مسلم"(1/ 59).
وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَينَةَ،
ــ
روى عن نافع والْمَقْبُري ونُعيم بن عبد الله وابن المنكدر وإِسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وأيوب وزَيد بن أَسْلَم وخَلْق، ويروي عنه (ع).
ومن شيوخه: الزُّهْري ويحيى الأنصاري، ومن أقرانه: ابن جُرَيج وشُعْبة والثَّوْري وابن عُيَينة والقطان وخلائق.
وُلِدَ سنة ثلاث وتسعين، وحَمَلَتْهُ أُمُّه ثلاثَ سنين، وتُوفِّيَ سنة تسع وسبعين ومائة، ودُفن بالبقيع، وقال في "التقريب": من السابعة بلغ تسعين سنة.
(وشُعْبَةَ بنِ الحَجَّاجِ) بن الوَرْد العَتكي مولاهم، أبي بِسْطام بكسر الموحدة وسكون المهملة، الواسطي ثم البصري، أحد أئمة الإِسلام.
روى عن معاوية بن قُرَّة، وأنس بن سيرين وثابت البُناني، والحكم وزُبَيد وزياد بن عِلاقة والأعمش وخلائق، ويروي عنه (ع) وأيوبُ وابنُ إِسحاق من شيوخه والثوريُّ وابنُ المبارك وأبو عامرٍ العَقَدِيُّ وعفّانُ بن مسلمٍ وخلائقُ.
قال ابنُ المَدِيني: له نحو ألفي حديث، وقال أحمد: شعبةُ أُمَّةٌ وحدَه، وقال الحاكم: شعبة إِمام الأئمّة، وهو أولُ مَنْ تَكَلَّمَ في رجال الحديث.
وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ مُتْقِنٌ، من السابعة، مات سنة ستين ومائة.
(وسفيانَ بنِ عُيَينَةَ) بن أبي عمران ميمون الهلالي مولاهم، أبي محمد الأعور الكوفي ثم المكي، أحدِ أئمَّة الإِسلام.
روى عن عَمْرو بن دينار والزُّهْري وزَيد بن أَسْلَمَ وصفوان بن سليم وخَلْقٍ كثيرٍ، ويروي عنه (ع) وشعبةُ ومِسْعَرٌ -من شيوخه- وابنُ المباركِ -من أقرانه- وأحمدُ وإِسحاقُ وابنُ مَعِين وابنُ المَدِيني وأُمَمٌ.
وقال العِجْلِيُّ: هو أَثْبَتُهم في الزُّهْري، كان حديثُه نَحْوَ سبعةِ آلاف، وقال ابن وهب: ما رأيتُ أعلمَ بكتاب الله من ابن عُيَينَة، وقال الشافعيُّ: لولا مالكٌ وابنُ عُيَينَة .. لذهَبَ علمُ الحجاز.
وقال في "التقريب": ثقة حافظ فقيه إِمام حُجَّة، إِلا أنه تَغَيَّرَ حفظُه في أَخَرَةٍ،
وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ،
ــ
وكان ربما دَلَّسَ لكنْ على الثقات، من رؤوس الطبقة الثامنة، وكان أَثْبَتَ الناسِ في عَمْرو بن دينار، مات في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة، وله إِحدى وتسعون سنة.
(وسُفيان بن عُيينة: المشهورُ فيه ضمُّ السين والعين، وذَكَرَ ابنُ السكّيت جوازَ الحركات الثلاث فيهما، وذكر أبو حاتمٍ جوازَ الضمّ والكسر في العين) اهـ سنوسي.
(ويحيى بنِ سعيدِ) المُلَقَّبِ بـ (القَطَّانِ) نِسْبَةً إِلى القُطْن لبَيعِه إِياه، وهو يحيى بنُ سعيد بن فَرُّوخَ -بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وسكون الواو ثم معجمة- التميميُّ أبو سعيد القطان البصري الأحول، الحافظ الحجة، أَحَدُ أئمَّة الجَرْح والتعديل.
روى عن سُلَيمان التَّيمي وحُمَيد الطويل وإِسماعيل بن أبي خالد ويحيى بن سعيد الأنصاري وهشام بن عُرْوة وعكرمة بن عَمَّار وغيرِهم، ويروي عنه (ع) وشعبة وابنُ مهدي وأحمدُ وإِسحاقُ وابنُ المَدِيني وابنُ بَشَّارٍ وصَدَقةُ بن الفضل وبُنْدار وخلائق.
وقال في "التقريب": ثقةٌ مُتْقِنٌ حافظٌ إِمامٌ قُدْوَةٌ، من كبار التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومائة، وله ثمان وسبعون سنة.
(وعبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدِيِّ) بن حَسَّان الأَزْدي مولاهم، أبي سعيد البصري اللُّؤْلؤي الحافظ الإِمام العَلَم.
روى عن عُمَر بن ذَرّ وعكرمة بن عَمَّار وشُعْبة والثَّوْري ومالك وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع) وابنُ المبارك وهو من شيوخه وابنُ وهب وهو أكبر منه وأحمدُ وابنُ مَعِين وعَمْرو بن علي الفلّاس.
قال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ حافظٌ عارفٌ بالرجال والحديث، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومائة بالبصرة، عن ثلاث وستين سنة، وكان يَحُجُّ كُلَّ سنة.
وَغَيرِهِمْ مِنَ الأَئِمَّةِ .. لَمَا سَهُلَ عَلَينَا الانْتِصَابُ لِمَا سَأَلْتَ مِنَ التَّمْيِيزِ وَالتَّحْصِيلِ، وَلكِنْ مِنْ أَجْلِ مَا أَعْلَمْنَاكَ مِنْ نَشْرِ الْقَوْمِ الأَخْبَارَ الْمُنْكَرَةَ بِالأَسَانِيدِ الضِّعَافِ الْمَجْهُولَةِ وَقَذْفِهِمْ بِهَا إِلَى الْعَوَامِّ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ عُيُوبَهَا .. خَفَّ عَلَى قُلُوبِنَا إِجَابَتُكَ إِلَى مَا سَأَلْتَ
ــ
(وغيرِهم) أي: وغيرِ هؤلاء المذكورين (من الأئمَّةِ) الحُفَّاظ كسُفْيانَ الثَّوْري وعبدِ الرحمن الأوزاعي، وابنِ المبارك.
وقولُه: ( .. لَمَا سَهُلَ علينا) جوابُ لولا، واللامُ فيه رابطةٌ له جوازًا لِكَوْنِهِ مَنْفِيًّا بما، والمعنى: فلولا الأمرُ الذي رأيناه موجودٌ .. لم يَسْهُلْ علينا ولم يَتَيَسَّرْ لنا (الانتصابُ) أي: الظهورُ والاجتهادُ والتهيُّؤُ (لِما سَأَلْتَـ) ـنِيه وطَلَبْتَه منّي أيُّها السائلُ.
وقولُه: (من التمييزِ) بيانٌ (لِمَا) الموصولةِ؛ أي: حالة كون ما سأَلتَنِيهِ من التمييز والتفصيل بين صحيحِ الأحاديث وسقيمِها، (و) من (التحصيلِ) أي: التلخيصِ لصحيحها عن سقيمها وجَمْعِه في كتابِ مُؤَلَّفٍ.
و(لكنْ) في قوله: (ولكنْ مِنْ أَجْلِ ما أَعْلَمْناكَ) استدراكيةٌ استدرك بها على جواب لولا، أعْنِي قولَه:(لَمَا سَهُلَ علينا).
والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بقوله الآتي: (خَفَّ على قلوبنا إِجَابَتُكَ)، يُقال: أعلمه الأمر وعلمه إِذا أطلعه عليه؛ أي: ولكنْ لأجل ما أطلعناك عليه بقولنا سابقًا: (أَنَّ كثيرًا ممَّا يَقْذِفُون به إِلى الأغبياء من الناس هو مُسْتَنْكَرٌ ومنقولٌ عن قومٍ غيرِ مَرْضِيِّين)، حالةَ كون ما أعلمناكَه (مِنْ نَشْر القوم) الكذَّابين وإِفشائِهم (الأخبارَ المُنْكَرَةَ) والأحاديثَ المُعَلَّلَةَ وهو منصوبٌ بالنَّشْر؛ لأنه مصدرٌ مضافٌ إِلى فاعلِه، وبه يتعلَّقُ قولُه:(بالأسانيدِ الضِّعافِ) بالوهم والكذب (المجهولةِ) العدالةِ ظاهرًا وباطنًا.
وقولُه: (وقَذْفِهِمْ) معطوفٌ على النَّشْر؛ أي: ومِنْ قَذفِ أولئك القوم الكذَّابين وإِلقائِهم (بها) أي: بالأخبارِ المُنْكَرَةِ (إلى العَوَامِّ) والأغبياءِ (الذين لا يَعْرِفُونَ عُيُوبَها) أي: عُيُوبَ الأخبارِ وعِلَلَها ولا يُمَيِّزُون صحيحَها عن سقيمِها ( .. خَفَّ) وسَهُلَ ولم يَثْقُلْ (على قُلُوبِنا) وعقولِنا (إجابتُك) وطاعتُك (إلى ما سَأَلْتَـ) ـنِيه من التمييز والتحصيل، والله سبحانه وتعالى أعلم.