المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(9) باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن إذا أمكن لقاء المعنعنين ولم يكن فيهم مدلس - الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - جـ ١

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌ترجمة الشارح

- ‌اسمه:

- ‌مولده:

- ‌نشأته:

- ‌رحلته:

- ‌مؤلفاته:

- ‌هجرته:

- ‌خطبة الكتاب

- ‌مقدِّماتٌ

- ‌المقدمةُ الأُولى في ترجمة الإِمام مسلم رحمه الله تعالى

- ‌المقدمة الثانية في ميزة "جامعه

- ‌فصل في ذكر الكتب المخرجة على صحيح مسلم

- ‌فصل آخر في شروحه

- ‌المقدّمة الثالثة مقدّمة العلم

- ‌الفرق بين الحديث والسُّنَّة والخَبَر والأثر:

- ‌المقدمة الرابعة في أسانيدي إلى الحافظ الإِمام مسلم رحمه الله تعالى

- ‌فصل في ذكر نبذة من أقسام الحديث وبيان أنواعه

- ‌(1) بَابُ وُجُوبِ الرِّوَايَةِ عَنِ الثِّقَاتِ المُتْقِنِينَ، وَتَرْكِ الضُّعَفَاءِ الْمَتْرُوكِينَ

- ‌تتمة: في معرفة الاعتبار والمتابعة والشاهد والأَفراد والشاذّ والمنكَر

- ‌(2) بَابُ تَغْلِيظِ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(3) بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْحَدِيثِ بِكُلِّ مَا سَمعَ

- ‌(4) بَابُ التَّحْذِيرِ عَنْ أَنْ يُشَنَّعَ فِي الْحَدِيثِ وَأَنْ يُحَدِّثَ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُه أَفْهَامُهُمْ

- ‌(5) بَابُ النَّهْيِ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالاحْتِيَاطِ فِي تَحَمُّلِهَا

- ‌(6) بَابُ اخْتِيَارِ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَتَلْخِيصِهَا وَطَرْحِ مَا سِوَاهَا مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيهَا

- ‌(7) بَابُ بيَانِ أَن الإِسْنَادَ مِنَ الدِّينِ، وَأَنَّ الرِّوَايَةَ لَا تَكُونُ إلا عَنِ الثِّقَاتِ، وَأَنَّ جَرْحَ الرُّوَاةِ بمَا هُوَ فِيهِمْ جَائِزٌ، بَلْ وَاجِبٌ، وَأنَّهُ لَيسَ مِنَ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ، بَلْ مِنَ الذَّبِّ عَنِ الشَّرِيعَةِ الْمُكَرَّمَةِ

- ‌(8) بَابُ الْكَشْفِ عَنْ مَعَايِبِ رُواةِ الْحَدِيثِ ونَقَلَةِ الأَخْبَارِ وَقَوْلِ الأَئِمةِ فِي ذَلِكَ

- ‌ترجمة لأبي داود الأعمى:

- ‌فصل في ترجمة عَمْرو بن عُبَيد:

- ‌تتمة لترجمة عَمْرو بن عُبَيد:

- ‌تتمة في ترجمة أبي شَيبة:

- ‌تتمة في ترجمة صالح المُرِّي:

- ‌فصل في ترجمة الحَسَنُ بن عُمارة:

- ‌نبذة من ترجمة زياد بن ميمون:

- ‌تتمة في ترجمة خالد بن مَحْدُوج:

- ‌فصل في ترجمة عَبَّاد بن منصور الناجِي:

- ‌تتمة في ترجمة مهدي بن هلال:

- ‌ترجمةُ أبان بن أبي عَياش:

- ‌ترجمة بقِية الكَلاعي:

- ‌ترجمة إسماعيل بن عَيَّاش:

- ‌نبذة من ترجمة المعَلَّى:

- ‌تتمة في صالح بن نَبْهان:

- ‌ترجمة حَرَام بن عثمان:

- ‌ترجمة عبد الله بن مُحَرَّر:

- ‌ترجمة يحيى بن أبي أُنيسَة (ت):

- ‌ترجمة فَرْقَد بن يعقوب السبخي:

- ‌نبذة من ترجمة محمد بن عبد الله الليثي:

- ‌نبذة من ترجمة يعقوب بن عطاء:

- ‌أمَّا عُبيدةُ .. فترجمتهُ:

- ‌أما السَّرِي بن إسماعيل:

- ‌أما محمد بن سالم:

- ‌فصل في المسائل المَنْثُورَة والجُمل التي تتعلِّقُ بهذا الباب:

- ‌(9) باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن إذا أمكن لقاء المُعَنْعِنينَ ولم يكن فيهم مدلس

- ‌خاتمة المقدمة

- ‌خاتمة المجلد الأول

الفصل: ‌(9) باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن إذا أمكن لقاء المعنعنين ولم يكن فيهم مدلس

(9) باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن إذا أمكن لقاء المُعَنْعِنينَ ولم يكن فيهم مدلس

ــ

(9)

باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن إذا أمكن لقاء المُعَنْعِنينَ ولم يكن فيهم مدلس

هكذا هذه الترجمة في "النووي"(1)، وفي "السَّنوسي":(باب ما تَصِحُّ به رواية الرواة بعضهم عن بعض والتنبيه على من غلط في ذلك) أي: باب في بيان صحة الاحتجاج والاستدلال على حكم من الأحكام كالتحليل والتحريم والوجوب والندب مثلًا بالحديث المعنعن؛ أي: بالحديث الَّذي رُوي بلفظ العنعنة؛ أي: بلفظ: عن فلان عن فلان، وكذا أن فلانًا، قال: على الأصح إذا أمكن واحتمل لقاءُ المعنعنين؛ أي: تلاقي الذين نقل عنهم الحديث بلفظ عن فلان لا بلفظ حدثنا فلان مثلًا، ولم يكن فيهم؛ أي: في أولئك المعنعنين مُدَلِّسٌ؛ أي: مَنْ يفعل التدليس.

والمُعَنْعَنُ بصيغة اسم المفعول لغةً: الكلامُ الَّذي كَثُر فيه لفظُ "عَنْ" من قولهم: عَنْعَنَ الكلامَ إذا ذكرَ فيه لفظَ عَنْ بكثرة.

واصطلاحًا: هو الحديثُ الَّذي رُوي بلفظ "عن" من غير بيانِ للتحديث أو الإخبار أو السماع أو نحوها.

ومثلُه المؤنَّنُ بنونين، أُولاهما مشددة بصيغة اسم المفعول أيضًا.

وهو لغةَ: الكلامُ الَّذي ذكر فيه لفظ "أَن" من أَأَنَّ الكلامَ إذا ذكرَ فيه لفظَ "أن" بكثرة.

واصطلاحًا: هو الحديث الَّذي رُوي بلفظ "أَنَّ" من غير تصريح للتحديث أو الإخبار أو السماع أو نحوها، وقيل: إنَّ المعنعن والمؤنَّن لفظان مولَّدان.

مثال المعنعن كقول بعضِ الرواة: حدثنا فلان عن فلان عن فلان عن فلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، ومثال المؤنن كقول بعضهم: حدثنا فلان أن فلانًا قال كذا وكذا.

وحُكْمُهَا الاتصال والصحة عند الجمهور بشرطين (2):

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 127).

(2)

انظر "إكمال المعلم"(1/ 164 - 165)، و"صيانة صحيح مسلم"(ص 130 - 131).

ص: 480

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

أحدهما: سلامةُ معنعنه أو مُؤَنِّنِهِ من التدليس.

وثانيهما: ثبوت ملاقاته لمن روى عنه بعن أو بأن عند البخاري والجمهور، واكْتفَى مسلم عن الشرط الثاني بثبوت كونهما في عصر واحد كما سيأتي مبسوطًا) اهـ من "الباكورة".

والتدليسُ لغةً: الإخفاءُ من قولهم دَلَّسَ العيب في المبيع إذا أخفاه وستره فيه.

واصطلاحًا: قسمان:

الأول: تدليس الإسناد، وهو: أن يسقط الراوي شيخه لكونه صغيرًا أو ضعيفًا، أو يرتقي إلى شيخ شيخه أو إلى من فوقه ممن هو معاصر لذلك الراوي، فيُسند ذلك إليه بلفظ لا يقتضي الاتصال؛ لئلَّا يكون كذبًا كقوله: عن فلان أو أن فلانًا قال كذا.

والثاني: تدليس الشيوخ، وهو: أن يُسَمِّي الراوي شيخَه الَّذي سمع منه بغير اسمه المعروف عند الناس، أو يَكْنِيَهُ أو يُلقِّبه أو ينسبه بكنية غير مشهورة فيه أو لقب غير مشهور فيه؛ أو نسبة غير مشهورة فيه؛ لكي تصعب تلك الطريقُ على غيره (1). اهـ منها وعبارة النووي رحمه الله تعالى: (والتدليس قسمان:

أحدهما: أَنْ يَرْويَ عَمَّنْ عَاصَرَهُ ما لم يسمعه منه مُوهمًا سماعَه منه قائلًا: قال فلان أو عن فلان أو نحوه، وربما لم يسقط شيخه وأسقط غيره؛ لكونه ضعيفًا أو صغيرًا تحسينًا لصورة الحديث.

وهذا القسمُ مكروهٌ جدًّا، ذَفه أكثرُ العلماء، وكان شعبةُ مِنْ أَشَدِّهم ذمًّا له، وظاهرُ كلامه: أنَّه حرامٌ، وتحريمهُ ظاهرٌ؛ فإنه يُوهِمُ الاحتجاجَ بما لا يجوزُ الاحتجاجُ به، ويتسبَّبُ أيضًا إلى إسقاط العمل بروايات نفسه مع ما فيه من الغُرور، ثم إن مفسدته دائمة، وبعض هذا يكفي في التحريم فكيف باجتماع هذه الأمور؟ ! ثم قال فريق من العلماء: مَنْ عُرف منه هذا التدليس .. صار مجروحًا لا تُقبل له رواية في شيءٍ أبدًا وإنْ بَيَّنَ السماع، والصحيحُ: ما قاله الجماهير: أن ما رواه بلفظ محتمل لم يُبيِّن فيه السماع .. فهو مرسل، وما بَيَّنَهُ فيه كسمعتُ وحدَّثَنا وأخبَرَنا

(1) انظر "إكمال المعلم"(1/ 176 - 180).

ص: 481

وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ مُنْتَحِلِي الْحَدِيثِ مِنْ أَهْلِ عَصْرِنَا في تَصْحِيحِ الأَسَانِيدِ

ــ

وشِبْهِها .. فهو صحيحٌ مقبولٌ يُحْتَجُّ به، وفي "الصحيحين" وغيرِهما من كُتُب الأصول من هذا الضرب كثيرٌ لا يحصى، كقتادة والأعمش والسُّفْيَانَين وهُشَيم وغيرهم، ودليل هذا: أن التدليسَ ليس كذبًا وإذا لم يكن كذبًا .. فقد قال الجماهير: إنه ليس محرمًا، والراوي عدلٌ ضابط، وقد بيَّن سماعَه فوجَبَ الحُكْمُ بصحته، والله أعلم.

واعْلَم: أن ما كان في "الصحيحين" عن المُدَلِّسين بعَنْ ونحوها .. فمحمولٌ على ثبوت السماع من جهةٍ أخرى، وقد جاء كثيرٌ منه في "الصحيحين" بالطريقين جميعًا، فيذكر رواية المدلِّس بعَنْ ثم يذكرها بالسماع ويقصد به هذا المعنى الَّذي ذكرتُه.

وأمَّا القسم الثاني: فأنْ يُسَمِّي شيخَه أو غَيره أو ينسبَه أو يَصِفَه أو يَكْنِيَهُ بما لا يُعرف به كَرَاهَةَ أن يُعرف، ويَحْمِلُه على ذلك كونه ضعيفًا أو صغيِرًا أو يستنكف أن يروي عنه لمعنًى آخر، أو يكون مُكثرًا من الرواية عنه فيُرِيدُ أنْ يُغيِّرَه كراهةَ تكرير الرواية على صورةِ واحدةِ، أو لغير ذلك من الأسباب، وكراهةُ هذا القسم أَخَفُّ، وسببُها: توعيرُ طريقِ معرفته، والله أعلم) اهـ من "النووي" أيضًا (1).

قال المؤلِّفُ رحمه الله تعالى: (وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ مُنْتَحِلِي) ومُدَّعي علم (الحديثِ) ومنتسبيه، يقال: انتحل شِعْر غيرِه أو قولَ غيرِه إذا ادَّعاه لنفسه، وتَنَحَّلَ مثله، وفلان ينتحل مذهب كذا وقبيلة كذا إذا انتسب إليه. اهـ "مختار".

أي: وقد تَكَلَّمَ بعضُ العلماء الذين يَدَّعُون لأنفسهم معرفة علم مصطلح الحديث وينتسبون إليه حالة كونه (من أهلِ عَصْرِنا) وزماننا وقَرْينا، والعَصْر بفتح وسكون: الدهر، وكذا العُصْرُ بضم فسكون، والعُصُر بضمتين مثل عُسْر وعُسُر، قال امرؤ القيس الكندي من بحر الطويل:

أَلَا عِمْ صباحًا أيها الطَّلَلُ البالي

وهل يَعِمَنْ مَنْ كان في العُصُرِ الخالي

والجمع: العُصُور اهـ "مختار"

والجارُّ والمجرورُ في قوله: (في تصحيح الأسانيد) وتقويتها وتضعيف الأسانيد

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 33).

ص: 482

وَتَسْقِيمِهَا بِقَوْلٍ لَوْ ضَرَبْنَا عَنْ حِكَايَتِهِ وَذِكْرِ فَسَادِهِ صَفْحًا .. لَكَانَ رَأْيًا مَتِينًا وَمَذْهَبًا صَحِيحًا؛

ــ

(وتَسْقِيمِها) وتمريضها: متعلِّقٌ بـ (تَكَلَّم)، وكذلك قولُه:(بقَوْلٍ) بديعٍ وكلامٍ مختَرعٍ: متعلِّقٌ بـ (تكَلَّم).

وجملةُ لو الشرطيةِ مع جوابها في قوله: (لو ضَرَبْنا) وأَعْرَضْنا (عن حكايتِهِ) وإيرادِ لفظِه: صفةُ لـ (قَوْلِ)، والحكايةُ لغةً: المماثلةُ، واصطلاحًا: إيرادُ اللفظِ المسموع بهيئته وصفته بلا تغييرٍ كما ذكره الخُضَري في باب الحكاية؛ أي: تَكَلَّمَ بِقَوْلٍ موصوفٍ بقولنا لو ضَرَبْنا وصَفَحْنا وأَعْرَضْنا عن حكاية ذلك القول وإيراد لفظه (وذِكْرِ فَسَادِهِ) أي: فساد معني ذلك القول ومُقْتَضَاه، وقوله:(صَفْحًا) أي: إعراضًا مصدرٌ معنويٌّ لقوله: (ضرَبْنَا) كقولهم: قعدتُ جلوسًا وقمتُ وقوفًا، وفي "المختار": وصَفَح عنه: أعرض عن ذنبه، وبابُه قطع، وضرَبَ عنه صَفْحَا أعرض عنه وتركه. اهـ

وفي التنزيل: {أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الْذِّكْرَ صَفْحًا} .

وقال النووي: (كذا هو في الأصول: "ضَرَبْنَا"، وهو صحيح وإن كان لُغَةً قليلةً، قال الأزهريُّ: يُقال: ضربْتُ عن الأمر وأَضْرَبْتُ عنه بمعنى كَفَفْتُ وأَعْرَضْتُ، والمشهورُ الَّذي قاله الأكثرون: أضربت بالألف) اهـ (1).

وقولُه: ( .. لكان رَأْيًا متينًا) أي: قَويًّا (ومَذْهَبًا صحيحًا) أي: غيرَ فاسدٍ - جوابُ لو الشرطية، واللامُ رابطةُ الجواب بالشرط، يُقال: رأى في الفقه رأيًا إذا قال فيه باجتهاده من غير دليل، فالرَّأْيُ: القولُ بالاجتهاد، ويقال: متُن الشيء إذا صلب، وبابه ظرف، فهو متين؛ أي: صُلْبٌ قوي، ومَتْنا الظهر: مُكْتَنِفا الصلبِ عن يمين وشمال من عصب ولحم، يُذكر ويُؤنث. اهـ "مختار".

والمذهبُ: الطريقُ، يُقال: ذَهَب يَذْهَب من باب قَطَعَ ذهابًا وذُهوبًا ومَذْهبًا بفتح الميم إذا مرَّ، والمذهبُ لغةً: الممرُّ والطريقُ، واصطلاحًا: حُكْمٌ مخصوصٌ لقومٍ مخصوصين اتفقوا عليه وذهبوا إليه.

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 128 - 129).

ص: 483

إِذِ الإِعْرَاضُ عَنِ الْقَوْلِ الْمُطَّرَح أَحْرَى لإِمَاتَتِهِ وَإِخْمَالِ ذِكْرِ قَائِلِهِ، وَأَجْدَرُ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لِلْجُهَّالِ عَلَيهِ،

ــ

أي: تَكَلَّمَ بقولِ مخترعٍ موصوفٍ بكون الإعراض عنه فكرًا قويًّا وطريقًا صحيحًا؛ أي؛ أعرضنا إعراضًا عن إيراد لفظه وبيان فساد معناه.

و(إذْ) في قوله: (إذِ الإعراضُ) حرفُ تعليلٍ، علّل بها كون الإعراض عنه رأيًا متينًا ومذهبًا صحيحًا؛ إذِ الإعراضُ (عن) ذِكْرِ (القَوْلِ المُطَّرَح) أي: الساقطِ الواهي وتَرْكُ إيرادِه لفظًا ومعنَى (أَخرَى) وأَوْلَى (لِأمَاتَتِهِ) أي: لَإماتَةِ ذلك القول وإعدامِه (وإخْمَالِ ذِكْرِ قائِلِهِ) أي: إسقاطِ ذِكْرِ قائل ذلك القَوْلِ عن ألسنة الناس حتَّى يصيرَ هو وقولُه نَسْيًا مَنْسيًّا عند الناس.

وقولُه: (وأَجْدَرُ) وأَحَقُّ بـ (أَنْ لا يكونَ ذلك) أي: حكايتُه وذِكْرُ فسادِه (تنبيهًا) وإيقاظًا (للجُهَّال) والعوامّ (عليه) -أي: على نَشْرَهِ وإفشائهِ- معطوفٌ على (أَحْرَى)، وقولُه:(أَنْ لا يكونَ) على تقدير الباء المتعلِّقة بأَجْدَرُ، ويحتملُ أن تكون جملةُ:(أَنْ لا يكونَ) على تقديرِ لامٍ معلَّلة لمحذوف، و (أَجْدَرُ) عطف على (أَحْرَى)، والتقدير: وإنما كان الإعراضُ عن القَوْلِ المَطَّرَحِ أَحْرَى لإِمَاتَتِهِ وأَجْدَرَ بإخمال ذِكْرِ قائله؛ لئلا يكون ذلك المذكورُ من حكايته وذِكْرِ فسادهِ مُوقظًا للجُهَّالِ على إفشائِهِ ونشرِهِ.

يُقال: طَرَحَ الشيءَ وبالشيء: رماه، وبابُه قَطَعَ، واطَّرحه بتشديد الطاء: أَبْعَدَه، والمَطَّرَحُ: القولُ المبعدُ عن الصواب، والمُطارحة: إلقاءُ القومِ المسائلَ بعضهم على بعض، تقول: طَارَحَه الكلامَ متعدِّيًا إلى مفعولين.

وقولُه: (أَحْرَى لإِمَاتَتِه) أي: أَشَدُّ تحرِّيًا وقَصْدًا لإِماتَتِه، والتحرِّي في الأشياء: طَلَبُ ما هو أَحْرَى بالاستعمال في غالب الظَّنِّ؛ أي: أَجْدَرُ وأَخْلَقُ، واشتقاقُه من قولهم: هو حَرِيٌّ أَنْ يَفْعَلَ كذا؛ أي: أَجْدَرُ وخَلِيقٌ، وفلان يَتَحَرَّى كذا؛ أي: يتوخَّاه ويقصدُه.

وإِمَاتَةُ القولِ: إسقاطُه وإخراجُه عن حَيِّزِ الاعتبار في اللِّسان والجَنان والآذان بحيث لا يُلفظ ولا يُعتقد ولا يُسمع، وفي "القاموس": يُقال: خَمَل ذِكْرُه وصَوْتُهُ

ص: 484

غَيرَ أَنَّا لَمَّا تَخَوَّفْنَا مِنْ شُرُورِ الْعَوَاقِبِ، وَاغْتِرَارِ الْجَهَلَةِ بِمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، وإِسْرَاعِهِمْ إِلَى اعْتِقَادِ خَطَإ الْمُخْطِئِينَ وَالأَقْوَالِ السَّاقِطَةِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ .. رَأَينَا الْكَشْفَ عَنْ فَسَادِ قَوْلهِ وَرَدَّ مَقَالتِهِ بِقَدْرِ مَا يَلِيقُ بِهَا مِنَ الرَّدِّ أَجْدَى عَلَى الأَنَامِ،

ــ

خمولًا: خَفِيَ، وأَخْمَلَهُ اللهُ تعالى فهو خاملٌ: ساقِطٌ لا نَبَاهَة له، وهو من باب نَصَرَ كما صَرَّحَ به أئمةُ اللغة خلافًا لما نقله جماعةٌ من أئمة اللغة الأندلسيين أنَّه يقال: خَمُلَ خَمَالةً ككَرُمَ كَرَامةً. أفادَه شارح "القاموس"(1).

ويقال: هو أَجْدَرُ بكذا؛ أي: أَحَقُّ به وجَدِيرٌ به؛ أي: خَلِيقٌ به.

وقولُه: (غيرَ أنّا) استدراكٌ، على قوله:(لكان رَأْيًا مَتِينًا ومَذْهَبًا صحيحًا) أي: لكنْ أنا (لمَّا تَخَوَّفْنا) وخشينا (من شُرُورِ العَوَاقِبِ) أي: من ضَرَرِ عاقبةِ ذلك القولِ المَطَّرَحِ على غَالبِ الناسِ وفتنتِهم به ومَيلِهم إليه (و) من (اغْتِرَارِ الجَهَلةِ) وانخداع العوامّ (بمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ) ومُخْتَرَعَاتِهَا ومُبْتَدَعَاتِها (و) من (إسْرَاعِهم) أي: ومن إسراع الجَهَلَةِ ومبادرتهم (إلى اعتقادِ) حقية (خَطَإ المُخطئين) وانحرافِ المنحرفين عن الصواب (و) إلى اعتقادِ أرجحية (الأقوالِ الساقطةِ) والآراءِ الضعيفةِ المتروكةِ (عندَ العُلماءِ) الراسخين والجماهيرِ المحققين والحُفَّاظ المشهورين.

و(لمَّا) هنا: حرفُ شرطٍ غيرُ جازمٍ كَـ (لَوْ)، وقولُه:(تَخَوَّفْنَا) فعلُ شرطٍ لها، وقولُه:(رَأَينا .. ) إلخ جوابُ الشَّرْطِ لها.

أي: رَأَينا (الكَشْفَ) والبيانَ (عن فَسَادِ قولِه) أي: عن خطإ قول ذلك المنتحل، وفسادِ زعمِه، وقولُه:(الكَشْفَ) مفعولٌ أولُ لـ (رأينا)، وقولُه:(ورَدَّ مَقَالتِهِ) بالنصبِ معطوفٌ على (الكَشْفَ) أي: رَأَينَا الكَشْفَ وَرَدَّ مقالتِه الساقطةِ؛ أي: وَرَدَّ مقالةِ ذلك المنتحل وإنكارَها (بقَدْرِ ما يَلِيقُ) ويُنَاسِبُ (بها) أي: بتلك المقالة (من الرَّدِّ) والإنكار، وهو بيانٌ لما الموصولةِ في قوله:(بقَدْرِ ما يَلِيقُ).

وقولُه: (أَجْدَى) وأَنفَعُ: مفعولٌ ثانٍ لِـ (رَأَينا)، وكلمةُ (على) في قوله:(على الأنام) بمعنى اللام؛ أي: رأينا الكَشْفَ والبيانَ عن فسادِ قولهِ، ورأينا رَدَّ مقالتِه بقَدْرِ ما يَلِيقُ بها أَنْفَعَ وَأَفْيَدَ للعوامِّ والجُهَّالِ الذين هُمْ كالأنعام والبهائمِ في عدم

(1)"تاج العروس"(7/ 310).

ص: 485

وَأَحْمَدَ لِلْعَاقِبَةِ إِنْ شَاءَ اللهُ

ــ

معرفة مصالحهم، وهو اعتقادُ أصوبية القول السديد واتباعُ المذهب الصحيح عند العلماءِ الأخيار والأئمةِ الأعلام.

وعبارةُ النووي: ("أَجْدَى" بالجيم و"الأنام" بالنون، ومعناه: أَنْفَع للناس، هذا هو الصواب، ووَقَعَ في كثيرٍ من الأُصول: "أَجْدَى عن الآثام" بالثاء المثلثة، وهذا وإنْ كان له وَجْهٌ .. فالوَجْهُ هو الأول، ويُقال في الأنام أيضًا: الأنيم، حكاه الزبيديُّ والواحديُّ وغيرُهما) اهـ (1).

(وأَحْمَدَ) بالنصب معطوفٌ على (أَجْدى) أي: رأينا ذلك الكَشْفَ والرَدَّ أَنْفَعَ وأَفْيَدَ للأنام والعوامِّ الذين لم يُرْزَقُوا التيقُّظَ في الحديث، وأَحْسَنَ (للعاقبةِ) أي: لعاقبة أمرهم الَّذي هو اعتقادُ خطإ المخطئين؛ لأنه ربما يكون هذا الكَشْفُ والردُّ سببًا لرجوعهم عن ذلك الاعتقادِ السيء، فتكون عاقبتُهم محمودةً بالرجوع عن ذلك الاعتقاد، وأَتَى بقوله:(إنْ شاءَ اللهُ) سبحانه وتعالى كَشْفَنا فسادَ قوله وَرَدَّنا مقالتَه؛ لِمَا مَرَّ في أول الكتاب فَجَدَّدَ العَهْدَ به.

اللغة:

(لَمَّا تَخَوَّفْنا) يقال: تخوفت عليه الشيء؛ أي: خفت، وتفعَّل هنا لمبالغة الثلاثي، وفيِ "القاموس": خاف يخاف إذا فزع خوفا وخَيفًا ومخافَةً وخِيفةً بالكسر، وأصلها: خِوْفة وجمعها: خيف؛ أي: لمَّا خفنا مخافةً بليغةً (من شُرُورِ العَوَاقِبِ).

و(الشرور): جمع شَرّ، والشرُّ بفتح الشين ويُضمّ: نقيضُ الخير، يقال: شرَّ يَشُرُّ وَيشِرُّ من بابي ضرب ونصر (2)، شرًّا وشرارة إذا فعل ضررًا.

و(العواقب): جمع عاقبة، وعاقبةُ كُل شيءٍ: آخِرهُ ومآلُه.

و(الاغترار): الانخداعُ بما ظاهرهُ صحيحٌ وباطِنُهُ فاسدٌ.

و(الجَهَلَةُ): جمع جاهل، ككَمَلَةٍ جمع كامل، والمرادُ بالجاهل هنا: العامِّيُّ

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 129).

(2)

قال في: "تاج العروس": (قال شيخنا: هذا اصطلاح في الضم والكسر مع كون الماضي مفتوحا، وليس هذا مما ورد بالوجهين، ففي تعبيره نظر ظاهر).

ص: 486

وَزَعَمَ الْقَائِلُ الَّذِي افْتَتَحْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْحِكَايَةِ عَنْ قَوْلِهِ وَالإِخْبَارِ عَنْ سُوءِ رَويَّتِهِ:

ــ

الَّذي لم يُرْزَقْ معرفةَ أسباب الحديث وعلله.

وإضافةُ (مُحْدَثات) إلى (الأُمور) من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: بالأمور المُحْدَثة، والمُحْدَثَةُ: كُل ما أُحدث واختُرع على غير مثالٍ سابقٍ.

و(الأُمورُ): جمعُ أَمْر بمعنى الشيء، لا الأمر بمعنى الطلب؛ فإنه يُجمع على الأوامر.

و(الخطأ): ضِدُّ الصواب، والمخطئين: جمع مخطئ، والمخطئ: هو مَنْ خَالفَ الصوابَ في اعتقادهِ أو قوله أو فعلِه.

و(ساقطة القول): خطؤُه ورديئه، وساقطة الناس: لئيمهم في حسبه ونفسه، وقوم سَقْطَى بوزن مَرْضَى: لئامُهم، يقال سقط الشيء من يده من باب دخل.

و(الكشف): إزالة الستر عن الشيء والبيان والشرح، و (ردّ المقالة): إنكاره على قائله.

(وأَجْدَى على الأنام): من جداه جدوى: أعطاه جدوى، والجدوى: ما ينفع ويغني عن الغير، وفي "القاموس": الأنام كسحابٍ وساباطٍ وأميرٍ: الخَلْقُ، أو الجن والإنس، أو جميع ما على وجه الأرض. اهـ

(وزَعَمَ) أي: قال قولًا فاسدًا لا دليلَ عليه هذا (القائلُ)؛ لأن الزعمَ: القولُ الرديء الَّذي لا دليلَ عليه (الَّذي افْتَتَحْنَا) وابتَدأْنا الآن (الكلامَ على الحكايةِ) والرواية (عن قولِهِ) أي: قولِ ذلك الزاعم، وقد قدَّمْنا آنفًا أن الحكايةَ: إيراد الكلام المسموع بهيئته وصفته، و (على) في قوله:(على الحكاية) بمعنى في، و (عَنْ) في قوله:(عَنْ قوله) زائدةٌ في المعنى؛ أي: وزعم هذا القائل الَّذي افتتحنا الكلام في حكايةِ قوله وإيرادِ لفظه.

