الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَال مُسْلِم بْنُ الْحَجَّاجِ:
ــ
قال يحيى القطان: استبان لي كذبه في مجلس واحد، وكان يحيى لا يحدث عنه، وقال النسائي: متروك، وقال الحسن بن عيسى: سمعت ابن المبارك يقول: لا يكتب عن جرير بن عبد الحميد حديث السري بن إسماعيل ومحمد بن سالم وعبيدة.
وقال صالح بن أحمد عن أبيه: ليس بالقوي، وهو أحب إليَّ من عيسى الخياط، وقال أبو طالب عن أحمد: ترك الناس حديثه، وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، وقال الجوزجاني: يُضَعَّفُ حديثُهُ، وقال الآجري عن أبي داود: ضعيف متروك الحديث، يجيء عن الشعبي بأوابد، وقال ابن عدي: وأحاديثه التي يرويها لا يتابعه عليها أحد، خاصة عن الشعبي؛ فإن أحاديثه عنه منكرات، وهو إلى الضعف أقرب، وقال إبراهيم الحربي: كان كاتبَ الشعبي لما كان قاضيًا، وولي القضاء بعده، وفيه ضعف، وقال ابن سعد: كان قليلَ الحديث، وقال البزار: ليس بالقوي، وقال الساجي: ضعيف جدًّا، وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، وكان ابن معين شديد الحمل عليه.
ومن مناكيره: حدثنا الشعبي، سمعتُ النعمانَ، سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "الخمر من خمس
…
" الحديثَ، وقد رواه عنه جماعة. اهـ من "تهذيب التهذيب" (3/ 459 - 460) و"الميزان" (2/ 117).
أما محمد بن سالم:
فترجمته: هو محمد بن سالم أبو سهل الهَمْداني - بسكون الميم - الكوفي صاحب الشعْبي، ضَعَّفُوه جدًّا، قال ابنُ المبارك: اضْرِبُوا على حديثه، وقال يحيى القطان: ليس بشيء، وكانَ أحمد لا يروي حديثه، وقال السعدي: غيرُ ثقة، وقال ابن معين: ضعيف، يُقال: له مُؤَلَّفٌ في الفرائض. اهـ من "الميزان"(3/ 556).
وفي قولِ الإمام الحافظ الحجةِ أبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن ورد بن كوشان القشيري النيسابوري، المتوفى سنة إحدى وستين ومائتين، المدفون بنَصْر آباد ظاهر نيسابور، مؤلَّف هذا الجامع الصحيح:
(قال مسلمُ بن الحَجَّاج) وفي بعض النسخ: (قال مسلمٌ) بإسقاط لفظِ (بن
وَأَشْبَاهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ في مُتَّهَمِي رُوَاةِ الْحَدِيثِ
ــ
الحَجَّاج)، من المحسنات البديعية المعنوية: التجريدُ كما مَرَّ مرارًا وسيأتي كثيرًا، وهو أن يُجرِّدَ المُتَكَلِّمُ من نَفْسِه نَفْسًا مماثلةً لها ويُخْبِرَ عنها كأنَّها غيرُها؛ أي: أقولُ قاصدًا نَفْسِي.
قال مسلمُ بن الحَجَّاجِ رحمه الله تعالى: (وأَشْبَاهُ ما ذَكَرْنا) أي: أمثالُ ما قَدَّمْناه ونظائرهُ، جمعُ شبه بكسر أوله وسكون ثانيه: مصدر بمعنى الشبيه، وفي "المختار": والشِّبه بكسر أوله وسكون ثانيه، والشبه بفتحتين لغتان بمعنىً، يقال: هذا شِبْهٌ وبينهما شَبَهٌ بالتحريك، والجمعُ: مَشَابِهُ على غيرِ قياس كما قالوا: مَحَاسِن ومذاكير. اهـ منه
والفرقُ بين الشبيهِ والمثيلِ والنظيرِ: أن الشبيهَ هو الَّذي يشبه الشيء في أقلِّ الوجوه، والنظير هو الَّذي يشبه الشيء في كثرها، والمثيل هو الذي يشبه الشيء في جميعها، كما ذكرناه في شرحنا على "زيد أحمد بن رسلان" في الفقه الشافعي في مقدمته نقلًا عن كتاب "الفروق" للقرافي.
