المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(1) باب وجوب الرواية عن الثقات المتقنين، وترك الضعفاء المتروكين - الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - جـ ١

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌ترجمة الشارح

- ‌اسمه:

- ‌مولده:

- ‌نشأته:

- ‌رحلته:

- ‌مؤلفاته:

- ‌هجرته:

- ‌خطبة الكتاب

- ‌مقدِّماتٌ

- ‌المقدمةُ الأُولى في ترجمة الإِمام مسلم رحمه الله تعالى

- ‌المقدمة الثانية في ميزة "جامعه

- ‌فصل في ذكر الكتب المخرجة على صحيح مسلم

- ‌فصل آخر في شروحه

- ‌المقدّمة الثالثة مقدّمة العلم

- ‌الفرق بين الحديث والسُّنَّة والخَبَر والأثر:

- ‌المقدمة الرابعة في أسانيدي إلى الحافظ الإِمام مسلم رحمه الله تعالى

- ‌فصل في ذكر نبذة من أقسام الحديث وبيان أنواعه

- ‌(1) بَابُ وُجُوبِ الرِّوَايَةِ عَنِ الثِّقَاتِ المُتْقِنِينَ، وَتَرْكِ الضُّعَفَاءِ الْمَتْرُوكِينَ

- ‌تتمة: في معرفة الاعتبار والمتابعة والشاهد والأَفراد والشاذّ والمنكَر

- ‌(2) بَابُ تَغْلِيظِ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(3) بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْحَدِيثِ بِكُلِّ مَا سَمعَ

- ‌(4) بَابُ التَّحْذِيرِ عَنْ أَنْ يُشَنَّعَ فِي الْحَدِيثِ وَأَنْ يُحَدِّثَ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُه أَفْهَامُهُمْ

- ‌(5) بَابُ النَّهْيِ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالاحْتِيَاطِ فِي تَحَمُّلِهَا

- ‌(6) بَابُ اخْتِيَارِ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَتَلْخِيصِهَا وَطَرْحِ مَا سِوَاهَا مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيهَا

- ‌(7) بَابُ بيَانِ أَن الإِسْنَادَ مِنَ الدِّينِ، وَأَنَّ الرِّوَايَةَ لَا تَكُونُ إلا عَنِ الثِّقَاتِ، وَأَنَّ جَرْحَ الرُّوَاةِ بمَا هُوَ فِيهِمْ جَائِزٌ، بَلْ وَاجِبٌ، وَأنَّهُ لَيسَ مِنَ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ، بَلْ مِنَ الذَّبِّ عَنِ الشَّرِيعَةِ الْمُكَرَّمَةِ

- ‌(8) بَابُ الْكَشْفِ عَنْ مَعَايِبِ رُواةِ الْحَدِيثِ ونَقَلَةِ الأَخْبَارِ وَقَوْلِ الأَئِمةِ فِي ذَلِكَ

- ‌ترجمة لأبي داود الأعمى:

- ‌فصل في ترجمة عَمْرو بن عُبَيد:

- ‌تتمة لترجمة عَمْرو بن عُبَيد:

- ‌تتمة في ترجمة أبي شَيبة:

- ‌تتمة في ترجمة صالح المُرِّي:

- ‌فصل في ترجمة الحَسَنُ بن عُمارة:

- ‌نبذة من ترجمة زياد بن ميمون:

- ‌تتمة في ترجمة خالد بن مَحْدُوج:

- ‌فصل في ترجمة عَبَّاد بن منصور الناجِي:

- ‌تتمة في ترجمة مهدي بن هلال:

- ‌ترجمةُ أبان بن أبي عَياش:

- ‌ترجمة بقِية الكَلاعي:

- ‌ترجمة إسماعيل بن عَيَّاش:

- ‌نبذة من ترجمة المعَلَّى:

- ‌تتمة في صالح بن نَبْهان:

- ‌ترجمة حَرَام بن عثمان:

- ‌ترجمة عبد الله بن مُحَرَّر:

- ‌ترجمة يحيى بن أبي أُنيسَة (ت):

- ‌ترجمة فَرْقَد بن يعقوب السبخي:

- ‌نبذة من ترجمة محمد بن عبد الله الليثي:

- ‌نبذة من ترجمة يعقوب بن عطاء:

- ‌أمَّا عُبيدةُ .. فترجمتهُ:

- ‌أما السَّرِي بن إسماعيل:

- ‌أما محمد بن سالم:

- ‌فصل في المسائل المَنْثُورَة والجُمل التي تتعلِّقُ بهذا الباب:

- ‌(9) باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن إذا أمكن لقاء المُعَنْعِنينَ ولم يكن فيهم مدلس

- ‌خاتمة المقدمة

- ‌خاتمة المجلد الأول

الفصل: ‌(1) باب وجوب الرواية عن الثقات المتقنين، وترك الضعفاء المتروكين

(1) بَابُ وُجُوبِ الرِّوَايَةِ عَنِ الثِّقَاتِ المُتْقِنِينَ، وَتَرْكِ الضُّعَفَاءِ الْمَتْرُوكِينَ

ــ

(1)

باب وجوب الرواية عن الثقات المُتْقِنين وتَرْك الضعفاء المتروكين

واعْلَمْ: أَنَّ المؤلِّفَ رحمه الله تعالى لم يذكر التراجِمَ من الكُتُبِ والأبوابِ في "جامعه"؛ وفاءَ بما التزمه للسائل من جَمْعِ الأحاديث المرفوعة وتلخيصِها في كتابٍ مُؤَلَّفٍ من غير مَزْج غيرِها فيها، أو فرارًا من إِطالة المؤلَّف بمَزْجِ التراجم فيه لتقاصُر الهِمَم عن أَخْذِ المُطَوَّلات، وإِنما وَضَعَهَا بعضُ رواتِه، وزاد فيها بعضُ الشُّرَّاح له، ومع ذلك كثيرٌ من الأحاديث لا يطابق التراجمَ السابقةَ ولا اللاحقةَ، فلابدَّ من وَضْع التراجِم لها بحسب ما يُستنبط منها من الأحكام، ولو كان وَضْعُ التراجِم من المؤلِّف .. لم تختلف باختلاف النُّسَخ واختلاف الشُّرَّاح، كما لا تختلف تراجمُ البخاري وتراجمُ أصحاب السُّنَن بذلك.

وقد يوجد تصحيفٌ من النُّسَّاخ في بعض المواضع من المتابعات، بجَمْعِ ضمير المتابع بصيغة اسم المفعول، أو تثنيتِه أو إِفرادِه على خلاف ما هو الصواب، كما يوجد ذكرها على الصواب في النسخ المخطوطة أو القديمة التي جُلّدت في مجلّدٍ واحد، ومع ذلك لم يُنبِّه عليها الشُّرَّاح في الشُّروح التي في أيدينا وسَنُبَيِّنُها إِنْ شاء الله في مواضعها، على ما هو الصواب، مع بيان الغوامض التي لم يُنَبِّه عليها أكثرُ الشُّرَّاح.

و(البابُ) لغةً: فرجةٌ يُتَوَصَّلُ بها من خارجٍ إِلى داخل، ومن داخلٍ إِلى خارجٍ كباب الدار.

واصطلاحًا: ألفاظٌ مخصوصةٌ دالَّةٌ على معانٍ مخصوصةٍ لها بدايةٌ ونهاية.

وأولُ مَنْ وَضَعَ البابَ: أبو الأسودِ الدُّؤَلِيُّ رحمه الله تعالى، حين أملى عليه عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه أحكامَ النَّحو، ثم قال له: انح نَحْوَ هذا، وتتَبَّعْ وزِدْ عليه ما بَدَا لك، ثم سَمِعَ أبو الأسود رجلًا يقرأُ قوله تعالى:{أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} بجرّ (رسوله) فوضع باب العطف والنعت.

ص: 135

وَاعْلَمْ -وَفَّقَكَ اللهُ تَعَالى-:

ــ

والترجمةُ هنا خاصَّةٌ بجزءٍ واحدٍ؛ لأنَّ وجوب تَرْكِ الرواية عن الكذّابين يستلزمه وجوبُ الرواية عن الثقات المُتْقِنين، فالترجمةُ حينئذٍ على جزءٍ واحدٍ.

و(الوجوبُ) لغةً: الثُّبوت واللُّزوم، وشرعًا: ما يُتَابُ فاعلُه ويُعَاقَبُ تاركُه، والوجوبُ هنا شرعيٌّ لا صناعيٌّ.

و(الرِّوايةُ): نَقْلُ الخَبَرِ وأَخْذُه عن الغير.

و(الثِّقَاتُ): جمع ثِقَة، والثِّقَةُ: مَنْ يُؤْتَمَنُ في مَقَالِه وفَعَالِه، يُقال: وَثِقَ يَثِقُ بكسر الثاء فيهما ثِقَةً ووُثُوقا إِذا ائتمنه، والثِّقَةُ مصدرٌ بمعنى اسمِ المفعول؛ أي: موثوقٌ به.

و(الكَذَّابون) جمع كَذَّاب وهو مبالغة كاذب، والكاذبُ: من اتَّصَفَ بالكَذِب، والكَذِبُ لغةً: الإِخبارُ عن الشيء على خلاف ما هو عليه، عَمْدًا كان أو سَهْوًا أو جَهْلًا، وشرعًا: الإِخبارُ عن الشيء على خلافِ ما هو عليهِ عَمْدًا.