وقولُه: (والِأخْبَارِ) بالجرِّ معطوفٌ على الحكاية؛ أي: وافتتحنا الكلامَ في الإخبار (عن سُوءِ) وقُبْحِ (رَويَّتِهِ) وفِكْرِه، والرَّويَّةُ بفتح الراء وكسر الواو وتشديد الياء المفتوحة: الفِكْرُ والعقيدةُ، يُقال: روَّى في الأمر ترويةَ نَظَرَ فيه وفكَّرَ، والاسمُ: الروية.

ص: 487

أَن كُلَّ إِسْنَادٍ لِحَدِيثٍ فِيهِ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ، وَقَدْ أَحَاطَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُمَا قَدْ كَانَا في عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَجَائِزٌ

ــ

وجملةُ أن في قوله: (أن كُلَّ إسنادٍ لحديثٍ) سَادة مسدّ مفعولي (زَعَمَ)، وفي "الكواكب الدرية" (1/ 137): (والأكثرُ وقوعُها على أنْ بالتخفيف وأنَّ بالتشديد وصِلَتِهما فيسدّان مسدّ مفعوليها كما قاله سيبويه والجمهورُ.

وقال الأخفشُ: إنَّ المفعولَ الثاني محذوفٌ.

قال السيرافي: والزعمُ: قولٌ يقترن به اعتقادٌ صَحَّ أو لم يَصِحَّ) اهـ.

وبمعناه قولُ غيره: الزعمُ: قولٌ يُطْلَقُ على الحقّ والباطل، وأكثرُ ما يقال فيما شُكَّ فيه، ولم يستعمل في القرآن إلَّا للباطل، وقد استُعمل في غيره للصحيح كقول هِرَقْل لأبي سفيان: زعمت، وكقول أبي طالب في مدح النبي صلى الله عليه وسلم:

ودعوتَني وزعمتَ أنك ناصحي

ولقد صدقت وكنت ثم أمينا

قال السُّبْكِيُّ: ولكنْ إذا تَأَمَّلْته .. وجدتَه يُستعمل حيث يكون المتكلِّمُ شاكًّا، فهو كقَوْلٍ لم يَقُم الدليلُ على صحته، وإنْ كان صحيحًا في نفس الأمر. اهـ

والجارُّ والمجرورُ في قوله: (لحديثٍ) صفةٌ أُولى لـ (إسْنَادِ) أي: أن كُلَّ إسنادٍ كائنٍ لحديث، والجارُّ والمجرورُ في قوله:(فيه) أي: في ذلك الإسناد متعلِّقٌ بمحذوفٍ خبرٌ مُقَدَّمٌ لقوله: (فُلانٌ عن فُلانٍ) وهو مبتدأٌ مؤخرٌ محكيٌّ، والجملةُ الاسميةُ في محل الجر صفة ثانية لإسنادٍ؛ أي: زَعَمَ أن كُلَّ إسنادٍ كائنٍ لحديث موصوفٍ ذلك الإسناد بكَوْنِ فلانٍ عن فلان موجودًا فيه؛ أي: موصوفٍ بوجود العَنْعَنة فيه.

والواو في قوله: (وقد أحاط العِلْمُ) واليقينُ: حاليةٌ، والجملةُ حالٌ من الضمير المستكنّ في الجاز والمجرور في قوله:(فيه فُلانٌ عن فُلانٍ) أي: والحالُ أنَّه قد أحاط عِلْمُ أهل عصرهما، والجارُّ والمجرورُ في قوله:(بأنَّهما) متعلِّقٌ بأحاط؛ أي: وقد أحاطَ عِلْمُ أهل عصرهما بأنَّ فلانًا الراوي وفلانًا المروى عنه (قد كانا) ووُجدا (في عصرٍ واحدٍ) وقَرْنٍ واحدٍ؛ أي: والحالُ أنَّه قد تَيَقَّنَ أهلُ عصرِهما بوجدانهما في زمنٍ واحدٍ.

وجملةُ قوله: (وجائزٌ

) إلخ في محلّ النصب على الحال معطوفة على جملة

ص: 488

أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَى الرَّاوي عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ وَشَافَهَهُ بِهِ، غَيرَ أَنَّهُ

ــ

قوله: (وقد أحاطَ العِلْمُ

) إلخ؛ أي: زَعَمَ هذا القائلُ أن كُلَّ إسنادٍ فيه فُلانٌ عن فُلانٍ والحالُ أنَّه قد أحاط العِلْمُ بأنهما قد وُجدَا في عصرِ واحدٍ وأنه جائزٌ أي: مُمْكِنٌ (أَنْ يكونَ الحديثُ الَّذي رَوَا) هـ (الراوي) بالعنعنة.

وقولُه: (عَمَّنْ رَوَى عنه) متعلَّقٌ بقوله: (قد سَمِعَه)، وقولُه:(منه) حَشْوٌ في هذه النسخة كما هو ساقطٌ في بعض النُّسخ، وفي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، وضميرُ المفعول في (سَمِعَه) راجعٌ إلى الحديث، والتقديرُ: والحالُ أنَّه جائزٌ مُمْكِنٌ أن يكون الحديثُ الَّذي رواه الراوي بالعنعنة قد سَمِعَه عمَّنْ روى عنه بِأُذُنِه بلا واسطة.

وقولُه: (وشَافَهَهُ بهِ) معطوفٌ على (سَمِعَه) تأكيدًا له، وضميرُ الفاعلِ المستترُ في شَافَه عائدٌ على الشيخَ الَّذي روى عنه، وضميرُ المفعولِ البارزُ فيه عائدٌ على التلميذ الراوي، وضميرُ (به) عائدٌ على الحديث، والجملةُ موكِّدةٌ لما قبلها كما قُلْنا آنفًا؛ أي: وشَافَه الشيخُ المَرْويُّ عنه التلميذَ الراويَ عنه بالحديث وخَاطَبه وكَلَّمَه به بلسانه بلا واسطة، وفي "المختار": المشافهة: المخاطبةُ مِنْ فِيه إلى فِيه) اهـ.

والحاصلُ: أن قولَه: (جائزٌ) مبتدأٌ ليس له خبرٌ، بل استغنى بمرفوعه، و (الحديثُ) اسمُ يكون، و (الَّذي) صفةٌ للحديث، وجملةُ (رَوَى الراوي) صلةُ الموصول، والعائدُ محذوفٌ كما قَدَّرْناه، وقولُه؛ (عَمَّنْ رَوَى عنه) متعلِّقٌ بقوله:(قد سَمِعَه)، وجملةُ:(قد سَمِعَه) خبرُ يكون، وقولُه:(منه) حَشْوٌ لا حاجةَ إليه، وقولُهُ:(وشَافَهَه به) معطوفٌ على (قد سَمِعَه) والتقديرُ: وجائزٌ أن يكون الحديثُ الَّذي رواه الراوي بالعنعنة مسموعًا له عمَّنْ رَوَى عنه بأذنه أو مشفوهًا به عنه بلسانه، وجملة (يكون) مع (أَنْ) المصدرية في تأويل مصدرٍ مرفوعٍ على الفاعلية لـ (جائزٌ)، والتقديرُ: والحالُ أنَّه جائزٌ كونُ الحديثِ الَّذي رواه الراوي بالعنعنة مسموعًا عمَّنْ روى عنه باُذُنِه أو مشفوهًا به عنه بلسانه.

وقولُه: (غيرَ أنَّه) استثناءٌ واستدراكٌ من احتمال كون الحديث مسموعًا له عمَّنْ رَوَى عنه المذكور بقوله: (وجائزٌ أنْ يكونَ الحديثُ

) إلخ؛ أي: غَيرَ أن الشأن

ص: 489

لَا نَعْلَمُ لَهُ مِنْهُ سَمَاعًا، وَلَمْ نَجِدْ في شَيءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمَا الْتَقَيَا قَطُّ، أَوْ تَشَافَهَا بِحَدِيثٍ أَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَقُومُ عِنْدَهُ

ــ

والحال (لا نَعْلَمُ له) أي لذلك الراوي بالعنعنة (منه) أي: ممَّنْ رَوَى عنه متعلِّقٌ بقوله: (سماعًا) أي: لكنْ أن الشأنَ والحال لا نعلم له سماعًا منه.

وجملةُ قوله: (ولم نَجِدْ) نحن (في شيءٍ من الروايات) الجارية بينهما: معطوفةٌ على جملة قوله: (لا نَعْلَمُ) على كَوْنِها خبرًا لأَنَّ، وجملةُ (أن) في قوله:(أنَّهما) أي: أن الراويَ والمَرْويَّ عنه (التقيا) واجْتَمَعا في مكانٍ واحدٍ: في تأويلِ مصدرٍ منصوبٍ على أنَّه مفعولٌ به لـ (نَجِدْ)، إنْ قلنا: إنه من وُجدان الضالّة؛ لأنه يتعدَّى إلى مفعول واحدٍ، أو سادٌّ مسدَّ مفعوليها إن قلنا: إنه بمعنى عَلِمَ.

وقولُه: (قَطُّ) ظرفٌ مستغرقٌ لِمَا مَضَى من الزمان متعلِّقٌ بـ (لَمْ نَجِدْ)؛ لأنه لا يتعلَّقُ إلَّا بالماضي المَنْفِيِّ لفظًا أو معنًى.

وقولُه (أو تَشَافَها) أي: تَشَافَهَ الراوي والمَرْويُّ عنه وتَخَاطَبَا (بحديثٍ) ما، قليلٍ أو كثيرٍ: في محل الرفع معطوف على (التَقَيَا) على كونه خبرًا لأنَّهما، وجملةُ أنَّهما في تأويلِ مصدرٍ منصوبٍ على أنَّه مفعولٌ به لـ (نَجِدْ)، والتقديرُ: ولم نَجِدْ قَطُّ في شيءٍ من الروايات الواقعة بينهما التقاءَهما أو تشافُهَهما بحديثٍ.

وجملةُ: (لم نَجِدْ) في محلّ الرفع معطوفة على جملة قوله: (لا نَعْلَمُ) على كونها خبرًا لأنَّ في قوله: (غيرَ أنَّه) والتقدير: غير أنَّه عادِمٌ عِلمُنا سماعًا له منه، وعادم وجدانُنَا في زمن من الأَزْمِنَةِ الماضية في شيء من الروايات الجارية بينهما التقاءَهما بأبدانهما أو تشافهَهما بحديث.

والاستثناء في (غيرَ) منقطعٌ، فهو بمعنى لكن الاستدراكية، وجملة أن من اسمِها وخبرِها في تأويلِ مصدرٍ مرفوعٍ على كونه مبتدأ، خبرُه محذوفٌ، والتقديرُ: لكنْ عدمُ عِلْمِنا سماعًا له منه وعدم وجداننا في زمن من الأزمنة في شيءٍ من الروايات التقاءهما بأبدانهما أو تشافُهَهُما بحديثٍ موجود، والجملةُ الاسميةُ جملة استدراكية لا مَحَلَّ لها من الإعراب.

وجملةُ أن في قوله: (أن الحُجَّة لا تقومُ عنده

) إلخ في محلّ الرفع خبر لأنَّ

ص: 490

بِكُل خَبَرٍ جَاءَ هَذَا الْمَجِيءَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَهُ الْعِلْمُ بِأَنَّهُمَا قَدِ اجْتَمَعَا مِنْ دَهْرِهِمَا مَرَّةً

ــ

في قوله: (أن كُلَّ إسنادٍ لحديثٍ فيه فُلانٌ عن فُلانٍ)، والتقديرُ: وزَعَمَ هذا القائلُ الَّذي افْتَتَحْنَا الكلامَ في حكايةِ قوله أن كُلَّ إسنادٍ لحديثٍ فيه عَنْعَنَةٌ أن الحُجَّة لا تقومُ به، أي: أن الاحتجاجَ والاستدلال على حُكْمٍ من الأحكام الشرعية من التحريم والتحليل مثلًا لا يَصِحُّ عنده (بكُلِّ خَبَرٍ) وحديثٍ (جاءَ) وخَرَجَ (هذا المجيءَ) أي: هذا المَخْرجَ؛ أي: مخرجَ العنعنة.

وجملةُ (لا تقومُ) خبر أن، والجارُّ والمجرورُ في قوله:(بكُلِّ خبرٍ) متعلِّقٌ (بالحُجَّةَ)؛ لأنه اسمُ مصدرٍ بمعنى الاحتجاج.

وجملةُ (جاء) صفةٌ لـ (خَبَرٍ)، والتقديرُ: أن الاحتجاج والاستدلال بكُلِّ خَبَرٍ جاء هذا المجيءَ على حُكْمٍ من الأحكام الشرعية غيرُ صحيح عنده، وجملةُ أن هذه - أعني الثانيةَ - في محل الرفع خبر لأنَّ الأولى -أعني قوله: (أن كُلَّ إسنادٍ

) إلخ - تقديره: زَعَمَ هذا القائلُ أن كُلَّ إسنادٍ فيه فلانٌ عن فلانٍ غيرُ صحيحِ الاحتجاجِ والاستدلالِ به عنده، وجملةُ أن الأُولى في تأويل مصدرٍ سادٍّ مَسَدَّ مفعولَي زَعَمَ، تقديرُه: زَعَمَ هذا القائلُ الَّذي افْتَتَحْنَا الكلامَ في حكايةِ قوله والإخبارِ عن سُوء رَويَّتِه عدم صحةِ الاحتجاجِ عنده بكلِّ خبرِ جاء مجيءَ العنعنة.

و(حتَّى) في قوله: (حتَّى يكونَ عندَه) جازةٌ متعلِّقةٌ بتقومُ، قال النوويُّ:(هكذا ضبطناه "حتَّى يكونَ" بالتاء المثناة من فوق في "حتَّى" وبالياء المثناة من تحت في "يكونَ"، وهكذا هو في الأصُول الصحيحة المعتمدة، ووقَعَ في بعض النَّسخ: "حين نكون" بالياء في "حين" وبالنون في "نكون"، وهو تصحيف، والله أعلم)(1).

أي: أن الحُجَّةَ لا تقومُ عنده بكُلِّ خَبَرٍ جاء هذا المجيءَ حتَّى يكونَ ويَحْصُلَ عنده أي: عند ذلك الزاعم (العِلْمُ) أي: عِلْمُ أهلِ عصرهما (بأنَّهما) أي: بأنَّ الراويَ والمَرْويَّ عنه (قد اجْتَمَعَا) في زَمَنٍ (مِنْ دَهْرِهِما) أي: من عُمُرِهما (مَرَّةً) أي:

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 129 - 130).

ص: 491

فَصَاعِدًا، أَوْ تَشَافَهَا بِالْحَدِيثِ بَينَهُمَا، أَوْ يَرِدَ خَبَرٌ فِيهِ بَيَانُ اجْتِمَاعِهِمَا وَتَلَاقِيهِمَا مَرَّةً مِنْ دَهْرِهِمَا فَمَا فَوْقَهَا.

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمُ ذَلِكَ، وَلَمْ تَأْتِ رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ تُخْبِرُ أَنَّ هَذَا الرَّاويَ عَنْ صَاحِبِهِ

ــ

اجتماعًا مرَّةَ، فمرَّةَ: منصوب على المفعولية المطلقة؛ لأنه صفةٌ لمصدرٍ محذوف، ويصح نصبه على الظرفية، والمعنى حينهحذ: قد اجتمعا زمانًا مَرَّةً من دهرهما.

والفاءُ في قوله: (فصَاعِدًا) عاطفةٌ لمحذوفٍ على (اجْتَمَعَا)، وصاعدًا؛ حالٌ مفيدةٌ لازدياد العدد حُذِفَ عاملُها وصاحبُها وجوبًا، والتقدير: بأنهما قد اجتمعا مرَّة واحدةً من دهرهما فزادَ العددُ؛ أي: عَدَدُ مَرَّاتِ اجتماعِهما حال كونه صاعدًا؛ أي: زائدًا على مَرَّةٍ واحدةٍ، وقد بسطنا الكلام على هذه الحال في شرحنا "نزهة الألباب على ملحة الإعراب"، فراجعه إن أردت الخوضَ في هذه الحال.

(أو) حتَّى يَحْصُلَ العِلْمُ بأنهما قد (تَشَافَها) وتخاطبا بشفتيهما (بالحديث) الَّذي جَرَتْ روايتُه (بينَهما) أي: بين الراوي والمَروي عنه، وقولُه:(أو يَرِدَ) معطوفٌ على (يكونَ) أي: لا تقومُ الحُجَّةُ به حتَّى يَحْصُلَ العِلْمُ باجتماعهما مرَّةً واحدةً أو بتشافههما بالحديث أو حتَّى يَرِدَ (خَبَرٌ) وحديثٌ (فيه) أي: في سَنَدِ ذلك الحديثِ (بيانُ) وتصريحُ (اجتماعِهما) بأبدانهما (وتلاقِيهما) بأعْيُنِهما (مَرَّةً) واحدةً، ظرفٌ تَنَازَعَ فيه المصدران؛ أي: وقتًا واحدًا (مِنْ دَهْرِهِما) وعُمْرِهِما (فَمَا فوقَها) معطوفٌ على (مَرَّةَ) أي: فيه بيانُ اجتماعِهما وتلاقيهما في وقتٍ واحدٍ من دهرِهما أو في وقتٍ فوقَ مَرَّةٍ واحدةٍ.

و(ما) في قوله: (فمَا فوقَها) موصوفةٌ، و (فوقَها) صفةٌ لها؛ أي: اجتماعهما مَرَّةً واحدةً فوقتًا كائنًا فوقَها؛ أي: فوقَ المرَّةِ الواحدة.

(فإنْ لم يَكُنْ) ولم يُوجَدْ (عندَه) أي: عندَ ذلك الزاعم (عِلْمُ ذلك) أي: عِلْمُ اجتماعِهما مَرَّةً من دَهْرِهِما أو عِلْمُ تَشَافُهِهِما بالحديث (ولم تَأْتِ) أي: ولم تَجِيءْ (روايةٌ صحيحةٌ) مَتْنًا وسَنَدًا (تُخْبِرُ) تلك الروايةُ وتدُلُّ على (أن هذا الراويَ عن صاحبِه) وشيخه بالعنعنة.

ص: 492

قَدْ لَقِيَهُ مَرَّةً وَسَمعَ مِنْهُ شَيئًا .. لَمْ يَكُنْ في نَقْلِهِ الْخَبَرَ عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ ذَلِكَ - وَالأَمْرُ كَمَا وَصَفْنَا - حُجَّةٌ، وكَانَ الْخَبَرُ عِنْدَهُ مَوْقُوفًا حَتى يَرِدَ عَلَيهِ

ــ

وقولُه: (قد لَقِيَه) خبرُ (أن) أي: تدلُّ على أن هذا الراويَ قد لَقِيَ صاحبَه ورآه ولو (مَرَّةً) واحدةً من دهرِهما (وسَمعَ منه) أي: من صاحبه (شيئًا) من الحديث قليلًا أو كثيرًا.

وقولُه: (فإنْ لم يَكُنْ

ولم تَأْتِ) فعلُ شرطِ جوابُه قولُه: ( .. لم يَكُنْ في نَقْلِهِ) أي؛ في نقل ذلك الراوي (الخبرَ) والحديث (عمن روى عنه ذلك) الخبر، والجارُّ والمجرور في قوله:(في نَقْلِه) خبرٌ لـ (يكُن) مُقَدَّمٌ على اسمها الآتي، وقولُه:(الخَبَرَ) مفعولٌ لـ (نَقْلِهِ)؛ لأنه مصدرٌ مضافٌ إلى فاعله، والجارُّ والمجرورُ في قوله:(عَمَّنْ رَوَى عنه) متعلِّقٌ بـ (نَقْلِه).

وقولُه: (ذلك) مفعولُ (روى)، وفي بعض النسخ:(علم ذلك) بزيادة لفظة: (عِلْم) قبل ذلك، وهو تصحيف من النُّسَّاخ، والإشارةُ في (ذلك) راجعة إلى (الخَبَرَ) وهو حَشْوٌ لا حاجة إليه، وكذلك قوله:(والأَمْرُ كما وَصَفْنا) حَشْوٌ لا حاجة إليه.

أي: والحالُ أن الأمر والشأن كائن كما وصفنا وذكرنا من عدم علم اجتماعهما وتلاقيهما وعدم إتيانِ روايةٍ صحيحةٍ تدلُّ على ذلك، وهذه الجملةُ معترضةٌ بين (يَكُنْ) واسمها وهو قولُه:(حُجَّةٌ)، والتقديرُ: فإنْ لم يكن عنده عِلْمُ ذلك ولم تَرِدْ رواية صحيحة تدلُّ على ذلك

لم يَكُنْ في نَقْلِهِ ذلك الخَبَرَ عَمَّنْ رَوَى عنه بالعنعنة حُجَّةٌ والأمرُ كما وَصَفْنا؛ أي: لم يَكُنْ في ذلك الخبرِ فائدةُ احتجاجٍ ولا استدلالٍ على حُكْمٍ من الأحكام الشرعية، ولم يَثْبُتْ به حُكْمٌ من الأحكام (1).

(وكان) ذلك (الخَبَرُ) الَّذي في إسناده: عَنْ فلانٍ عن فلان (عندَه) أي: عندَ هذا الزاعمِ الَّذي اشترط الاجتماعَ والتلاقيَ أو إتيان روايةِ صحيحةٍ تدُلُّ على التلاقي (موقوفًا) على مَنْ رَواه بالعنعنة (حتَّى يَرِدَ عليه) أي: عنده؛ أي: عند هذا الزاعم، فـ (ـعلى) هنا بمعنى عندَ؛ أي: كان الخبرُ موقوفًا على راويه حتَّى يرد ويثْبت عند هذا الزاعم سماعُه منه لشيءٍ من الحديث.

(1) انظر "الحلّ المفهم"(1/ 21 - 22).

ص: 493

سَمَاعُهُ مِنْهُ لِشَيءٍ مِنَ الْحَدِيثِ قَل أَوْ كَثُرَ في رِوَايَةِ مِثْلِ مَا وَرَدَ

ــ

ويحتملُ كونُ (على) على معناها متعلِّقةَ بقوله: (موقوفًا)، ففي الكلام حينئذٍ تقديمٌ وتأخيرٌ، والتقديرُ: وكان هذا الخبرُ المَرْويُّ بالعنعنة عند هذا الزاعم (موقوفًا عليه) أي: على راويه المُعَنْعِنِ حتَّى يَرِدَ ويَثْبُتَ (سَمَاعُهُ) أي: سماعُ ذلك المُعَنْعِنِ (منه) أي: من صاحبه وشيخه (لشيءٍ من الحديث) سواءٌ (قَلَّ) ذلك الشيءُ الَّذي سمعه منه (أو كَثْرَ).

وقولُه: (في روايةٍ مِثْلِ مَا وَرَد) متعلِّقٌ بـ (يَرِد) أي: حتَّى يَرِدَ ويَثْبُتَ في روايةِ مَتْنٍ مُماثلٍ لما وَرَدَ ورُوي بالسَّنَدِ المُعَنعن سمَاعُهُ لشيءٍ من الحديث، وهذا على قراءة (مثل) بإضافة (رِوَايةٍ) إليه، وفي بعض النسخ بتنوين (رواية) وجَرِّ (مِثْلِ) على أنَّه صفةٌ لرواية، والمعنى: حتَّى يرد سماعُه منه في روايةٍ مماثلةٍ لما ورد ورُويَ بالعنعنة.

فصل

قال النوويُّ: (وحاصلُ ما في هذا الباب: أن مسلم رحمه الله تعالى ادَّعى إجماع العلماء قديمًا وحديثًا على أن المُعَنْعَن وهو الَّذي فيه (فُلانٌ عن فُلانٍ" محمولٌ على الاتصال والسماع إذا أمكن لقاءُ مَنْ أضيفت العنعنةُ إليهم بعضهم بعضًا، يعني مع براءتهم من التدليس.

ونَقَلَ مسلمٌ رحمه الله تعالى عن بعض أهل عصره أنَّه قال: لا تقومُ الحُجَّةُ بها ولا يُحمل على الاتصال حتَّى يَثْبُتَ أنهما التَقَيَا في عُمُرِهما مَرَّةً فأكثرَ، ولا يكفي إمكانُ تلاقيهما، قال مسلمٌ: وهذا قولٌ ساقطٌ مخترَعٌ مستحدثٌ لم يُسْبَقْ قائله إليه، ولا مُسَاعِدَ له مِنْ أَهل العلم عليه، وأن القولَ به بدعةٌ باطلةٌ.

وأَطْنَبَ مسلمٌ رحمه الله تعالى في الشناعة على قائله، واحتج مسلم بكلام مختصَرُه: أن المعنعن عند أهل العلم محمولٌ على الاتصال إذا ثَبَتَ التلاقي مع احتمالِ الإرسال، وكذا إذا أمكن التلاقي).

وهذا الَّذي صارَ إليه مسلمٌ قد أنكره المحققون وقالوا: هذا الَّذي صارَ إليه مسلمٌ ضعيفٌ، والذي رَدَّه هو المختارُ الصحيحُ الَّذي عليه أئمَّةُ هذا الفنِّ كعليِّ بن المديني والبُخَاريِّ وغيرِهما.

ص: 494

وَهَذَا الْقَوْلُ - يَرْحَمُكَ اللهُ - في الطَّعْنِ في الأَسَانِيدِ قَوْلٌ مُخْتَرَعٌ مُسْتَحْدَثٌ، غَيرُ مَسْبُوقٍ صَاحِبُهُ إِلَيهِ،

ــ

وقد زادَ جماعةٌ من المتأخرين على هذا، فاشترط القابسيُّ أن يكونَ قد أَدْرَكَه إدراكًا بَيِّنًا، وزاد أبو المظفّر السَّمْعانيُّ الفقيهُ الشافعيُّ فاشترط طولَ الصُّحْبة بينهما، وزادَ أبو عَمْرٍو الدانيُّ المُقْرِئ فاشترط معرفتَه بالرواية عنه.

ودليلُ هذا المذهبِ المختار الَّذي ذَهَبَ إليه البُخَارِيُّ وغيرُه: أن المعنعن مع التلاقي إنما يُحمل على الاتصال؛ لأن الظاهرَ من المعنعن غير المدلِّس: أنَّه لا يُطلق ذلك إلَّا مع السماع، بخلاف ما إذا لم يُعرف التلاقي.

وذَهَبَ بعضُ أهل العلم إلى أن المعنعن لا يُحْتَجُّ به مطلقًا؛ لاحتمال الانقطاع، وهذا المذهبُ مردودٌ بإجماع السلف، ودليلُهم ما أَشَرْنا إليه من حصول غلبة الظن مع الاستقراء، هذا حُكْمُ المُعَنْعَن.

واخْتُلِفَ في كلمةِ "أَنَّ" كقوله: حدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ أن سعيدَ بن المُسَيِّب قال كذا أو حدَّثَ بكذا أو نحوه، فالجمهورُ أن لفظةَ "أَنَّ" كعَنْ، فيُحمل على الاتصال بالشرط المتقدم، وقال أحمدُ بن حنبل ويعقوب بن شَيبة وأبو بكرِ البَرْدِيجِيُّ: لا تُحمل (أن) على الاتصال، والصحيحُ الأولُ، وكذا: قال وحدَّث وذَكَرَ وشِبْهُها، فكلُّه محمولٌ على الاتصالِ والسماع) اهـ (1).

هذا كُلُّه حُكْمُ غير المُدَلِّس، وأمَّا المُدَلِّسُ .. فقد مَرَّ الكلامُ فيه.

(وهذا القولُ) أي قول الَّذي شَرَطَ في صحة الاحتجاج بالمُعَنْعَنِ الاجتماعَ والتلاقيَ أو التشافُهَ أو إتيانَ روايةِ صحيحةٍ تَدُلُّ على ذلك.

وقولُه: (يَرْحَمُكَ الله) سبحانه وتعالى جملةٌ دعائيةٌ خاطبَ بها مَنْ سأله تأليفَ هذا الجامع كما مَرَّ في أول الكتاب.

أي: وهذا القولُ الَّذي قيل: (في الطعْنِ في الأسانيدِ) المُعَنْعَنَةِ وتضعيفها وعدمِ صحةِ الاحتجاج بها (قولٌ مُخْتَرَعٌ) أي: مختلقٌ اختلقه قائلُه مِنْ عندِ نفسه، (مُسْتَحْدَثٌ) أي: مُبْتَدَعٌ لم يَقُلْه أَحَدٌ من السَّلفِ (غَيرُ مسبوقٍ صاحبُه) أي: قائلُه (إليه) أي: إلى

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 127 - 128).