وقَوْله: (من كلامِ أهلِ العِلْمِ) والحديثِ بيانٌ لِمَا الموصولةِ، حالٌ منها، وعائدها محذوفٌ، والمرادُ بـ (أهل العلم) هنا: أئمةُ الجَرْح والتعديل كشُعْبة بن الحَجَّاج وهو أولُ من ابْتكَرَ في فَن الجرح، ومحمدِ بنِ سَعْدٍ والدارقطنيِّ والنَّسائيِّ ويحيى القطَّان وغيرهم.
وقوله: (في مُتَّهمِي رُوَاةِ الحديثِ) حالٌ من كلام أهل العلم، والمُتَّهَمُون: جمع مُتَّهم، اسمُ مفعول من اتهم الخماسي، أصله: اوْتَهم فهو مُوْتَهم؛ لأنَّ ثلاثيَّهُ: وَهِمَ، وفي "المختار": وَهِمَ في الحساب: غَلِطَ فيه وسها، وبابه فهم، ووَهَم في الشيء من باب وعد: إذا ذهب وهمه إليه وهو يريد غيره، وتوفم: ظن، وأَوْهَم غَيرَه إيهاما، وهَّمَه أيضًا توهيما واتهمه بكذا، والاسم التُّهَمةُ بفتح الهاء، وأوهمَ الشيء؛ أي: تركه كُلَّه، يقال: أَوْهَمَ من الحساب مئةً؛ أي: أسقطَ، وأوهم من صلاته ركعةً. اهـ
والرواةُ: جمعُ راوٍ، اسم فاعلٍ مِن رَوَى الحديث يَرْوي بالكسر من باب رَمَى إذا
وَإِخْبَارِهِمْ عَنْ مَعَايِبِهِمْ .. كَثيِرٌ، يَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهِ عَلَى اسْتِقْصَائِهِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ
ــ
نَقَلَه مِنْ غيره، وإضافةُ المُتهَمِين إلى الرُّواة من إضافةِ الصِّفة إلى الموصوف.
وقولُه: (وإخْبَارِهِمْ) بكسر الهمزة معطوفٌ على (كلامِ أهلِ العِلْمِ) عطفًا تفسيريًّا؛ أي: ومن إِخْبارهم وكَشْفِهم (عن مَعَايِبِهمْ) متعلِّق بإِخْبَارِهم، والضميرُ عائدٌ إلى المُتَّهمين، والمعايبُ كالعيوب: جمعُ عيب على غير قياس، والعيبُ: النقيصة حسًّا أو معنىً.
وقولُه: (كثيرٌ) خبرٌ عن قوله: (وأَشْبَاهُ) ولم يُجمع؛ لأنَّ فيه فعيلًا يُخْبَرُ به عن الجَمْع؛ لأنه يستوي فيه المفردُ والمثنَّى والجمع.
وجملةُ قوله: (يَطُولُ الكتابُ بذِكْرِهِ) خبرٌ ثانٍ أو علةٌ لمحذوفٍ تقديره: أعرضنا عن ذِكْرِه بتمامه؛ لأنه يطولُ كتابُنا طولًا مُمِلًّا بذِكْر ما ذُكِرَ من الأشباه (على استقصائِه) وبلوغ غايته ونهايته، والضميرُ في قوله:(بذِكْرِه) وقوله: (على استقصائِه) عائدٌ على الأَشْبَاه، وأفرده في الموضعَينِ؛ لاكتسابه الإفرادَ من المضاف إليه الَّذي هو (ما) الموصولةُ، أو نظرًا إلى أنَّه بمعنى المذكور، والجارُّ والمجرورُ في قوله:(على استقصائه) متعلِّقٌ بالذِّكْرِ، و (على): بمعنى مع، يُقال: اسْتَقْصى في المسألة إذا بلغَ قُصواها وغايتَها في ذِكْرِهَا وبيانِها، واسْتَقْصَى في الكلام إذا أَكثَرَ وبَالغَ فيه.
والمعنى: وأشباهُ ما قَدَّمْناه في كتابنا من أولِ الباب إلى هنا وأمثالُهُ حالة كَوْنِ ما قَدَّمْناه من كلامِ أهل العلم والجرح والتعديل في بيانِ خطإ رواة الحديث المُتهَمِينَ بالخطإ والغلَطِ والكذب في رواياتهم، ومن إخبار أهل العلم والجرح وكشفهم عن معايب الرواة المُتَّهَمِين بالخطإ والغلط والكذب كثيرٌ يَصْعُبُ علينا إيرادُه وتعدادُه في هذا الموضع، فأعْرَضْنَا عن استيفائِه واستقصائهِ صَفْحًا؛ لأنه يَطُولُ كتابنا وجامعُنا هذا بذكرِ أشباهِ ما قَدَّمْنَا مِنْ كلامهم في ذلك مع استقصائه واستيفاء جميعه بتمامه طُولًا مُملًا للراغب فيه.