ومعنى الترجمة: هذا بابٌ معقودٌ للاستدلال على وجوبِ الاقتصارِ على رواية الأحاديث عن الثقات الحُفَّاظ المشهورين أو المستورين، وهما القسمان اللّذان أدخلهما المؤلِّفُ في "جامعه"، ووجوبِ تَرْكِ رواية الأحاديث عن الكَذَّابين الوضَّاعين المتروكين، وهو القسم الذي لم يُدخله في "جامعه".

وبسَنَدِنا السابقِ المُتَّصِل إِلى المؤلِّف أقول: قال الإِمامُ مسلمٌ رحمه الله تعالى:

(واعْلَمْ) بواو الاسئتناف كما في نسخة "شرح السنوسي"(1)، وفي بعض النسخ إِسقاطُها كما في نسخة شرح النووي (2)، وهي: كلمةٌ يُؤتَى بها إِذا كان ما بعدها أمرًا مُهِمًّا، والأمرُ فيه للسائل المتقدّم، أو لكُلّ طالب؛ أي: واعْلَمْ أيُّها السائلُ الذي سألني تأليفَ هذا الجامع، أو أيُّها الطالبُ لعلم الحديث رِوايةً ودِرايةً.

وقولُه: (وَفَّقَكَ اللهُ تَعالى) وأَقْدَرَكَ على فِعْل الخيرات .. جملةٌ دعائيةٌ معترضةٌ بين العلم ومفعوله، تأكيدًا للأمر بعِلْمِ ما سيأتي واهتمامًا به؛ أي: واعْلَمْ:

(1)"مكمل إكمال الإكمال"(1/ 13).

(2)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 60).

ص: 136

أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ عَرَفَ التَّمْيِيزَ بَينَ صحِيحِ الرِّوَايَاتِ وَسَقِيمِهَا وَثِقَاتِ النَّاقِلِينَ لَهَا مِنَ الْمُتَّهَمِينَ: أَنْ لَا يَرْويَ مِنْهَا إِلَّا مَا عَرَفَ صِحَّةَ مَخَارِجِهِ وَالسِّتَارَةَ فِي نَاقِلِيهِ،

ــ

(أَنَّ الواجبَ) المتعيِّنَ الذي لا يجوزُ العُدُولُ عنه (على كُلِّ أَحَدٍ) من الرُّواةِ (عَرَفَ التمييزَ) وقَدَرَ على التفصيل (بينَ صحيحِ الرِّواياتِ) وسليمِها من العُيُوبِ بقُوَّةِ الإِتقان والضَّبْطِ في رُوَاتِها (و) بينَ (سَقِيمِها) أي: سقيمِ الرواياتِ وضعيفِها بعدم الإِتقان والضَّبْطِ في رُواتها وهذا بالنظرِ إِلى المُتُونِ.

وقولُه: (وثِقَاتِ الناقلين) إِمّا معطوفٌ على (التمييزَ) منصوبٌ بالكسرة؛ أي: وعَرَفَ الثِّقاتِ الناقلين، وهو من إِضافة الموصوف إِلى الصفة كمسجدِ الجامع (لها) أي: لتلك الروايات (من المُتَّهَمِينَ) بالكذب والوضع، أو معطوفٌ على مدخولِ (بينَ) أي: عَرَفَ التمييزَ بين الثقات الناقلين لها والمُتَّهَمِين فيها، وهذا بالنظر إِلى الأسانيد.

وقولُه: (أنْ لا يَرْويَ) خبرُ أَنَّ؛ أي: أَنَّ الواجبَ عليه أنْ لا يَرْويَ ولا يَنْقُلَ (منها) أي: من تلك الروايات (إلَّا ما عَرَفَ) أي: إلا حديثًا عَرَفَ (صِحَّةَ مَخَارِجِهِ) أي: صِحَّةَ رواياتهِ؛ لعدم الاضطراب والاختلاط فيها، وهذا بالنظر إِلى المتون.

و(المخارج): جمع مَخْرَج، يُقال: خَرَجَ -من باب دَخلَ- خُرُوجًا ضدُّ دَخَلَ، ومَخْرَجًا أيضًا، وقد يكون المَخْرَج موضع الخُرُوج، يُقال: خَرَجَ مَخْرجًا حَسَنًا وهذا مَخْرَجُه، والمُخْرَج بضم الميم وفتح الراء يكون مصدرَ أَخْرَجَ الرباعي، واسمَ مفعولٍ، واسمَ مكانٍ، واسمَ زمانٍ. اهـ "مختار"، والمرادُ هنا المصدر.

(و) عَرَفَ (السِّتَارَةَ) أي: الصِّيَانَةَ والعِفَّة عن الرذائل والعيوب (في نَاقِلِيهِ) ورُوَاتِه وهذا بالنظر إِلى الأسانيد.

قال النووي: (السِّتارة بكسر السين: وهي ما يُسْتَرُ به، وكذلك السُّتْرة، وهي هنا إِشارةٌ إِلى الصِّيانة)(1) كما أَشَرْنا إِليه في الحلّ.

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 60).

ص: 137

وَأَنْ يَتَّقِيَ مِنْهَا مَا كَانَ عَنْ أَهْلِ التُّهَمِ وَالْمُعَانِدِينَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ

ــ

وقولُه: (وأنْ يَتَّقِيَ) معطوفٌ على خبرِ أَنَّ؛ أي: وأَنَّ الواجب عليه أنْ يَتَّقِيَ وَيتَحَرَّزَ وَيَتَجَنَّبَ (منها) أي: مِنْ تلك الروايات (ما كان) منقولًا (عن أهلِ التُّهَمِ) بالكذب والوَضْع، وعن أهل الشكّ في صِدْقِهم.

وفي بعض النُّسَخ زيادةُ (مِنْها) بعد (كان)، وإِسقاطُها أَوْلى؛ لِما في إِثباتِها من التكرار بلا فائدة.

قال النوويُّ: (قولُه: "وأنْ يَتَّقِيَ منها" ضبطناه بالتاء المثناة فوقُ بعد المثناة تحتُ وبالقاف من الاتقاء، وهو الاجتناب، وفي بعض الأصول: "وأنْ يَنْفِيَ" بالنون والفاء وهو صحيحٌ أيضًا، وهو بمعنى الأول) اهـ (1)

ويُقال: (اتَّهَمَه في قوله) إِذا شَكَّ في صِدْقِه، والتهم: جمع تهمة، وهي اسمُ مصدرٍ من الاتِّهام، وما يتهم عليه.

قال النووي: (وقولُه: "بين صحيح الرواياتِ وسَقِيمِها وثِقَاتِ الناقلين لها من المُتَّهَمِين" ليس هو من باب التكرار للتَّأكيد، بل له معنًى غير ذلك؛ فقد تَصِحُّ الروايات لمتن، ويكون الناقلون لبعض أسانيده مُتَّهَمِين، فلا يُشْتَغَلُ بذلك الإسناد) اهـ (2).

وقولُه: (والمُعَانِدِينَ) معطوفٌ على (أهلِ التُّهَمِ) أي: وما كان منها منقولًا عن المُعَانِدِين للحقّ والمُعَارِضِين له والمُفَارِقِين للسُّنَّة والجماعةِ الكائنين (مِنْ أهلِ البِدَعِ) والاختراعاتِ الْمُحْدَثة، والخُرافات المُزَيَّفة.

والبدَع -بكسر أوله وفتح ثانيه-: جمعُ بِدْعَة بكسرِ أوله وسكونِ ثانيه، وهي: كُلُّ ما اخْتُرِعَ وأُحْدِثَ على غيرِ مثالٍ سابق.

فالاتّقاءُ عن رواية أهل البِدَع واجبٌ عند المؤلِّف مطلقًا؛ أي: سواء كانوا داعين إِلى بِدْعَتِهم أم لا، وهو ضعيَفٌ، والراجحُ: قبولُ الروايةِ من المبتدعة إِذا لم يكونوا

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 60).

(2)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 60).

ص: 138

وَالدَّلِيلُ

ــ

داعين إِلى بِدْعَتِهم؛ لأنه لم يَزَل السَّلَفُ والخَلَفُ على قبولِ الرواية منهم والاحتجاجِ بها والسماعِ منهم وإِسماعِهم من غير إِنكارٍ منهم، والله أعلم.

وعبارةُ النوويِّ هنا: (قولُه: "واعْلَمْ: أَنَّ الواجبَ على كُلِّ أَحَدٍ

وأنْ يَتَّقِيَ منها ما كان عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع" هذا بيانٌ من المؤلِّف لمذهبه، قال العلماء من المُحَدِّثين والفقهاء والأُصوليين: المبتدع الذي يكفر ببدعته لا تُقبل روايتُه بالاتفاق، وأمَّا الذي لا يكفر بها .. فاختلفوا في روايته، فمنهم مَنْ رَدَّها مطلقًا لفِسْقِه ولا ينفعه التأويل، ومنهم مَنْ قَبِلَها مطلقًا إِذا لم يكن ممن يستحلُّ الكذب في نُصْرة مذهبه أو لأهل مذهبه، سواءٌ كانَ داعيةَ إِلى بدعته أو غيرَ داعية، وهذا القولُ مَحْكِيٌّ عن الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى، حيث قال: أَقْبَلُ شهادةَ أهل الأهواء إلا الخطَّابية من الرافضة؛ لكونهم يَرَوْن الشهادة بالزُّور لمُوافِقِيهم.