ص: 495

وَلَا مُسَاعِدَ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَيهِ، وَذَلِكَ أَن الْقَوْلَ الشائِعَ الْمُتَّفَقَ عَلَيهِ بَينَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالأَخْبَارِ وَالرِّوايَاتِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا: أَنَّ كُلَّ رَجُلٍ ثِقَةٍ رَوَى عَنْ مِثْلِهِ حَدِيثًا، وَجَائِزٌ مُمْكِنٌ لَهُ لِقَاؤُهُ وَالسَّمَاعُ مِنْهُ؛ لِكَوْنهِمَا جَمِيعًا كَانَا في عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ لَمْ يَأتِ

ــ

قول هذا القول واختراعِه (ولا مُسَاعِدَ) أي: لا معضِّدَ ولا مُعِينَ ولا مُوَافِقَ (له) أي: لصاحب هذا القول أحَدٌ (مِنْ أهل العِلْمِ) والحديثِ الراسخين فيه (عليه) أي: على صِحَّةِ هذا القول الَّذي اخْتَرَعَهُ من اشتراط الشروط المذكورة في الأسانيدِ المعنعنة.

(وذلك) أي: ودليلُ ذلك الَّذي قُلْنا مِنْ أَنَّ هذا القولَ الَّذي يَشْتَرِطُ الشُّروطَ المذكورةَ في الأسانيد المعنعنة قولٌ مختَرعٌ مستحدَثٌ، وهو مبتدأٌ، خبرُه جملةُ أن في قوله:(أن القولَ الشائعَ) المستفيضَ بين الناس (المُتَّفَقَ عليه) أي: على صحته (بينَ أهلِ العلم) والمعرفةِ (بالأَخْبَارِ) والأحاديثِ أي: بأسبابها وصحتها وضعفها من حيثُ المتونُ (و) أهلِ العلمِ بـ (الرِّواياتِ) الصحيحة والضعيفة من حيثُ الأسانيدُ.

وقولُه: (قديمًا وحديثًا) منصوبان بنَزْعِ الخافضِ المتعلِّق بالمُتَّفَقِ عليه؛ أي: أن القولَ المُتَّفَقَ عليه بينهم في الزمنِ القديم والزمن الحديثِ؛ أي: الأخيرِ.

وجملةُ أن في قوله: (أَنَّ كُل رجلٍ ثِقَةٍ) خبرٌ لأن الأُولى، أعني قوله:(أن القولَ الشائعَ)، و (كُلَّ رجلٍ) اسمُ أن هذه؛ أي: أن كُلَّ راوٍ رجلًا كان أو امرأةً (ثقةٍ) صفةٌ لرجلٍ؛ أي: أن كُل راوٍ موثوقٍ به مأمونٍ (رَوَى) وحَدَّثَ بالعنعنة (عن) راوٍ (مِثْلِهِ) أي؛ مُمَاثِلٍ له في الموثوقية، وعدمِ التدليسِ (حديثًا) مفعول (رَوَى) أي: رَوَى عنه بالعنعنة حديثًا قلَّ أو كَثُرَ.

(وجائزٌ مُمْكِنٌ) أي: والحالُ أنَّه جائزٌ مُمْكِنٌ؛ أي: مُحْتَمِلٌ، فمُمْكِنٌ: عطفُ بيانٍ لجائزٌ (له) أي: لذلك الرجل الراوي (لقاوه) أي: لقاءُ مثلِه الَّذي رَوَى عنه؛ أي: وجائزٌ مُمْكِنٌ تلاقيهما (والسَّمَاعُ) أي: سماعُ الرجل الراوي الحديثَ (منه) أي: من مثله الَّذي رَوَى عنه (لِكَوْنِهِما) أي: لكَوْنِ كُلِّ من الراوي والمَرْويِّ عنه، فهو تعليل لإمكان اللقاء والسماع منه حالة كونهما (جميعًا) أي: مجتمعَينِ (كانا) أي: الراوي والمَرْويُّ عنه (في عصرٍ) وقَرْنٍ ووقتٍ (واحدٍ) أي: متَّحِدٍ.

و(إِنْ) في قوله: (وإنْ لم يَأْتِ) غائيةٌ بمعنى لَوْ، لا جوابَ لها على الأصحِّ،

ص: 496

في خَبَرٍ قَطُّ أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا، وَلَا تَشَافَهَا بِكَلَامٍ .. فَالرِّوَايَةُ ثَابِتَةٌ، وَالْحُجَّةُ بِهَا لَازِمَةٌ، إلا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ دَلَالةٌ بَيِّنَةٌ أَنَّ هَذَا الرَّاويَ لَمْ يَلْقَ مَنْ رَوَى عَنْهُ، أَوْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيئًا، فَأَمَّا وَالأَمْرُ مُبْهَمٌ عَلَى الإمْكَانِ الَّذِي فَسَّرْنَا

ــ

معترضة بين اسمِ أن وخبرها؛ أي: وإنْ لم يَجِيءْ (في) أيِّ (خبرٍ) قليلٍ أو كثير (قَط) أي: في زَمَنِ من الأزمنة الماضية.

وجملةُ (أن) من اسمها وخبرها في قوله: (أنَّهما اجْتَمَعَا

) إلخ، في تأويلِ مصدرٍ مرفوعِ على أنَّه فاعل (يَأتِ) أي: هانْ لم يَأتِ في خَبَرٍ من الأخبارِ أنهما اجتمعا بأبدانهما في مكانٍ واحدٍ (ولا) أنَّهما (تَشَافَهَا) وتخاطبا بشفتيهما (بكلامٍ) من حديثٍ أو غيرِه.

والجملةُ الابتدائيةُ في قوله: ( .. فالروايةُ ثابتةٌ) في محل الرفع خبر، لأنَّ المفتوحة في قوله:(أَنَّ كُلَّ رجلٍ ثقةٍ) أي: وذلك أن القولَ الشائِع المُتَّفَقَ عليه أن كُلَّ رجلٍ ثقةٍ رَوَى عن ثقةٍ مثله، فالروايةُ الجاريةُ بينهما ثابتةٌ؛ أي: صحيحةٌ مقبولةٌ.

وقولُه: (والحُجَّةُ بها لازمةٌ) معطوفٌ على الجملة التي قبلها، أي: والاحتجاجُ بتلك الرواية؛ أي: بما رُويَ فيها لازمةٌ؛ أي: مُلْزِمَةٌ مثبتةٌ لمقتضاها يجب بها ويلزم بها ما تَدُلُّ عليه من الأحكام الشرعية.

ثم استثنى عن كونها ثابتةً لازمةً قولَه: (إلَّا أن يكونَ هناك) أي: في محلّ تلك الرواية (دلالة بيِّنَةٌ) أي: قرينةٌ واضحةٌ تَدُلُّ على (أَنَّ هذا الراويَ) الَّذي رَوَى بالعنعنة (لم يَلْقَ) ولم يَرَ (مَنْ رَوَى عنه) أي: شيخَه الَّذي رَوى عنه (أو) لقيه، ولكنْ (لم يَسْمَعْ منه) أي: من شيخِه الَّذي رَوَى عنه (شيئًا) من الحديث قليلًا ولا كثيرًا.

(فأَمَّا) إنْ لم تكن قرينةٌ واضحةٌ تَدُلُّ على أنَّه لم يَلْقَه أو لم يَسْمَعْ منه شيئًا (والأَمْرُ) أي: والحالُ أن الأمر؛ أي: أَمْرَ تلاقيهما أو تشافُهِهما (مُبْهَمٌ) أي: مجهولٌ وقوعُه أو عدمُ وقوعِه (على الإِمْكَانِ) أي: مع الإمكان، فـ (ـعلى) بمعنى مع.

وقولُه: (الَّذي فَسَّرْنا) هـ وبَيَّنَّاه وذَكَرْنَاه آنفًا صفةٌ للإمكانِ؛ أي: فأمَّا إِنْ لم تكن

ص: 497

فالرِّوَايَةُ عَلَى السَّمَاعِ أَبَدًا حَتى تَكُونَ الدَّلَالةُ الَّتِي بَيَّنَّا.

فَيُقَالُ لِمُخْتَرعِ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي وَصَفْنَا مَقَالتَهُ، أَوْ لِلذَّابِّ عَنْهُ: قَدْ أَعْطَيتَ في جُمْلَةِ قَوْلكَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ عَنِ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ حُجَّةٌ يَلْزَمُ الْعَمَلُ بِهِ،

ــ

قرينةٌ تدلُّ على عدم تلاقيهما أو تشافههما والحالُ أن أَمْرَ تلاقيهما أو تشافههما مجهولٌ وقوعه أو عدمُ وقوعه مع إمكان واحتمال وقوعه الَّذي فَسَّرْناه وَبيَّنَاه آنفًا بقولنا: (وجائزٌ مُمْكِنٌ له لقاؤُه والسماعُ منه لكَوْبهما جميعًا كانا في عصرٍ واحدٍ

) إلخ.

وقولُه: ( .. فالروايةُ

) إلخ، جوابُ أمَّا الشرطية؛ أي: فروايةُ ذلك الرجل الثقةِ عن مثلة محمولةٌ (على السَّمَاع) أي: على سماع ذلك الثقة عن مثله للإمكان المذكور، فقوله:(فالرواية) مبتدأٌ (على السَّمَاعِ) خبرُه، والجملةُ جوابُ أمَّا.

وقولُه: (أبدًا) أي: في جميع الأحاديث التي رَوَى عنه ظرفٌ متعلِّق بالاستقرار الَّذي تَعَلَّقَ به الخبر، (حتَّى تكونَ) وتُوجَدَ (الدَّلالةُ) والقرينةُ (التي بَيَّنَّا) ها وذَكَرْناها بقَوْلنا: (إلَّا أنْ يكون هناك دلالةٌ بيِّنةٌ أن هذا الراويَ لم يَلْقَ مَنْ رَوَى عنه

) إلخ.

(فيُقَالُ لمُخْتَرِعِ هذا القولِ) ومختلقه وزَاعِمِهِ، وقولُه:(الَّذي وَصَفْنا) وذَكَرْنَا صفةٌ للمخترع (مقالتَه) التي هي اشتراطُ التلاقي والتشافُه بحديثٍ؛ أي: يُقال لمختلق هذا القول إن رأيناه (أو لِلذَّابِّ) والدافع (عنه) والناصرِ والمتعصِّب له إنْ لم نَره، وفي بعض النَّسَخ العطفُ بواو بدل (أو) وهي أوضح؛ أي: يقال له أو لمن يَذُبُّ عنه: إنك (قد أَعْطَيتَ) وأَقْرَرْتَ (في جُمْلَةِ قولِكَ) أي: في بعضِ مُحاوراتِكَ في غيرِ هذا المقام، ومفعولُ أَعْطى قولُهُ:(أَنَّ خَبرَ الواحدِ) بفتح همزة أن؛ أي: أن الحديث الذي ثَبَتَ عن الرسول صلى الله عليه وسلم برواية الراوي الواحدِ المنفردِ (الثَّقَةِ) أي: الموثوق به المأمونِ (عن الواحدِ الثِّقَةِ) مثله (حُجَّةٌ) شرعيةٌ (يَلْزَمُ العملُ بهِ) في حُكْمٍ من الأحكام الشرعية مطلقًا، سواء عُلِمَ اجتماعهما وتلاقيهما أم لا.

والمعنى: فيقال لمخترع هذا القول الَّذي هو اشتراطُ التلاقي أو للذاب عنه: إنك قد أعطيت وأقررت في جملةِ مقالاتك الخارجية في غيرِ المقام أن خبرَ الواحدِ الثقة عن

ص: 498

ثُمَّ أَدْخَلْتَ فِيهِ الشَّرْطَ بَعْدُ فَقُلْتَ: حَتَّى نَعْلَمَ أَنَّهُمَا قَدْ كَانَا الْتَقَيَا مَرَّةَ فَصَاعِدًا، أَوْ سَمِعَ مِنْهُ شَيئًا، فَهَلْ تَجِدُ هَذَا الشرْطَ الَّذِي اشْتَرَطْتَهُ عَنْ أَحَدٍ يَلْزَمُ قَوْلُهُ؟ وَإِلَّا .. فَهَلُمَّ دَلِيلًا عَلَى مَا زَعَمْتَ

ــ

الواحد الثقة حُجَّةٌ يَلْزَمُ العملُ به كما هو مذهبُ جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمن بعدهم؛ أي: أنتَ أقرَرْتَ ذلك في غير هذا المقام كما أَقَرَّ به جماهيرُ المسلمين.

(ثُمَّ أَدْخَلْتَ) أنتَ أيها المخترعُ (فيه) أي: في كونِ خبر الواحدِ الثقةِ حُجَّةً (الشَّرْط) المذكورَ لك من اشتراط اجتماعهما وتلاقيهما وتشافُهِهما بالحديثِ بينهما (بَعْدُ) أي: بَعْدَ ما أقررت أولًا كونَه حُجَّةً مطلقًا كما أقرَّ به الجماهيرُ.

وقوله: (فقُلْتَ) في إدخالِ الشرط: معطوفٌ على قوله: (ثُمَّ أَدْخَلْتَ) وتفسيرٌ له؛ أي: فقُلْتَ: لا يكون خبرُ الواحدِ الثقةِ عن الواحد الثقة حُجَّةً (حتَّى نَعْلَمَ) نحن (أنهما) أي: أن الراويَ والمَرْويَّ عنه (قد كانا الْتَقَيَا) واجْتَمَعَا (مَرَّةَ) واحدةً من دهرهما (فصَاعِدًا) أي: فما فوقها من المرَّات؛ أي: فازداد عددُ التقائهما على مَرَّةٍ واحدةٍ حالة كونه صاعدًا وعاليًا.

والمعنى: لا يكون خبرُ الواحد حُجَّةً حتَّى نعلم تلاقيهما مَرَّةً واحدةً فأكثرَ (أو) حتَّى نعلمَ بروايةٍ صحيحةٍ أن الراويَ (سَمعَ منه) أي: من المَرْويِّ عنه (شيئًا) من الحديث قَلَّ أو كثر.

(فهل تَجِدُ) أي: فهل وجدتَ أيها المخترع (هذا الشَّرْطَ الَّذي اشْتَرَطْتَهُ) وأوجبته في قبولِ خبر الواحدِ الَّذي هو شرط التلاقي والتشافه؟ أي: هل وجدتَ ورأيتَ هذا الشرط منقولًا (عن أحدٍ) من العلماء (يَلْزَمُ) ويثبتُ (قولُه) ويقبل وَيصِح الاحتجاج به؟ (وإلَّا) أي: وإن لِم تَجِدْه منقولًا عن أحدِ من العلماء المقبولينَ ( .. فهَلُمَّ) لنا؛ أي: هَاتِ لنا (دليلًا) تسْتَدِلُّ به (على ما زعمت) وقلت واخترعْتَ من اشتراط هذا الشرطِ في قبولِ خبرِ الواحد الثقة.

وفي "المختار": (هَلُمَّ يا رجلُ بفتح الميم بمعنىً، يَسْتَوي فيه الواحد والجمع والمؤنث في لغة أهل الحجاز قال تعالى:{وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَينَا} . وأهْل نجدٍ

ص: 499

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

يصرفونه فيقولون للاثنين: هَلُمَّا، وللجمع: هَلُمُّوا، وللمرأة هَلُمِّي، وللنساء هلممن، والأول أفصح) اهـ

تنبيه:

قال النووي: (هذا الَّذي قاله مسلمٌ رحمه الله تعالى تنبيهٌ على القاعدة العظيمة التي يَنْبَني عليها معظمُ أحكام الشرع وهو وجوب العمل بخبر الواحد، فينبغي الاهتمامُ بها والاعتناءُ بتحقيقها، ونذكر هنا طرفًا في بيان خبرِ الواحد والمذاهبِ فيه مختصرًا.

قال العلماء: الخبرُ ضربان: متواترٌ، وآحادٌ.

فالمتواترُ: ما نقله عددٌ لا يمكن مواطأتهم على الكذب عن مثلهم، ويستوي طرفاه والوسطُ، ويخبرون عن حِسِّيٍّ لا عن مظنون، ويحصل العلم بقولهم، ثم المختارُ الَّذي عليه المحققون والأكثرون أن ذلك لا يضْبَطُ بعددٍ مخصوصٍ، ولا يشترط في المخبرين الإسلام ولا العدالة، وفيه مذاهب أخرى ضعيفة وتفريعات معروفة مستقصاة في كتب الأصول.

وأمَّا خبرُ الواحد: فهو ما لَمْ يوجَدْ فيه شروطُ المتواتر، سواء كان الراوي له واحدًا أو أكثر، واخُتلف في حُكْمه.

فالذي عليه جماهيرُ المسلمين من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول: أن خبرَ الواحدِ الثقةِ حُجَّةٌ من حجج الشرع يَلزم العمل به، ويفيد الظن ولا يفيدُ العِلْمَ، وأن وجوبَ العملِ به عرفناه بالشرع لا بالعقل.

وذهبت القدريَّة والرافضةُ وبعضُ أهل الظاهر إلى أنَّه لا يجبُ العملُ به، ثمَّ منهم مَنْ يقول: مَنَع من العمل به دليلُ العقل، ومنهم مَنْ يقول: مَنَع ذلك دليل الشرع، وذهب طائفة إلى أنَّه يجب العملُ به من جهة دليلِ العقل.

وقال الجُبَّائيُّ من المعتزلة: لا يجب العملُ إلَّا بما رواه اثنان عن اثنين، وقال غيره: لا يَجِبُ العملُ إلَّا بما رواه أربعةٌ عن أربعةٍ.

وذَهَبَتْ طائفةٌ من أهل الحديث إلى أنَّه يُوجِبُ العلم، وقال بعضهم: يُوجبُ العِلْمَ الظاهرَ دون الباطن.

ص: 500

فَإنِ ادَّعَى قَوْلَ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ بِمَا زَعَمَ مِنْ إِدْخَالِ الشَّرِيطَةِ فِي تَثْبِيتِ الْخَبَرِ .. طُولبَ بِهِ،

ــ

وذَهَبَ بعض المحدِّثين إلى أن الآحادَ التي في "صحيح البخاري" أو "صحيح مسلم" تفُيد العِلْمَ دون غيرها من الآحاد، وهذا القول باطل لا يَصِح.

وهذه الأقاويل كُلُّهَا -سوى قول الجمهور- باطلةٌ، فإبطال مذهب من قال: لا حُجَّةَ فيه ظاهرٌ، فلم تزل كتب النبي صلى الله عليه وسلم وآحاد رسله يُعمَلُ بها، ويُلزمهم النبي صلى الله عليه وسلم العملَ بذلك، واستمرَّ على ذلك الخلفاءُ الراشدون فمَنْ بعدهم، ولم تَزَل الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة فمَنْ بعدَهم من السلف والخلف على امتثال خبر الواحد إذا أَخْبَرَهم بسُنَّةٍ، وقضائهم به، ورجوعهم إليه في القضاء والفُتْيا، ونَقضهم به ما حَكَمُوا به على خلافه، وطلبهم خبرَ الواحد عند عدم الحُجَّة ممَّنْ هو عنده، واحتجاجهم بذلك على مَنْ خالفهم، وانقياد المُخَالف لذلك، وهذا كُلُّه معروفٌ لا شَك في شيءِ منه، والعقل لا يُحيل العملَ بخبر الواحد، وقد جاء الشرع بوجوب العمل به، فوجب المصيرُ إليه.

وأمَّا من قال: يُوجِبُ العِلْمَ .. فهو مكابر للحِس، وكيف يحصلُ العِلْمُ واحتمالُ الغلط والوَهَمِ والكذبِ وغير ذلك مُتَطَرِّقٌ إليه؟ والله أعلم) اهـ (1).

(فإنِ ادَّعَى) هذا المخترعُ (قولَ أحدِ من عُلَمَاءَ السَّلَفِ) والسَّلَفُ: هُمْ مَنْ كانوا قبل الأربعمائة سنةٍ، والخَلَفُ من كانوا بعدها كما مَرَّ في أول الكتاب، أي: فإن ادَّعى هذا الزاعم الاستدلال بقولِ أحدٍ من علماء السَّلَف (بما زَعَم) أي: على ما زَعَمَه وقاله باختراعه.

وقولُه: (مِنْ إدْخَالِ) هذه (الشَّرِيطَةِ) التي شرطها: بيانٌ لما زعم، والشريطة: لغة في الشرط كما مرَّ؛ أي: من اشتراطِه هذه الشريطة التي هي عِلْمُ التَّلقي والاجتماع (في تثبيتِ الخَبَرِ) أي: في إثبات الخبرِ المعنعن وقبوله ( .. طُولبَ) هذا الزاعمُ (به) أي: ببيان ذلك القولِ؛ أي: ببيانِ صاحب ذلك القول.

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 130 - 132)، وبعضه للقاضي عياض في "إكمال المعلم"(1/ 168 - 170).

ص: 501

وَلَنْ يَجِدَ هُوَ وَلَا غَيرُهُ إِلَى إِيجَادِهِ سَبيلًا. وَإِنْ هُوَ ادَّعَى فِيمَا زَعَمَ دَلِيلًا يَحْتَجُّ بِهِ .. قِيلَ لَهُ: وَمَا ذَاكَ الدَّلِيلُ؟ فَإنْ قَالً: قُلْتُهُ؛ لأَنِّي وَجَدْتُ رُوَاةَ الأَخْبَارِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا يَرْوي أَحَدُهُمْ عَنِ الآخَرِ الْحَدِيثَ وَلَمْ يُعَايِنْهُ وَلَا سَمعَ مِنْهُ شَيئا قَطُّ،

ــ

(ولن يَجِدَ) هذا الزاعمُ، وقولُه:(هو) تأكيدٌ لضمير الفاعل المستتر في (يَجِدَ) ليعطف عليه قولَهُ: (ولا غَيرُهُ) كما هو القاعدة عند النُّحاة؛ أي: ولن يَجِدَ هذا الزاعم هو ولا غيره ممَّنْ يَذُبُّ عنه.

وقوله: (إلى إيجاده) أي: إيجاد قول أحدٍ من علماء السلف متعلِّقٌ بمحذوف صفة لقوله: (سبيلًا) أي: ولن يَجِدَ هو ولا غيره سبيلًا موصلًا لهم إلى تحصيل قول أحدٍ من علماء السلف؛ لعدم وجوده.

وقولُه: (وإنْ هو ادَّعَى) من باب الاشتغال؛ أي وإن ادَّعى هو؛ أي: هذا الزاعم (فيما زَعَمَ) أي: على ما زَعَمَ واخْتَرع وقال من اشتراط الشرط المذكور (دليلًا) غير أقوال السلف (يَحْتَجُّ به) أي: يَستدل به على ما زَعَمَ؛ أي: فإن ادَّعى هذا الزاعم وجودَ دليلٍ له يحْتَجُّ بذلك الدليل على ما زعم غيرَ أقوال العلماء ( .. قيلَ له) أي: لهذا الزاعم (وما ذاك الدليلُ) الذي تستدلُّ به على ما زعمت من اشتراط الشرط المذكور لك؟

(فإنْ قال) هذا الزاعم في بيان دليله الذي طلبناه منه: (قُلْتُه) أي: قلتُ ذلك الشرط وشرطته في قبول الخبر المعنعن (لأنّي وَجَدْتُ رُواةَ الأَخْبَارِ) والأحاديثِ ونُقَّالها (قديمًا وحديثًا) أي: في الزمن القديم والزمن الحديث؛ أي: في الأزمنةِ الأُولى أزمنة السلف والأزمنة الأخيرة أزمنة الخلف؛ أي: قلته لأني رأيتهم (يَرْوي) وينقل (أحدُهم) أي: بعضُهم (عن) البعض (الآخَرِ الحديثَ و) الحالُ أن البعض الراوي (لم يعاينه) أي: لم يعاين البعض الآخر الذي روى عنه ولم يشاهده ولم يجتمع معه وفي بعض النسخ: ولمَّا.

(ولا سَمعَ) ذلك الراوي (منه) أي: من صاحبه الذي رَوَى عنه (شيئًا) من الحديث قليلًا ولا كثيرًا مشافهةً؛ أي: وجدتُهم يروي بعضُهم عن بعضٍ الحديثَ والحالُ أن الراوي لم يجتمع (قَطُّ) مع صاحبه الذي روى عنه ولم يسمع منه الحديثَ قطُّ مشافهةً.

ص: 502

فَلَمَّا رَأَيتُهُمُ اسْتَجَازُوا رِوَايَةَ الْحَدِيثِ بَينَهُمْ هكَذَا عَلَى الإِرْسَالِ مِنْ غَيرِ سَمَاعٍ - وَالْمُرْسَلُ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي أَصْلِ قَوْلنَا وَقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالأَخْبَارِ لَيسَ بِحُجَّةٍ - احْتَجْتُ لِمَا وَصَفْتُ مِنَ الْعِلَّةِ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ سَمَاعِ رَاوي كُل خَبَرٍ عَنْ رَاويهِ، فَإذَا أنا هَجَمْتُ عَلَى سَمَاعِهِ مِنْهُ

ــ

(فلمَّا رأيتُهم) أي: فلمَّا رأيتُ رواةَ الأخبارِ ووجدتُهم (اسْتَجَازُوا) فالسين والتاء زائدتان، فلمَّا رأيتهم أجازوا وصحَّحُوا (روايةَ الحديثِ) ونقله فيما (بينَهم) حالة كونهم (هكذا) أي: لم يُعاين بعضُهم بعضًا ولم يسمع منه شيئًا من الحديث مشافهةً.

وقولُه: (على الإرسالِ) متعلِّقٌ باسْتَجَازوا، وكذا يتعلَّق به قوله:(من غيرِ سماعِ) بعضهم من بعض مشافهةً؛ أي: فلمَّا أجازوا رواية الحديث فيما بينهم هكذا مع إمكانِ الإرسال والانقطاع من غير سماع بعضهم من بعض بلا واسطة، والمرادُ بالإرسال هنا: الانقطاعُ لا الإرسالُ المتعارفُ بينهم.

(والمُرْسَلُ) أي: والحالُ أن المرسلَ والمنقطعَ (من الروايات في أَصْلِ قولِنا) أي: في أرجح قولنا، أراد المؤلف بنون العظمة نفسه؟ لما مَر في أول الكتاب؟ أي: في أرجح قولي (و) أرجح (قولِ أهل العِلْمِ بالأَخْبَار) والأحاديث.

وقوله: (ليس بحُجَّةٍ) يُحْتَجُّ بها على حُكْمٍ من الأحكام الشرعية: خبرٌ عن قوله: (والمُرْسَلُ).

وقولُه: (احْتَجْتُ) أنا جواب لما في قوله: (فلمَّا رأيتهم اسْتَجَازُوا ذلك

احتجتُ (لِمَا وَصَفْتُ) وذَكَرْتُه (من العِلَّةِ) وهي عدمُ كون المرسل حُجَّةً في أصل قولنا وقول أهل العلم.

وقولُه: (إلى البَحْثِ) متعلِّقٌ باحْتَجْتُ؛ أي: احْتَجْتُ وافتقَرْتُ لأجل العلَّة المذكورة إلى البحث والتفتيش (عن سماعِ راوي كلِّ خَبَر) وحديثِ (عن رَاويه) أي: عن راوي ذلك الراوي وصاحبه الذي روى له وهو متعلق بـ (سماع).

وقولُه: (فإذا أنا هَجَمْتُ) واطَّلَعْتُ: من باب الاشتغال؛ أي: فإذا هَجَمْتُ واطَّلَعْتُ أنا (على سَمَاعِهِ) أي: على سماع الراوي (منه) أي: من صاحبه الذي

ص: 503

لِأَدْنَى شَيءٍ .. ثَبَتَ عِنْدِي بِذَلِكَ جَمِيعُ مَا يَرْوي عَنْهُ بَعْدُ، فَإنْ عَزَبَ عَنِّي مَعْرِفَةُ ذَلِكَ .. أَوْقَفْتُ الْخَبَرَ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدِي مَوْضِعَ حُجَّةٍ لإِمْكَانِ الإِرْسَالِ فِيهِ

ــ

رَوَى له (لأَدْنَى شيءٍ) من الحديث وأَقَلِّهِ مشافهةً؛ أي: اطَّلعتُ على سماعه منه مشافهةً لشيءٍ قليلٍ من الحديث.

وقولُه: (ثَبَتَ عندي بذلك) جواب إذا، وفي بعض النُّسَخ:(ثَبَتَ عنه عندي) بزيادة (عنه)، وهي تحريف من النسَّاخ؛ أي: قُبل عندي بسبب سماعه منه أدنى شيءٍ من الحديث (جميعُ ما يَرْوي) ذلك الراوي الذي ثبت له سماعُه لأدنى شيءٍ (عنه) أي: عن صاحبه الذي ثَبَتَ سماعُه منه لأدنى شيءٍ فيما (بَعْدُ) متعلِّقٌ بَـ (يرِوي) أي: جميعُ ما يَرْوي عنه بعد ذلك الأدنى الذي ثَبَتَ سماعه منه.

(فإنْ عَزَبَ) وبَعُدَ (عنّي) ولم يَحْصُلْ لي (معرفةُ ذلك) أي: معرفة سماعه منه لأدنى شيءٍ من الحديث ( .. أَوْقَفْتُ الخَبَر) أي: حَكَمْتُ بكون ذلك الخبر الذي حَدَّثه من لم يَثْبُتْ سماعُه لأدنى شيءٍ موقوفًا على راويه لا متصلًا (ولم يَكُنْ) ذلك الخبرُ (عندي مَوْضِعَ حُجَّةٍ) أي: موضع احتجاجٍ واستدلالٍ به (لإِمْكَانِ الإِرْسَالِ) والانقطاع (فيه) أي: في ذلك الخبر الذي رواه مَنْ لم يَثْبُتْ سماعُه لأدنى شيء.