(و) لكنْ (فيما ذَكَرنا) هُ وقَدَّمْناه من كلامهم في ذلك (كفاية) أي: اكتفاءٌ به
لِمَنْ تَفَهَّمَ وَعَقَلَ مَذْهَبَ الْقَوْمِ فِيمَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ وَبَيَّنُوا.
وَإِنَّمَا أَلْزَمُوا أَنْفُسَهُمُ الْكَشْفَ عَنْ مَعَايِبِ وُوَاةِ الْحَدِيثِ وَنَاقِلِي الأَخْبَارِ، وَأَفْتَوْا بِذَلِكَ حِينَ سُئِلُوا
ــ
عما تركناه من كلامهم في ذلك، والكفاية بكسر الكاف: مصدر سماعي لكَفَى الثلاثي، يُقال: كفاه مؤُونته؛ أي: يَكْفِيه كفايةً إذا تحملها، واكتفى بالشيء إذا استغنى به عن طلبِ غيره، والكِفايةُ: الاكتفاء والاستغناءُ بالشيء عن طلب غيره.
والجارُّ والمجرورُ في قوله: (لِمَنْ تَفَهَّمَ) متعلِّقٌ بالكفاية؛ أي: وفيما ذَكَرْنَاه استغناءٌ عن طلب غيره مْمَّا تَرَكناه لِمَنْ تَفَهَّمَ ما قَدَّمناه، وتَفَعَّلَ هنا بمعنى الثلاثي؛ أي: كفايةٌ واستغناء عن طلب غيره لِمَنْ فَهِمَ ما قَدَّمْنَاه حَقَّ الفَهْمِ منطوقًا ومفهومًا.
وقولُه: (وعَقَلَ) معطوفٌ على (تَفَهَّمَ) أي: لمَنْ تَفَهَّمَ ما قَدَّمْنا وعَقَلَ مع ذلك وعَرَفَ (مَذْهَبَ القومِ) النُّقَّاد الذين هم أهلُ الجَرْح والتعديل، وطريقتَهم واصطلاحَهم (فيما قالوا من ذلك) الكلام الَّذي أوردوه في مُتَّهَمِي رُواة الحديث وغيرهم، كقولهم: فلانٌ صدوقٌ، أو لا بأس به، أو فيه لِين، أو ضَعفٌ، أو ضعيفٌ، أو متروكٌ، أو لا يُكتب حديثُه، أو يُكتب، أو يُعْتَبَرُ به، وكقولهم: فلان ثقةٌ، أو ثَبْتٌ، أو ثقةٌ ثَبْتٌ، أو ثقةٌ مُتْقِنٌ، أو مأمونٌ، إلى غير ذلك من عباراتهم في الجَرْح والتعديل.
وقولُه: (وبَيَّنُوا) معطوفٌ على (قالوا) عطفَ رديفٍ؛ أي: عَرَفَ مذهبهم واصطلاحهم فيما قالوه من إِثْبَاتِ الجَرْحِ والتعديل، وفيما بيَنُوه من معايب الرواة المتَّهمين، (وإنَّما أَلْزَمُوا) أي: وإنما أَلْزَمَ علماءُ الجرح والتعديل (أنفسَهم) وأَوْجَبُوا عليها (الكَشْفَ) والبحث والتفتيشَ (عن مَعَايِبِ) ونقائصِ مُتَّهَمِي (رُوَاةِ الحديثِ) المرفوعِ إلى النبي صلى الله عليه وسلم (و) معايبِ (ناقلي الأخبارِ) الموقوفةِ على الأصحاب أو الأتباع، ويحتملُ أنَّه من عطف المرادف.
وقولُه: (وأَفْتَوْا بذلك) معطوفٌ على (أَلْزَمُوا)، واسمُ الإشارةِ راجعٌ إلى المعايب؛ أي: وإنما أَلْزَمُوا أنفسَهم الكَشْف والبَحْثَ والتفتيشَ عن معايب الرواة وَأَفْتَوْا بذلك أي: أجابوا وأخبروا بذلك المذكور من معايب الرواة (حِينَ سُئِلُوا)
لِمَا فِيهِ مِنْ عَظِيمِ الْخَطَرِ؛ إِذِ الأَخْبَارُ في أَمْرِ الدِّينِ إِنَّمَا تَأتِي بِتَحْلِيلِ
ــ
أي: حين سُئل علماءُ الجرح عن ذلك أي: عن تلك المعايب، وقولُه:(لما فيه) متعلِّق بأَلْزمُوا مُعلِّلٌ له، والضميرُ عائدٌ على الكشف والإفتاء.