ومن العلماء مَنْ قال: تُقبل إِذا لم يكن داعيةً إِلى بِدْعَتِه (1)، ولا تُقبل إِذا كان داعيةً، وهذا مذهب كثيرين، أو الأكثرِ من العلماء، وهو الأعدل الصحيح.

وقال بعضُ أصحاب الشافعي: اختلف أصحابُ الشافعي في غير الداعية، واتَّفَقُوا على عدم قبول الداعية، وقال أبو حاتم بن حِبَّان -بكسر الحاء وبالموحدة-: لا يجوزُ الاحتجاجُ بالداعية عند أئمَّتنا قاطبةً، لا خلافَ بينهم في ذلك.

وأمَّا المذهبُ الأولُ: فضعيفٌ جِدًّا؛ ففي "الصحيحين" وغيرِهما من كُتُبِ أئمَّةِ الحديث الاحتجاجُ بكثيرين من المبتَدعة غيرِ الدُّعاة، ولم يَزَل السَّلَفُ والخَلَفُ على قبول الروايةِ منهم، والاحتجاجِ بها، والسماعِ منهم، وإِسماعِهم من غير إِنكارٍ منهم، والله أعلم" اهـ بتصرف (2).

ثم استدلَّ المؤلِّفُ على مذهبه فقال:

(والدليلُ) وهو مبتدأٌ، والدليلُ لغةً: ما يدلُّ على الشيء، كدليل الطريق المسمَّى بالخَفِير، فهو فَعِيل بمعنى فاعل، واصطلاحًا: جزئيٌّ يُذْكَرُ لإِثبات القاعدة،

(1) انظر "إكمال المعلم"(1/ 125).

(2)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 60 - 61).

ص: 139

عَلَى أَنَّ الَّذِي قُلْنَا مِنْ هَذَا هُوَ اللَّازِمُ دُونَ مَا خَالفَهُ: قَوْلُ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} ،

ــ

وأمَّا المثال: فهو جزئيٌّ يُذكَرُ لإِيضاح القاعدة؛ أي: والدليلُ الذي يدلُّ لنا (على أَنَّ) الحُكْمَ (الذي قُلْنا) هـ حالةَ كَوْنِه (مِنْ) وجوبِـ (هذا) الاتّقاء المذكورِ (هُوَ) الحُكْمُ (اللازمُ) المُتَعَيِّنُ الذي لا يجوزُ العُدُولُ عنه (دُونَ ما خَالفَه) أي: دونَ الحُكْمِ الذي خَالفَ ما قُلْناه، وهو عدمُ وجوبِ الاتِّقاء المذكور.

وذَكَرَ خبرَ المبتدإ بقوله: (قولُ اللهِ) سبحانه عَزَّ قَدْرُه و (جَلَّ ذِكْرُهُ) أي: تَنَزَّه ثناؤه عمَّا ليس أهلًا له: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} باللهِ ورسولِه {إِنْ جَاءَكُمْ} ) وأخبركم ({فَاسِقٌ}) أي: شخصٌ خارجٌ عن سِمَة العدالة ({بِنَبَإ}) أي: بِخَبَرٍ مُحْتَمِلٍ للصِّدْق والكَذِب ({فَتَبَيَّنُوا}) فتبحثوا وتفحصوا عن صِدْقِه وكَذِبِه، ولا تستعجلوا إِلى إِمضاء ما يقتضيه خَبَرُه.

نَزَلَتْ هذه الآيةُ في الوليد بن عقبة أخي عثمان بن عفان رضي الله عنه لأُمِّه، بَعَثَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم إِلى بني المُصْطَلق ليجيءَ بصدقاتِهم، وكان بينه وبينهم عداوةٌ في الجاهلية، فلمَّا سَمِعُوا به .. تَلَقَّوْه؛ تعظيمًا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إِنهم منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي، فغضب الرسولُ صلى الله عليه وسلم فأرادَ أنْ يغزوهم فنهاه اللهُ سبحانه عن ذلك فقال:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} بخبرٍ {فَتَبَيَّنُوا} فتفحصوا، وقُرِئَ:{فتثبتوا} أي قِفُوا حتى يَتَبَيَّنَ لكم حقيقةُ ما جاءَ به من صِدْقِه أو كَذِبِه حذرَ ({أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا}) بالقَتْلِ والسَّبْي ملتبسين ({بِجَهَالةٍ}) أي: بجهالةِ حالهم ({فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}) أي: فتصيروا بعد ظُهورِ براءتهم عمَّا نُسِبَ إِليهم نادمين على ما فَعلْتُم في حَقِّهم من إِصابتهم بالقتلِ وغيرِه.

فدَلَّ سبحانه وتعالى بمنطوق هذه الآية على أَنَّ خَبَرَ الفاسقِ ساقطٌ غيرُ مُعْتَبَر.

وعبارةُ القرطبي هنا: (قولُه تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} الفاسقُ في أصل اللغة: هو الخارجُ مطلقًا، والفِسق والفُسوق: الخروج، ومنه قولُهم: فَسَقَت الرُّطَبةُ .. إِذا خَرَجَتْ مِنْ قِشْرِها الأعلى، ومنه سُمِّيت الفأرةُ فويسقةً؛ لأنها تخرج من

ص: 140

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

جحْرِها للفساد، وهو في الشرع: خروجٌ مذمومٌ بحسب المخروج منه، فإِنْ كان إِيمانًا .. فذلك الفسق كُفْر، وإِن كان غيرَ إِيمانٍ .. فذلك الفسق معصية، وقُرئ في السبع {فَتَبَيَّنُوا} من البيان و {تَثَبَّتُوا) من التثبُّت، وكلاهما بمعنىً متقارب.

ولم يختلف نَقَلَةُ الأخبار -فيما عَلِمْتُ- أَنَّ هذه الآيةَ نزلتْ بسبب الوليد بن عقبة، بَعَثَه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلى بني المُصْطَلِق مُصَدِّقًا، فلمَّا أبصروه .. أقبلوا نحوه فهابهم؛ لإِحْنَةٍ وعداوةٍ كانتْ بينهم في الجاهلية.

وقيل: إِنهم لم يخرجوا إِليه، وأُخْبِرَ أنهم ارْتَدُّوا -ذكره أبو عُمر بن عبد البَرّ- فَرَجَعَ إِلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنهم ارتدُّوا ومنعوا الزكاة، فَبَعَثَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم خالدَ بنَ الوليد وأَمَرَه بالتثبُّتِ في أَمْرِهم، فأتاهم ليلًا فسمع الأذان، ووَجَدَهم يُصَلُّون، وقالوا له: قد اسْتَبْطَأْنا المُصَدِّقَ وخِفْنا غَضَبَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فرجع خالدٌ إِلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فنزلت الآية.

ومقتضى الآيةِ: أَنَّ الفاسق لا يُقبل خبرُه روايةً كان أو شهادةً، وهو مُجْمَعٌ عليه في غير المتأوِّل، ما خلا ما حُكي عن أبي حنيفة من حُكْمِه بصحة عقد النكاح الواقع بشهادة فاسقين، وحكمة ذلك أن الخبر أمانة، والفسق خيانة، ولا يُوثق بخَؤُوْنٍ.

وقال الفقهاء: لا يقبل قولُه؛ لأنَّ جُرْأَته على الفسق تخرِم الثقةَ بقوله، فقد يجترئ على الكذب كما اجترأ على الفسق، فأمَّا الفاسق المتأوِّل الذي لا يَعْرِفُ فِسْقَ نفسِه، ولا يُكَفَّر ببدعته .. فقد اختُلف في قبول قوله، فقَبِلَ الشافعيُّ شهادتَه، ورَدَّهَا أبو بكر بنُ العربي المعافري صاحب "العواصم"، وفَرَّقَ مالكٌ بين أن يدعوَ إِلى بدعته فلا تقبل، أو لا يدعو فتُقبل، ورُوي عنه: أنه لا تُقبل شهادتُهم مطلقًا، وكُلُّهم اتفقوا على أَنَّ من كانتْ بِدْعَتُه تُجَرِّئُه على الكذب كالخطابية من الرافضة .. لم تُقبل روايتُه ولا شهادتُه) (1) كما مَرَّ عن النووي.

(1)"المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم"(1/ 107 - 108).

ص: 141

وَقَال جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} ، وَقَال عز وجل:{وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ}

ــ

(و) قد دَلَّ سبحانه أيضًا على وجوب الاتقاء المذكور بمفهوم آيةٍ أُخرى حيث (قال جَلَّ ثناؤُه) وذِكْرُهُ في سورة البقرة: ({مِمَّنْ تَرْضَوْنَ}) لديانتِه وعدالتِه ({مِنَ الشُّهَدَاءِ}).