قال النووي: (قولُه: "فإنْ عَزَب عني معرفةُ ذلك أَوْقَفْتُ الخَبَر" يُقال: عَزَب الشيءُ عنّي بفتح الزاي، يَعْزِبُ بكسرها وَيعْزُب بضمّها -من بابَي ضَرَب ونَصَر- لغتان فصيحتان قُرئ بهما في السبع، والضمُّ أكثرُ وأشهرُ، ومعناه: ذهب، وقوله:"أَوْقَفْتُ الخَبَر"، كذا هو في الأُصول "أَوْقَفْتُ"، وهي لُغَةٌ قليلة، والفصيحُ المشهورُ: وَقَفْتُ بغير ألف.

وقال أيضًا: قولُه: "والمُرْسَلُ في أصلِ قولنا وقولِ أهل العلم بالأَخْبَارِ ليس بُحَجَّةٍ" هذا الذي قاله هو المعروفُ من مذاهب المحدِّثين، وهو قولُ الشافعي وجماعة من الفقهاء، وذهب مالكٌ وأبو حنيفة وأحمدُ وأكثرُ الفقهاء إلى جواز الاحتجاج بالمرسل) (1).

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 132).

ص: 504

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

فصل

في بيان اصطلاحاتٍ في ألقاب الحديث التي يُحتاج إليها وقد ذكرناها فيما سبق، ولكن هذا الموضع يليق بذِكْرها أيضًا:

فمنها المرفوع: وهو لغة: كل ما رُفِعَ على غيره حسًّا كان أو معنىً، وسُمّي الحديثُ به لارتفاع درجته بإضافته إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

واصطلاحا: كُل ما أُضيفَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصةً، لا يقعُ مُطْلَقُه على غيره، قولًا كان أو فعلًا أو همًّا أو تقريرًا أو صفةً، سواء كان صريحًا أو حكمًا، وسواء أضافه صحابيُّ أو تابعيُّ أو من دونهما، فدخل فيه المتصل والمرسل والمنقطع والمعضل والمعلَّق، وخرج الموقوف والمقطوع.

ومنها الموقوف: وهو لغةً: الشيءُ المحبوسُ كالمال الموقوف على سبيل الخير، واصطلاحًا: كُل ما أُضِيفَ إلى الصحابي قولًا كان أو فعلًا أو نحوه، وخلا عن قرينةِ الرفع، سواء اتَّصَلَ إسنادُه إلى الصحابي أم لا، فدخل فيه المنقطع والمعضل والمعلَّق.

وخرج بقولنا: (وخلا عن قرينة الرفع) ما إذا وجدتْ فيه قرينة الرفع بأنْ لم يكن للاجتهاد فيه مَدْخل .. فهو في حُكْم المرفوع، كلما في رواية البخاري:(كان ابنُ عمر وابنُ عباس يُفْطِرانِ ويَقْصُران في أربعة بُرُد)(1)، فمثْلُ هذا لا يُفعل بالاجتهاد.

ويُستعمل في غيره مقيدًا فيقال: حديثُ كذا وَقَفَه فلانٌ على عطاءٍ مثلًا.

ومنها المقطوع: وهو لغةً: الشيءُ الذي قُطع وانفصل عن الغير كالعضو المقطوع.

واصطلاحا: كُلُّ ما أُضيفَ إلى التابعي أو إلى مَنْ دونه، قولًا كان أو فعلًا، حيث خلا عن قرينة الرفع أو الوقف، وإلا .. فيكون مرفوعًا أو موقوفًا، وقرينةُ الرفع كقول الراوي عن التابعي: من السُّنَّة كذا.

(1) كتاب تقصير الصلاة (4 - باب في كم يقصر الصلاة؟ ) قبل الحديث (1086).

ص: 505

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

ومنها المنقطع: وهو لغةً: الشيءُ المنفصلُ عن غيره كالعُضْو المنقطع عن الجسد.

واصطلاحا: الحديثُ الذي سَقَطَ من سنده قبل الصحابي راوٍ واحدٌ أو راويان في موضعين، أو ذُكِرَ في سنده راوٍ مُبْهَمٌ، فإنْ كان الساقطُ رجلين فأكثر .. سُمِّيَ أيضًا معضَلًا بفتح الضاد المعجمة.

ومنها المرسل: وهو لغةً: الشيءُ المطلق كالبهيمة المرسلة للرعي.

واصْطلاحًا: الحديثُ الذي سَقَطَ من سنده صحابيٌّ، وهو خلافُ الصحيح عندهم؛ إذْ لو عُلِمَ أن الساقط هو الصحابيُّ .. لما ساغ لأحدٍ أن يختلف في حُجيَّتِهِ، فالصحيحُ أن يقال في ضابطه: إن المرسل هو ما رَفَعَه التابعيُّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كان التابعيُّ صغيرًا أو كبيرًا.

وهو عند الفقهاء وأصحابِ الأُصول والخطيب الحافظ أبي بكر البغدادي وجماعةٍ من المحدّثين: ما انقطع إسنادُه على أيِّ وجْهٍ كان انقطاعه، فهو عندهم بمعنى المنقطع.

وقال جماعة من المُحدّثين أو أكثرهم: لا يُسَمَّى مرسلًا إلّا ما أَخْبَرَ فيه التابعيُّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم مذهب الشافعي والمُحدّثين أو جمهورهم وجماعةٍ من الفقهاء أنه يُحتجّ به، وذهب مسلمٌ رحمه الله تعالى وجماعة إلى الاحتجاج به إلى آخر ما تَقَدَّم ذكره في اصطلاحات أنواع الحديث.

هذا في مرسل غير الصحابي، وأمّا مرسل الصحابي-: وهو روايته ما لم يُدركه أو يحضره كقول عائشة رضي الله عنها: (أولُ ما بُدِئَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة) -: فمذهب الشافعي والجماهير أنه يُحْتَجُّ به، وقال أبو إسحاق الإسفرائيني الشافعي: لا يُحْتَجُّ به إلا أن يقول: إنه لا يروي إلّا عن صحابي، والصواب الأول.

ص: 506

فَيُقَالُ لَهُ: فَإنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ فِي تَضْعِيفِكَ الْخَبَرَ وَتَرْكِكَ الاحْتِجَاجَ بِهِ إِمْكَانَ الإِرْسَالِ فِيهِ .. لَزِمَكَ أَنْ لَا تُثْبِتَ إِسْنَادا مُعَنْعَنًا حَتى تَرَى فِيهِ السَّمَاعَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِه.

وَذلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ عَلَينَا بِإِسْنَادِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ

ــ

قُلتُ: (وفي جَعْلِهم قولَ عائشة هذا من باب المرسل نظرٌ؛ لاحتمال أن تكون سمعته من قول النبي صلى الله عليه وسلم، ويترجَّحُ ذلك؛ إذ لا مانع منه فلا يكون مرسلًا كغيره، وقد يُجاب بأنَّ مرادهم: أنه في حكم المرسل لمَّا لم يتحقق سماعها له من النبي صلى الله عليه وسلم بناءً على التمسُّك بالأقلِّ وأنَّ الاتصال لا يثبت إلا باليقين وما يَقْرُبُ منه) اهـ سنوسي مع زيادة من "الباكورة".

(فيُقَالُ له) أي: لهذا الزاعم: (فإنْ كانت العِلَّةُ) والسببُ (في تَضْعِيفِكَ) وتسقيمك (الخَبَرَ) والحديثَ المعنعن (و) في (تَرْكِكَ الاحتجاجَ) والاستدلال (بهِ) أي: بالحديثِ المعنعنِ (إمْكَانَ الإِرْسَالِ) والانقطاعِ (فيه) أي: في الحديث ( .. لَزِمَكَ) أيها الزاعمُ: جوابُ (إِنْ) الشرطية في قوله: (فإنْ كانت العِلَّةُ) أي: لَزِمَك بمقتضى هذه العلّة (أَنْ لا تُثْبتَ) ولا تَقْبَلَ (إسنادًا مُعَنْعَنًا) أي: إسنادًا فيه (عن فُلان عن فُلان)، وجملةُ أن المصدرية مع ما في حيِّزها في تأويلِ مصدرٍ مرفوعٍ على الفاعلية لـ (لَزِمَكَ) أي: فإنْ كانت العِلَّةُ في تضعيفك الخبرَ وعدم قبوله إمكان الإرسال فيه .. لَزِمَك عدم إثباتك إسنادًا معنعنًا وعدمُ قبوله (حتى تَرَى) وتعلمَ (فيه) أي: في الإسنادِ المعنعنِ (الشمَاعَ) أي: سماعَ كُل راو من رجاله عَمَّنْ رَوَى عنه (مِنْ أَوَّلِهِ) أي: من طرفي الأول، وهو الذي يلينا (إلى آخرِهِ) أي: إلى طرفه الآخر، وهو الذي يلي الصحابيَّ، ولَزِمَك أيضًا تضعيفُ الأحاديثِ الصحيحةِ المشهورةِ.

(وذلك) اللُّزومُ في الموضعين (أَنَّ الحديثَ) المعنعنَ (الوَارِدَ علينا) أي: الواصلَ إلينا (بإسنادِ هشامِ بنِ عُرْوَةَ) بنِ الزبَير بنِ العَوَّام (عن أبيه) عروةَ (عن عائشة) أُمِّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها.

ص: 507

فَبيَقِينٍ نَعْلَمُ أَنَّ هِشَامًا قَدْ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ، وَأَن أَبَاهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ، كَمَا نَعْلَمُ أَن عَائِشَةَ قَدْ سَمِعَتْ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

وَقَدْ يَجُوزُ -إِذَا لَمْ يَقُلْ هِشَامٌ فِي رِوَايَةِ يَرْويهَا عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ أَوْ أَخْبَرَنِي- أَنْ يَكُونَ بَينَهُ وَبَينَ أَبِيهِ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ إِنْسَانٌ آخَرُ

ــ

وقوله: (فَبِيَقِينٍ) متعلِّقٌ بقوله: (نَعْلَمُ)، وجملةُ (نعْلَمُ) في محل الرفع خبر (أن) في قوله:(أن الحديث)، وجملة أن في تأويل مصدرِ مرفوع على كونه خبرًا لذلك، والجملةُ الاسميةُ مستانفةٌ استئنافًا بيانيًّا؛ أي: نَعْلَمُ علمًا مُلْتَبسًا بيقين وإدراكٍ جازمٍ (أَن هشامًا) وإنْ عَنْعَنَ (قد سَمعَ من أبيه) عُرْوَةَ بلا واسَطةٍ (و) نَعْلَمُ بيقينٍ (أن أباه) عروةَ وإنْ عَنْعَنَ (قد سَمعَ من عائشة) أُمِّ المؤمنين رضي الله عنها.

وقوله: (كما نَعْلَمُ) الكافُ صفةٌ لمصدر محذوفٍ، و (ما) مصدريةٌ، والتقديرُ: فنَعْلَمُ سماعَ هشامٍ عن أبيه عن عائشةَ عِلْمًا يقينيًا كائنًا كعلمنا يقينًا (أَنَّ عائشةَ قد سَمِعَتْ من النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

(و) مع علمنا يقينًا سماع هشام عن أبيه وسماع أبيه عن عائشة (قد يَجُوزُ) ويحتمل (إذا لم يَقُلْ هشامُ) بن عروة (في روايةٍ يَرْويها) أي: يروي تلك الروايةَ (عن أبيه) عروة.

وقولُه: (سَمِعْتُ أو أخبرني) مقول محكي ل (يقُلْ)، و (إذا) ظرفٌ مُجَرَّدٌ عن معنى الشرط متعلِّقٌ بيجُوزُ.

وجملةُ قوله: (أَنْ يكونَ بينَه) أي: بينَ هشامٍ (وبينَ أبيه) عروةَ: في تأويلِ مصدرٍ فاعلُ (يَجُوزُ)، والظرفان خبرٌ مُقَدَّم لـ (يكونَ).

والجارُّ والمجرورُ في قوله: (في تلك الروايةِ) التي لم يُصَرِّحْ فيها بسَمِعْتُ أو أخبرني متعلِّق بالاستقرار الذي تعلق الظرفان به.

وقولُه: (إنسان آخَرُ) أي: غيرُ عروة: اسمُ يكونَ مؤخَّرٌ، والتقديرُ: ومع عِلْمِنا

ص: 508

أَخْبَرَهُ بِهَا عَنْ أَبِيهِ، وَلَمْ يَسْمَعْهَا هُوَ مِنْ أَبِيهِ لَمَّا أَحَبَّ أَنْ يَرْويَهَا مُرْسَلًا،

ــ

السماع المذكور علمًا يقينيًّا قد يحتمل كون إنسان آخر كائنا بينه وبين أبيه وقتَ عدم قوله: سَمِعْتُ أو أخبرني.

وقولُه: (أَخْبرهُ) أي: أَخْبَرَ ذلك الإنسانُ هشامًا (بها) أي: بتلك الرواية التي لم يُصَرّح فيها بالسماع أو بالإخبار: صفةٌ ثانيةٌ لإنسانٌ؛ أي: إنسانٌ آخَرُ مخْبِرٌ إياهُ بها (عن أبيه و) الحالُ أن هشامًا (لم يَسْمَعْهَا) أي: لم يَسْمَعْ تلك الرواية (هو) أي: هشامٌ، و (هو) تأكيدٌ لضمير الفاعل المستتر في (يَسْمَعْها) أي: يحتملُ أنْ يكونَ بينه وبينَ أبيه إنسانٌ آخرُ مخبر له إيَّاها والحالُ أنه لم يسمعها (مِنْ أَبيه) عروةَ.

ويحتمل كون جملة قوله: (ولم يسمعها هو من أبيه) معطوفةً على جملة قوله: (أن يكونَ) على كونها فاعلًا لـ (يجوزُ)، والتقديرُ: ومع علمنا ذلك قد يجوزُ ويحتملُ كونُ إنسانٍ آخرَ بينه وبين أبيه وعدمُ سماعِه إياها من أبيه وقت عدم قوله: سمعتُ أو أخبرني.

وقوله: (لَمَّا) بفتح اللام وتشديد الميم ظرفٌ بمعنى حينَ متعلِّقٌ بقوله: (لَمْ يَقُلْ)، وجملة (أَحَبَّ) مضافٌ إليه ل (لمَّا)، والتقدير: وقد يجوز إذا لم يَقُلْ هشامٌ: سمعتُ أو أخبرني حين محبَّتِه.

وجملةُ قوله: (أَنْ يَرْويها) في تأويل مصدرٍ منصوبٍ على المفعولية لـ (أحَبَّ) أي: حينَ محبته رواية تلك الرواية حالة كون الحديث (مُرْسلًا) بفتح السين؛ أي: منقطعًا، وضُبِطَ (لِمَا) بكسر اللام على أنها جارة معللة لعدم قوله، وتخفيف (ما) على أنها مصدرية، وجملة (أَنْ يَرْويَها) مفعول أَحَبَّ، (مُرْسلًا) بكسر السين على أنه حالٌ من فاعل (يَرْويها)، والجار والمجرورُ متعلِّقٌ بيقُلْ أيضًا، والتقديرُ: وقد يجوزُ أنْ يكونَ بينه وبين أبيه إنسانٌ آخَرُ إذا لم يَقُلْ: سمعتُ أو أخبرني لمحبته روايتَه إياها حالة كونه مرسِلًا؛ أي: مُسْقِطًا الواسطةَ بينَه وبينَ أبيه.

وقوله: (لَمَّا أَحَبَّ) قال النوويُّ: (ضَبَطْناه "لَمَّا" بفتح اللام وتشديد الميم،

ص: 509

وَلَا يُسْنِدَهَا إِلَى مَنْ سَمِعَهَا مِنْهُ، وَكَمَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ .. فَهُوَ أَيضًا مُمْكِنٌ فِي أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، وَكَذَلِكَ كُل إِسْنَادٍ لِحَدِيثٍ لَيسَ فِيهِ ذِكْرُ سَمَاعِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ.

وَإِنْ كَانَ قَدْ عُرِفَ فِي الْجُمْلَةِ

ــ

و"مُرْسلًا" بفتح السين، ويجوزُ تخفيف "لما" وكسر سين "مُرْسِلا") اهـ (1).

قلت (2): يَعْني مع كسر اللام في (لما) على أنها للتعليل.

وقولُه: (ولا يُسْنِدَها) بالنصب معطوفٌ على (يَرْويَها)، والتقديرُ: حينَ أحبَّ أنْ يَرْويها مُرْسلًا وأَحَبَّ أنْ لا يُسْنِدَ تلك الرواية ولا يَنْسُبَها (إلى مَنْ) قد (سَمِعَها منه) الذي هو الواسطة بينه وبين أبيه، وجملة قوله:(ولا يُسْنِدَها) مفسِّرةٌ لجملةِ قوله: (أَنْ يَرْويَها مُرْسَلًا).

وجملةُ قوله: (وَكَمَا يُمْكِنُ ذلك

) إلخ مستأنفةٌ، والكافُ فيه صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، و (ما) مصدريةٌ؛ أي: وكَمَا يُمْكِنُ ذلك؛ أي: كَوْنُ إنسانٍ آخر (في) رواية (هشامٍ عن أبيه .. فهو) أي: كونُ إنسانٍ آخر.

وقولُه: (أيضًا) مفعولٌ مطلقٌ لفعلٍ محذوفٍ مُقَدَّم على مَحَلِّه؛ أي: إضت أيضًا؛ أي: رجعتُ رُجوعًا إلى بيان الإمكان (مُمْكِنٌ) خبرٌ عن ضمير الغائب؛ أي: فهو مُمْكِنٌ أيضًا (في) رواية (أبيه عن عائشةَ) رضي الله تعالى عنها، والمعنى: فكَوْنُ إنسانٍ آخَرَ مُمْكِن أيضًا في رواية أبيه عن عائشة إمكانا كإمكانه في روايةِ هشامٍ عن أبيه.

(وكذلك) أي: ومثل ذلك المذكور من إسناد هشام عن أبيه في الاحتمال المذكور (كل إسنادٍ لحديثٍ) أيَّ: إسنادٍ كان (ليس فيه) أي: في ذلك الإسنادِ (ذِكْرُ) وتصريحُ (سماع بعضهم من بعضٍ) وإخباره عنه (وإنْ كان) الشأنُ والحالُ، فـ (كان) شأنيةٌ (قد عُرِفَ) وصُرِّحَ (في الجُمْلَةِ) أي: في بعض الأسانيد غير ذلك الإسناد المعنعن.

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 133).

(2)

القائل هو السنوسي في "مكمل إكمال الإكمال"(1/ 42).

ص: 510

أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُم قَدْ سَمعَ مِنْ صَاحِبِهِ سَمَاعًا كَثيرًا .. فَجَائِزٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْزِلَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَةِ فيَسْمَعَ مِنْ غَيرِهِ عَنْهُ بَعْضَ أَحَادِيثِهِ، ثُمَّ يُرْسِلَهُ عَنْهُ أَحْيَانا وَلَا يُسَمِّيَ مَنْ سَمعَ مِنْهُ، وَيَنْشَطَ أَحْيَانًا فَيُسَمِّيَ الرجُلَ الَّذِي حَمَلَ عَنْهُ الْحَدِيثَ وَيَتْرُكَ الإِرْسَال

ــ

وجملةُ قوله: (أن كُلَّ واحدٍ منهم) نائبُ فاعلٍ لـ (ـعُرِفَ) أي: وإنْ كان الشأنُ قد عُرِفَ وعُلِمَ في الأسانيد أن كُل واحدٍ من رُواته (قد سَمعَ منْ صاحبه) وشيخه الذي رَوَى له (سماعًا كثيرًا).

وقولُه: (فجائز) إلى آخره تصريحٌ بما عُلِمَ من التشبيه في كذلك؛ أي: فكَما جازَ ذلك في إسنادِ هشام عن عروة .. يجوزُ ويحتمل (لِكُلِّ واحدٍ منهم)، وفي بعض النُّسخ:(على كُل واحدٍ منهم) والحرفان بمعنى في؛ أي: فكذلك يَحْتَمِلُ في كُلِّ واحدٍ من هؤلاء الرُّواة (أَنْ يَنْزِلَ) من شيخِه وصاحبه الذي رَوَى عنه أولًا (في بعضِ الروايةِ فيَسْمَعَ) وَيرْويَ (من غَيره) أي: من غير صَاحبه الذي رواه أولًا حالة كون ذلك الغير راويًا (عنه) أي: عن صاحبه وشيخه الأول.

وقولُه: (بعضَ أحاديثه) مفعولُ (يَسْمَع) أي: أَنْ يَنْزِلَ ويَسْمَعَ بعضَ أحاديثِ صاحبه وشيخه عن غيره حالة كون ذلك الغير راويا عن صاحبه وشيخه.

وقولُه: (ثُمَّ يُرْسِلَه) كسلًا في بعض الأحيان: معطوفٌ على (يَسْمَعَ) أي: ثم يروي بعد سماعه من ذلك الغيرِ كسلًا عن ذِكْرِه (عنه) أي: عن صاحبه وشيخهِ الأولِ كأنَّه سَمِعَه منه لا من ذلك الغير.

وقولُه: (أحيانًا) أي: في بعض الأزمنة: ظرفٌ متعلِّقٌ بـ (يُرْسِلَهُ).

وجملةُ قوله؛ (ولا يُسَمِّي) أي: والحالُ أنه لا يذْكُرُ في السند اسمَ (مَنْ سَمعَ منه) ذلك البعض وهو ذلك الغيرُ: حالٌ من فاعل (يُرْسِلَه).

(وَينْشَطَ أحيانًا) بفتح الياء والشين من نَشِطَ الرجلُ بالكسر إذا خَفَّ جِسْمُه، يَنْشَطُ بالفتح من باب عَلِمَ نشاطًا بالفتح فهو نشيط ضد كَسِلَ؛ أي: وينشط ويخف في بعض الأحيان.

(فيُسَمِّيَ) أي: فيَذْكُرَ في السَّنَدِ (الرجلَ الذي حَمَلَ) وروى (عنه الحديثَ ويَتْرُكَ الإرْسَال) أي: إسقاطَه من السند.

ص: 511

وَمَا قُلْنَا مِنْ هَذَا مَوْجُودٌ فِي الْحَدِيثِ مُسْتَفِيضٌ مِنْ فِعْلِ ثِقَاتِ الْمُحَدِّثِينَ وَأَئِمَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَسَنَذْكُرُ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ عَلَى الْجهَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا عَدَدا يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى. فَمِنْ ذَلِكَ: أَن أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِي وَابْنَ الْمُبَارَكِ وَوَكِيعًا وَابْنَ نُمَيرٍ وَجَمَاعَةً غَيرَهُمْ رَوَوْا عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ [صلى الله عليه وسلم] لِحِلِّهِ

ــ

(وما قُلْنا) هـ وذَكَرْناه (مِنْ هذا) المذكور من الإرسال وتركه (موجودٌ في) رواياتِ أهل (الحديث مُسْتَفِيضٌ) شائعٌ فيها حالة كونه (مِنْ فِعْلِ ثِقَاتِ المُحَدِّثين) وعَمَلِهم (و) من عادةِ (أئمَّةِ أهلِ) هذا (العِلْمِ) والحديث، والله سبحانه وتعالى أعلم.

(وسَنَذْكُرُ) قريبًا إن شاء الله تعالى (من رواياتهم) أي؛ من روايات ثقاتِ المحدِّثين وأئمتهم (على الجهة التي ذكرنا) ها والكيفية التي بيناها من إرسالهم في حالة عدم النشاط وتركه في حالة نشاطهم (عددًا) قليلًا يكون سِمةً (يُسْتَدَلُّ بها على) عَدَدٍ (أَكْثَرَ منها إنْ شاءَ الله) سبحانه و (تعالى) ذِكْرَنا إياها.

وأنَّثَ الضمير العائد على العدد مع كونه مذَكَّرًا؛ نظرًا إلى كونه بمعنى الأفراد.

(فـ) ـنقول (مِنْ ذلك) العدد الذي وَعَدْنا ذكره ليكون سمةً يُسْتَدَلُّ بها على غيره: (أن أيوبَ) بنَ أبي تميمة كَيسانَ (السَّخْتِيَانيَّ) العنَزيَّ البصريَّ، ثقة ثَبْت حُجَّة من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، (و) عبدَ اللهِ (بنَ المُبَارَكِ) بن واضح الحنظلى المَرْوزِيَّ، ثقة ثَبْت من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين ومائة، (ووَكِيعًا) هو ابنُ الجَرَّاح بن مليح الرُّؤَاسيُّ الكوفي، ثقة حافظٌ من كبار التاسعة، مات في آخر سنة ست وأول سنة سبع وتسعين ومائة، (و) عبدَ الله (ابنَ نُمَيرٍ) بالنون مصغرًا الهمداني الكوفي، ثقة صاحب حديث، من كبار التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومائة، (و) أن (جماعةً غيرَهم) أي: غير هؤلاء الأربعة كابن جُرَيج وشُعْبة ومَعْمَر واللَّيث ويونس بن يزيد (رَوَوْا) أي: رَوَى كُلٌّ من هؤلاء (عن هشام بن عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوام (عن أبيه) عُرْوةَ (عن عائشةَ) أُمِّ المؤمنين رضي الله عنها قالتْ) عائشةُ: (كنتُ أُطَيِّبُ رسول الله [صلى الله عليه وسلم] لحِلِّهِ) أي: عند حِلّه التحلُّلَ

ص: 512

وَلحُرْمِهِ بِأطْيَبِ مَا أَجِدُ، فَرَوَى هَذِهِ الرِّوايَةَ بِعَينهَا اللَّيثُ بْنُ سَعْدٍ وَدَاوُدُ الْعَطَارُ وَأَبُو أُسَامَةَ

ــ

الأولَ (ولِحُرْمِهِ) أي: وقَبْلَ إحرامه عند إرادة الإحرام (بأَطْيَب ما أَجدُ) أي: بأحسنِ ما أَجِدُ من أنواع الطِّيب.

قال النوويُّ: (يُقال: حُرْمه بضم الحاء وكسرها لغتان، ومعناه: لإحرامه، قال القاضي عياضٌ (1) رحمه الله تعالى: قَيَّدْناه عن شيوخنا بالوجهين، قال: وبالضم قيَّدَه الخَطَّابيُّ والهَرويُّ، وخطَّأ الخطَّابيُّ أصحابَ الحديث في كسره، وقَيَّدَه ثابتٌ بالكسر، وحَكَى عن المُحدِّثين الضمَّ وخطأهم فيه وقال: صوابه الكسر كما قال: لحلِّه.

وفي هذا الحديث استحبابُ التطيُّب عند الإحرام، وقد اختلف فيه السَّلَفُ والخَلَفُ، ومذهب الشافعيِّ وكثيرين: استحبابه، ومذهبُ مالك في آخرين: كراهته، وسيأتي بَسْطُ المسألة إن شاء الله تعالى في كتاب الحجّ) اهـ (2).

وروى هشامٌ في هذه الرواية عن أبيه عروةَ مُرْسِلًا؛ أي: مُسْقِطًا لعثمان بن عروة الذي كان واسطةً بينه وبين أبيه (فَرَوَى هذه الروايةَ بعَينِها) أي: بلفظها عن هشام بن عروة: (اللَّيثُ بن سَعْدِ) بن عبد الرحمن الفهمي -بفتح أوله وسكون ثانيه- نسبةٌ إلى بني فهم مولاهم، أبو الحارث المصري، ثقة ثَبْت إمام فقيه مشهور، من السابعة، مات في شعبان سنة خمسٍ وسبعين ومائة.

(وداودُ) بن عبد الرحمن (العَطارُ) أبو سليمان المكيُّ.

روى عن عَمْرو بن دينار ومنصور بن صفية وابن جُرَيج وغيرهم، ويروي عنه (ع) وقتيبة ويحيى بن يحيى وابن وهب، ثقة من الثامنة، مات سنة خمس وسبعين ومائة له في (خ) فرد حديث.

(و) حَمَّادُ بن أسامة الهاشميُّ مولاهم (أبو أسامةَ)(3) الكوفي.

(1)"إكمال المعلم"(1/ 172 و 4/ 88).

(2)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 134).

(3)

في بعض النسخ تأخير (وأبو أُسامة) بعد قوله: (ووُهَيب بن خالد)، وكذلك في "النكت الظراف" المطبوع مع " تحفة الأشراف"(12/ 16) حديث رقم (16365).

ص: 513

وَحُمَيدُ بْنُ الأَسْوَدِ وَوُهَيبُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ هِشَامٍ قَال: أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

ــ

قال في "التقريب": ثقةٌ ثبتٌ ربما دَلَّسَ، من كبار التاسعة، مات سنة إحدى ومائتين وهو ابن ثمانين سنة.

(وحُمَيدُ بن الأسود) بن الأشقر البصريُّ، أبو الأسود الكرابيسيُّ نسبة إلى بيع الكرابيس وهي الثيابُ كما في "اللباب"(3/ 98).

روى عن هشام بن عروة وابن عَوْن وعبد العزيز بن صُهَيب وعبد الله بن سعيد بن أبي هند وغيرهم، ويروي عنه (خ عم) وحفيده أبو بكر بن محمد بن أبي الأسود وعبد الرحمن بن مهدي وبكر بن خلف وابن المبارك وسعيد بن عامر ومُسَدَّد وابن المديني وآخرون.

وقال في "التقريب": صدوقٌ يهم قليلًا، من الثامنة، وقال أبو حاتم: ثقة، وقال الساجيُّ والأزدي: صدوقٌ عنده مناكير.

(ووُهَيبُ بن خالدِ) بن عجلان الباهليُّ مولاهم، أبو بكر البصريُّ.

روى عن حُمَيد الطويل وأيوب وخالد الحذَّاء وداود بن أبي هند وغيرهم، ويروي عنه (ع) وإسماعيل ابن عُلَيَّة وابن المبارك وابن مهدي والقطان وغيرهم.