وقولُه: (مِنْ عَظيمِ الخطرِ) والهلاكِ على حَذْفِ مضافٍ؛ أي: وإنما أَلْزَمُوا أنفسَهم البَحْثَ عن معايب الرواة والإخبار بها لمن سألهم؛ لما في ذلك الكشفِ والإفتاءِ بها للناس السائلين عنها مِنْ دفع الخطر العظيم والهلاك الجسيم في الدِّين؛ لأنهم لو أعرضوا عن ذلك وتركوا الناسَ على حالهم .. لتناقَلُوا الأحاديثَ الضعيفةَ والأخبارَ الموضوعة عن قومِ غير مَرْضِيِّين وعَمِلوا بها في أحكام دينهم وسُننِ شريعتهم من التحليل والتحريم فضلُّوا وأضلُّوا، والضلالُ والإضلالُ من أعظمِ الهلاكِ الدِّينيِّ.
فاللامُ في قوله: (لِمَا) حرفُ جرٍّ وتعليلٍ، و (ما) موصولةٌ في محلِّ الجر باللامِ، والجارُّ والمجرورُ في قوله:(فيه) صلةٌ لما الموصولة، وفي قولِهِ:(من عظيم الخطر) متعلِّقٌ بالاستقرار المحذوف الواقع صلةً لما الموصولةِ أو حالٌ من ما الموصولةِ أو من ضمير الاستقرار.
والجارُّ والمجرورُ في (لما) تَنَازَعَ فيه كُلٌّ من (أَلْزَمُوا) و (أَفْتَوْا) والإضافةُ في قوله: (عظيمِ الخَطَرِ) من إضافة الصفة إلى الموصوف وهو على تقديرِ مضافِ كما مَرَّ، وتقديرُ الكلام: وإنَّما أَلْزَمُوا أنفسَهم البَحْثَ عن مَعايبِ الرواة وأَخْبَرُوا تلك المعايبَ حين سُئِلُوا عنها؛ لأَجْلِ الأمرِ الَّذي استقرَّ وثَبَتَ في ذلك البَحْثِ والإخبار عنها حالة كون ذلك الأمر المستقرِّ فيه من دفع الخطر العظيم والهلاك العميم عن الأُمَّةِ الإسلاميةِ الَّذي هو الهلاكُ الأبديُّ في الدِّين.
و(إذ) من قوله: (إذِ الأَخْبَارُ) تعليليةٌ، و (الأَخْبارُ) بفتح الهمزة: جمعُ خَبَرٍ وهو مبتدأ، والجارُّ والمجرورُ في قوله:(في أَمْرِ الدِّين) وشأنِه: صفةٌ للأَخْبار؛ لأن ألْ فيه جنسيةٌ، فهو بمنزلة النكرة على حَدِّ قوله:
ولقد أَمُرُّ على اللئيم يَسُبُّني
…
فمضيتُ ثمّتَ قلتُ لا يَعْنِيني
وقوله تعالى: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} ".
وجملةُ قولهِ: (إِنَّمَا تَأتِي بِتَحْلِيلٍ
…
) إلخ خَبرُ المبتدإ، والجملةُ الاسميةُ مع
أَوْ تَحْرِيمٍ، أَوْ أَمْرٍ أَوْ نَهْي، أَوْ تَرْغِيب أَوْ تَرْهِيبٍ، فَإذَا كَانَ الرَّاوي لَهَا لَيسَ بِمَعْدِنٍ لِلصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ، ثُمَّ أَقْدَمَ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ مَنْ قَدْ عَرَفَهُ
ــ
ما عُطِفَ عليها جملةٌ تعليليةٌ لا مَحَل لها من الإعراب، فهي عِلَّةٌ للعلّة المذكورة قبلها أعني قوله:(لما فيه من عظيمِ الخَطَرِ)، والتقدير: وإنما قلنا لما في ذلك من دَفْعِ عظيمِ الخَطَر؛ لأن الأخبارَ والأحاديثَ الواردةَ في بيان أَمْرِ الدِّين وشؤونه إنما تأتي وتجيء بتحليلِ أمرٍ؛ أي: بإظهار حِلِّيَّةِ أَمْرٍ من الأمور.