قال القرطبيُّ: (والظاهرُ من هذا الخطاب: أنه لمن افتتح الكلام معهم في أول الآية في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} ، وهم المخاطَبون بقوله:{وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} ، وبقوله:{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ} وعلى هذا الظاهرِ: فكُلُّ مَنْ رَضِيَه المتداينان والمتبايعان فأَشْهدَاهُ .. حَصَلَ به مقتضَى الخطاب، غيرَ أنهما قد يرضيان بمَنْ لا يَرْضَى به الحاكمُ ولا يَسْمَعُ شهادتَه، فلا ينتفعان بالإِشهاد، ولا يحصل به مقصودُ الشرع من الاستيثاق بالشهادة؛ إِذْ لم يَثْبُتْ بما فعلاه عقدٌ، ولا يُحفظ به مال.

ولمَّا كان مقتضَى ظاهر الخطاب ذلك .. قال العلماء: إِنَّ المُخَاطَبَ بذلك الحُكَّام، إِذْ هم الذين يعرفون المَرْضِيَّ شرعًا من غيره، فتَثْبُتُ بمَنْ يَرْضَوْنه العقودُ، وتُحفظُ الأموالُ والدماءُ والأبضاعُ، ويحصل الفصلُ بين الخصوم فيما يتنازعون فيه من الحقوق، وذلك هو مقصودُ الشرعِ من قاعدة الشهادة قطعًا، ولا يحصل ذلك برِضَى غيرِهم، فتَعَيَّنَ الحُكَّامُ لهذا الخطاب الذي هو قوله:{مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} .

وإِذا تَقَرَّرَ هذا .. فالذي يرضاه الحاكمُ هو العَدْلُ الذي انتفتْ عنه التُّهَمُ القادحةُ في الشهادة، كالقرابةِ وجَرِّ المنفعةِ لنفسِه أو لولدِه أو لزوجتِه، وكالعداوةِ البيِّنَةِ والصداقةِ المفرطة، على تفصيلِ وخلافٍ يُعْرَفُ في الفقه) اهـ (1)

(و) حيث (قال عَزَّ) أي: اتَّصَفَ بكُلِّ ما يَلِيقُ به من جميع الكمالات (وجَلَّ) أي: تَنَزَّه عن كُلٍّ ما لَا يَلِيقُ به من جميع النقائص، في سورة الطلاق:({وَأَشْهِدُوا}) أيُّها الأزواجُ على إِمساكِكم إِياهنّ أو فراقِكم لهنّ ({ذَوَي عَدْلٍ}) أي: صاحبَي عدالةٍ كائنَينِ ({مِنْكُمْ}) أيها المؤمنون.

(1)"المفهم"(1/ 109 - 110).

ص: 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

قال الإِمام أبو العباس القرطبي: (وهذا دليلٌ على اشتراط العدالة في الشهادة، ومعناها في اللُّغة: الاستقامةُ، والاعتدالُ ضِدُّ الاعوجاج، ويُقال: عَدْل من العدالة والعدولة، ويُقال: عدل للواحد وللاثنين ولجماعة المذكر والمؤنث بلفظٍ واحدٍ إِذا قُصِدَ به قصدَ المصدر، وإِذا قصد به الصفةَ .. ثُنِّيَ وجُمع وذُكِّر وأُنّث، وهي عند أئمَّتنا: اجتنابُ الكبائرِ، واتّقاءُ الصغائرِ وما يُنَاقِضُ المروءةَ ويزْرِي بالمناصب الدينية.

والعبارةُ الوجيزةُ عنها هي: حُسْنُ السِّيرة واستقامةُ السَّرِيرة شرعًا في ظنّ المُعَدِّل، وتفصيلُها في الفروع.

وهل يُكتفى في ظنّ حصول تلك الأحوال في العَدْل بظاهر الإِسلام مع عدم الاطّلاع على فسقٍ ظاهرٍ أو لا بُدَّ من اختبار حاله حتى يُظَنّ حصول تلك الأمور في المُعَدّل؟ قولان لأهل العلم:

الأول: مذهبُ أبي حنيفة.

والثاني: مذهبُ مالكِ والشافعيِّ والجمهورِ، وهو مَرْويٌّ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وعلى مذهب أبي حنيفة: فشهادةُ المسلمِ المجهولِ الحال مقبولةٌ، وهي على مذهب الجمهور مردودة.

وقد أفادت الآيتان معنيَينِ:

أحدُهما: اعتبارُ اجتماع أوصاف العدالة التي إِذا اجْتَمَعَتْ .. صَدَقَ على الموصوف بها أنه عَدْلٌ.

والثاني: اعتبارُ نفي القوادح التي إِذا انتفتْ .. صَدَقَ على من انتفتْ عنه أنه مَرْضِيٌّ.

فلابُدَّ من اجتماع الأمرين في قبول الشهادة، ولذلك لا يُكتفى عندنا في التزكية بأن يقول المزكّي: هو عَدْلٌ فقط، بل حتى يقول: هو عدلٌ مَرْضِيٌّ، فيَجْمَعَ بينهما.

وأمَّا في الأخبار: فلا بُدَّ من اعتبار المعنى الأول، ولا يُشترط الثاني فيها؛ إِذْ

ص: 143

فَدَلَّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الآيِ أَنَّ خَبَرَ الْفَاسِقِ سَاقِطٌ غَيرُ مَقْبُولٍ، وَأَنَّ شَهَادَةَ غَيرِ الْعَدْلِ مَرْدُودَةٌ، وَالْخَبَرُ وَإِنْ فَارَقَ مَعْنَاهُ مَعْنَى الشَّهَادَةِ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ .. فَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي أَعْظَمِ مَعَانِيهِمَا؛

ــ

يجوزُ قبولُ أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم من الراوي لها العدل وَإِنْ جَرَّ لنفسهِ بذلك نفعًا أو لولدِه، أو ساق بذلك مَضَرَّةَ لِعَدُوِّه، كأخبار عليٍّ رضي الله عنه عن الخوارج.

وسِرُّ الفرقِ: أنه لا يُتَّهَمُ أحدٌ من أهل العدالة والدِّين بأنْ يَكْذِبَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيءٍ من ذلك، فكيف يقتحم أحدٌ من أهل العدالة والدِّين لشيءٍ من ذلك مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ ليس كَكَذِبٍ على أَحَدٍ، فمَنْ كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّدًا .. فَلْيَتَبَوَّأْ مقعدَه من النار"؟ والخبرُ والشهادةُ وَإِنِ اتَّفَقا في أصل اشتراط العدالة .. فقد يفترقان في أمورٍ عديدةٍ) اهـ (1). وسيأتي الإِشارةُ إِليه في كلام المؤلِّف.

(فَدَلَّ) سبحانه وتعالى (بما ذَكَرْنا) وبَيَّنَّا (مِنْ هذهِ الآي) الثلاثةِ على (أَنَّ خَبَرَ الفاسقِ) ونَبَأَه (ساقطٌ) مهجورٌ مردودٌ (غيرُ مقبولٍ) في حُكْمٍ من الأحكام، وهذا ما دَلَّ عليه بمنطوق الآية الأولى.

(و) دَلَّ أيضًا على (أَنَّ شهادةَ) الفاسقِ (غيرِ العَدْلِ مردودةٌ) غيرُ مقبولة، وهذا ما دَلَّ عليه بمفهوم الآيَتَينِ الأخيرَتَينِ (والخَبَرُ) أي: الروايةُ (وإنْ فَارَقَ معناهُ) أي: معنى الخبرِ وحُكْمُه (مَعْنَى الشَّهَادَةِ) أي: حُكْمها وهي الإِخْبَارُ عن حقٍّ للغير على الغير (في بعضِ الوُجُوهِ) والشُّروطِ كالذُّكورة والحُرِّيَّة والعدد، فإِنَّ هذه الثلاثةَ معتبرةٌ في الشهادة دون الخبر والرواية (فقد يَجْتمِعانِ) أي: الخبرُ والشهادةُ؛ أي: يَتَّفِقانِ (في أعظمِ مَعَانِيهِما) أي: في أكثرِ أحكامِهما وشروطِهما كالإِسلام والعدالة والبلوغ والعقل.

قال النوويُّ: (وقولُ مسلمٍ: "والخَبَرُ وَإنْ فَارَقَ معناه مَعْنَى الشهادةِ

" إِلخ من الدلائل الصريحة على عِظَمِ قَدْرِ مسلمٍ، وكثرةِ فِقْهِهِ.

(1)"المفهم"(1/ 109 - 110).

ص: 144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

واعْلَمْ: أَنَّ الخَبَرَ والشهادةَ يَشْتَرِكان في أوصافٍ، ويَفْتَرِقان في أوصافٍ، فيَشْتَرِكان في اشتراطِ الإِسلامِ والعقلِ والبُلوغِ والعدالةِ والمُروءةِ وضَبْطِ الخبرِ أو المشهودِ به عند التحمُّل والأداء، ويَفْتَرِقانِ في الحُرِّيَّةِ والذُّكوريةِ والعددِ والتهمةِ وقبولِ الفرع مع وجود الأصل.

فيُقبل خبرُ العبدِ والمرأةِ والواحدِ وروايةُ الفَرْع مع حضور الأصل الذي هو شيخه، ولا تُقبل شهادتُهم إِلَّا في المرأة في بعض المواضع مع غيرها.

وتُرَدُّ الشهادة بالتُّهمة كشهادته على عَدُوِّه، وبما يَدْفَعُ به عن نفسه ضررًا أو يَجُرُّ به إِليها نَفْعًا ولولدِه ولوالدِه.