وقال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ لكنه تغيَّرَ قليلًا بآخَرَةٍ، من السابعة، مات سنة خمس وستين ومائة.

كلهم (عن هشامِ) بن عروة (قال: أخبرني) أخي (عثمانُ بن عُرْوَةَ) بن الزبَير بن العَوَّام الأسديُّ المدنيُّ.

روى عن أبيه في (خ م) فرد حديث، ويروي عنه (خ م دس ق) وأخوه هشام وابن عُيَينة، وثَّقَه ابنُ مَعِين والنسائيُّ.

وقال في "التقريب": ثقةٌ، من السادسة، مات قبل الأربعين ومائة.

(عن عُرْوَةَ) بنِ الزُّبَير (عن عائشةَ) أُمِّ المؤمنين رضي الله عنها (عن النبي صلى الله عليه وسلم فَرَوَى هشامٌ في هذه الطريقة مُسْنِدًا بذِكْر عثمان الذي سَمِع من

ص: 514

وَرَوَى هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالتْ: كَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِذَا اعْتَكَفَ .. يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ وَأنَا حَائِضٌ،

ــ

عروة، لا مُرْسلًا كما في الطريقة الأولى، فالإسنادُ في حالة النشاط والإرسالُ في غيرها من دأبِ المحدِّثين وأئمَّةِ أهلِ العلم، فلا يَقْتَضِي ضَعْفَ الحديث وعدم الاحتجاج به (1).

(وَرَوَى هشامُ) بن عروة (عن أبيه) عروة (عن عائشةَ) مُرْسلًا (قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اعتكفَ) ولبث في المسجد بنيه العبادة ( .. يُدْنِي) ويُقَرِّبُ من طاقة المسجد وهو في المسجد (إليَّ رأسَه) وأنا في حجرتي لأُرَجِّل شَعَره (فأُرَجِّلُه) أي: فَأُرَجِّلُ شَعَرَه وأسَرِّحُه (وأنا حائضٌ) أي: والحالُ أني غيرُ طاهرٍ، فأَرْسَلَ هشامٌ بإسقاط عمرة بين عروة وعائشة.

قال النووي: (وفي هذا الحديث جُمَلٌ من العِلْم:

منها: أن أعضاءَ الحائضِ طاهرةٌ، وهذا مُجْمَعٌ عليه، ولا يَصِحُّ ما حُكِيَ عن أبي يوسف من نجاسة يدها.

وفيه: جوازُ ترجيل المعتكف شَعَرَه، ونَظَرُهُ إلى امرأته، ولمسها شيئًا منه بغير شهوةٍ منه.

واستدلَّ بهذا الحديث أصحابُنا وغيرُهم على أن الحائضَ لا تدخل المسجد، وأنَّ الاعتكافَ لا يكونُ إلا في المسجد، ولا يظهر فيه دلالةٌ لواحدِ منهما؛ فإنه لا شكَّ في كون هذا هو المحبوبَ، وليس في هذا الحديث أكثرُ من هذا، فأمَّا الاشتراطُ والتحريمُ في حقِّها .. فليس فيه، لكنْ لذلك دلائلُ، أُخَرُ مقرَّرَةٌ في كتب الفقه.

واحْتَجَّ القاضي عِيَاضٌ (2) رحمه الله تعالى به على أن قليلَ الملامسة لا تَنْقُضُ الوضوءَ ورَدَّ به على الشافعي، وهذا الاستدلالُ منه عَجَبٌ، وأيُّ دلالة فيه لهذا؟ ! وأين في هذا الحديث أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لمس بشرة عائشة رضي الله عنها

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 134 - 135).

(2)

"إكمال المعلم"(1/ 173).

ص: 515

فَرَوَاهَا بِعَينهَا مَالِكُ بْنُ أَنسٍ، عَنِ الزهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النبِيِّ صلى الله عليه وسلم

ــ

وكان على طهارةٍ ثمَّ صلَّى بها؟ فقد لا يكون متوضئًا، ولو كان .. فما فيه أنه ما جَدَّدَ طهارةً، ولأن الملموس لا ينتقض وضوؤه على أحد قولي الشافعية، ولأن لمس الشعر لا ينقض عند الشافعي، كذا نَصَّ في كُتُبِهِ، وليس في الحديث أكثرُ من مسّها الشعر، والله أعلم) اهـ (1).

(فَرَوَاها) أي: فَرَوَى هذه الروايةَ (بَعْيِنها) أي: بلفْظِهَا (مالكُ بن أنَّسٍ) بن مالك أبو عبد الله المدنيُّ الإمامُ الأعظمُ الفقيهُ، من السابعة، مات سنة تسعٍ وسبعين ومائة، وله تسعون سنة، ودُفن بالبقيع، وقبره مشهورٌ هناك.

(عن) محمد بن مسلم بن عُبَيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي (الزُّهْرِيِّ) أبي بكر المدني، عالم الحجاز والشام.

قال في "التقريب": حافظٌ مُتْقِنٌ مُتَّفَقٌ على جلالته وإتقانِه، وهو من رؤوس الطبقة الرابعة، مات سنة خمسٍ وعشرين ومائة، (عن عُرْوَةَ) بنِ الزُّبَيرِ المدنيِّ، (عن عَمْرَةَ) بنتِ عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة الأنصارية المدنيةِ الفقيهةِ، سَيّدة نساء التابعين.

رَوَتْ عن عائشة وأُمّ حبيبة وأُمّ سلمة وطائفة، ويروي عنها (ع) وأبو بكر بن حَزْم وسُلَيمان بن يَسَار والزهري وخلق، وثَّقَها ابنُ المديني وفخَّمَ شأنَها.

وقال في "التقريب": ثقةٌ من الثالثة ماتت قبل المائة.

(عن عائشة) مسندًا رضي الله عنها (عن النبي صلى الله عليه وسلم فأَرْسَلَ هشامٌ في الطريقة الأولى بإسقاط عَمْرة بنت عبد الرحمن التي روى عنها عروةُ بن الزبَير، وأسند الزهْرِيُّ بذكْرِها ولم يُرْسِلْ كما أرسل هشامٌ في روايته.

(1) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (وقد نقل الحُمَيدِيُّ عن سفيان بن عُيَينَةَ: قال لي عثمان بن عروة: ما يَرْوي هشامٌ هذا الحديث إلا عنّي، قلتُ: فعلى هذا: إمَّا أن يكون هشامٌ دَلَّسه، وإمَّا أن يكون ممَّن رواه عنه بدن ذِكْر عثمان سواه)"النكت الظراف"(12/ 16) حديث (16365).

ص: 516

وَرَوَى الزُّهْرِيُّ وَصَالِحُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ،

ــ

(ورَوَى) محمدُ بن مسلمٍ (الزُّهْرِيُّ) المدنيُّ. (وصالحُ بن أبي حَسَّان) المدنيُّ.

روى عن عبد الله بن حنظلة بن الرَّاهب وسعيد بن المُسَيّب وأبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الله بن أبي قتادة، ويروي عنه (ت س) بواسطة وابنُ أبي ذئب وخالدُ بن إلياس وبُكَير بن الأَشجّ.

قال الترمذيُّ: سمعتُ محمدًا يقول: صالحُ بن حَسَّان منكرُ الحديث، وصالحُ بن أبي حسان الذي روى عنه ابنُ أبي ذئب ثقة، وقال النسائيُّ: مجهول، وقال أبو حاتم: ضعيفُ الحديث، قلتُ: وقال السَّاجِيُّ: مستقيمُ الحديث، وذكره ابنُ حِبّان في "الثقات".

وقال مسلمٌ في مقدّمة صحيحه: رَوَى الزُّهْرِيُّ وصالح بن أبي حَسَّان عن أبي سلمة عن عائشة في قُبْلة الصائم، وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة فأَدْخل بينه وبين أبي هريرة اثنين، أوردَ مسلمٌ ذلك فيما اختلفَ فيه الثقاتُ بالزيادةِ والنَّقْصِ. اهـ من "تهذيب التهذيب"(4/ 385 - 386).

وقال في "التقريب": صالح بن أبي حسان المدني، صدوقٌ من الخامسة (ت س).

قال النووي: (قوله: "ورَوَى الزهْرِي وصالحُ بن أبي حَسَّان" هكذا هو في الأُصول ببلادنا، وكذا ذكره القاضي عياضٌ (1) عن معظم الأصول ببلادهم، وذَكَرَ أبو علي الغَسَّاني (2) أنه وَجَدَ في نسخة الرازي أحد رواتهم: صالح بن كيسان، قال أبو علي: وهو وَهَمٌ، والصوابُ: صالح بن أبي حَسَّان، وقد ذَكَرَ هذا الحديث النسائي (3) وغيرُه من طريق ابن وَهْب عن ابن أبي ذئب عن صالح بن أبي حَسَّان، عن أبي سلمة.

قلتُ: قال الترمذيُّ عن البخاري: صالحُ بن أبي حسَّان ثقة، وكذا وثَّقه غيره،

(1)"المعلم"(1/ 185)، و"إكمال المعلم"(1/ 173).

(2)

"تقييد المهمل"(3/ 767).

(3)

"السنن الكبرى"(2/ 200 - 201) في كتاب الصيام، حديث رقم (3059).

ص: 517

عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، فَقَال يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثيرٍ

ــ

وإنما ذَكَرْتُ هذا؛ لأنه ربَّما اشْتَبَهَ بصالح بن حسَّان أبي الحارث البصري المدني -ويُقال: الأنصاري- وهو في طبقة صالح بن أبي حَسَّان هذا، فإنهما يرويان جميعًا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، ويروي عنهما جميعًا ابنُ أبي ذئب، ولكن صالح بن حَسَّان مُتَّفَقٌ على ضَعْفِه، وأقوالُهم في ضَعْفِه مشهورةٌ، وقال الخطيبُ البغداديُّ في "الكفاية": أجمع نُقَّادُ الحديثِ على تَرْكِ الاحتجاج بصالح بن حَسَّان، هذا لسوءِ حفظه وقلّة ضبطه، والله أعلم. اهـ (1).

(عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني أحدِ الأئمة، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه كنيته.

روى عن أبيه وعثمان بن عفان وطلحة وعُبادة بن الصامت وغيرهم، ويروي عنه (ع) وابنه عمر وأولاد إخوته سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن وعبد المجيد بن سُهيل بن عبد الرحمن وزرارة بن مصعب بن عبد الرحمن والأعرجُ وغيرُهم.

وقال ابنُ سعد: كان ثقة فقيهًا كثير الحديث، مات سنة أربع وتسعين.

(عن عائشةَ) مرسلًا عنها - رضي الله تعالى عنها - قالت: (كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُ) بعض نسائهِ (وهو صائمٌ).

(فقال يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، أحد الأعلام.

روى عن أنسٍ وجابرٍ وأبي أُمامة وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وهلال بن أبي ميمونة وآخرين، ويروي عنه (ع) وابنُه عبد الله وأيوبُ ويحيى بن سعيدِ الأنصاريُّ والأوزاعي وآخرون.

قال شعبة: يحيى بن أبي كثيرِ أحسنُ حديثًا من الزهْري، وقال أبو حاتم: إمامٌ لا يُحَدِّثُ إلا عن ثِقَةٍ.

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 135).

ص: 518

فِي هَذَا الْخَبَرِ فِي الْقُبْلَةِ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَهُ: أَن عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ

ــ

وقال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ لكنه يُدَلّسُ ويرْسِلُ، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة.

وقال النووي: (وأمَّا يحيى بن أبي كثير: فتابعيٌّ صغيرٌ، كنيته أبو نصر، رأى أنس بن مالك، وسمع السائبَ بنَ يزيد، وكان جليل القَدْر، واسمُ أبي كثير: صالحٌ، وقيل: يسار، وقيل: نشيط، وقيل: دينار) اهـ (1).

(في هذا الخَبَرِ) والحديثِ الواردِ (في) شَأْنِ (القُبْلَةِ) أي: في قُبْلَةِ الصائم المرأةَ، قال:(أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف، قال النوويُّ:(واسمُ أبي سلمة هذا عبدُ الله بن عبد الرحمن، هذا هو المشهور، وقيل: اسمه إسماعيل، وقال عَمْرو بن علي: لا يُعرف اسمه، وقال أحمد بن حنبل: كُنْيَتُه هي اسمه، حَكَى هذه الأقوال فيه الحافظ أبو محمد عبد الغني المقدسيُّ رحمه الله تعالى، وأبو سلمة هذا من أَجَلِّ التابعين ومن أَفْقَهِهم، وهو أحدُ الفقهاء السبعة على أحد الأقوال فيهم) اهـ (2).

أي: أخبرني أبو سلمة مسندًا: (أن عمر بن عبد العزيز) بن مروان بن الحكم الأُموي الحافظ، أمير المؤمنين من الرابعة، مات سنة إحدى ومائة، وله أربعون سنة (أخبره) أي أخبر أبا سلمة (أن عروة) بن الزبير (أخبره) أي: أخبر عمر بن عبد العزيز (أن عائشة أخبرته) أي: أخبرتْ عروة بن الزبير (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها) أي: يقبل: عائشة (وهو) صلى الله عليه وسلم (صائم).

قال النوويُّ: (اجتمَعَ في هذه الروايةِ أربعةٌ من التابعين يروي بعضهم عن بعض: أولهم: يحيى بن أبي كثير، وهو من أغرب لطائف الإسناد.

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 135).

(2)

المصدر السابق (1/ 136).

ص: 519

وَرَوَى أبْنُ عُيَينَةَ وَغَيرُهُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرٍ قَال: أَطْعَمَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لُحُومَ الْخَيلِ، وَنَهَانَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ،

ــ

وفيه لطيفةٌ أخرى أيضًا: وهو أنه من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ فإنَّ أبا سلمة من كبار التابعين، وعُمَرُ بن عبد العزيز من أصاغرهم سنًّا وطبقةً وإنْ كان من كبارهم علمًا وقدرًا ودينًا ووَرَعًا وزُهْدًا وغير ذلك) (1).

(وَرَوَى) سفيانُ (بن عُيَينة) بن أبي عمران ميمون الهلاليُّ مولاهم، أبو محمدِ الأعورُ الكوفيُّ ثم المكيُّ.

وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ إمامٌ حُجَّةٌ إلا أنه تغيَّرَ حفظُه في أَخَرَةٍ، من رؤوس الطبقة الثامنة، مات في رجب سنة ثمانٍ وتسعين ومائة وله إحدى وتسعون سنة.

و(وغيرُه) أي: وغير ابنِ عُيَينة كالثَّوْري وشعبة والحَمَّادَينِ مُرْسِلِين (عن عَمْرِو بن دينارٍ) الجمحي مولاهم، أبي محمد المكي أحد الأئمة الأعلام.

قال في التقريب: ثقة ثَبْت، من الرابعة، مات سنة خمس أو ست وعشرين ومائة في أولها.

(عن جابرِ) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي أبي محمد المدني رضي الله عنه صحابي ابن صحابي مشهور، مات في المدينة بعد السبعين وهو ابن أربع وتسعين.

وقال الفلَّاسُ: مات سنة ثمان وسبعين عن أربع وتسعين سنة.

(قال) جابرٌ: (أَطْعَمَنا) أي: أَحَلَّ لنا (رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لُحُومَ الخيلِ ونهانا عن) أَكْلِ (لُحُومِ الحُمُرِ الأهلية) أي: الإنسية، خَرَجَ بالأهلية الوحشية؛ فهي حلال، وفي بعض النُّسَخ إسقاطُ (الأهليَّةِ) وهو خطأٌ من النُّساخ؛ لأنه قيدٌ لا بُدَّ منه لصحة المعنى.

(1)"شرح صحيح مسلم": (1/ 135 - 136).

ص: 520

فَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

وَهَذَا النَّحْوُ فِي الرِّوَايَاتِ كَثيِرٌ يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا

ــ

(فرواه) أي: فَرَوَى هذا الحديثَ بعينه مسندًا (حَمَّادُ بْنُ زيدِ) بن درهم الأزدي أبو إسماعيل البصريُّ، ثقةٌ ثبت فقيهٌ، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومائة، وله إحدى وثمانون سنة (عن عَمْرِو) بن دينار الجمحي، (عن مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ) بن أبي طالب الهاشمي المدني أبي محمد الإمام المعروف بابن الحنفية، نسب إلى خولة بنت جعفر الحنفية المنسوبة إلى بني حنيفة.

روى عن أبيه وعثمان وعمار، ويروي عنه (ع) وبنوه إبراهيم وعبد الله والحسن وعَمْرو بن دينار وخلق.

وقال في "التقريب": ثقة عالم، من الثانية، مات سنة ثمانين.

(عن جابرِ) بن عبد الله الصحابيِّ الجليل، (عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فأَرْسَلَ ابنُ عُيَينة عن عَمْرو بن دينارٍ بإسقاط محمد بن علي، وأسند حَمَّادٌ بذِكْرِه (1).

(وهذا النَّحْوُ) أي: وهذا المِثْلُ -وفي هذا التركيب تقديمٌ وتأخيرٌ- أي: ونَحْوُ هذا المذكور من الإرسال في بعض الروايات والإسناد في بعضها وهو مبتدأٌ، وقوله، (في الرِّوايات) متعلَّقٌ بقوله:(كثيرٌ)، وهو خبرُ المبتدإ؛ أي: ومِثْلُ هذا المذكور كثيرٌ في رواياتهم (يَكْثُرُ تَعْدَادُه) ويَصْعُبُ إحصاؤهُ بحيث يطولُ الكلام علينا.

وقولُه: (وفيما ذَكَرْنَاه)(منها) أي: من الروايات المرسلة والمسندة: خبرٌ مقدمٌ.

(1) في "سنن الترمذي"(4/ 223) كتاب الأطعمة (5 - باب ما جاء في أكل لحوم الخيل) عقب حديث سفيان عن عَمْرو بن دينار عن جابر (1793): (قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح، وهكذا روى غيرُ واحدٍ عن عَمْرو بن دينار عن جابر، ورواه حَمَّادُ بن زَيدٍ عن عَمْرو بن دينار عن محمد بن علي عن جابر، وروايةُ ابنِ عُيَينة أَصَحُّ، قال: وسمعتُ محمدًا يقول: سفيان بن عُيَينة أحفظُ من حَمَّاد بن زيد).

ص: 521

كِفَايَةٌ لِذَوي الْفَهْمِ. فَإذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ عِنْدَ مَنْ وَصَفْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ فِي فَسَادِ الْحَدِيثِ وَتَوْهِينهِ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الرَّاويَ قَدْ سَمعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ شَيئًا: إِمْكَانَ الإِرْسَالِ فِيهِ .. لَزِمَهُ تَرْكُ الاحْتِجَاجِ فِي قِيَادِ قَوْلهِ

ــ

وقوله: (كِفَايةٌ) وغنىً عن الزيادة عليها (لذوي الفَهْمِ) الثاقب ولأصحاب العقل الكامل: مبتدأٌ مؤخَّرٌ فلا حاجة إلى إكثارها وتعدادها وإطالةِ الكلام بها؛ لأنَّ الذكيَّ يعرفُ بالإشارة ما لا يعرفه الغبيُّ بألف عبارة.

والفاء في قوله: (فإذا كانت العِلَّةُ) والسبب فاءُ الفصيحة؛ لأنها أفصحتْ عن جواب شرطٍ مقدَّرٍ تقديره: إذا عرفت ما ذكرته لك من التفاصيل وأردتَ بيان حاصله .. فأقول لك: فإذا كانت العِلَّةُ

وإذا شرطيةٌ، وجملةُ كان فعل شرطها، و (العِلَّةُ) اسمُ كان، والعلَّةُ: المرضُ وَحَدثٌ يشغل صاحِبَهُ عن وجهه، كأنَّ تلك العلَّةَ صارت شُغْلًا ثانيًا منعه عن شُغله الأول اهـ "مختار".

أي: فإذا كان السببُ (عندَ مَنْ وَصَفْنا) وذكرنا (قولَه) وزَعْمَه الفاسدَ (مِنْ قَبْلُ) متعلِّقٌ بوصفنا، وهو الذي يَشْتَرِطُ التلاقي والاجتماعَ في الاحتجاج بالحديث المعنعن (في فَسَادِ الحديثِ) وضَعْفِه في نفسه (وتَوْهِينِهِ) أي: وتضعيف الحديث والحُكْمِ بضعفه، والجارُّ والمجرورُ متعلِّق بالعِلَّةِ.

و(إذا) في قوله: (إذا لم يُعْلَمْ) مُجَرَّدٌ عن معنى الشرط تَنَازَعَ فيه المصدران قبله؛ أي: وإنْ كان السببُ عنده في ضَعْفِ الحديث وتوهينه وَقْتَ عدمِ عِلْمِ (أَنَّ الراويَ قد سَمعَ مِمَّنْ رَوَى عنه شيئًا) من الحديث قليلًا ولا كثيرًا؛ أَي: وقتَ عدم سماع الراوي مَمَّنْ رَوَى عنه شيئًا) من الحديث.

وقولُه: (إمْكَانَ الإِرْسَالِ) والانقطاع خبرُ كان، (فيه) أي: في إسنادِ الحديثِ المعنعنِ وقولُه: ( .. لَزِمَه) أي: لَزِمَ ذلك الزاعمَ جوابُ إذا، وقولُه:(تَرْكُ الاحتجاجِ) والاستدلال فاعلُ لَزِمَ.

وقولُه: (في قِيَادِ قوله) أي: بمقتضَى قوله ومُوجَبِ زَعْمِه: متعلِّقٌ بـ (لَزِمَه)، وهو بقاف مكسورة ثم ياء مثناة من تحتُ؛ أي: بمقتضى قوله وما يقوده إليه، و (في) بمعنى الباء.

ص: 522

بِرِوَايَةِ مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ سَمعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ، إِلَّا فِي نَفْسِ الْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ السَّمَاعِ؛ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ عَنِ الأَئِمَّةِ الَّذِينَ نَقَلُوا الأَخْبَارَ أَنَّهُمْ كَانَتْ لَهُمْ تَارَاتٌ يُرْسِلُونَ فِيهَا الْحَدِيثَ إِرْسَالًا وَلَا يَذْكُرُونَ مَنْ سَمِعُوهُ مِنْهُ، وَتَارَاتٌ يَنْشَطُونَ فِيهَا فَيُسْنِدُونَ الْخَبَرَ عَلَى هَيئَةِ مَا سَمِعُوا، فَيُخْبِرُونَ بِالنُّزُولِ فِيهِ إِنْ نَزَلُوا

ــ

وقولُه: (بروايةِ مَن يُعْلَمُ) متعلِّقٌ بالاحتجاج؛ أي: لَزمَه بمقْتَضَى قولي وموجَبِ زعمه الفاسدِ تركُ الاحتجاج والاستدلال برواية مَنْ يُعْلَمُ (أنَّه قد سَمعَ مِمَّنْ) أي: من شيخهِ الذي (رَوَى عنه) مشافهةً.

والاستثناء في قوله: (إلَّا في نَفْسِ الخَبَرِ) مُفَرَّغٌ، والجار والمجرورُ متعلِّقٌ بـ (تَرْكُ) أي: تَرْكُ الاحتجاج بروايتِه المعنعنة إلّا في نَفْسِ الخبرِ والحديثِ (الذي فيه) أي: في ذلك الخبر (ذِكرُ السَّمَاعِ) أي: ذِكْرُ سماعه من شيخه والتصريحُ به.

وقولُه: (لِمَا بيَّنَّا مِنْ قَبْلُ) علَّةٌ لمحذوفٍ تقديرُه: وإنما قلنا: لزمَه في حديثِ راوٍ واحدٍ الاحتجاجُ بحديثه إذا صرَّحَ بالسَّماع؛ وتَرْكُه إذا لم يُصَرِّحْ بالسماع لما بيّنّا وذكَرْنا من قبل هذا المكان من الحالات الواقعةِ (عن الأئمَّةِ الذين نقلوا الأخبارَ) والعاداتِ الجاريةَ على ألسنتهم مِنْ (أنَّهم كانتْ لهم تاراتٌ) وجملة أن المفتوحة في محل الجرِّ بمن البيانية سِيقت لبيانِ ما الموصولةِ في قوله: (لِمَا بيَّنَّا)؛ لأن حذف الجارِّ مع أن وأَنْ مُطَّرِد كما هو القاعدةُ عندهم.

أَي: مِنْ أنهم كانتْ لهم حالاتٌ ليس لهم فيها نشاطٌ فـ (يُرْسِلُون فيها) أي: فيَرْوون في تلك الحالات (الحديثَ إرْسالًا) أي: روايةً مرسلةً أي: منقطعةً (ولا يَذْكُرُون) فيها (مَنْ سَمِعُوه منه) أي: مَنْ سَمِعُوا الحديثَ منه، وعَطْفُ جملة (لا يَذْكُرون) على (يُرْسِلُون) للتفسير.

(و) كانت لهم (تاراتٌ) أي: حالاتٌ (يَنْشَطُون فيها) أي: يَجِدُون فيها خِفَّةً

ونشاطًا (فيُسْنِدُونَ الخَبرَ) أي: فيَرْوُون فيها الخبر والحديث روايةً مسندةً (على هَيئَةِ ما سمِعُوا) أي: على صفة ما سمعوه من غير إرسالٍ ولا إسقاطِ راوٍ.

وقوله: (فيُخْبِرُون) معطوفٌ على يُسْنِدون؛ أي: فَيُخْبرُونَ الحديثَ (بالنُّزُولِ) والإسنادِ والإتمامِ (فيه) في سَنَدِه بلا إسقاط راوٍ (إنْ نَزَلُوا) أي: إنْ أَرادوا النُّزول والاتمامَ في السَّنَد.

ص: 523

وَبِالصُّعُودِ إِنْ صَعِدُوا كَمَا شَرَحْنَا ذَلِكَ عَنْهُمْ. وَمَا عَلِمْنَا أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ مِمَّنْ يَسْتَعْمِلُ الأَخْبَارَ

ــ

(و) يَرْوُون (بالصُّعُودِ) والعُلُوِّ (إنْ صَعِدُوا) أي: إنْ أرادوا الصُعُودَ والعُلُوِّ في السند (1).

وهو راجعٌ إلى قوله: (فيُرْسِلُون)(كَمَا شَرَحْنَا) وبيَّنَّا (ذلك) الإرسال والإسنادَ حالة كونه منقولًا (عنهم) أي: عن أئمةِ الحديث ونُقالِ الأخبار بقولنا: (فجائزٌ لكُلِّ واحدٍ منهم أنْ يَنْزِلَ في بعض الرواية فيَسْمَعَ من غيره عنه بعضَ أحاديثِه ثُمَّ يُرْسِلَه عنه)

إلخ.

(وما عَلِمْنا) ولا عَرَفْنا (أحدًا من أئمَّةِ السَّلَفِ مِمَّنْ يَستَعْمِلُ الأخبارَ) والأحاديثَ

(1) قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: (قال مسلمٌ عن الرواة: "فيُخبرون بالنُّزول فيه إنْ نزَلُوا، وبالصُّعُودِ إنْ صَعِدُوا" يُريد بذلك في الروايات والنزول فيها: هي الرواية عن الأقران وطبقة المحدّث ومَنْ دونه، أو بسَنَدٍ يُوجَدُ أعلى منه وأقل رجالًا، والصُّعودُ: الروايةُ بالسَّنَدِ العالي، والقُرْبُ فيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم بقِلّة عددِ رجاله، أو مِنْ إمامٍ مشهورٍ حَدَّث به.

هذا هو طريق أهل الصَّنعة ومذهبهم، وهو غاية جهدهم وحرصهم، وبمقدارِ عُلُوِّ حديث الواحد منهم .. تكثرُ الرحلةُ إليه والأخذُ عنه، مع أن له في طريق التحقيق والنظر وجهًا، وهو: أن أخبارَ الآحادِ ورواياتِ الأفراد لا تُوجبُ عِلْمًا، ولا يُقطع على مغيَّب صدقها؛ لجوازِ الغفلات والأوهام والكذب على آحاد الروَاة، لكنْ لمعرفتِهم بالصِّدْقِ ظاهرًا وشهرتِهم بالعدالة والستر غَلَبَ على الظن صحةُ حديثهِم وصِدْقُ خبرهم، فكلفنا العمل به، وقامت الحُجَّةُ بذلك بظاهر الأوامر الشرعية، ومعلوم إجماع سلف هذه الأُمّة، ومغيب أمر ذلك كلّه لله تعالى.

وتجويزُ الوهم والغلط غيرُ مستحيل في كُلِّ راو ممَّن سُمِّيَ في سند الخبر، فإذا كثروا وطال السَّنَدُ .. كَثُرَتْ مظانٌّ التجويز، وكُلَّما قَلَّ العددُ .. قَلَّتْ، حتى إنَّ من سمع الحديثَ من التابعيِّ المشهورِ عن الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم .. كان أقوى طمأنينةً بصحّة حديثه، ثم مَنْ سَمِعَه من الصحابي .. كان أعلى درجةً في قُوّة الطمأنينة، وإنْ كان الوَهَمُ والنسيانُ جائزًا على البشر، حتى إذا سَمِعَه من النبي صلى الله عليه وسلم .. ارتفعتْ أسبابُ التجويز، وانْسَدَّتْ أبوابُ احتمالات الوَهَمِ وغير ذلك؛ للقَطْع أنه عليه الصلاة والسلام لا يجوزُ عليه شيءٌ من ذلك في باب التبليغ والخبر، وأنَّ جميعَ ما يُخْبرُ به حقٌّ وصِدْق) "إكمال المعلم"(1/ 175 - 176).