(أو) تأتي بـ (تحريمٍ) أي: بإظهارِ حُرْمَةِ أَمْرٍ من الأُمور، (أو) تأتي بـ (أَمْرٍ) بواجبٍ من الواجبات أو مندوب من المندوبات، (أو) تأتي بـ (نَهْيٍ) عن مُحَرَّمٍ من المُحَرَّمَات أو عن مكروهٍ من المَكروهات، (أو) تأتي بـ (ترغيبٍ) وتطميعٍ في مثوبةٍ من المَثُوبات، (أو) تأتي بـ (ترهيبٍ) وتخويفٍ عن عقوبةٍ من العقوبات.
والفاءُ في قوله: (فإذا كان الراوي لها) عاطفةٌ لجملةِ إذا الشرطيةِ على الجملة الاسمية في قوله: (إذِ الأَخْبَارُ في أَمْر الدِّينِ) على كونها عِلّةَ للعلِّةِ؛ لأنَّ جملةَ إذا الشرطيةِ من تمام العلّة؛ أي: فإذا كان الراوي والناقلُ لتلك الأخبارِ الواردةِ في أمرِ الدِّين (ليس) أي: ذلك الراوي (بمَعْدِنٍ) أي: بَمَرْكَزٍ ومَحَلٍّ (للصِّدْقِ) وهو الإِخْبَارُ عن الشيء على وَفْقِ ما هو عليه (والأمانة) والديانة، والأمانةُ: حِفْظُ ما عنده من الحقوق حتَّى يُؤَدِّيَها إلى مُستحقيها، بأنْ كان محلٍّا للكذب والخيانة، أي: فإذا كان الراوي لها كاذبًا خائنًا غيرَ مستقيم اللِّسان والدِّينِ.
و(ثُمَّ) في قوله: (ثُمَّ أَقْدَمَ على الروايةِ عنه) بمعنى الواو، أو بمعنى الفاء التي للتعقيب، والإقدامُ على الشيء: الهُجُومُ عليه بَغْتَةً من غيرِ تَرَوٍّ ولا تَفَكُّرٍ فيه.
و(مَنْ) في قوله: (مَنْ قَدْ عَرَفَهُ) فاعلٌ لـ (أَقْدَمَ)، والجملةُ الفعليةُ معطوفةٌ على جملة الشرط، أعني جملة كان، والضميرُ البارزُ في (عَرَفَهُ) عائدٌ على الراوي الكاذبِ الخائنِ ولكنه على تقدير مضاف كما يبيّن قريبًا، والمعنى: أي: فإذا كان الراوي لتلك الأخبار الواردةِ في أُمور الدِّين عادمَ الصدق والأمانة غيرَ مستقيم اللسان والدِّين ثم أَقْدَمَ وهَجَمَ على رواية تلك الأخبار عن ذلك الكاذب الخائن ونَقَلَهَا عنه مَنْ قد عُرِفَ كذبُه وخيانتُه.
وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا فِيهِ لِغَيرِهِ مِمَّنْ جَهِلَ مَعْرِفتَهُ .. كَانَ آثِمًا بِفِعْلِهِ ذَلِكَ، غَاشًّا لِعَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ؛
ــ
وجملةُ قوله: (ولم يُبَيِّنْ ما فيه لغيرِه) حالٌ من فاعل (أَقْدَمَ) أي: ثُمَّ أَقْدَمَ على الرواية عن ذلك الكَذَّابِ الخائن مَنْ قد عَرَفَه؛ أي: مَنْ قد عَرَفَ خيانةَ ذلك الخائِنِ وكَذِبَه، والحالُ أن ذلك العارفَ لم يُبيِّنْ ولم يُخْبِرْ ما فيه؛ أي: ما في ذلك الكاذب الخائن من الكذب والخيانة لغيره؛ أي: لغير ذلك العارفِ حال كَوْنِ ذلك الغَيرِ (مِمَّنْ جَهِلَ معرفتَه) أي: معرفةَ ذلك الكاذب وجهله للحديث، ففي الكلام اكتفاءٌ، وهو عند البديعيين: ذِكْرُ أحدِ متقابلين وحَذْفُ الآخر؛ لعِلْمِه من المذكور كقوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} أي: والبردَ، أو المرادُ بالمعرفة: الصِّدْقُ ومُقَابِلُه الكَذِبُ؛ أي: والحالُ أن ذلك الغيرَ ممَّنْ جَهِلَ صِدْقَ ذلك الخائن وكَذِبه.