واختلفوا في شهادة الأعمى: فمَنَعَها الشافعيُّ وطائفةٌ، وأجازها مالكٌ وطائفةٌ، واتَّفَقُوا على قبول خبره.

وإِنما فَرَّقَ الشرعُ بين الشهادة والخبرِ في هذه الأوصاف؛ لأنَّ الشهادةَ تَخُصُّ فيظهر فيها التهمة، والخبرَ يعمّه وغيرَه من الناس أجمعين، فتنتفي التُّهمة، وهذا الذي قلناه كلام العلماء الذين يُعْتَدُّ بكلامهم، وقد شَذَّ عنهم جماعةٌ في أفراد بعض هذه الشروط، فمِنْ ذلك:

شرطُ بعض أصحاب الأصول أن يكون تَحَمُّلُه الروايةَ في حال البلوغ، والإِجماع يَرُدُّ عليه، وإِنما يُعتبر البلوغ حال الرواية لا حال السماع، وجَوَّزَ بعضُ أصحاب الشافعي روايةَ الصبي وقبولَها منه في حال الصِّبا، والمعروفُ من مذاهب العلماء مطلقًا ما قَدَّمْناه.

وشَرَطَ الجُبَّائيُّ المعتزليُّ وبعضُ القَدَرِيَّةِ: العددَ في الرواية، فقال الجُبَّائي: لا بُدَّ من اثنين عن اثنين كالشهادة، وقال القائلُ من القَدَرية: لا بُدَّ من أربعةٍ عن أربعةٍ في كُلِّ خَبَر.

وكُلُّ هذه الأقوالِ ضعيفةٌ ومنكرةٌ مُطرحة، وقد تظاهرتْ دلائلُ النصوص الشرعية والحُجَجُ العقليةُ على وجوب العمل بخبر الواحد، وقد قَرَّرَ العلماءُ في كتب الفقه والأُصول ذلك بدلائله، وأوضحوه أبلغَ إِيضاح، وقد صَنَّفُوا مُصَنَّفاتٍ كثيرةً في قبولِ

ص: 145

إِذْ كَانَ خَبَرُ الْفَاسِقِ غَيرَ مَقْبُولٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَمَا أَنَّ شَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ. وَدَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى نَفْيِ رِوَايَةِ الْمُنْكَرِ مِنَ الأَخْبَارِ؛ كَنَحْو دَلالةِ الْقُرْآنِ عَلَى نَفْيِ خَبَرِ الْفَاسِقِ، وَهُوَ الأَثَرُ الْمَشْهُورُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ

ــ

خبر الواحد ووجوبِ العمل به، والله أعلم) اهـ (1).

وقولُه: (إِذْ كان خَبَرُ الفاسقِ) عِلَّةٌ لقوله: (فقد يَجْتَمِعَانِ) أي: لأنه قد كان خبرُ الفاسقِ وروايتُه (كيرَ مقبولٍ عندَ أهلِ) هذا (العِلْمِ) يعني الحديثَ (كَمَا أَنَّ شهادتَه مردودةٌ) غيرُ مقبولةٍ (عندَ جميعِهم) أي: عندَ جميعِ أهل العلم.

(ودَلَّتِ السُّنَّةُ) أي: سُنَّةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وحديثُه (على نَفْيِ) ورَدِّ (روايةِ المُنْكَرِ) والموضوعِ (من الأخبارِ) والأحاديث.

ولفظُ (نَحْو) في قوله: (كنَحْو دَلالةِ القرآنِ) مُقْحَمٌ؛ أي: دَلَّتِ السُّنَّةُ على ذلك دَلالةً مِثْلَ دَلالةِ القرآن (على نَفْي خَبَرِ الفاسقِ) ورَدِّه (وهو) أي: ما ذُكِرَ من السُّنَّةِ، وذَكَّرَ الضميرَ؛ لأنَّ الخبرَ مُذَكَّرٌ، أو أعاده على السُّنَّة بمعنى المذكور (الأثَرُ المشهورُ) والحديثُ المأثورُ (عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

قال النوويُّ: (وكلامُه جارٍ على المذهب المختار الذي قاله المُحَدِّثون وغيرُهم، واصْطَلَحَ عليه السَّلَفُ والخَلَفُ، وهو أَنَّ الأثَرَ يُطْلَقُ على المَرْويِّ مطلقًا، سواءٌ كان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أر عن صحابي، وقال الفُقهاءُ الخُرَاسانيّونَ: الآثَرُ هو ما يُضَافُ إِلى الصحابي موقوفًا عليه، والله أعلم)(2).

وقولُه: ("مَنْ حَدَّثَ

) إِلخ في مَحَلِّ الرفع، بدلٌ محكيٌّ من (الأَثَرُ) أي: مَنْ رَوَى (عنّي) ونَسَبَ إِليَّ (بحديثٍ) لم أَقُلْه ولم أفعله ولم أُقَرِّرْه، والحالُ أنه (يُرَى) بضم الياء؛ أي: يُظَنُّ، أمَّا بفتحها: فهو بمعنى يَعْلَمُ، وكِلا الضَّبْطَينِ ثابتٌ كما سيأتي (أَنَّهُ) أي: أَنَّ ذلك الحديثَ المنسوبَ إِليَّ (كَذِبٌ) موضوعٌ مُخْتَلَقٌ.

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 61 - 62)، وانظره في "إِكمال المعلم"(1/ 107 - 108)، و "مكمل إكمال الإكمال"(1/ 14).

(2)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 63).

ص: 146

فَهوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ"

ــ

والفاءُ في قوله: ( .. فهو) رابطةٌ لجواب (مَنْ) الشرطية وجوبًا؛ أي: ذلك المحدث (أَحَدُ الكَاذِبينَ") أي: النَّاسِبِينَ إِليَّ ما لم أَقُلْه، وما لم أَفْعَلْه، وما لم أُقرِّره .. فله ما لهم من الوعيد.

و(الكاذبين) قال النوويُّ: (بكسر الباء الموحدة وفتح النون على صيغة الجمع، وهذا هو المشهور، قال القاضي عياض: الروايةُ فيه عندنا "الكاذِبينَ" على صيغة الجمع، ورواه أبو نُعَيم الأصبهانيُّ في كتابه "المستخرج على صحيح مسلم" في حديث سَمُرة "الكاذبَينِ" بفتح الباء وكسر النون على التثنية، واحْتَجَّ به على أَنَّ الراويَ له يُشَارِكُ البادئَ بهذا الكذب، ثم رواه أبو نُعَيمٍ من رواية المغيرة: "الكاذبَينِ أو الكاذِبِينَ" على الشكّ في التثنية والجمع)(1).

وقال القرطبي: (والمعنى على الجَمْع: فهو أَحَدُ الكَذَّابِينَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين قال اللهُ تعالى في حَقِّهم:{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} ؛ لأنَّ الكَذِبَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم كَذِبٌ على الله تعالى.

والمعنى على التثنية: أَنَّ المُحَدِّثَ والمُحَدَّثَ بما يَظُنَّان أو يَعْلَمانِ أنه كَذِبٌ: كاذبان، هذا بما حَدَّثَ والآخَرُ بما تَحَمَّلَ من الكذب مع عِلْمِه أو ظَنِّه لذلك) اهـ (2).

قال النوويُّ: (وذَكَرَ بعضُ الأئمَّةِ جوازَ فتح الياء من "يرى"، وهو ظاهرٌ حَسَنٌ، فأمَّا مَنْ ضَمَّ الياءَ .. فمعناه: يُظَنُّ، وأما من فتحها .. فظاهرٌ، ومعناه: وهو يَعْلَمُ، ويجوزُ أن يكون بمعنى يُظَنُّ أيضًا، فقد حُكِيَ: رأى بمعنى ظَنَّ، وقيد

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 64 - 65)، و "إكمال المعلم"(1/ 115).

وقال الإِمام ابن الصلاح في "صيانة صحيح مسلم"(ص 121): (ووجدتُ ذلك مضبوطًا محققًا في أصل مأخوذ عن أبي نعيم، مسموعًا عليه، مكرَّرًا -يعني التثنية والجمع في الكاذبين- في موضعين من كتابه، وقدَّم في الترديد التثنية في الذّكر، وهذه فائدة عالية غالية، ولله الحمد الأكمل).

(2)

"المفهم"(1/ 112).

ص: 147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

بذلك؛ لأنه لا يأثم إِلَّا بروايته ما يَعْلَمُه أو يَظُنُّه كَذِبًا، أمَّا ما لا يعلمه ولا يَظُنُّه .. فلا إِثْمَ عليهِ في روايته وَإنْ ظَنَّه غيرُه كَذِبًا أو عَلِمَه) اهـ (1)

وعبارةُ القرطبي هنا: ("يُرى" قيّدناه عن مشايخنا مَبْنِيًّا للفاعل وللمفعول، فَيَرَى بِفَتْحِ الياءِ بمعنى: يَعْلَمُ المتعدِّية لمفعولين، وأَنَّ سَدَّتْ مَسَدَّهما، وماضي يَرَى: رأى مهموزًا، وإِنما تَرَكَت العربُ هَمْزَةَ المضارعِ؛ لكثرة الاستعمال، وقد نَطَقُوا به على الأصل مهموزًا في قولهم:

أَلَمْ تَرَ مَا لاقَيتُ والدَّهْرُ أَعْصَرُ

وَمَنْ يَتَمَنَّى العَيْشَ يَرْأَى وَيَسْمَعُ

ورُبَّما تركوا هَمزةَ الماضي في قولهم:

صَاحِ هَلْ رَيْتَ أو سَمِعْتَ بِرَاعٍ

رَدَّ في الضَّرْعِ ما قَرَا في الحِلابِ؟

ويحتملُ ما في الحديث أن يكون بمعنى الرأي فيكون ظنًّا من قولهم: رأيتُ كذا؛ أي: ظَهَرَ لي، وعليهما: يكون المقصودُ بالذَّمِّ الذي في الحديث المُتَعَمِّدَ للكذب عِلْمًا أو ظَنًّا، وأمَّا "يُرى" بالضمّ: فهو مَبْنِيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعلُه، ومعناها: الظَّنُّ وَإنْ كان أصلُها مُعَدًّى بالهمزة مِنْ رأى، إِلَّا أَنَّ استعماله في الظنّ أكثرُ وأشهرُ.