ص: 524

وَيَتَفَقَّدُ صِحَّةَ الأَسَانِيدِ وَسَقَمَهَا .. مِثْلَ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، وَابْنِ عَوْنٍ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَيَحْيى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيِّ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فتَّشُوا عَنْ مَوْضِعِ السَّمَاعِ فِي الأَسَانِيدِ كَمَا ادَّعَاهُ الَّذِي وَصَفْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ، وإنَّمَا كَانَ تَفَقُّدُ مَنْ تَفَقَّدَ مِنْهُمْ سَمَاعَ رُوَاةِ الْحَدِيثِ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُمْ

ــ

ويَستدِلُّ بها، فالسين والتاء فيه زائدتان؛ أي: ممَّن يبحث عن صحة العمل بالأخبار لصحتها وعدمها لضَعْفِها (وَيَتَفَقَّدُ) أي: ومِمَّن يُفتِّشُ ويبحث (صِحَّةَ الأسانيد) أي: يبحث عن صحتها بسلامتها من العلل والانقطاع والإرسالِ (وسَقَمَها) أي: عن ضَعْفِها بعدم سلامتها من ذلك، يعني بهم أئمةَ الجَرْح والتعديل (مِثْلَ أيوبَ) بن أبي تميمة (السَّخْتِيَانِيِّ و) وعبدِ الله (ابنِ عَوْنٍ ومالكِ بنِ أَنَسً) الإمامِ الأعظم (وشُعْبَةَ بنِ الحَجَّاجِ) العتكيِّ -وهو أوَّلُ من ابتكر في فن الجَرْح والتعديل- (ويحيى بنِ سعيدٍ القَطَّان وعبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدِيٍّ ومَنْ بعدَهم مِنْ أَهْلِ الحديثِ) وأئمّةِ الجَرْحِ والتعديل كالثَّوْرِيِّ والأوزاعيِّ وابنِ المديني وابنِ سَعْدٍ وابنِ مَعِينٍ والنَّسائيِّ والعِجْلِى والسَّاجيِّ.

وقوله: (فَتَّشُوا) وبَحَثُوا مفعولٌ ثانٍ لقوله: (وما عَلِمْنا) أي: وما عَلِمْنا أحدًا من أئمّةِ السلف أهلِ الجَرْح والتعديل كهؤلاء المذكورين آنفا فتَّشُوا وبَحَثُوا (عن مَوْضِعِ السَّمَاعِ) ووجُودِه (في) كُل (الأسانيد) سواء كان الراوي مُدَلِّسًا أم لا.

والكافُ في قوله: (كما ادَّعَاهُ الذي وَصَفْنا قولَه مِنْ قَبْلُ) صفةٌ لمصدر محذوفٍ، و (ما) موصولة بدليل ذِكْرِ العائد في قوله:(ادَّعَاهُ)، والموصولُ فاعلُ (ادَّعَاهُ)، والتقديرُ: وما عَلِمْنا أحدًا من علماء السلف فتَّشُوا عن موضع السماعِ في كُل الأسانيدِ تفتيشا مِثْلَ التفتيش الذي ادَّعاهُ وشَرَطَهُ هذا الزاعمُ الذي وَصَفْنا وذكَرْنَا قوله من قبل هذا المقام من أول الباب إلى هنا.

(وإنّما كان تَفَقُّدُ مَنْ تَفَقَّدَ) أي: طَلَبُ منْ طَلَبَ (منهم) أي: من أئمة السلف واشتراطُ مَنْ شَرَطَ منهم (سَمَاعَ) كُل راوٍ مِنْ (رُوَاةِ الحديثِ مِمَّنْ رَوَى عنهم) أي: ممَّنْ رَوَى عنه من الرواة، ولعلَّ الصوابَ:(مِمَّنْ رَوَوْا عنهم)؛ لأن مرجعَ ضمير الفاعل جمعٌ.

ص: 525

إِذَا كَانَ الرَّاوي مِمَّنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ فِي الْحَدِيثِ وَشُهِرَ بِهِ، فَحِينَئِذٍ يَبْحَثُونَ عَنْ سَمَاعِهِ فِي رِوَايَتِهِ، وَيَتَفَقَّدُونَ ذَلِكَ مِنْهُ؛ كَي تَنْزَاحَ عَنْهُمْ عِلَّةُ التَّدْلِيسِ، فَمَنِ ابْتَغَى ذَلِكَ مِنْ غَيرِ مُدَلِّسٍ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي زَعَمَ مَنْ حَكَينَا قَوْلَهُ

ــ

وقولُه: (سماعَ) مفعولُ (تَفَقَّد)، وخبرُ (كان) متعلَّقُ الظرفِ في قوله:(إذا كان الراوي)؛ لأن (إذا) ظرفٌ مُجَرَّدٌ عن معنى الشرط متعلِّقٌ بمحذوفٍ خبرِ (كان)، والتقديرُ: وإنما كان شَرْطُ من شَرَطَ سماعَ كُل راوٍ عَمَّنْ رَوَى عنه وقْتَ كونِ الراوي (مِمَّنْ عُرِفَ) وعُلِمَ عندهم (بالتدليسِ) أي: بإسقاطِ مَنْ روى عنه أو بتسميته بغير اسمه المعروف (في) حال رواية (الحديثِ وشُهِرَ بهِ) أي: بالتدليس، وقد تقدَّمَ لك بيانُ أن التدليس عندهم قسمان:

تدليسُ الإسناد: وهو أنْ يُسْقِطَ الراوي شيخه لكونه ضعيفًا ويرتقيَ إلى شيخ شيخه ويذكرَه.

وتدليسُ الشيوخ: وهو أنْ يُسَمِّي شيخَه بغير اسمه المعروفِ عند الناس.

(فحينئذٍ) أي: فحِينَ إذْ كان الراوي ممَّنْ عُرِفَ بالتدليس وشُهِرَ به (يَبْحَثُون) ويُفَتِّشُون (عن سَمَاعِهِ) أي: عن سماع ذلك الراوي عمَّنْ رَوَى عنه (في روايتِهِ) أي: في قبول روايته ذلك الحديثَ (ويَتَفَقَّدُون) أي: يَطْلُبون (ذلك) السماعَ (منه) أي: من ذلك الراوي المُدَلِّسِ ولا يقبلونَ الرواية عنه؛ لإمكان إرساله وتدليسه.

وقوله: (كَي تَنْزَاحَ) وتَبْعُدَ عِلَّةٌ لقوله: (يَتَفَقَّدُون) أي: يَطْلُبون السماعَ منه لكي تنزاحَ وتبعدَ وتَزُولَ (عنهم) أي: عن أئمّة السلف (عِلَّةُ) احتمالِ (التدليسِ) والإرسالِ التي تُوجِبُ عدمَ قبولِ حديثه وتَرْكَ الاحتجاج به.

والفاءُ في قوله: (فمَنِ ابْتَغَى ذلك) للإفصاح، و (منْ) شرطيةٌ، جوابُها محذوفٌ كما سنُقَدِّره فيما بَعْدُ، تقديرُه: إذا عَرَفْتَ قانونَ أئمةِ السلف وأردتَ بيان حُكْمِ مَنْ خَالفَهُمْ .. فأقول لك: مَنِ ابْتَغَى وطَلَبَ ذلك السماعَ (من) راوٍ (غيرِ مُدَلِّسٍ) أي: غير مُتَّهَمٍ بالتدليس.

وقولُه: (على الوَجْهِ) متعلِّقٌ بـ (ابْتَغَى) أي: طَلَبَ السماعِ على الوجه والطريق (الذي زَعَمَ) وقال: (مَنْ حَكَينا) وذَكَرنَا (قولَه) فيما تَقدَّمَ من اشتراط العلم

ص: 526

فَمَا سَمِعْنَا ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ سَمَّينَا وَلَمْ نُسَمِّ مِنَ الأَئِمَّةِ. فَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ الأَنْصَارِيَّ

ــ

بالتلاقي والاجتماع في الحديث المعنعن مطلقًا .. فليس بمصيبِ، ولا مُوافِقٍ لاصطلاحاتِ السلف.

والفاءُ في قوله: ( .. فما سَمِعْنا ذلك) معلِّلَةٌ للجواب المحذوف الذي قَدَّرْناه آنفًا؛ أي: فليس بمُصِيبٍ للحق ولا موافقا لهم؛ لأنّا ما سَمِعْنا ذلك التفتيش عن السماع في الحديث المعنعن، سواء كان الراوي مُدَلِّسًا أم لا؛ أي: ما سَمِعْنا ذلك التفتيش (عن أَحَدٍ) كائنٍ (مِمَّنْ سَمَّينا) وذَكَرْنا أسماءهم آنفًا بقولنا: مِثْلَ أيوبَ وابنِ عَوْنٍ

إلخ (و) عن أحدِ كائنٍ ممَّنْ (لم نُسَمِّ) ولم نَذْكُرْ أسماءهم هنا (من الأئمَّة) أي: من أئمة السلف كابن المديني والبخاري وابنِ سَعْدٍ وابن مَعِين، وقولُه:(من الأئمة) بيانٌ لكُل مَنْ سَمَّى ومَنْ لم يُسَمِّ.

قال النوويُّ: ("قوله: فما ابتغى ذلك

" إلخ هكذا وقع في أكثر الأصول "فما ابْتُغِيَ" بضم التاء وكسر الغين المعجمة على ما لم يُسَمّ فاعله.

قلتُ: وعلى هذا: فالفاءُ استئنافيةٌ، و"ما" نافيةٌ، و"ذلك" نائبُ فاعل، وفي بعضها:"فما ابْتَغَى" بفتح التاء والغين -أي: فما ابْتَغَى ذلك أحدٌ من أئمة السلف- وفي بعض الأصول المحققة: "فمن ابْتَغَى" وهي أصوبُ ولكل واحدٍ وَجْهٌ) اهـ بزيادة (1).

والفاءُ في قوله: (فمِنْ ذلك) للإفصاح؛ لأنها أفصحتْ عن جواب شرطٍ مُقَدَّرٍ تقديرُه: إذا عَرَفْتَ أن العنعنة الواقعة من غير المدلِّس محمولة على السماع وإنْ لم يحصل العِلْمُ بالتلاقي والاجتماع والمشافهة بحديثِ عند أهل الحديث وأئمة السلف وأردتَ التمثيلَ لها .. فأقول لك: من ذلك المذكور من العنعنة المحمولة على السماع إذا كانتْ من غير المُدَلِّس (أن عبدَ اللهِ بنَ يَزِيدَ) بن زيد بن الحصين (الأنصاريّ) الأوسيَّ الخطميَّ أبا موسى الصحابي الجليلَ، شَهِدَ الحديبية وهو ابنُ سَبع عَشْرَةَ سنة،

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 137).

ص: 527

- وَقَدْ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ رَوَى عَنْ حُذَيفَةَ وَعَنْ أَبي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ،

ــ

له سبعةٌ وعشرون حديثًا، يروي عنه (ع) وابْنُهُ موسى والشعْبِيُّ وابنُ سيرين، وله في البخاري حديثان.

(و) هو صحابيٌّ؛ لأنه (قد رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهذه الجملةُ معترضةٌ بين أن وخبرِها وهو قولُه: (قد رَوَى) اعْتُرِضَ بها لغرض تأكيد الصحبة، وجملة أن في تأويل مصدرٍ مرفوعٍ على كونه مبتدأ مؤخرًا لقوله:(فَمِنْ ذلك)، تقديرُه: فروايةُ عبد الله بن يَزِيد كائنةٌ من العنعنة المحمولة على السماع، والجملةُ في محل النصب مقولٌ لجواب إذا المقدَّرة.

أي: أن عبدَ الله بنَ يزيدَ قد رَوَى (عن حُذَيفَةَ) بنِ اليَمَان- واسمُ اليمانِ: حُسَيلٌ مصغرًا، ويُقال: حِسْل -بكسر فسكون- العَبْسِيِّ -بموحدة ساكنة- أبي عبد الله الكوفيِّ حليف الأنصار، الصحابيِّ الجليل من السابقين، وقد صَحَّ في "صحيح مسلم" عنه: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أَعْلَمَه بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعةُ من الفتن والحوادث، وأبوه صحابيٌّ أيضًا، استشهد يومَ أحدٍ، له مائة حديث، يروي عنه (ع) وأبو الطفيل والأسود بن يزيد وزيد بن وهب ورِبْعي بن حِراش، مات في أول خلافة علي سنة ست وثلاثين، وقال عمرو بن علي: بعد قَتْل عثمان بأربعين ليلة.

(وعن أبي مسعودٍ) عقبةَ بن عَمْرو بن ثعلبة بن أسيرة -بفتح الهمزة وكسر السين المهملة- ابن عطية بن جدارة -بجيم- ابن عوف بن الخَزْرَج (الأنصاريِّ) البَدْرِيِّ، عَدَّه فيمن شهد بدرًا البُخَاري تبعًا لابن شهاب، وكذا عَدَّه منهم: الحكم ومحمدُ بن إسحاق التابعيون، وقال سعيدُ بن إبراهيم: لم يَشْهَدْها (1)، له مائة وحديثان، يروي عنه (ع) وابنه بَشِير بن أبي مسعود وأبو وائل وقيس بن أبي حازم، مات قبل الأربعين، وقيل: بعدها.

(1) وقال النووي في "شرح صحيح مسلم"(1/ 137): (قال الجمهور: سكن بدرًا ولم يشهدها مع النبي صلى الله عليه وسلم.

ص: 528

عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثًا يُسْنِدُهُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَلَيسَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُمَا

ــ

رَوَى عبدُ اللهِ بن يَزِيدَ (عن كُل واحدٍ منهما) أي: عن كُلٍّ من حُذَيفة وأبي مسعود (حديثًا) حديثًا، وفي بعض النُّسَخ:(وعن كُل واحدٍ منهما) بزيادة الواو.

قال النوويُّ: (هكذا وقع في الأصول: "وعن" بالواو، والوَجْهُ حذْفُها؛ لأنها تُغَيِّرُ المعنى)(1).

ومن لطائف هذا السَّنَدِ: روايةُ صحابي عن صحابي؛ أي: رَوَى عن كُلٍّ منهما حديثًا (يُسْنِدُه) وَيرْفَعهُ (إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

أمَّا حديثُه عن أبي مسعودٍ: فهو حديثُ نفقةِ الرجل على أهله، وقد أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ في "صحيحَيهما"(2).

وأمَّا حديثه عن حُذَيفة .. فقولُه: "أخبرني النبيِّ صلى الله عليه وسلم بما هو كائنٌ

" الحديثَ، أخرجه مسلمٌ في "صحيحه" (4/ 2217)(3).

(وليس في روايته) أي: في رواية عبد الله بن يزيدَ (عنهما) أي: عن حُذَيفَة

(1) المصدر السابق (1/ 138).

وفي "الحل المفهم"(1/ 25): (وقولُه: "وعن كُل واحدٍ منهما " أي: منفردًا في روايته.

وهكذا في تقرير المكي إذْ قال: قوله: " وعن كُل واحدٍ منهما" أي: معًا، والأول كان انفرادًا) اهـ

قلتُ: وهذا توجيه جيد، فحينئذٍ لا يُحتاج إلى ما اضْطَرَّ إليه النوويُّ وتبعه صاحب "فتح الملهم" إذْ قال:"قوله: "وعن كُلِّ واحدٍ" .. كذا هو في الأصول، "وعن" بالواو، والوَجْهُ حذفُها؛ فإنها تُغَيِّرُ المعنى") اهـ، وقد عرفتَ معنى الكلام على تقدير وجود الواو.

(2)

أخرجه البخاري في كتاب النفقات (1 - باب فضل النفقة على الأهل) حديث رقم (5351) بلفظ: "إذا أنفق المسلم نفقةً على أهله وهو يحتسبها .. كانتْ له صدقة".

ومسلمٌ في كتاب الزكاة (2/ 695 - 696)، (14 - باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين .. ) حديث رقم (1002/ 48)، ولفظه: "إنَّ المسلم إذا أنفق على أهله نَفَقَةً وهو يحتسبُها

".

(3)

في كتاب الفتن (6 - باب إخبار النبي صلى الله عليه وسلم فيما يكون إلى قيام الساعة) حديث رقم (2891/ 24).

ص: 529

ذِكْرُ السَّمَاعِ مِنْهُمَا، وَلَا حَفِظْنَا فِي شَيءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ شَافَهَ حُذَيفَةَ وَأَبَا مَسْعُودٍ بِحَدِيثٍ قَطُّ، وَلَا وَجَدْنَا ذِكْرَ رُؤْيَتِهِ إِيَّاهُمَا فِي رِوَايَةٍ بِعَينهَا، وَلَمْ نَسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنْ مَضَى وَلَا مِمَّنْ أَدْرَكْنَا أَنَّهُ طَعَنَ فِي هَذَينِ الْخَبَرَينِ اللَّذِينِ رَوَاهُمَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ عَنْ حُذَيفَةَ وَأَبِي مَسْعُودٍ بِضَعْفٍ فِيهِمَا، بَلْ هُمَا وَمَا أشْبَهَهُمَا عِنْدَ مَنْ لاقَينَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ

ــ

وأبي مسعودٍ (ذِكْرُ السماعِ) أي: ذِكْرُ سماعِه (منهما) ولا تصريحُه (ولا حَفِظْنا) ولا سَمِعْنا (في شيءٍ من الرواياتِ) عن عبد الله (أن عبدَ اللهِ بنَ يَزِيدَ شَافَهَ) وخَاطَبَ (حُذَيفَةَ وأبا مسعودٍ بحديثٍ) أي: بنقْلِ حديثٍ عنهما (قَط): ظرفٌ مستغرِقٌ لمِا مَضَى متعلِّقٌ بـ (حفظْنا) أي: ما حَفِظْنا ولا سَمِعْنا في زَمَنٍ من الأزمنةِ الماضيةِ في شيءٍ من الروايات أنه شافههما بحديث.

(ولا وَجَدْنا) ولا رأينا (ذِكْرَ رُويَتِهِ) أي: ذِكْرَ رؤيةِ عبد الله (إيَّاهُمَا) أي: حُذَيفَةَ وأبا مسعودٍ (في روايةٍ) أي: في روايته عنهما (بعَينها) أي: بعين تلك الرواية؛ أي: في روايةٍ معينةٍ عنهما.

(ولم نَسْمَعْ) نحن (عن أَحَدٍ مِنْ أهلِ العِلْمِ) والحديثِ وأئمةِ السلف (ممَّنْ مَضَى) ومَرَّ زَمَنُهُ قبلنا وسَبَقَنَا (ولا) عن أحدٍ (ممَّنْ أَدْرَكْنا) ولَحِقْنا زمنَه واجتمَعْنا معه (أنَّهُ) أي: أن أحدًا من هؤلاء المذكورين؛ أي: لم نسمع أن أحدًا من هؤلاء (طَعَنَ) وجَرَحَ (في هذَينِ الخَبرَينِ) والحديثين (اللَّذَينِ) صفة للخبرينِ (رَوَاهُمَا) وحَدَّثَهُما (عبدُ الله بن يَزِيدَ) الأنصاريُّ (عن حُذَيفَةَ) بنِ اليمان (وأبي مسعودٍ) الأنصاريَّ البَدْرِيِّ.

وقولُه: (بضَعْفٍ) متعلِّقٌ بـ (طَعَنَ) أي: جرحهما بضَعْفٍ وعلَّةٍ (فيهما) أي: في هذينِ الخبرَينِ.

(بَلْ هُمَا) أي: هذان الخبران وهو مبتدأٌ (وما أَشْبَهَهُما) أي: وما أشبهَ هذَينِ الخبرَين في عدم ذِكْر السماع والملاقاة وعدم العلم بالمشافهة، وهو معطوفٌ على المبتدإ.

وقولُه: (عندَ مَنْ لاقَيْنا) ورَأَينا حال كونه (مِنْ أَهْلِ العِلْمِ) والمعرفة

ص: 530

بالْحَدِيثِ مِنْ صِحَاحِ الأَسَانِيدِ وَقَويِّهَا يَرَوْنَ اسْتِعْمَال مَا نُقِلَ بِهَا وَالاحْتِجَاجَ بمَا أَتتْ مِنْ سُنَنٍ وَآثَارٍ، وَهِيَ فِي زَعْمِ مَنْ حَكَينَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ وَاهِيَةٌ مُهْمَلَةٌ، حتَّى يُصِيبَ سَمَاعَ الرَّاوي عَمَّنْ رَوَى

ــ

(بالحديث) متعلِّقٌ بالاستقرار الذي تعلَّقَ به الخبرُ في قوله: (من صِحَاح الأسانيدِ وقَويِّها) لا من سقام الأسانيد وضعافها اللاتي (يَرَوْنَ) ويعتقدونَ (استعمال ما نُقِلَ) ورُويَ (بها) أي: بتلك الأسانيد؛ أي: يَرَوْنَ ويَعْتقدون العمل بالأحاديث التي نُقِلَتْ بها في حُكْمٍ من الأحكام الشرعية.

وإضافة (صِحَاحِ الأسانيد) من إضافة الصِّفة إلى الموصوف؛ أي: من الأسانيد الصحيحة وقويِّها، وقولُه:(يَرَون) صلةٌ لموصولٍ محذوفٍ وقع صفةً للأسانيد كما قَدَّرْناه آنفًا.

(و) يَرَون (الاحتجاجَ) والاستدلال (بما أَتَتْ) وجاءت به تلك الأسانيد (مِنْ سُنَنٍ) مرفوعة (وآثارٍ) موقوفة على حكم من الأحكام الشرعية (وهي) أي: تلك الأسانيد (في زَعْم) بفتح الزاي وضمّها وكسرها ثلاث لغات مشهورات، وهو القولُ بلا دليل، وهي مبَتدأٌ.

والجارُّ والمجرورُ في قوله: (في زَعْم)(مَنْ حَكَينا) وذكرنا (قوله) الفاسدَ (مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل هذا المقام: متعلِّقٌ بقوله: (واهيةٌ) وهو خبرُ المبتدأ، والتقديرُ: وهي شديدةُ الضعف (مُهْمَلَةٌ) أي: مُعَطَّلَةٌ عن الاستعمال غيرُ مقبولةٍ في زعْمِ مَنْ حَكَينا قوله من قبل.

قال النووي: (ولو قال: "ضعيفةٌ" بدلَ "واهيةٌ" .. لكان أحسن؛ فإنَّ هذا القائل لا يدَّعِي أنها واهيةٌ شديدةُ الضعْفِ متناهيةٌ فيه كما هو معنى واهية، بل يَقْتَصِرُ على أنها ضعيفة لا تقومُ بها الحُجَّة) اهـ (1).

أي: وفي زعم من حكينا قوله مهملة مُعَطَّلة عن الاستعمال (حتى يُصِيبَ) ويجدَ ذلك الزاعمُ ويَعْلَمَ (سماعَ الراوي عَمَّنْ رَوَى) عنه والتصريحَ به.

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 138).

ص: 531

وَلَوْ ذَهَبْنَا نُعَدِّدُ الأخْبَارَ الصِّحَاحَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّا يَهِنُ بِزَعْمِ هَذَا الْقَائلِ وَنُحْصِيهَا .. لَعَجَزْنَا عَنْ تَقَصِّي ذِكْرِهَا وَإِحْصَائِهَا كُلِّهَا، وَلَكِنَّا أَحْبَبْنَا أنْ ننصِبَ مِنْهَا عَدَدًا يَكُونُ سِمَةً لِمَا سَكَتْنَا عَنْهُ مِنْهَا

ــ

(ولو ذَهَبْنا) وأجرينا في الكلام وأطلْناه حالة كوننا (نُعَدِّدُ) ونحسُبُ (الأخبار الصِّحَاحَ) والأسانيدَ السليمةَ (عندَ أهلِ العِلْمِ) بالحديث وأئمة السلف حالةَ كَوْنِ تلك الأخبار (مِمَّا يَهِنُ) ويضعفُ (بزَعْمِ هذا) الزاعمِ (القائل) بالقول المخترع؛ أي: ممَّا يَهِنُ عنده لعدم توفُّر الشروط التي يعتبرها.

وقولُه: (ممَّا يهنُ) هكذا في الأصول المحققَّة والنسخ القديمة بلفظ ما الموصولة وهي الصواب، وفي بعض النُّسخ:(مِمَّنْ) بلفظ (مَنْ) التي هي للعاقل وهي تحريفٌ من النُّسَّاخ؛ لأنَّ الأخبارَ ليستْ من العُقلاء.

وقولُه: (ونُحْصِيها) أي: ونُحْصِي تلك الأخبارَ ونضبطُها بعددٍ معينٍ: معطوفٌ على (نُعَدِّدُ) أي: ولو ذَهَبْنا نُعَدِّدُها وشرعنا في تعدادها بأنْ قُلْنا: واحد اثنان ثلاثة إلى آخرها، ونحصيها ونجمعها ونضبطها في عدد معين كمائة وألف مثلًا.

وقولُه: ( .. لَعَجَزْنا) جوابُ لو الشرطية في قوله: (ولو ذَهَبْنا)، (عن تَقَصِّي ذِكْرِها) أي: لَعَجَزْنا عن ذِكْرِ قصواها وغايتها في تعدادنا إياها (و) عن (إحصائها) وضَبْطِها (كُلِّها) وجَمْعِها في عددٍ مُعَيَّنٍ؛ لخروجها عن قبول ذلك بالكثرة.

وقولُه: (كُلِّها) بالجرِّ تأكيدٌ للضمير المجرور، يُقال: قصا المكان بَعُدَ، وبابه سما، فهو قاصٍ وقَصِيٌ، ومنه قوله تعالى:{مَكَانًا قَصِيًّا} وقصَا عن القوم: تباعدَ عنهم، فهو قاص وقَصِيٌّ، وبابه أيضًا سما، واستقصى في المسألة وتقصَّى فيها؛ أي: بلغ غايتها في البحث عنها. اهـ "مختار" بتصرف

(ولكنَّا أَحْبَبْنَا) وقَصَدْنا (أَنْ ننصِبَ) ونَذْكُرَ (منها) أي: من تلك الأخبار الصحاح التي تَهِنُ بزَعْمِ هذا القائل (عددًا) قليلًا (يكونُ سِمَة) وعلامةً (لِـ) معرفةِ (ما سَكَتْنا عنه منها) أي: من تلك الأخبار؛ أي: نذْكُر منها عددًا قليلًا يكون علامة عليها لِمَنْ أرادَ معرفة ما سكتنا عن ذكره منها؛ أي: عددًا يكون له كالنُّصُب المنصوبة على الطريق ليهتدي بها مَنْ لا يَعْرفُ الطريق، كالألواح المكتوب عليها أسماء الجهات

ص: 532

وَهَذَانِ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ وَأَبُو رَافِعٍ الصَّائِغُ - وَهُمَا

ــ

المركوزة عند مقاطع الطريق، وفي قوله:(ننصِبُ) استعارةٌ تصريحيةٌ تبعية.

ومِنْ ذلك العددِ القليلِ الذي أحببنا جعله سمة لما سكتنا عنه منها ما ذَكَرْناه في ضمن قولنا: (وهذان أبو عثمان النَّهْدِيُّ وأبو رافعٍ الصائغُ)(هذان): مبتدأ، و (أبوَ عثمانَ وأبو رَافعٍ): بَدَلٌ منه أو عطف بيانٍ له، والخبرُ يأتي في قوله:(قد أَسْنَدَ كُلُّ واحدٍ منهما) وما بينهما اعتراضٌ، وفي كثير من النسخ:(وهذا أبو عثمان) بالإفراد، ولعلَّه تحريفٌ من النُّسَّاخ، والصوابُ ما قُلنا.

وأما أبو عثمان النهدي: فهو عبد الرحمن بن ملّ -بتثليث الميم ولام مشددة- ابن عمرو بن عدي النهدي -بفتح النون وسكون الهاء نسبة إلى نهد بن زيد بن قضاعة كما في "اللباب"- مشهور بكنيته، مخضرمٌ، الكوفي، أسلم وصدَّق ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم.

روى عن عمر وعلي وأبي ذر، ويروي عنه (ع) وقتادة وأيوب وأبو التياح والجريري وخلق، وثقه ابن المديني وأبو حاتم والنسائي.

وقال في "التقريب": ثقة ثبت من كبار الثانية، مات سنة خمس وتسعين وله أكثر من مائة وثلاثين سنة.

وأما أبو رافع الصائغ: فهو نفيع المدني، مولى ابنة عمر بن الخطاب، نزيل البصرة.

روى عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبي بن كعب وأبي موسى الأشعري وأبي هريرة وغيرهم، ويروي عنه (ع) وابنه عبد الرحمن وحسن وحميد بن هلال وخِلاس بن عمرو وثابت البناني وقتادة وسليمان التيمي وغيرهم.

وقال ثابت: لما أعتق أبو رافع .. بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: كان لي أجران فذهب أحدهما.

وثقه العجلي، وقال في "التقريب": ثقة مشهور بكنيته، من الثانية.

وقوله: (وهما) أي: أبو عثمان وأبو رافع، والواو اعتِرَاضِيَّة، (هما) مبتدأ

ص: 533

مِمَّنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَصحِبَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، مِنَ الْبَدْرِيينَ هَلُمَّ جَرًّا،

ــ

خبره (ممن أدرك الجاهلية) أي: زمَنَها، والجملة الاسمية معترضة؛ لاعتراضها بين المبتدأ والخبر لبيان شأنهما، وفي بعض النسخ:(وهما من أدرك الجاهلية) بحذف الجار في (من)، ولعلها تحريف من النساخ؛ أي: كانا رجلين قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، والجاهليةُ: ما كان قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، سموا بذلك لكثرة جهالاتهم.