وجملةُ قوله: ( .. كان آثمًا) جوابُ (إذا)؛ أي: كان ذلك المُقْدِمُ العارفُ الَّذي رَوَى الحديثَ عن الكاذب الخائنِ غير مبين لحاله لمن يروي لهم ممن لا يعرفون حال ذلك الكاذب آثمًا عاصيًا.
وقولُه: (بفِعْلِهِ) متعلِّقٌ بـ (آثمًا)، وهو من إضافة المصدرِ إلى فاعله، والضميرُ عائدٌ على المُقْدَمِ العارف الَّذي كتمَ حال الكاذب عن الناس.
وقولُه: (ذلك) مفعولٌ به للمصدرِ المذكورِ، واسمُ الإشارة راجعٌ إلى إقدامه على الرواية عن الكاذب ونَقْلِ حديثه إلى مَنْ لا يعرفون حال الكاذب غيرَ مُبيِّنٍ حاله لهم؛ أي: كان ذلك المُقْدِمُ الهاجمُ على رواية الأحاديث الموضوعة عن الكاذب لمن لا يعرفون حاله وحالها من غير بيان لحالِه وحالها لهم آثمًا عاصيًا؛ بسبب فعلِ ذلك المُقدِم الهاجمِ ذلك الإقدامَ على الرواية للأحاديث الموضوعة لمن لا يعرفون حالها وحال راويها مع كِتمان حالِها وحاله عنهم؛ لدخوله في عُموم قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا .. فَلْيَتَبَوَّأْ مقعدَه من النار"، وقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تَكْذِبُوا عَلَيَّ؛ فإنه مَنْ يَكْذِبْ عَلَيَّ .. يَلجِ النارَ".
وقولُه: (غَاشًّا لِعَوَامِّ المسلمين) خبرٌ ثانِ لـ (كان) أي: وكان ذلك المُقْدِمُ على رواية الأحاديث الكاذبة مع معرفته لحالها من غير بيان لحال راويها لمن يروي لهم غاشًّا
إِذْ لَا يُؤْمَنُ عَلَى بَعْضِ مَنْ سَمِعَ تِلْكَ الأَخْبَارَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهَا، أَوْ يَسْتَعْمِلَ بَعْضَهَا وَأَقَلُّهَا أَوْ أَكْثَرُهَا أَكَاذِيبُ لَا أَصْلَ لَهَا، مَعَ أَنَّ الأَخْبَارَ الصِّحَاحَ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ وَأَهْلِ الْقَنَاعَةِ
ــ
غارًّا لعوامِّ المسلمين في دينهم بسبب روايته تلك الأحاديث الموضوعة من غير بيان لحالها لهم، وكان كمن غَشَّ الناس ببَيع البضاعةِ الفاسدةِ لهم من غير بيان لعَيبِها لهم، ففي الكلامِ إمَّا استعارةٌ تصريحيةٌ تبعيةٌ أو تشبيهٌ بليغٌ، والعوامُّ: جمعُ عامة، وهم الدِّين لم يُرْزَقُوا التيقُّظَ والمعرفةَ بأسبابِ الحديث وعِلَلِهِ وأسبابِ الردِّ والقبولِ كما مَرَّ في أول الكتاب.
و(إذْ) في قوله: (إذْ لا يُومَنُ) حرفُ تعليلٍ، عَلَّلَ بها جوابَ الشرط؛ أي: وإنما كان غاشًّا لعوامّ المسلمين؛ لأنه لا يُؤْمَنُ (على بعضِ مَنْ سَمعَ تلك الأخبارَ) الموضوعةَ والأحاديثَ الكاذبةَ (أَنْ يَسْتَعْمِلَها) كُلَّها (أو يَسْتَعْمِلَ بعضَها) في حُكْمٍ من الأحكام الشرعية من التحليل والتحريم والأَمْرِ والنَّهْي؛ أي: لا يُؤْمَنُ على مَنْ سَمِعَها العملُ بها في حُكْمٍ من الأحكام مُستدلًا بها لظَنِّه صحَتَها، فالمرادُ بالبعض: هُمُ العوامُّ الذين لم يرزقوا معرفةَ عِلَلِ الحديث وأسبابه.