ويفيد الحديثُ التحذيرَ عن أنْ يُحَدِّثَ أَحَدٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلَّا بما تَحَقَّقَ صِدْقَه عِلْمًا أو ظَنًّا، إِلَّا أنْ يُحَدِّثَ ذلك على جهة إِظهارِ الكذب؛ فإِنه لا يتناوله الحديث) اهـ (2).

وقال النوويُّ: (وأمَّا فِقْهُ الحديثِ .. فظاهرٌ، ففيه تغليظُ الكَذِب والتعرُّضِ له، وأَنَّ مَنْ غَلَبَ على ظَنِّه كَذِبُ ما يرويه فرواه .. كان كاذبًا، وكيف لا يَكون كاذبًا وهو مُخْبِرٌ بما لم يَكُنْ؟ ! ) اهـ (3)

ثم ذكر المؤلِّفُ رحمه الله تعالى سَنَدينِ لهذا الأثَرِ المشهورِ إِلى الصحابِيَّينِ، ثم

(1)"شرح مسلم"(1/ 65)، وانظر "صيانة صحيح مسلم"(ص 121 - 122).

(2)

"المفهم"(1/ 111 - 112).

(3)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 65).

ص: 148

[1]

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ،

ــ

قال: (قالا: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذلك) الأَثَرَ المذكورَ، فتقديمُ المتَنِ على السَّنَدِ جائزٌ بلا شَكَّ كعكسه المشهور المصطلَح عليه، حيث قال رحمه الله تعالى:

[1]

(حَدَّثَنا أبو بكرِ) عبدُ اللهِ بن محمد (بن أبي شَيبَةَ) إِبراهيم بن عثمان العَبْسي الواسطي الأصل، ثم الكوفي، ثقةٌ حافظٌ صاحب تصانيف، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين، يروي عنه (خ م د س ق)، اجتمع في مجلسه نحوُ ثلاثينَ ألفَ رجل، هو وأخوه عثمانُ بن أبي شيبة حافظان جليلان، وهو أَجَلُّ من عثمان، وأحفظُ منه، وكان عثمانُ أكبرَ منه سِنًّا وتأخّرتْ وفاةُ عثمان فمات سنة تسعٍ وثلاثين ومائتين.

قال الإِمام النوويُّ: (ومن طُرَفِ ما يتعلّق بأبي بكر بن أبي شيبة ما ذكره أبو بكرٍ الخطيبُ البغداديُّ قال: حَدَّثَ عن أبي بكر بن أبي شيبة: محمدُ بن سَعْدٍ كاتبُ الواقدي ويوسف بن يعقوب أبو عَمْرو النيسابوري وبين وفاتيهما مائة وثمان أو سبع سنين، والله أعلم)(1).

قال: (حَدَّثنَا وَكِيعٌ) -بفتح الواو- ابنُ الجَرَّاح بن مَلِيح -بوزن فَصِيح- الرُّؤَاسي -بضمِّ الراء وهمزةٍ ثم سينٍ مهملة- أبو سفيان الكوفي.

قال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، أحد الأئمَّة الأعلام، من كبار التاسعة، مات في آخر ستٍّ وأول سنة سبع وتسعين ومائة.

(عن شُعْبَةَ) بنِ الحَجَّاج بن الورد العتكي مولاهم، أبي بِسْطام -بكسر الموحدة وسكون المهملة- الواسطيِّ ثم البصريِّ، أحدِ أئمَّة الإِسلام، ثقة حافظ متقن، من السابعة، مات سنة ستين ومائة.

(عن الحَكَمِ) بن عُتَيبة -بالمثناة من فوق ثم الموحدة مصغّرًا- الكنديِّ مولاهم، أبي مُحَمَّدٍ أو أبي عبد الله الكوفي، أحدِ الأئمَّة الأعلام.

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 64).

ص: 149

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيلَى، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ،

ــ

قال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ فقيهٌ، إِلا أنه ربما دَلَّسَ، من الخامسة، مات سنة ثلاث عشرة ومائة أو بعدها، وله نيف وستون سنة.

(عن عبد الرحمنِ بنِ أبي لَيلَى) الأنصاريِّ الأوسيِّ المدنيِّ ثم الكوفيِّ -واسمُ أبي ليلى: يسار، وقيل: بلال، وقيل: بُلَيلٌ مصغرًا، وأبو ليلى صحابيٌّ قُتِلَ مع عليّ رضي الله عنه بصِفِّين- أبي عيسى، أدرك مئةً وعشرين من الصحابة الأنصاريين، اختُلف في سماعه من عُمر.

قال في "التقريب": ثقةٌ من الثانية، مات سنة ثلاثٍ وثمانين بوقعة الجماجم، وقيل: غرق بدُجَيل مع محمد بن الأشعث.

قال عبد الله بن الحارث: ما ظننتُ أَنَّ النساءَ وَلَدْنَ مِثْلَه.

قال النووي: (هو من أَجَلِّ التابعين، قال عبد الملك بن عُمَير: رأيتُ عبدَ الرحمنِ بنَ أبي ليلى في حَلْقَةٍ فيها نَفَرٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمعون لحديثه ويُنصتون له، فيهم البراءُ بن عازب، وأمَّا ابنُ أبي ليلى المذكورُ في الفقه، والذي له مذهبٌ معروفٌ: فاسمُه: مُحَمَّدٌ، وهو ابنُ عبد الرحمن هذا، وهو ضعيفٌ عند المُحَدِّثين، والله أعلم) اهـ (1)

(عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ) -بضمِّ الدال وفتحِها- ابنِ هلالٍ الفَزَارِيِّ أبي عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن، نزيل البصرة، حليف الأنصار، قال ابن عبد البَرّ: كان من الحُفَّاظ المُكْثِرين، وقال ابنُ سيرين: كان سَمُرَةُ عظيمَ الأمانة، صَدُوقَ الحديث، يُحِبُّ الإِسلام وأهلَه، وقال ابنُ عبد البَرّ: تُوفِّي بالبصرة، وقيل: بالكوفة، سنة ثمان وخمسين، وقيل: تسع وخمسين في آخر خلافة معاوية رضي الله عنهم أجمعين.

وهذا مختصرُ ما يَتَعَلَّقُ بهذا السَّنَد، وَإنْ كان هو ليس غَرَضَنا لكنّه أولُ موضعٍ جَرَى فيه ذِكْرُهم فأَشَرْنا إِليه رمزًا، وهذا السَّنَدُ من السُّداسيات، ومن لطائفِه: أنه

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 64).

ص: 150

ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيضًا، حَدَّثنا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ وَسُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ مَيمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ،

ــ

روَى فيه كوفيٌّ عن كوفيٍّ عن بصريٍّ عن كُوفيٍّ عن كُوفيٍّ عن بصريٍّ، ففيه بصريان، وأربعةٌ كوفيون.

ثم تَحَوَّلَ إِلى سَنَدٍآخَرَ وأشارَ إِلى تَحَوُّلهِ إِليه بالحاء المنحوتة عن التحوُّل فقال:

(ح) أي: حَوَّلَ المؤلِّفُ السَّنَدَ (و) قال رحمه الله تعالى: (حدثنا أبو بكرِ بن أبي شَيْبَةَ) وقوله: (أيضًا) مفعولٌ مطلق لفعلٍ محذوفٍ تقديرُه: إِضْتُ إلى التحديث عن أبي بكرٍ أيضًا؛ أي: رَجَعْتُ إِلى الإِخبارِ عنه رجوعًا، والجملةُ معترضةٌ.

قال أبو بكر: (حَدَّثنَا وَكِيعُ) بن الجَرَّاح (عن شُعْبَةَ وسُفْيانَ) بنِ سعيد بن مَسْرُوق الثوْري، أبي عبد الله الكوفي، أحدِ الأئمَّة الأعلام.

وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ فقيةٌ عابدٌ إِمامٌ حُجَّةٌ، من رؤوس الطبقة السابعة، وكان ربما دَلَّسَ، مات سنة إِحدى وستين ومائة، وله أربع وستون سنة.

كلاهما (عن حَبِيبٍ) هو ابن أبي ثابت: قيس، ويُقال: هند بن دينار الأسدي مولاهم، أبو يحيى الكوفي.

روى عن زيدِ بن أرقم وابنِ عَبَّاس وابن عُمر، ويروي عنه الجماعة (ع).