وقوله: (وصحبا) معطوف على أدرك؛ أي: وممن صحبا (أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقوله: (من البدريين) بيان لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: حالة كونهم من الذين حضروا غزوة بدر ومن الأحديين ومن أصحاب الشجرة.

وقوله: (هلم جرًا) هلم هنا: اسم فعل أمر بمعنى استمر، وجرًا بمعنى استمرارًا مفعول مطلق معنوي لـ (هلم)، والمعنى: استمر أيها المخاطب استمرارًا في عد، طبقات الصحابة من الأحديين وأصحاب بيعة الرضوان مثلًا. اهـ من رسالتنا "هدية أولي العلم والإنصاف".

وقال القاضي عياض: (و "هلم جرًا" ليس هذا المقامُ موضعَها؛ لأنها إنما تستعمل فيما اتصل إلى زمان المُتَكَلِّم بها، وإنما أراد مسلم بها من البدريين فمن بعدهم من الصحابة).

وقوله: (جَرًّا) منون، قال صاحب "المطالع": (قال ابن الأنباري: معنى هَلُمَّ جرًّا: سيروا وتَمَهَّلُوا في سيركم وتَثَبَّتوا فيه، وهو من الجرّ، وهو تَرْكُ النَّعم في سيرها.

فيُستعمل فيما دُوومَ عليه من الأعمال، قال ابنُ الأنباري: وانتصَبَ جَرًّا على المصدر، أي: جُرُّوا جَرًّا، أو على الحال، أو على التمييز) اهـ (1)

(1) انظر "مشارق الأنوار"(1/ 144).

ص: 534

وَنَقَلا عَنْهُمُ الأَخْبَارَ حَتَّى نَزَلا إِلَى

ــ

قلتُ: وفي كونه تمييزًا بُعْدٌ كما في "حاشية الصبّان على الملوي"، وقال القاضي زكريا نقلًا عن العلامة الجمال بن هشام: إنه بعد اطلاعه على كلام غيره وتوقفه في أنه عربي .. قال: إنَّ (هَلُم) هنا يُقال: لا بمعنى المجيء الحسي ولا بمعنى الطلب حقيقة، بل بمعنى الاستمرار على الشيء، وبمعنى الخبر، وعُبِّرَ عنه بالطلب كما في قوله تعالى:{وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} وجرًا مصدر جره إذا سحبه يبقى مصدرًا مؤكدًا لعامله وهو (هلم) الذي بمعنى استمر.

والمعنى هنا: استمر في عد طبقات الصحابة استمرارًا، فحينئذ إعرابه:(هلم): اسم فعل أمر بمعنى استمر مبني على الفتح، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت، و (جرًا) مفعول مطلق معنوي منصوب بـ (هلم)، وجملة اسم الفعل جملة طلبية لا محل لها من الإعراب، أو يجعل حالًا مؤكدة لعاملها والتقدير: استمر في عد طبقاتهم حالة كونك مستمرًا فيه.

وليس المراد الجر الحسي، بل التعميم كما في السحب في قولهم: هذا الحكم منسحب على كذا؛ أي: شامل، فكأنه قيل هنا: استمرارًا أو مستمرًا نظير قولهم: كان ذلك الأمر عام كذا وهلم جرًا؛ أي: واستمر ذلك في بقية الأعوام. اهـ من "شرح الشيخ أحمد الملوي على متن السلّم" لعبد الرحمن الأخضري في المنطق بتصرف وزيادة من "حاشية الصبان" عليه.

وقال ابن يعقوب: وأصل (هلم): أن تستعمل لطلب الإقبال، ثم استعيرت لطلب الاستمرار، وكأنه يقول هنا: يستمر عد الطبقات هكذا استمرارًا، وعبر عن هذا الاستمرار بالجر -أي: الانجرار- لأن الأمر المنجَرَّ مستمرٌّ. اهـ من "حاشية الصبان على الملوي".

وقوله: (ونَقَلا) معطوفٌ على (أَدْرَكَ) أيضًا على كونه صلةَ لـ (مَن) الموصولة؛ أي: وممَّنْ نقلا (عنهم) أي: عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

(الأخبارَ) والأحاديث من كبارهم وقدمائهم (حتى نَزَلا إلى) النَّقْلِ عن متأخِّريهم

ص: 535

مِثْلِ أَبي هُرَيرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَذَويهِمَا - قَدْ أَسْنَدَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ

ــ

وصغارهم (مِثْلِ أبي هُرِيرَةَ) عبد الرحمن بن صَخْرِ الدَّوْسيِّ (1)(و) عبد الله (بنِ عُمَرَ) بن الخطاب (وذويهما) أي: أشباههما من متأخري الصحابة وصغارهم كابن عباس وابن الزُّبير رضي الله عنهم.

قولُه: (وذَويهما) قال النوويُّ: (فيه إضافةُ "ذي" إلى غير الأجناس، والمعروفُ عند أهل العربية: أنها لا تُستعمل إلّا مضافةً إلى الأجناس كذي مال، وقوله تعالى: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}، وقد جاء في الحديث وغيره من كلام العرب إضافةُ ألفاظٍ منها إلى المفردات كما في الحديث: "وتصلُ ذا رحمك" وكقولهم: ذو يزن وذو نُوَاس وأشباهها، قالوا: هذا كُلُّه مُقَدَّرٌ فيه الانفصالُ، فتقديرُ ذي رحمك: الذي له معك رحمٌ) اهـ (2).

وجملةُ قوله: (قد أَسْنَدَ كُل واحدٍ منهما) خبرٌ عن قوله: (وهذان أبو عثمان وأبو رافعِ) كما مَرَّ هناك الإشارة إليه؛ أي: رَوَى كُل واحدٍ من أبي عثمان وأبي رافع بسَندٍ مُتَّصِلٍ (عن أُبَيِّ بنِ كَعْبِ) بن قيس بن عبيد الأنصاري الخزرجي أبي المنذر المدني، سَيّد القرَّاء، كتب الوحي وشهد بدرًا وما بعدها، له مائة وأربعة وستون حديثًا.

روى عنه (ع) وابن عباس وأنس وسَهْل بن سَعْد وسويد بن غَفَلَة ومسروق وخَلْق كثير.

وكان رَبْعَةَ نحيفًا أبيضَ الرأس واللحية، وكان ممَّنْ جَمَعَ القرآن، ومن فُضلاءِ الصحابة، وله مناقبُ جَمَّةٌ رضي الله عنه.

وقال في "التقريب": اختُلف في سنة موته اختلافًا كثيرًا، قيل: سنة تسع عشرة، وقيل: سنة اثنين وثلاثين أو ثلاث وثلاثين، وقال بعضُهم: صَلَّى عليه عثمانُ رضي الله عنه.

(1) في "الحل المفهم"(1/ 26): (أي: مِمَّنْ لم تَطُلْ صحبتُه).

(2)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 139).

ص: 536

عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا، وَلَمْ نَسْمَعْ فِي رِوَايَةٍ بِعَينهَا أَنَّهُمَا عَايَنَا أُبَيًّا، أَوْ سَمِعَا مِنْهُ شَيئًا

ــ

(عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم حديثًا) واحدًا (ولم نَسْمَعْ) نحن (في روايةٍ بعَينِها) أي: في روايةٍ معيَّنة (أنّهما) أي: أن أبا عثمان وأبا رافع (عاينا) ورأيا (أُبيًّا) بعينهما (أو سَمِعَا منه) أي: من أُبَيٍّ بلا واسطة (شيئًا) من الحديث، ومع ذلك فروايتُهما عنه صحيحةٌ محمولةٌ على السماع منه.

فأمَّا حديثُ أبي عثمان عن أُبَيٍّ .. فقولُه: (كان رجلٌ لا أعلمُ أحدًا أَبْعَدَ بيتًا من المسجدِ منه

) الحديث، وفيه قولُ النبي صلى الله عليه وسلم له:"أعطاك الله ما احْتَسَبْتَ" أخرجه مسلم في "صحيحه"(1/ 460 - 461)(1).

وأمَّا حديثُ أبي رافع عنه فهو: (أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشرَ الأواخرَ من رمضان، فسافرَ عامًا، فلمَّا كان العام المقبلُ .. اعتكف عشرين يومًا" رواه أبو داود والنسائي وابنُ ماجهْ في "سننهم" (2)، ورواه جماعات من أصحاب المسانيد أيضًا (3).

(1) في كتاب المساجد ومواضع الصلاة. (50 - باب فضل كثرة الخطا إلى المساجد) حديث رقم

(663/ 278).

ولفظ الرواية الأولى: كان رجل لا أعلمُ رجلًا أبعد من المسجد منه

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد جمع اللهُ لك ذلك كُلَّه".

وفي الرواية الثانية: كان رجلٌ من الأنصار بيتُه أقصى بيتٍ في المدينة .. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّ لك ما احْتَسَبْتَ".

(2)

أخرجه أبو داود في "سننه"(2/ 0 83) في كتاب الصوم (77 - باب الاعتكاف) حديث رقم (2463)، والنسائيُّ في "السنن الكبرى"(2/ 259) كتاب الاعتكاف (2 - الاعتكاف في العشر التي في وسط الشهر) حديث رقم (3344)، و 2/ 270 (18 - من كان يعتكف كلّ سنة ثم يسافر) حديث رقم (3389)، وابنُ ماجه في "سننه"(1/ 562 - 563) كتاب الصيام (58 - باب ما جاء في الاعتكاف) حديث رقم (1770) واللفظُ المذكورُ له.

(3)

رواه الإمام أحمد في "مسنده" وابنه عبد الله في زياداته (5/ 141)، وابن خُزَيمة في "صحيحه":(3/ 346)، وابن حِبان كما في "الإحسان"(5/ 268)(تحقيق الحوت)، والحاكم في "المستدرك"(1/ 439)، وأبو عوانة كما في "إتحاف المهرة"(1/ 262) حديث رقم (122).

ص: 537

وَأَسْنَدَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيبَانِيُّ -وَهُوَ مِمَّنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَكَانَ فِي زَمَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم رَجُلًا- وَأَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَخْبَرَةَ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم خَبَرَينِ

ــ

(وأَسْنَدَ) أيضًا (أبو عَمْرٍو) سَعْدُ بن إياس (الشَّيبَانِيُّ) الكوفي، أدرك زمنَ النبي صلى الله عليه وسلم ولم يَرَه.

روى عن علي وابن مسعود، ويروي عنه (ع) وسلمة بن كُهَيلْ ومنصور والأعمش.

وقال في "التقريب": ثقةٌ مخضرَمٌ، من الثانية، مات سنة خمسٍ أو ستٍّ وتسعين، وهو ابن مائة وعشرين سنة.

(وهو مِمَّنْ أَدْرَكَ الجاهليّةَ، وكان في زَمَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم رجلًا) كاملًا (1).

وقولُه: (وأبو مَعْمَرٍ) معطوفٌ على (أبو عَمْرٍو)(عبدُ اللهِ بن سَخْبَرَةَ) بسين مهملة مفتوحة ثم خاء معجمة ساكنة ثم موحدة مفتوحة، عطفُ بيانٍ أو بدلٌ من (أبو مَعْمَرٍ)، الكوفيُّ الأَسْدِيُّ بإسكان المهملة.

روى عن علي وخَبَّاب وعبد الله بن مسعود، ويروي عنه (ع) والنَّخَعي ومجاهد، وَثَّقَه ابنُ مَعِين.

وقال في "التقريب": ثقة من الثانية، مات في إمارة عبد الله بن الزُّبير.

أَسْنَدَ (كُلُّ واحدٍ منهما) أي: كُلُّ مِنْ أبي عَمْرٍو وأبي مَعْمَرٍ (عن أبي مسعودٍ) عقبةَ بنِ عَمْرٍو (الأنصاريِّ) البَدْرِيِّ (عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم خَبَرَينِ) أي: حديثَينِ.

فأمَّا الحديثان اللذان رواهما الشيبانيُّ .. فأحدُهما حديث: جاء رجلٌ إلى النبي

(1) في "الحلّ المفهم"(1/ 26): (في تقرير المكي: أي: بالغًا ولم يكن صبيًّا) اهـ.

قلت: وذلك لأنَّ الغرض من هذا الكلام: بيان معاصرته لأبي مسعود، وإثبات إمكان اللقاء والسماع منه على أبلغ وجه؛ فإنَّ للكبير من القدرة على السماع واللقاء ما ليس للصبي.

ص: 538

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

صلى الله عليه وسلم فقال: (إنه أُبْدِع (1) بي) (2)، والآخرُ: جاء رجلُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم بناقةٍ مخطومةٍ .. فقال: "لك بها يومَ القيامة سبعُمائة ناقة كُلُّها مخطومة" أخرجهما مسلم (3) وأسند أبو عَمْرٍو الشيبانيُّ أيضًا عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ حديث: "المستشارُ مؤتَمنٌ " رواه ابنُ ماجَهْ وعَبْدُ بن حُمَيدٍ في "مسنده"(4).

وأمَّا حديثًا أبي مَعْمَرٍ .. فأحدُهما: (كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ مَنَاكِبَنا في الصلاة

) أخرجه مسلم (1/ 323)(5)، والآخرُ:"لا تُجزئ صلاةٌ لا يُقيم الرجلُ فيها صُلْبَه في الرُّكُوع والسجود" رواه أبو داود والترمذيُّ والنَّسايُّ وابنُ ماجهْ وغيرُهم من أصحاب السُّنَن والمسانيد، قال الترمذي: هو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (6)، والله أعلم.

(1) بضم الهمزة على البناء للمجهول، ومعناه: هلكت دابتي وهي مركوبي وكنت معدمًا للمركوب. والحديث يأتي في (باب إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب)، ولفظه: عن أبي مسعود الأنصاري قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إني أُبْدِع بي فاحملني)، فقال:"ما عندي" فقال رجل: يا رسول الله؛ أنا أدله على من يحمله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"منْ دَلَّ على خير .. فله مثلُ أجرِ فاعله".

(2)

أخرجه مسلم (3/ 1506) في كتاب الإمارة (38 - باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره وخلافته في أهله بخير) حديث رقم (1893/ 133).

(3)

أخرجه مسلم (3/ 1505) في كتاب الإمارة (37 - باب فضل الصدقة في سبيل الله وتضعيفها) حديث رقم (1892/ 132).

(4)

أخرجه ابن ماجه في "سننه"(2/ 1233) في كتاب الأدب (37 - باب المستشار مؤتمن) حديث رقم (3746)، وعَبْد بن حُمَيد كما في "المنتخب"(ص 06 1) حديث رقم (235).

(5)

في كتاب الصلاة (28 - باب تسوية الصفوف وإقامتها

) حديث رقم (432/ 122).

(6)

أخرجه أبو داود (1/ 533 - 534) في كتاب الصلاة (148 - باب صلاة من لا يُقيم صُلْبه في الركوع والسجود) حديث رقم (855)، والترمذيُّ (2/ 51)(196 - باب ما جاء فيمن لا يُقيم صُلْبه في الركوع والسجود) حديث رقم (265)، والنَّسائيُّ (2/ 183)(88 - إقامة الصلب في الركوع) حديث (1027)، و (2/ 412)(54 - باب إقامة الصلب في السجود) حديث رقم (1111)، وابن ماجه (1/ 282)(16 - باب الركوع في الصلاة) حديث رقم (870).

ص: 539

وَأَسْنَدَ عُبَيدُ بْنُ عُمَيرٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا، وَعُبَيدُ بْنُ عُمَيرٍ وُلِدَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

ــ

(وأَسْنَدَ عُبَيدُ بن عُمَيرٍ) بن قتادة الليثي أبو عاصم المكيُّ القاصُّ، مُخَضْرَمٌ.

روى عن أُبيٍّ وعُمَرَ وعليّ وعائشة وأم سلمة وأبي موسى رضي الله عنهم، ويَرْوي عنه (ع) وابنه عُبيد الله وابن أبي مُلَيكة ومجاهد وعطاء وعَمْرو بن دينار.

قال ثابتٌ: أَوَّلُ مَنْ قَصَّ عُبَيدُ بن عُمَيرٍ، وَثَّقَه أبو زُرْعة.

وقال في "التقريب": وُلِدَ على عَهْدِ النبي صلى الله عليه وسلم، ذكره مسلمٌ في مقدّمته، وعَدَّه غيرُه في كبار التابعين، وكان قاصَّ أهلِ مكة، مُجْمَع على ثقته، مات قبل ابن عُمر سنة أربع وستين.

(عن أُمِّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أمية حذيفةَ المخزومِيَّة (زَوْجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجها سنة اثنتين من الهجرة بعد بدر (1)، وبنى بها في شوال، وكانتْ قبلَه عند أبي سلمة.

رَوَتْ عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي سلمة بن عبد الأسد وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويروي عنها (ع) وابناها عمرو وزينب -ابنا أبي سلمة- وسُلَيمان بن يَسَار وأُسامة بن زيد وجماعة.

وعاشتْ بعد ما تَزَوَّجَها الرسولُ صلى الله عليه وسلم ستين سنة، ماتتْ سنة اثنتين وستين، وزوجها أبو سلمة شَهِدَ أُحدًا، ورمي بسَهْمٍ فعاش مدة خمسة أشهر أو سبعة ومات.

(عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم حديثًا؛ وعُبَيدُ بن عُمَيرٍ وُلِدَ في زَمَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وحديثُ عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ عن أُمّ سلمة هو قولُها: لمَّا مات أبو سلمة ..

(1) ومثله في "الاستيعاب" لابن عبد البرّ، وقال النووي والسنوسي: تزوجها سنة ثلاث، وقال الحافظ الذهبي: دخل بها النبيُّ صلى الله عليه وسلم في سنة أربع من الهجرة. انظر "الاستيعاب"(4/ 421 - 422) في هامش "الإصابة"، و "شرح صحيح مسلم"(1/ 140)، و"مكمل إكمال الإكمال"(1/ 45)، و"سير أعلام النبلاء"(2/ 202).

ص: 540

وَأَسْنَدَ قَيسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ - وَقَدْ أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثَلاثَةَ أَخْبَارٍ

ــ

قلتُ: غريبٌ وفي أرضِ غُرْبَةٍ، لأَبكينَّهُ بُكَاءً يُتَحَدَّثُ عنه). أخرجه مسلم (1).

(وأَسْنَدَ قَيسُ بن أبي حازمٍ) البجليُّ الأحمسيُّ أبو عبد الله الكوفي، أحدُ كبارِ التابعين وأعيانِهم، مخضرَم، ويُقال: له رؤية، وهو الذي يُقال: إنه اجْتَمَعَ له أن يروي عن العَشَرة.

واسم أبي حازم: عبدُ عوف، وقيل: عوف بن عبد الحارث البجلي صحابيّ، ويروي عنه (ع) والحَكَم بن عُتَيبة وإسماعيل بن أبي خالد والأعمش، وَثَّقه ابنُ مَعِين.

وقال في "التقريب": من الثانية، مات بعد التسعين أو قبلها وقد جاوز المائة وتغيَّر، وقال خليفة: مات سنة ثمان وتسعين.

(- وقد أَدْرَك زَمَنَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ثلاثةَ أَخْبَارٍ) أي: ثلاثةَ أحاديث:

الأول: حديث: لا إن الإيمان ها هنا، وإن القَسْوَةَ وغِلَظَ القلوب في الفَدَّادين" (2)، والثاني: حديث: "إن الشمس والقمر لا يكسفان لموت أحد" (3).

والثالث: حديث: "لا أكاد أدرك الصلاة مما يُطَوِّلُ بنا فلانٌ"، أخرجها كُلَّها

(1)"صحيح مسلم"(2/ 635) في كتاب الجنائز (6 - باب البكاء على الميت) حديث رقم (922/ 10).

(2)

أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق (15 - باب خير مال المسلم غنمٌ يتبع بها شعف الجبال) حديث رقم (3302)، ومسلمٌ في كتاب الإيمان (1/ 71)(21 - باب تفاضل أهل الإيمان فيه ورجحان أهل اليمن فيه) حديث رقم (51/ 81).

(3)

أخرجه البخاري في كتاب الكسوف (13 - باب لا تنكسف الشمس لموت أحدٍ ولا لحياته) حديث رقم (1057)، ولفظه: (الشمس والقمر لا ينكسفان

"، ومسلمٌ في كتاب الكسوف (2/ 628) (5 - باب ذكر النداء بصلاة الكسوف: الصلاة جامعة) حديث رقم (911/ 21 و 22 و 23).

ص: 541

وَأَسْنَدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبي لَيلَى -وَقَدْ حَفِظَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَصَحِبَ عَلِيًّا- عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا.

وَأَسْنَدَ رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ

ــ

البُخَاريُّ ومسلمٌ في "صَحِيحَيهِما"(1).

(وأَسْنَدَ عبدُ الرحمنِ بن أبي لَيلَى) اسمه يَسار -ويقال: بلال، ويقال: داودُ بن بلال- بن بُلَيل بن أُحَيحة الأنصاري الأوسي، أبو عيسى الكوفي.

روى عن عُمر ومعاذ وبلال وأبي ذرّ، وأدرك مئةً وعشرين من الصحابة الأنصاريين، ويروي عنه (ع) وابنه عيسى ومجاهد وعَمْرو بن ميمون -أكبر منه- والمنهال بن عَمْرو وخلق.

قال عبد الله بن الحارث: ما ظننتُ أن النساء وَلَدْنَ مثله، وَثَّقَه ابنُ معين.

وقال في "التقريب": ثقة، من الثانية، مات سنة ثلاث وثمانين بوقعة الجماجم، وقيل: غرق بدُجَيل مع محمد بن الأشعث.

(وقد حَفِظَ عن عُمَرَ بنِ الخَطَّاب) وقال في "التقريب": واختُلف في سماعه عن عُمر (وصَحِبَ عَلِيًّا) ابن أبي طالب.

وقولُه: (عن أَنَسِ بنِ مالكٍ) متعلِّقٌ بـ (أسْنَدَ) أي: رَوَى عن أنس (عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم حديثًا) واحدًا وهو قولُه: (أمر أبو طلحة أُمَّ سُلَيمٍ: اصنعي طعاما للنبي صلى الله عليه وسلم) أخرجه مسلم (2).

(وأَسْنَدَ رِبْعِيُّ بن حِرَاشي) بكسر المهملة العبسيُّ -بموحدة- أبو مريم الكوفي، مخضرَم.

(1) أخرجه البخاريُّ في كتاب الأذان (61 - باب تخفيف الإمام في القيام) حديث رقم (702) بلفظ: (أن رجلًا قال: يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أَجْل فلان ممّا يُطيل بنا)، ومسلمٌ في كتاب الصلاة (1/ 340)(37 - باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام) حديث رقم (466/ 182).

(2)

في كتاب الأشربة (3/ 1613) (20 - باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك

) حديث رقم (2040/ 143)، وفيه:(أنْ تَصْنَعَ للنبي صلى الله عليه وسلم طعامًا).

ص: 542

عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ عَنِ النَّبِى صلى الله عليه وسلم حَدِيثَينِ، وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا،

ــ

روى عن عُمر وعليّ فَرْد حديث وأبي مسعودٍ عقبة بن عَمْرٍو وأبي ذرٍّ وأبي موسى، ويروي عنه (ع) ومنصور بن المُعْتَمِر وعبد الملك بن عُمَير وأبو مَالك الأشجعي ونعيم بن أبي هند، قال العِجْليُّ: من خيار الناس لم يَكْذِبْ كَذْبةً قط.

وقال في "التقريب": ثقةٌ عابدٌ مخضرَم، من الثانية، مات سنة مائة، وقيل: مائة وأربع، وليس في مسلم من اسمه رِبْعِيّ إلّا هذا التابعي الثقة الجليل.

(عن عِمْرَانَ بنِ حُصَينِ) بن عُبيد الخزاعي أبي نُجيد مصغرًا، أسلم عام خيبر، له مائة وثلاثون حديثًا.

(عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم حديثَينِ) أحدُهما: في إسلام حُصَين والدِ عمران

وفيه قولُه: (كان عبد المطلب خيرًا لقومك منك) رواه عَبْد بن حميد في "مسنده" والنسائيُّ في كتابه "عمل اليوم والليلة"(1) بإسناديهما الصحيحين.

والحَدِيثُ الآخرُ: "لأَعُطينّ الراية رجلًا يُحِبُّ الله ورسولَه" رواه النَّسائيُّ في "سننه"(2).

(و) أَسْنَدَ رِبْعِيُّ بن حِرَاشِ أيضًا (عن أبي بكْرَةَ) نُفَيع بن الحارث بن كَلَدة -بفتحتين- ابن عمرو الثقفي، كُني بأبي بَكْرة لأنه نَزَلَ عليها من حصن الطائف إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكناه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بها، له مائة واثنان وثلاثون حديثًا، وكان أبو بَكْرة ممن اعتزل يوم الجمل فلم يُقَاتِلْ مع أَحَدٍ من الفريقين.

(عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم حديثًا) واحدًا، وهو قولُه صلى الله عليه وسلم:"إذا المسلمان حَمَلَ أحدُهما على أخيه السِّلاحَ .. فهُمَا على جُرُفِ جهنَّم" أخرجه مسلمٌ (3)

(1)(ص 548 - 549)(ما يُؤْمَرُ به المشرك أن يقول) حديث رقم (994).

(2)

"السنن الكبرى"(5/ 46) كتاب المناقب (4 - فضائل عليّ رضي الله عنه حديث رقم (8150).

(3)

كتاب الفتن وأشراط الساعة (4/ 2214)(4 - باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما) حديث رقم (2888/ 16).

ص: 543

وَقَدْ سَمِعَ رِبْعِيٌّ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَرَوَى عَنْهُ.

وَأَسْنَدَ نَافِعُ بْنُ جُبَيرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِي شُرَيحٍ الْخُزَاعِيِّ

ــ

وأشار إليه البخاريُّ (1).

(وقد سَمعَ رِبْعِيُّ) بن حِرَاش هذا الحديث الذي رواه عن أبي بكرة (من عَلِيِّ بنِ أبي طالبٍ) رضي الله عنه (وَروَى عنه) أي: عن علي بن أبي طالب أيضًا وهو معطوفٌ على (سَمِعَ).

(وأَسْنَدَ نافعُ بن جُبَيرِ بنِ مُطْعِمٍ) النوفليُّ أبو محمد المدنيُّ.

روى عن أبيه والعبّاس بن عبد المطلب والزُّبَير بن العَوَّام وعلي بن أبي طالب وأبي شُرَيح، ويروي عنه (ع) وعروة بن الزبير والزُّهْرِيُّ وعَمْرُو بن دينار وخَلْق، وَثَّقَه أبو زرعة.

وقال في "التقريب": ثقةٌ فاضلٌ، من الثانية، مات سنة تسع وتسعين.

(عن أبي شُرَيحٍ) خويلد بن عَمْرو بن صخر بن عبد العُزى بن معاوية (الخُزَاعِيِّ) الكعبي، أسلم يوم الفتح، وكان يحمل أحد ألوية بني كعب.

روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن ابن مسعود، ويروي عنه (ع) وأبو سعيد المَقْبُري ونافع بن جُبَير بن مُطْعِم.

قال ابنُ سَعْد: مات بالمدينة سنة ثمان وستين، وقيل: سنة ثمان وخمسين، والأولُ أصَحُّ؛ لأنه تاريخ عمرو بن سعيد بن العاص وهو يبعث البعوث إلى مكة لقتال ابن الزبير وكان ذلك في خلافة يزيد بن معاوية بعد سنة ستين. اهـ "تهذيب التهذيب"(12/ 125 - 126).

(1) قلتُ: وقع في "إكمال المعلم"(1/ 184): (وأشارَ إليه البخاريُّ في الإيمان)، وكذلك عزاه الحافظ المِزّيُّ في "تحفة الأشراف"(9/ 43) حديث رقم (11672) إلى كتاب الإيمان، والصواب: في كتاب الفتن، كما نبَّهَ على ذلك الحافظ ابنُ حجر في "النكت الظراف". انظر "فتح الباري"(13/ 31) كتاب الفتن (10 - باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما) حديث رقم (7083)، وهو حديث معلَّقٌ رواه مسلم موصولًا من هذا الطريق، وقد تقدم عزوه في التعليقة السابقة.

ص: 544

عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا.

وَأَسْنَدَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ

ــ

(عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم حديثًا) واحدًا، وهو حديث:"مَنْ كان يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر .. فَلْيُحْسِنْ إلى جاره"، أخرجه مسلمٌ في كتاب الإيمان هكذا من رواية نافع بن جُبَير (1)، وقد أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ أيضًا من رواية سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري (2).

(وأَسْنَدَ النُّعْمَانُ بن أبي عَيَّاشٍ) بتحتانية مشددة وشين معجمة، الزرقيُّ الأنصاريُّ أبو سلمة المدنيُّ، واسمُ أبي عياش والدِ النعمان: زيدُ بن الصامت، وقيل: زيد بن النعمان، وقيل: عبيد بن معاوية بن الصامت وقيل: عبد الرحمن.

روى عن أبي سعيد الخُدْري وابن عُمر وجابر وخولة بنت قيس، ويروي عنه (م ت س ق) وأبو حازم وابن عجلان ويحيى بن سعيد الأنصاري وسُهَيل بن أبي صالح وغيرهم، وَثَّقَه ابنُ مَعِين.