وجملةُ قوله: (وأَقَلُّها أو أَكْثَرُها أكاذيبُ) حالٌ مِنْ مفعولِ (يَسْتَعْمِلَها) أي: لا يُؤمن على بعض مَنْ سَمعها من العوامّ العملُ بها كُلّها أو ببعضها في حُكْمٍ من الأحكام، والحالُ أن أقلَّ تلك الأخبار التي أَقْدَم على الرواية بها من يعرف حالها وحال راويها من غير بيان لحالهما أو كثرَها، أي: معظمها أكاذيبُ باطلةٌ وأساطيرُ عاطلةٌ (لا أَصْلَ لها) أي: لا مَخْرَجَ ولا مأخَذَ ولا سَنَدَ لها، فيكون ذلك المُقْدِمُ على روايتها من غير بيان لحال مَنْ رَوَى عنه لمن يروي لهم غاشًّا لهم بظاهرِ صحتها حتَّى عَمِلُوا بها في حُكْمٍ من الأحكام فيستحقّ العقوبة الأُخروية؛ لدخوله في عموم قوله صلى الله عليه وسلم:"مَنْ غَشَّ .. فليس منّا"، وفي بعض النُّسَخ:(ولعلَّها أو أكثرَها أكاذيبُ).
والظرفُ في قوله: (مَعَ أَنَّ الأخبارَ الصِّحَاحَ) متعلِّقٌ بقوله: (ثُمَّ أَقْدَمَ) أي: ثُمَّ أَقْدَمَ على الرواية بالأحاديث الكاذبة مع أن الأخبارَ الصحيحةَ المتواترةَ (من روايةِ الثِّقَاتِ) الأَثْباتِ (و) من رواية (أهلِ القَنَاعةِ) الذين يقنعون ويكتفون بالأحاديث
أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى نَقْلِ مَنْ لَيسَ بِثِقَةٍ وَلَا مَقْنَعٍ.
وَلَا أَحْسِبُ كَثيرًا مِمَّنْ يُعَرِّجُ مِنَ النَّاسِ عَلى مَا وَصَفْنَا مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ الضِّعَافِ وَالأَسَانِيدِ الْمَجْهُولَةِ
ــ
الصحيحة عن رواية الأحاديث الكاذبة (أكثرُ) مِنْ أَنْ تَقِلَّ وأَشْهَرُ (مِنْ أَنْ) تَخْفَى حتَّى (يُضْطَرَّ) ويُحْتَاجَ حاجةً ضروريةً (إلى نَقْلِ) ورواية أخبارِ (مَنْ ليس بِثِقَةٍ) ولا مأمونٍ في حديثه (ولا مَقْنَعٍ) أي: ولا صاحبِ قناعةٍ بالأحاديث الصحيحة عن نَقْلِ الأحاديث السقيمة .. كان آثمًا بِفِعْلِهِ ذلك غاشًّا لعوامّ المسلمين.
وفي "المنهاج": (قوله: "وأهل القَناعة" هي بفتح القاف؛ أي: الذين يقنع بحديثهم لكمال حفظِهم وإتقانهم وعدالتهم، قوله: "ولا مَقْنَعٍ" هو بفتح الميم والنون) اهـ (1).
قلتُ: والمقنع مصدر ميمي بمعنى القناعة، يقال: قنع من باب سلم قناعة ومقنعًا، والقناعةُ: الرِّضا بالقسم، فهو قَنِعٌ بوزن فَرِح وقَنُوع بوزن رَسُول، وأَقْنَعَهُ الشيءُ؛ أي: أَرْضَاه، وقال بعضُ أهل العلم: إنَّ القُنُوع بضمتين أيضًا قد يكون بمعنى الرِّضا، والقانع بمعنى الرَّاضي، وأنشد بعضُهم:
وقالوا قَدْ زُهِيتَ فقلْتُ كَلَّا
…
ولكنِّي أَعزَّنِيَ القُنُوعُ
وقال لبيدٌ:
فمنهم سعيدٌ آخذ بنصيبه
…
ومنهم شَقِيٌّ بالمعيشة قانعُ
وفي المثل: (خَيرُ الغنى القُنُوعُ، وشَرُّ الفقرِ الخُضُوعُ).
قال: ويجوز أن يكون السائلُ سُمِّي قانعًا؛ لأنه يَرْضَى بما يُعْطَى قَلَّ أو كَثُرَ، ويقبله ولا يَرُدُّه، فيكون معنى الكلمتَينِ راجعًا إلى الرِّضا. اهـ "مختار".