قال في "التقريب": ثقةٌ فقيةٌ تابعيٌّ جليلٌ، وكان كثيرَ الإِرسالِ والتدليس، من الثالثة، مات سنة تسع عشرة ومائة.

قال أبو بكر بن عَيَّاش: كان بالكوفة ثلاثةٌ ليس لهم رابِعٌ: حبيب بن أبي ثابت، والحكم، وحَمَّاد، وكانوا أصحابَ فُتْيا، ولم يكنْ أَحَدٌ إِلا ذَلَّ لحبيبٍ (1).

(عن ميمونِ بنِ أبي شَبِيبٍ) بفتح الشين، الربعي أبي نصر الكوفي ويُقال: الرقّي.

روى عن معاذ بن جبل وعُمر وعلي وأبي ذَرٍّ وغيرِهم، ويروي عنه (من عم) وإِبراهيمُ النَّخَعِيُّ وحبيبُ بن أبي ثابت.

(1) انظر "شرح صحيح مسلم"(1/ 63).

ص: 151

عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالا: قَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ

ــ

وقال في "التقريب": صدوقٌ كثيرُ الإِرسال، من الثالثة، مات سنة ثلاث وثمانين في وقعة الجماجم.

(عن المُغيرةِ بنِ شُعْبَةَ) رضي الله عنه -بضمِّ الميم على المشهور، وحَكَى ابنُ السِّكِّيت وابنُ قتيبة وغيرُهما جوازَ كسْرِها (1) - ابن أبي عامر بن مسعود الثقفي أبي محمد، وقيل: أبي عيسى، الصحابي المشهور، شَهِدَ الحُديبية وما بعدَها، أسلم عام الخندق، له مئةٌ وستّةٌ وثلاثون حديثًا، مات سنة خمسين، وقيل: إِحدى وخمسين.

قال السنوسيُّ: (ومن طرف أخباره: ما حُكي أنه أَحْصَنَ في الإِسلام ثلاثمائة امرأةٍ، وقيل: ألف امرأة.

واعْلَمْ: أَنَّ هذَينِ الإِسنادَين فيهما لطيفتان:

الأولى: أَنَّ رُواتهما كُلّهم كوفيون إلا شعبة؛ فإِنه واسطي ثم بصري.

الثانية: أَنَّ في كُلِّ واحدٍ من الإِسنادين تابعيًّا روى عن تابعي، في الأول: الحَكَم عن عبد الرحمن، وفي الثاني: حَبِيب عن ميمون) اهـ (2)

(قالا) بألف التثنية؛ أي: قال سَمُرَةُ بن جُنْدُب والمغيرةُ بن شعبة: (قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذلك)(3) الأَثَرَ المشهورَ، وهو:"مَنْ حَدَّثَ عنِّي بحديثٍ يُرَى أنه كَذِبٌ .. فهو أَحَدُ الكاذِبينَ".

وشارك المؤلِّفَ في رواية هذا الحديث: الإِمامُ أحمدُ في "مسنده"(4/ 252)، والترمذيُّ (2662)، وابنُ ماجهْ (39).

وفي "كتاب الترمذي" عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه

(1) انظر "شرح صحيح مسلم"(1/ 63).

(2)

"مكمل إكمال الإكمال" 1/ 15، واختصره من "شرح صحيح مسلم" للنووي (1/ 63).

(3)

قال الإِمام النووي في "شرح صحيح مسلم"(1/ 64): (وأمَّا ذِكْرُ مسلمٍ رحمه الله متنَ الحديث ثم قولُه: "حدثنا أبو بكر" وذَكرَ إِسناديه إِلى الصحابيين، ثم قال: "قالا: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذلك" .. فهو جائزٌ بلا شَكّ، والله أعلم).

ص: 152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وسلم أنه قال: "اتقوا الحديث عنِّي إِلا ما علمتم، فمَنْ كَذَبَ عليَّ متعمدًا .. فليتبوأْ مقعدَه من النار، ومَنْ قال في القرآن برَأْيِه .. فليتبوأْ مقعدَه من النار" رواه الترمذي في "جامعه"(2951) وقال: حديث حَسَن.

فصل: وفيه فوائد:

الأُولى منها: أَنَّ الحاءَ التي تُوجَدُ بين الطريقَينِ .. اختُلف فيها، فقيل: إِنها مأخوذٌ من التحويل منحوتةٌ منه؛ لتحوُّلهِ وانتقالِه من إِسنادٍ إِلى آخَر، وإِنه يقول القارئ إِذا انتهى إِليها:(خ) ويستمرُّ في القراءة، ورأيتُ لبعض المتأخرين استحسان زيادة هاء السكت.

قلتُ: وتَحْسُنُ زيادتُها في الوقف لا في الوصل، ولعل هذا الشيخَ المتأخِّرَ إِنما أطْلَقَ؛ لأنه يَرَى أَنَّ الوقفَ عليها يتعيَّنُ، وهو الأَوْلى؛ لاستقلالها بنفسها.

وقيل: إِنها مأخوذٌ مِنْ حَال بين الشيئين إِذا حَجَز بينهما؛ لكونها حَالتْ بين الإِسنادَينِ، وعليه: فلا يُلفظ عند الانتهاء إِليها بشيءٍ؛ إِذْ ليستْ من الرواية.

وقيل: إِنها رَمْزٌ إِلى الحديث، وإِنَّ أهلَ الحديثِ كُلّهم إِذا وَصَلُوا إِليها يقولون: الحديث، وقد كَتبَ جماعة من الحُفاظ موضعها:"صح"، فيُشْعِرُ بأنها رَمْزُ "صح".

قال النوويُّ: (وحَسُنَتْ هنا كتابةُ "صح"؛ لئلا "يتَوَهَّمَ أنه سَقَطَ متنُ الإِسنادِ الأول، ثم هذه الحاءُ تُوجَدُ في كتب المتأخّرين كثيرًا، وهي كثيرةٌ في "صحيح مسلم" قليلةٌ في "صحيح البخاري"، فيتأكَّدُ احتياجُ قارئ هذا الكتاب إِلى معرفتها، وقد أرشدناه إِلى ذلك، فللهِ الحمدُ والنعمة، والفضلُ والمِنَّة) اهـ سنوسي (1).

قلتُ: إِنَّ هذه الحاءَ نَحْتٌ من (حَوَّلَ) بصيغة الماضي المُسْنَدِ إِلى المؤلِّف، وأَنَّ الواوَ الداخلةَ بعدها على حَدَّثَنَا -مثلًا- عاطفةٌ للقَوْلِ المحذوفِ على (حَوَّلَ)

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 38)، و"مكمل إكمال الإكمال"(1/ 14).

ص: 153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

المنحوتِ عنه المرموزِ إِليه بهذه الحاء، وهذه الحاء لا تُلفظ، بل الملفوظُ المقروءُ إِذا وَصَلَ القارئُ إِليها المنحوتُ عنه الذي هو (حَوَّلَ)؛ لأنَّ النَّحْتَ لا يُقْرَأُ ولا يُلْفَظُ، بل المنحوتُ عنه.

نظيرُها: قولُهم: (انتهى) إِذا وصلوا إِلى (اهـ)، وقولُهم:(إِلى آخره) إِذا وصلوا إِلى (إِلخ)، وقولُهم:(قال المصنِّفُ) إِذا وصلوا إِلى (ص)، وقولُهم:(قال الشارح) إِذا وصلوا إِلى (ش)، فلا يقولون في هذه النحوت (اهـ) و (إِلخ) و (ص) و (ش)، فما الفَرْقُ بين هذه الحاء وبين هذه النحوت المذكورة وغيرِها ممَّا يَكْثُرُ في كلامهم كالبسملة والحوقلة والصلعمة والهيعلة وغيرها؟ !

وهذا الفَرْقُ فَرْقٌ بلا فارقٍ وقولٌ بلا دليلٍ، وهذا التفريق خَرْقٌ للقاعدة العربية في النَّحْت، والنَّحْتُ لغةً: مطلَقُ الاختصار، واصطلاحًا: أن يُخْتَصَرَ من كلمةٍ أو كلمتَينِ فأكثرَ حرفٌ أو حرفان فأكثرُ، فالنَّحْتُ لا يُقْرأُ؛ لأنه رَمْزٌ رُمِزَ به إِلى المنحوت المقروء.

واصطلاحُ المحدِّثين في هذه الحاء اصطلاحٌ خارقٌ للقاعدة النحوية فلا يُتابَع، وإِنْ قاله أكابرُهم وحُفَّاظُهم .. فهم إِنما يُتَابَعُون في نَقْلِ الحديث لا في القاعدة النَّحْوية، فتقول أيها القارئُ إِذا وَصَلْتَ إِلى هذه الحاء: (حَوَّلَ وقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع

) إِلخ؛ أي: حَوَّل المؤلِّفُ -رحمه الله تعالى- وغَيَّرَ السَّنَدَ إِلى سَنَدٍ آخر، وقال: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة

إِلخ، ولا تَسْتَغْرِبْ ما قُلْناه، ولا تَقُلْ: هذا ما وَجَدْنا عليه آباءَنا، ولقد أجادَ مَنْ قال: كَمْ تَرَكَ الأوائلُ للأواخِرِ ما لَم يَطَّلِعُوا عليهِ مِنَ المسائل، كَمْ فتح الإِلهُ فضلًا للأواخِر من الكُنوز ما لم يَفْتَح للأوائل.