وقال في "التقريب": ثقةٌ من الرابعة.

أي: رَوَى (عن أبي سعيدٍ) سَعْدِ بنِ مالك بن سنان -بنونين- ابن عُبيد بن ثعلبة بن عُبَيد بن خُدْرة -بضم المعجمة- ابن عوف بن الحارث بن الخَزْرَج (الخُدْرِيِّ) منسوب إلى خُدْرة بن عوف، له ولأبيه صحبة، استُصغر يومَ أُحد، ثم شهد ما بعدها، وبايع تحت الشجرة، وكان من علماء الصحابة، له ألف ومائة حديث وسبعون حديثًا.

(1)(1/ 69) (19 - باب الحثّ على إكرام الجار والضيف

) حديث رقم (48/ 77).

(2)

أخرجه البخاري في كتاب الأدب (31 - باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر .. فلا يؤذ جاره) حديث رقم (6019) وفي (85 باب إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه) حديث رقم (6135)، وفي كتاب الرقاق (23 - باب حفظ اللسان) حديث رقم (6476)، ومسلمٌ في كتاب اللقطة (3/ 1352 - 1353)(3 - باب الضيافة ونحوها) حديث رقم (48/ 14 و 15 و 16)، وفي رواية البخاري الأولى:"مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر .. فليُكرم جاره"، وفي باقي الروايات: "

فليُكرم ضيفَه".

ص: 545

ثَلاثَةَ أَحَادِيثَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

وَأَسْنَدَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيثِيُّ

ــ

ويروي عنه (ع) وطارق بن شهاب وابن المُسَيّب والشَّعْبي ونافع وخلق، مات بالمدينة سنة ثلاث أو أربع أو خمس وستين -وقيل: سنة أربع وسبعين- وهو ابنُ أربع وسبعين سنة.

(ثلاثةَ أحاديث عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم:

أمَّا الأولُ منها: فقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صام يومًا في سبيل الله .. بَاعَدَ اللهُ وَجْهَه عن النار سبعين خريفًا"(1).

والثاني: "إنَّ في الجنة شجرةَ يسيرُ الراكبُ في ظِلِّها

" (2) أخرجهما معًا البخاريُّ ومسلمٌ.

والثالث: "إنَّ أدنى أهلِ الجنةِ منزلةً رجلٌ صَرَفَ اللهُ وَجْهَه عن النار

" الحديث أخرجه مسلمٌ (3).

(وأَسْنَدَ عطاءُ بن يَزِيدَ الليثيُّ) ثم الجُنْدَعي بجيم مضمومة فنون ساكنة ودال مفتوحة مهملة وعين مهملة كما في "المغني"، أبو محمد -وقيل: أبو يزيد- المدني ثم الشامي.

(1) أخرجه البخاريُّ في كتاب الجهاد (36 - باب فضل الصوم في سبيل الله) حديث رقم (2840)، ومسلمٌ في كتاب الصيام (2/ 808)(31 - باب فضل الصيام في سبيل الله لمن يطيقه بلا ضرر ولا تفويت حق) حديث رقم (1153/ 167 و 168).

(2)

أخرجه البخاري في كتاب الرقاق (51 - باب صفة الجنة والنار) حديث رقم (6552)، ومسلمٌ في كناب الجنة (1 - باب إنَّ في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلّها مائة عام لا يقطعها) حديث رقم (2828/ 8)، ولفظه:"إنَّ في الجنة شجرةً يسيرُ الراكبُ الجوادَ المُضَمَّرَ السريعَ مائة عامٍ ما يَقْطَعُها".

(3)

في كتاب الإيمان (1/ 175 - 176)(84 - باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها) حديث رقم (188/ 311)، وقد وَرَدَ في هذا الحديث وفي أحاديث أخرى رواها مسلمٌ في "صحيحه" التصريحُ بسماع النعمان بن أبي عَيَّاش من أبي سعيد الخدري.

ص: 546

عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا

ــ

روى عن تميم الداري وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي أيوب الأنصاري وحُمْران بن أبان وعبيد الله بن عدي بن الخِيار، ويروي عنه ابنه سليمان والزُّهْري، وأبو عبيد صاحب سليمان بن عبد الملك وأبو صالح السمَّان وسُهَيل بن أبي صالح السمَّان. .. وهلال بن ميمون الرملي- وغيرهم.

قال علي بن المَدِيني: سكن الرملة وكان ثقةً، وقال النسائيُّ: أبو يزيد عطاء بن يزيد شامي ثقة، وقال ابنُ سَعْد: كناني من أنفسهم، توفي سنة سبع ومائة وهو ابن اثنتين وثمانين. اهـ " تهذيب التهذيب"(7/ 217).

(عن تميمِ) بن أوس بن خارجة (الدَّارِيِّ) نسبة إلى الدار بن هانئ من لخم، كان راهبَ عصرِه وعابدَ أهل فِلَسْطِينَ -وقيل: نسبة إلى جده الدار بن هانئ بن حبيب، وقيل: نِسْبة إلى دارين وهو موضع في بلادِ البحرين، تُجْلب إليه العُطُور مِن بلادِ الهند، والأولُ أصحُّ- أبِيَ رُقَيَّة بقاف وتحتانية مصغرًا، الصحابي المشهور، أسلم سنةَ تسع، وسكنَ بيت المقدس بَعْد ما قُتل عثمان، له ثمانيةَ عشر حديثًا، انفرد له (م) بحديث.

روى عنه سيّدُ البشر صلى الله عليه وسلم خَبَر الجسَّاسِة وذلك في (خ م)، وناهِيكَ بهذه المنقبةِ الشريفةِ، وتدَخلُ في رواية الأكابر عن الأصاغر، ويروي عنه أنسٌ ..... وعطاءُ بن يَزيد وشَهْرُ بن حَوْشَب وقَبيصة بن ذُؤَيب- وعِدَّةٌ.

كان صاحبَ لَيل وتلاوةٍ، قال ابنُ سيرين: جَمَعَ القرآنَ وكان يختمُ في ركعة، وقال مسروق: صلَّى ليلةً حتى أصبح يقرأ آيةَ يُرَددها: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ} الآية، وقال أبو نعيم: أوَّلُ مَنْ سَرَّج في المساجد تميم، وقال أنس: اشترى حُلةً بألفٍ ليخرج فيها إلى الصلاة، وقال السائب بن يَزِيد: هو أوَّلُ مَنْ قَصَّ بإذنِ عُمر، توفي سنة أربعين.

(عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم حديثًا) واحدًا وهو حديث: "الدِّينُ النصيحة".

تتمة:

وعبارةُ النووي هنا: (وأمَّا تميم الدَّارِيُّ .. فكذا هو في "مسلم"، واخْتَلَفَ فيه

ص: 547

وَأسْنَدَ سُلَيمَان بْنُ يَسَارٍ

ــ

رواةُ "الموطإ"، ففي رواية يحيى وابن بُكَير وغيرهما: الدَّيري بالياء، وفي رواية القعنبي وابن القاسم وأكثرهم: الدَّاري بالألف.

واختلَف العلماءُ في أنه إلى مَنْ نُسبَ؟ فقال الجمهور: نسبة إلى جَدٍّ من أجداده وهو الدارُ بن هانئ؛ فإنه تميمُ بن أوس بن خارجة بن سُود -بضم السين- ابن جَذِيمة -بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة- ابن ذراع بن عدي بن الدار بن هانئ بن حبيب بن نُمارة بن لَخْم وهو مالكُ بن عدي.

وأمَّا مَن قال: (الديري) .. فهو نسبة إلى دَيرٍ كان تميم فيه قبل الإسلام وكان نصرانيًّا، هكذا رواه أبو الحُسَين الرازيُّ في كتابه "مناقب الشافعي" بإسناده الصحيح عن الشافعي أنه قال في النسبَتَينِ ما ذكرناه، وعلى هذا أكثرُ العلماء.

ومنهم من قال: الداري بالألف نسبة إلى دَارين، وهو مكان عند البحرين وهو محطُّ السُّفُن، كان يُجلب إليه العِطر من الهند، ولذلك قيل للعطّار: داري.

ومنهم مَنْ جعله بالياء نسبةً إلى قبيلة أيضًا، وهو بعيدٌ شاذٌ حَكَاهُ والذي قبلَه صاحبُ "المطالع" قال: وصَوَّبَ بعضُهم الديري (1).

قلتُ: وكلاهما صوابٌ، فنُسِبَ إلى القبيلة بالألفِ وإلى الدير بالياء؛ لاجتماع الوصفين فيه.

قال صاحب "المطالع": وليس في "الصحيحين" و"الموطإ" داريٌ ولا ديريٌّ إلّا تميم) اهـ (2).

(وأَسْنَدَ سُلَيمَانُ بن يَسَارٍ) الهلاليُّ المدني مولى ميمونة، أحدُ الفقهاء السبعة.

روى عن زيد بن ثابت وعائشة وأبي هريرة ومولاته ميمونة رضي الله عنها، وأَرْسَلَ عن جماعة، ويروي عنه (ع) ومكحول وقتادة والزُّهْري وعَمْرو بن شعيب.

قال ابنُ سعد: كان ثقةً عالمًا رفيعًا فقيهًا كثيرَ الحديث.

(1) انظر "مشارق الأنوار"(1/ 267).

(2)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 142).

ص: 548

عَنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا.

وَأَسْنَدَ حُمَيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ عَنْ أَبي هُرَيرَةَ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أَحَادِيثَ

ــ

وقال في "التقريب": ثقةٌ فاضلٌ، من كبار الثالثة، مات سنة مائة -وقيل: مع أربع، وقيل: مع سبع- عن ثلاث وسبعين سنة.

(عن رافعِ بنِ خَدِيجِ) بن رافع بن عدي بن تَزِيد بن جُشم بن حارثة الأنصاري الأوسي، صحابي شَهِدَ بدرًا وما بعدها، له ثمانية وسبعون حديثًا، ويروي عنه (ع) وابنه رفاعة وبُشَير بن يَسَار وطاوس وعطاء.

عاش ستًّا وثمانين سنة، وقال خليفة: مات سنة أربع وسبعين.

(عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم حديثًا) واحدًا، وهو حديث المحاقلة، أخرجه مسلم رحمه الله تعالى (3/ 1181)(1).

(وأَسْنَدَ حُمَيدُ بن عبد الرحمنِ الحِمْيَرِيُّ) بكسر الحاء المهملة وسكون الميم وفتح الياء منسوب إلى حِمْيَر بن سبإ بن يشجب البصري.

روى عن أبي بَكْرة وابن عُمر وأبي هريرة وابن عباس وثلاثة من ولد سعد وغيرهم، ويروي عنه (ع) وابنه عبد الله ومحمد بن المنتشر وعبد الله بن بُرَيدة ومحمد بن سيرين وأبو بشر وعَزْرة بن عبد الرحمن وأبو التيَّاح وداود بن أبي هند وغيرهم.

قال العِجْلِيُّ: بصري ثقة، وكان ابنُ سيرين يقول: هو أفقهُ أهل البصرة.

وقال في "التقريب": ثقة فقيه من الثالثة.

(عن أبي هُرَيرَةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أحاديثَ) قال النووي: (من هذه الأحاديث حديث: "أفضلُ الصيام بعد رمضان شهرُ اللهِ المُحَرَّمُ، وأفضلُ الصلاةِ بعد الفريضة صلاةُ الليلِ" أخرجه مسلمٌ (2) منفردًا به عن البخاري.

(1) في كتاب البيوع (18 - باب كراء الأرض بالطعام) حديث رقم (1548/ 113).

(2)

في كتاب الصيام (2/ 821)(38 - باب فضل صوم المحرم) حديث رقم (1163/ 202 و 203).

ص: 549

فَكُلُّ هَؤُلاءِ التَّابِعِينَ الَّذِينَ نَصَبْنَا رِوَايَتَهُمْ عَنِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَمَّينَا لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُمْ سَمَاع عَلِمْنَاهُ مِنْهُمْ فِي رِوَايَةٍ بِعَينهَا، وَلَا أَنَّهُمْ لَقُوهُمْ فِي نَفْسِ خَبَرٍ بِعَينهِ، وَهِيَ

ــ

قال أبو عبد الله الحُمَيدِيُّ رحمه الله تعالى في آخر مسند أبي هريرة من "الجمع بين الصحيحين"(1): ليس لحُمَيدِ بن عبد الرحمن الحِمْيَرِيِّ عن أبي هريرة في "الصحيح" غيرُ هذا الحديث، قال: وليس له عند البخاري في "صحيحه" عن أبي هريرة شيءٌ، وهذا الذي قاله الحُمَيدِيُّ صحيحٌ.

وربما اشْتَبَهَ حُمَيدُ بن عبد الرحمن الحِمْيَريُّ هذا بحُمَيدِ بنِ عبد الرحمن بن عوف الزهْرِيِّ الراوي عن أبي هريرة أيضًا، وقد رولا له في "الصحيحين" عن أبي هريرة أحاديثَ كثيرةً، فقد يقِفُ مَنْ لا خبرةَ له على شيءٍ منها فيُنكر قولَ الحُميدي؛ توهُّمًا منه أن حُمَيدًا هذا هو ذاك، وهو خطأٌ صريحٌ وجهلٌ قبيحٌ، وليس للحِمْيَرِيِّ عن أبي هريرة أيضًا في الكتب الثلاثة التي هي تمامُ أصول الإسلام الخمسة -أعني سنن أبي داود والترمذي والنسائي- غيرُ هذا الحديث، والله أعلم) اهـ (2).

(فكُل هؤلاءِ) الفضلاء (التابعينَ) لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (الَّذين نَصَبْنا) نحن وَبيَّنَّا فيما سبق (رِوَايتَهم) وَنقْلَهم الأحاديثَ المذكورةَ (عن الصحابة الذين سَمَّينا) وذكَرْنا أسماءهم رضوان الله عليهم.

فقولُه: (فكُل هؤلاءِ) مبتدأُ خبرُه جملةُ قوله: (لم يُحْفَظْ) ولم يُنْقَلْ (عنهم) أي: عن هؤلاء التابعين (سَمَاعٌ) نائب فاعل، وجملةُ (عَلِمْناه) صفةٌ لسماعٌ، والضميرُ المنصوبُ هو الرابط بين الجملة الوصفية والموصوف، وقولُه:(منهم) متعلِّقٌ بسمَاعٌ، والضميرُ للصحابة.

وقولُه: (في روايةٍ) متعلِّقٌ بـ (عَلِمْناه) أي: لم يُحْفَظْ عنهم سماعُهم منهم عَلِمْناه في روايةٍ (بعينها ولا) حَفِظْنا (أنّهم) أي أن هؤلاء التابعين (لَقُوهُمْ) أي: لَقُوا أولئك الصحابةَ (في نَفْسِ خَبَرٍ) وحديثٍ (بِعَينهِ (3)، وهي) أي: والحالُ أن هذه

(1)(3/ 322) رقم (2773).

(2)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 143 - 144).

(3)

قلتُ: لكنْ يَعْكُرُ على ما قاله الإمامُ مسلمٌ من نَفْيه سماعَ هؤلاء التابعين عن الصحابة: أنه ذَكَرَ =

ص: 550

أَسَانِيدُ عِنْدَ ذَوي الْمَعْرِفَةِ

ــ

الرواياتِ السابقةَ (أسانيدُ) صحيحةٌ (عندَ ذوي المعرفةِ) والعلمِ؛ أي: عندَ أصحاب

= في جملتهم النعمانَ بنَ أبي عَيَّاش، وأنه أسند ثلاثة أحاديث عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أورد له عدة أحاديث في "صحيحه" فيها التنصيص على سماعه من أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه.

جاء في كتاب الفضائل (4/ 1793) (9 - باب إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم وصفاته":

26 -

(2290) حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب يعني ابن عبد الرحمن القاريَّ، عن أبي حازم، قال: سمعتُ سَهْلًا يقولُ: سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: "أَنا فَرَطُكم على الحوض، مَنْ وَرَدَ .. شَرِبَ

".

قال أبو حازم: فسَمعَ النعمانُ بن أبي عَيَّاش وأنا أُحَدِّثُهم هذا الحديث فقال: هكذا سمعتَ سَهْلًا يقول؟ قال: فقلتُ: نعم، قال: وأنا أشهدُ على أبي سعيدِ الخُدْريِّ لسَمِعْتُه يَزيدُ فيقول: "إنهم مني" فيُقال: إنك لا تَدْري ما عَمِلُوا بعدك، فأقولُ:"سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بعدي").

وجاء في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (4/ 2176)(1 - باب إنَّ في الجنة شجرة يسيرُ الراكب في ظِلّها مائة عام لا يقطعها):

8 -

(2827) حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحَنْظَلِيُّ، أخبرنا المخزوميُّ، حدثنا وُهَيبٌ، عن أبي حازم، عن سَهْل بن سَعْد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إنَّ فيِ الجَنَّة لشجرةً يسيرُ الراكبُ في ظلها مائة عام لا يَقْطَعُها"، قال أبو حازم: فحَدَّثْتُ به النعمان بنَ أبي عَيَّاشِ الزُّرَقِيَّ فقال: حدثني أبو سعيدِ الخُدْريُّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ في الجنة شجرةً يسيرُ الراكبُ الجوادَ المُضَمَّرَ السَّرِيعَ مئةَ عامِ فما يَقْطَعُها).

وورد أيضًا في الكتاب المذكور (4/ 2177)(3 - باب ترائي أهل الجنة أهل الغرف كما يرى الكوكب في السماء):

10 -

(2830) حدثنا قتيبةُ بن سعيدِ، حدثنا يعقوبُ -يعني ابنَ عبد الرحمن القاريَّ- عن أبي حازم، عن سَهْل بن سَعْد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إنَّ أهلَ الجَنَّةِ لَيَتَراءَوْن الغُرْفَةَ في الجنة كما تَرَاءَوْن الكوكبَ في السماء"، قال: فحَدَّثْتُ بذلك النعمانَ بنَ أبي عيَّاش، فقال: سمعتُ أبا سعيد الخُدْريَّ يقول: "كَمَا تَرَاءَوْن الكوكبَ الدُّرِّيَّ في الأُفُقِ الشَّرْقيِّ أو الغَرْبيِّ".

ففي هذه الأحاديث الثلاثة التصريح بسماع النّعمان بن أبي عَيَّاش الزُّرَقي من أبي سعيد الخُدْري، والله أعلم.

ص: 551

بالأَخْبَارِ وَالرِّوَايَاتِ مِنْ صِحَاحِ الأَسَانِيدِ، لَا نَعْلَمُهُمْ وَهَّنُوا مِنْهَا شَيئًا قَطُّ، وَلَا الْتَمَسُوا فِيهَا سَمَاعَ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضِ؛ إِذِ السَّمَاعُ لِكُلِّ وَاحِدِ مِنْهُمْ مُمْكِنٌ مِنْ صَاحِبهِ، غَيرُ مُسْتَنْكَرٍ، لِكَوْنِهِمْ جَمِيعًا كَانُوا فِي الْعَصْرِ الَّذِي اتَّفَقُوا فِيهِ.

وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي أَحْدَثَهُ الْقَائِلُ

ــ

المعرفة والعلم (بالأَخْبَارِ) والأحاديثِ الصحيحةِ والضعيفةِ (و) عندَ أصحابِ الخبرة بـ (الرواياتِ) الصحيحة والسقيمة.

وقولُه: (من صِحَاحِ الأسانيدِ)؛ صفةٌ لأسانيدُ؛ أي: وهي أسانيدُ كائناتٌ من جملة الأسانيد الصحيحة عند ذوي المعرفة بالأخبار والروايات.

(لا نَعْلَمُهُمْ) أي: لا نَعْلَمُ أهلَ العلمِ وأئمّة السَّلَفِ (وَهَّنُوا) بتشديد الهاء مفعولٌ ثانٍ لـ (نَعْلَمُ)، أي: لا نَعْلَمُ أحدًا من أئمة السلف وَهَّنَ وضَعَّفَ (منها) أي: من هذه الروايات السابقة (شيئًا) قليلًا ولا كثيرًا (قَط) ظرفٌ مستغرِقٌ لِمَا مَضَى من الزمان متعلِّقٌ بـ (نَعْلَمُ) أي: لم نَعْلَمْ قطُّ أحدًا منهم وَهَّنَ شيئًا من هذه الروايات.

وقولُه: (ولا الْتَمَسُوا) معطوفٌ على (وَهَّنُوا) أي: ولا عَلِمْنا أحدًا منهم الْتَمَس وطلب (فيها) أي: في هذه الروايات (سَمَاعَ بعضِهم من بعضٍ) أي: سماعَ هؤلاء الرُّواة بعضِهم من بعض.

وقولُه: (إذِ السَّمَاعُ لِكُلِّ واحدٍ منهم) تعليلٌ لعدم الالتماس؛ أي: وإنما لم يَلْتَمِسُوا تصريحَ سماع بعضهم من بعض فاكْتَفَوْا بالعنعنة؛ لأنَّ سماعَ كُلِّ واحدٍ منهم (مُمْكِنٌ من صاحبِهِ) أَي: لأنَّ سماعَ كُلِّ راوٍ من صاحبه وشيخِه الذي رَوَى له مُمْكِنٌ عادةً (غيرُ مُسْتنكَرٍ) عقلًا؛ أي: غيرُ مُنْكَرٍ عقلًا، لا تُنْكِرُه عقولُ أهل المعرفة والخبرة بالروايات، فالسين والتاء فيه زائدتان.

وقولُه: (لِكَوْنِهم جميعًا) تعليلٌ للإمكان؛ أي: وإنما كان مُمْكنًا غيرَ مُنْكَرٍ لكَوْنِ كُلِّ راو وصاحبه حال كَوْنِهم جميعًا (كانوا) ووُجِدوا (في العَصْرِ) والزمنِ (الذي اتَّفَقُوا) أي: اتَّفَقَ خَلْقهم (فيه) أي: في ذلك العصر، فاكْتَفَوْا عن علمِ السماع واللقاءِ بإمكانهما؛ إذِ المعاصرةُ تقتضِيهما غالبًا وإنْ لم يُعلما.

(وكان هذا القولُ) المُطَّرَحُ (الذي أَحْدَثَه) واخْتَرَعَه هذا (القائلُ) الزاعمُ

ص: 552

الَّذِي حَكَينَاهُ فِي تَوْهِينِ الْحَدِيثِ بِالْعِلَّةِ الَّتِي وَصَفَ أَقَلَّ مِنْ أَنْ يُعَرَّجَ عَلَيهِ وَيُثَارَ ذِكْرُهُ؛ إِذْ كَانَ قَوْلًا مُحْدَثًا وَكَلامًا خَلْفًا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ سَلَفَ، وَيَسْتَنْكِرُهُ مَنْ بَعْدَهُمْ خَلَفَ،

ــ

(الذي حَكَيناه) أي: حَكَينا قولَه ووصَفْنَاه وذَكَرْناه فيما سَبَقَ من أول الباب إلى هنا.

وقولُه: (في تَوْهِينِ الحديثِ) متعلِّقٌ بأَحْدَثَه واخْتَرَعَه وقاله في تضعيف الحديث المعنعن.

وقولُه: (بالعِلَّةِ) متعلِّقٌ بـ (تَوْهِينِ)، وقولُه:(التي وَصَفَ) صفةٌ للعِلَّة، وهي عدمُ العلم بالملاقاة والسماع وعدمُ المشافهة؛ أي: الذي أحدثه وقاله في تضعيف الحديث المعنعن بالعلّة التي وَصَفَها وذَكَرَها.

وقولُه: (أَقَلَّ) خبرُ (كان) أي: وكان هذا القولُ الذي أحدثه واخترعه هذا الزاعمُ في قبول الحديثِ المُعَنْعَنِ واشْتَرَطه فيه أَقَلَّ وأَحْقَرَ وأضْعَفَ (مِنْ أنْ يُعَرَّجَ) ويعَوَّلَ ويعْتَمَدَ (عَلَيهِ) في هذا العلم (و) أَقَلَّ وأَدْوَنَ من أنْ (يُثارَ) وينْشَرَ ويشَاعَ (ذِكْرُه) بين عوامّ الناس وخاصّتِهم؛ لئلَّا يغْتَرَّ به مَن لم يُرْزَقِ التيقُّظَ والمعرفةَ في هذا العلم بأسبابِه وعِلَلِه.

وقوله: (إذْ كان) تعليلٌ لجملة الكَوْن؛ أي: وإنما كان أَقَلَّ من ذلك؛ لأنَّ هذا القولَ كان (قولًا مُحْدَثًا) أحدثه زاعمُه واخترعَه مِنْ عند نفسه من غير سابقيةٍ له من علماء السلف (و) كان (كلامًا خَلْفًا) أي: ساقطًا لم يَقُلْه أحدٌ من الخَلَف -والخَلْفُ بفتح الخاء وسكون اللام: الكلامُ الساقطُ عن ألسنة الناس فلا يقوله أحدٌ، والفاسدُ في قلوبهم فلا يعتقده أحدٌ، فلا اعتبارَ له عندهم قَلْبًا وقالبًا.

أي: كان قولًا (لم يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أهلِ العِلْمِ سَلَفَ) ففي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ لغرض السَّجْع، وهذه الجملةُ راجعةٌ لقوله:(قَوْلًا مُحْدَثًا)، والتقديرُ:

أي: كان قولًا مُحْدَثًا لم يَقُلْه أحدٌ سَلَفَ من أئمّةِ هذا العلم (و) كلامًا (يَسْتنكِرهُ) أي: يُنكره، فالسينُ والتاءُ فيه زائدتان للمبالغة في الإنكار (مَنْ بَعْدَهُمْ) أي: مَنْ بعدَ السلفِ (خَلَفَ) وتأَخَّرَ، وفيه تقديمٌ وتأخيرٌ أيضًا لغرض السَّجْع، وهو راجعٌ لقوله:(كلامًا خَلْفًا)، والتقديرُ:

ص: 553

فَلَا حَاجَةَ بِنَا فِي رَدِّهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا شَرَحْنَا؛ إِذْ كَانَ قَدْرُ الْمَقَالةِ وَقَائِلِهَا الْقَدْرَ الَّذِي وَصَفْنَاهُ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى دَفعِ مَا خَالفَ مَذْهَبَ الْعُلَمَاءِ، وَعَلَيهِ التُّكْلانُ

ــ

أي: وكان كلامًا خَلْفًا ساقطًا يُنكره مَنْ خَلَفَ وجاء بعد السلف؛ أي: وكان قولًا مُحْدَثًا بعد السَّلَف، وكلامًا ساقطًا عند الخَلَف، فلا يُعَوَّلُ عليه لكَوْنِه مُخْتَرَعًا، ولا يُنْشَرُ لكونه ساقطًا، وقد تقدَّم لك في أول الكتاب أن السلف: من كانوا قبل تمام أربعمائة سنة من الهجرة، والخَلَف: مَنْ كانوا بعدها، وقيل: السلف: أهل القرن الأول والثاني، والخلف: مَنْ كان بعدهما، والله أعلم.

والفاءُ في قوله: (فلا حاجةَ) للإفصاح؛ لأنها أفصحتْ عن جوابِ شرطٍ مُقَدَّرِ تقديرُه: إذا عَرَفتَ قَدْرَ هذا القول وأردتَ بيانَ شأننا فيه .. فأقول لك: لا حاجةَ ولا افتقارَ ولا ضرورةَ (بنا في رَدِّه) أي: في رَدِّ هذا القول وإنكارِه إلى الإتيان (بـ) ـكلامِ (أكثرَ مِمَّا شَرَحْنا) وَبيَّنَا في رَدِّه وذَكَرْنا في إنكارِه.

وقولُه: (إذْ كان) تعليلٌ لنفي الحاجة؛ أي: وإنما لم نَحْتَجْ في رَدِّه إلى كلامٍ أكثرَ ممّا قُلْنا؛ لأنه كان (قَدْرُ) هذه (المقالةِ) المخترعة المستحدثة في رَدِّها (و) قَدْرُ (قائلِها) في الإنكار والاحتجاج عليه.

وقولُه: (القَدْرَ الذي وَصَفْناه) خبرُ كان؛ أي: كان قيمتُها وجزاؤُها القَدْرَ الذي وَصَفْنا وذَكَرْنا سابقًا، فلا حاجةَ إلى إطالة الكلام في رَدِّها والإنكارِ عليه.

(واللهُ) سبحانه وتعالى الإلهُ (المُسْتَعَانُ) أي: الذي يُسْتَعَانُ بحَوْلهِ وقوَّتِه (على دَفْع وَردِّ (ما خَالفَ) ونَاقَضَ (مَذْهَبَ العُلَمَاءِ) وطريقَ القُدماء من السلفِ الكرام والأئمةِ الأعلام (وعليه) سبحانه وتعالى لا على غيرِه (التُّكْلانُ) والاعتمادُ في إثبات منهج أهل الحقّ والصواب، وإليه الرُّجْعَى والمآب.

و(التُّكْلان) بضم التاء وإسكان الكاف: الاتكالُ والاعتمادُ على الغير، وفي "القاموس": وَكَلَ باللهِ يَكِلُ من باب وعبد، وتَوَكَّلَ على الله وأَوْكَلَ واتَّكَلَ: اسْتَسْلَمَ إليه، ووَكَلَ إليه الأمرَ وَكْلًا ووُكولًا: سَلَّمَه وتَرَكَهُ، والتَّوكُّلُ: إظهارُ العَجْزِ والاعتمادُ على الغير، والاسم التُّكْلانُ. اهـ

***

ص: 554