(ولا أَحْسِبُ) أي: لا أَظُنُّ (كثيرًا مِمَّنْ يُعَرِّجُ) ويعتمدُ (من الناسِ) صفةٌ لـ (كثيرًا) وبيانٌ له (على ما وَصَفْنا) متعلِّقٌ بـ (يُعَرِّجُ) أي: ولا أَحْسِبُ كثيرًا من الناس حالة كونه مِمَّنْ يُعَرِّجُ ويُقِيمُ ويستمرُّ ويدومُ على نشْرِ وإفتاءِ ما وَصَفْنا وذكَرْنا (مِنْ هذه الأحاديثِ الضِّعَافِ) من حيث المتونُ (و) من (الأسانيدِ المجهولةِ) من حيث
(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 124).
وَيَعْتَدُّ بروَايَتِهَا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بمَا فِيهَا مِنَ التَّوَهُّنِ وَالضَّعْفِ.
إِلا أَنَّ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَى رِوَايَتِهَا وَالاعْتِدَادِ بِهَا إِرَادَةُ التَّكَثُّرِ بِذَلِكَ عِنْدَ الْعَوَامِّ، وَلأَنْ يُقَال: مَا أَكْثَرَ مَا جَمَعَ فُلَانٌ مِنَ الْحَدِيثِ وَألَّفَ مِنَ الْعَدَدِ! !
ــ
الرجالُ، يُقال: عَرَّجَ فلانٌ على المنزل تَعْرِيجًا إذا حَبَسَ مَطِيَّتَهِ عليه وأقام، والتعريجُ على الشيء الإقامةُ عليه. اهـ من "المختار".
وقولُه: (وَيَعْتَدُّ) معطوفٌ على (يُعَرِّجُ)، يُقال: اعْتَدَّ لكذا إذا تَهَيَّأ له، واعْتَدَّ به: اهْتَمَّ به؛ أي: ولا أَحْسِبُ كثيرًا من الناس مِمَّنْ يُعَرِّجُ ويستمرُّ على نشر ما ذكرنا من الأحاديثِ الضعيفةِ والأسانيدِ المجهولةِ ويَعْتَدُّ؛ أي: يَتَهَيَّأُ ويَهْتَمُّ (بروايتِها) أي: بروايةِ تلك الأحاديث الضعيفة ونشرِها بين الناس (بَعْدَ معرفتِه) أي: بعد معرفة ذلك المعرج (بما فيها) أي: بما في تلك الأحاديث الضعيفةِ والأسانيدِ المجهولة (من التَّوَهُّنِ) في الأسانيدِ (والضَّعْفِ) في المُتُونِ.
والوهن: الضعف، والتوهن: المبالغة في الضَّعْف؛ لأن باب تَفَعّل يأتي للمبالغة، وفي "المختار":(وَهَنَ من باب وَعَدَ، ووَهَنَه غيرُه يَتَعَدَّى وَيَلْزَمُ، ووَهِنَ بالكسر يهِنُ وَهْنًا لغةٌ فيه، وأَوْهَنَهُ غيره وَوَهَّنَه تَوْهِينًا إذا أضعفه) اهـ منه.
و(إلّا) في قوله: (إلا أن الَّذي يَحْمِلُه) ويَحَثُّهُ (على روايتها) أي: على رواية تلك الأحاديث الضعيفة (و) على (الاعتدادِ) والاهتمامِ (بها) أَي: بنشْرِ تلك الأسانيد المجهولة: أداةُ استثناءٍ مُفَرَّغ.
وقولُه: (إرادةُ التَّكَثُّر) من الأحاديثِ وقَصْدُهُ (بذلك) أي: برواية تلك الأحاديث الضعيفة (عندَ العَوَامِّ) الدِّين لم يُرزقوا معرفةَ أسباب الحديث وعِلَلِه: خبرُ (أَنَّ)، وجملةُ (أَنَّ) في تأويلِ مصدرٍ منصوبٍ على كونه مفعولًا ثانيًا لـ (أحْسِبُ)، ولكنْ مع تأويله باسم الفاعل.
واللامُ في قوله: (وَلأَنْ يُقَال) زائدةٌ، وجملةُ (أنْ) المصدريةِ مع صِلَتِها في تأويل مصدرٍ مجرورٍ على كونه معطوفًا على التكثُّر في قوله:(إرادة التَّكَثُّر).
أي: وإرادةُ قول الناس فيه (ما أَكثَرَ ما جَمَعـ) ـهُ (فلانٌ من الحديثِ) في حفظِه (وَأَلَّفَـ) ـهُ وجَمَعَهُ في كتابٍ مُؤَلَّفٍ (من العَدَدِ! ) الكثيرِ.