ولولا خوفُ الإِطالةِ .. لبسطتُ الكلامَ في هذه المقالة استدلالًا واستشهادًا، ولكنْ فيما ذكرنا كفايةٌ لمَنْ عنده رُسُوخٌ في القواعد العربية.

الثانية: جَرَتْ عادةُ أهلِ الحديث بحَذْفِ (قال) فيما بين رجال الإِسناد في الخطّ، وينبغي للقارئ أن يلفظَ بها.

ص: 154

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

قال النوويُّ: (وإِذا تكَرَّرَتْ كلمة "قال" كقوله: "حدثنا صالحٌ قال: قال الشَّعْبِيُّ" .. فإِنهم يحذفون إِحداهما في الخطّ؛ فَلْيَقُلْهما القارئُ، فلو ترَكَ القارئُ لفظةَ "قال" .. فقد أخطأ، والسماعُ صحيحٌ؛ للعِلْم بالمقصود، ويكون هذا من الحذف لدلالة الحال عليه، والله أعلم)(1)؛ لأنَّ حَذْفَ القولِ جائزٌ اختصارًا جاء به القرآنُ العظيمُ، وكذا قال ابن الصلاح أيضًا في "فتاويه" مُعَبِّرًا بـ (الأظهر).

قال العراقي: (وقد كان بعض أئمة العربية -وهو العلامة شهاب الدين عبد اللطيف بن المرحّل- يُنْكِرُ اشتراطَ المحدِّثين التلفُّظَ بـ"قَال" في أثناء السند، وما أدري ما وَجْه إِنكارِه، لأن الأصل هو الفَصْلُ بين كلامَي المتكلِّمَينِ للتمييزِ بينهما، وحيث لم يفصل فهو مُضْمَر، والإِضمارُ خلافُ الأصل).

قلتُ: وَجْهُ ذلك في غاية الظُّهور؛ لأن (أخبرنا وحَدَّثَنَا) بمعنى: (قال لنا)؛ إِذْ (حَدَّثَ) بمعنى (قال)، و (نا) بمعنى (لنا)، فقولُهم:(حَدَّثَنَا فلانٌ حَدَّثَنَا فلانٌ) معناه: قال لنا فلان قال لنا فلان، وهذا واضحٌ لا إِشكال فيه.

وقد ظَهَرَ لي هذا الجوابُ وأنا في أوائل الطلب فعرضتُه لبعض المُدَرِّسين فلم يَهْتَدِ لفَهْمِه لجَهْلِه بالعربية، ثم رأيتُه بعد نحو عشر سنين منقولًا عن شيخ الإِسلام، وأنه كان يَنْصُرُ هذا القولَ ويُرَجِّحُه، ثم وقفتُ عليه بخطه فلله الحمد. ذكره السيوطي في "التدريب"(2).

الثالثة: من لطائف صَنْعَةِ الإِسناد التي اخْتَصَّ بها الإِمامُ مسلمٌ في "جامعه" رحمه الله تعالى وتجده يتحرَّاها لِوَرَعِه أجزل اللهُ مثوبتَه: (الفَرْقُ) بين حَدَّثَنى وحَدَّثَنَا، وأخبرني وأخبرنا، فحَدَّثَني: فيما سمعه وحدَه من لفظ الشيخ، وحَدَّثَنَا: فيما سَمِعَه مع غيره، وأخبرني: فيما قَرَأَه وحدَه على الشيخ، وأخبرنا: فيما قُرِئَ على الشيخ بحضرته.

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 36).

(2)

(2/ 115)(النوع السادس والعشرون).

ص: 155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

قال النوويُّ: وهذا الاصطلاح إِنما هو بحسب الأَوْلَى، ولو أَبْدَلَ حرفًا بآخَرَ .. صحّ.

قال الأُبّي فيما يأتي: أمَّا أَنَّ قراءةَ الشيخ يُعَبَّرُ عنها بحدثني وحدثنا، وقراءةَ التلميذِ بأخبرني وأخبرنا .. فهو الذي عليه الأكثر، وأجازَ بعضُهم حَدَّثَنَا في قراءة التلميذ، ثم حيث يقول: حدثني أو حدثنا .. فإنما ذلك إِذا قَصَدَ الشيخ إِسماعَه، وإن لم يَقْصِدْ .. فإِنما يقول: قال الشيخ أو حَدَّثَ أو سمعتُه يقول، وحيث يقول: أخبرني أو أخبرنا .. فالأكثرُ على أنه يقولُه دون تقييد، ومنَعَهُ قومٌ حتى يقول: أخبرني قراءةً عليه. اهـ سنوسي (1).

وأمَّا أنبأني وأنبأنا -وهو قليلٌ في "صحيح مسلم"- فهو بمعنى: أخبرني وأخبرنا.

الرابعة: قال النووي: (ليس للراوي أنْ يَزِيدَ في نَسَبِ غير شيخه ولا صفتِه على ما سمعه من شيخه؛ لئلّا يكونَ كاذبًا على شَيخِه، فإِنْ أرَادَ تعريفَه وإِيضاحَه وإِزالةَ اللَّبْسِ المتطرِّقِ إِليه لمشابهة غيره .. فطريقُه أن يقول: قال حدثني فلانٌ يعني ابنَ فلان أو الفلاني، أو هو ابنُ فلان أو الفلاني أو نحو ذلك، فهذا جائزٌ حَسَنٌ، قد استعمله الأئمَّة.

وقد أكثر منه البخاريُّ ومسلمٌ في "الصحيحين" غايةَ الإِكثار، حتى إِنَّ كثيرًا من أسانيدهما يَقَعُ في الإِسناد الواحد منها موضعان أو أكثرُ من هذا الضَّرْب، كقول البُخَارِيِّ في أول "كتابه" (2) في (باب مَنْ سَلِمَ المسلمون من لسانِه ويَدِه): قال أبو معاوية: حدثنا داود -هو ابنُ أبي هند- عن عامر قال: سمعتُ عبد الله، هو ابنُ عَمْرو.

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 38 و 151)، و "إِكمال إِكمال المعلم"(1/ 50 - 51)، و "مكمل إكمال الإكمال"(1/ 15).

(2)

في كتاب الإيمان، حديث رقم (10).

ص: 156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وكقول مسلم في "كتابه"(1) في (باب مَنع النساء من الخروج إِلى المساجد): حدثنا عبد الله بن مَسْلَمة، حدثنا سليمان -يعني ابنَ بلال- عن يحيى، وهو ابنُ سعيد.

ونظائرُه كثيرةٌ في كتابَيهما، ولكنَّ كلمةَ (يعني) كثيرةٌ في مسلم قليلةٌ في البخاري، وكلمةَ (هو) بالعكس من (يعني).

وإِنما يقصدون بهذا التورُّعَ من الكذب على الشيخ لو لم يَفْصِلُوا ما بعدَ (يعني) أو (هو) عمَّا قبلهما بكلمة (يعني) أو (هو)، والإِيضاحَ للراوي كما ذَكَرْنا أولًا؛ فإِنه لو قال: حدثنا داود أو عبد الله .. لم يُعْرَفْ مَنْ هو لكثرة المُشَارِكين في هذا الاسم، ولا يَعْرِفُ ذلك في بعض المواطن إِلا الخَوَاصُّ والعارفون بهذه الصَّنْعَةِ وبمراتبِ الرجال، فأوضحوه لغيرهم وخَفَّفُوا عنهم النظر والتفتيش، وهذا الفصلُ بـ (يعني) أو بـ (هو) يَعْظُمُ الانتفاعُ به؛ فإنَّ مَنْ لا يُعانِي هذا الفن قد يَتَوَهَّمُ أَنَّ قولَه:(يعني) وقولَه: (هو) زيادةٌ لا حاجةَ إِليها، وأَن الأَوْلَى حَذْفُها، وهو جهلٌ قبيحٌ، والله أعلم) اهـ بزيادة (2).

والحاصِلُ؛ أَنَّ الغَرَضَ من الإِتيان بهما: الإِشعارُ بأنَّ ما بعدَهما ممَّا زَادَه من عندِ نفسه لا ممَّا سَمِعَه من شيخه إِيضاحًا للراوي، والتورُّعُ من الكذب على شيخه؛ لأنه لو لم يَأْتِ بهما .. لتوُهِّمَ أَنَّ ما بعدهما من كلام شيخه مع أنه ليس من كلامه.

الخامسة: في بيان الفرق بين الكلمات الجارية في متابعات "صحيح مسلم".

فإِنْ قلتَ: ما الفرق بين قولهِ: (بمِثْلِه) وقوله: (بنَحْوه) وقولهِ: (بمعناه) وقولهِ: (بنَحْو مِثْلِه) وقوله: (بنَحْو معناه)؛ قلتُ: الفرقُ بينها: أَنَّ قولَه: (بمِثْلِه) عبارةٌ عن الحديث اللاحق الموافِق للسابق في جميع لفظهِ ومعناه سواءً بسواءٍ، إِلَّا فيما استثنى منه بنحو قوله: غيرَ أنه قال: كذا وكذا.

(1) في كتاب الصلاة، حديث رقم (445/ 144).

(2)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 38 - 39).

ص: 157