المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(8) باب الكشف عن معايب رواة الحديث ونقلة الأخبار وقول الأئمة في ذلك - الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج - جـ ١

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌ترجمة الشارح

- ‌اسمه:

- ‌مولده:

- ‌نشأته:

- ‌رحلته:

- ‌مؤلفاته:

- ‌هجرته:

- ‌خطبة الكتاب

- ‌مقدِّماتٌ

- ‌المقدمةُ الأُولى في ترجمة الإِمام مسلم رحمه الله تعالى

- ‌المقدمة الثانية في ميزة "جامعه

- ‌فصل في ذكر الكتب المخرجة على صحيح مسلم

- ‌فصل آخر في شروحه

- ‌المقدّمة الثالثة مقدّمة العلم

- ‌الفرق بين الحديث والسُّنَّة والخَبَر والأثر:

- ‌المقدمة الرابعة في أسانيدي إلى الحافظ الإِمام مسلم رحمه الله تعالى

- ‌فصل في ذكر نبذة من أقسام الحديث وبيان أنواعه

- ‌(1) بَابُ وُجُوبِ الرِّوَايَةِ عَنِ الثِّقَاتِ المُتْقِنِينَ، وَتَرْكِ الضُّعَفَاءِ الْمَتْرُوكِينَ

- ‌تتمة: في معرفة الاعتبار والمتابعة والشاهد والأَفراد والشاذّ والمنكَر

- ‌(2) بَابُ تَغْلِيظِ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌(3) بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْحَدِيثِ بِكُلِّ مَا سَمعَ

- ‌(4) بَابُ التَّحْذِيرِ عَنْ أَنْ يُشَنَّعَ فِي الْحَدِيثِ وَأَنْ يُحَدِّثَ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُه أَفْهَامُهُمْ

- ‌(5) بَابُ النَّهْيِ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالاحْتِيَاطِ فِي تَحَمُّلِهَا

- ‌(6) بَابُ اخْتِيَارِ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَتَلْخِيصِهَا وَطَرْحِ مَا سِوَاهَا مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيهَا

- ‌(7) بَابُ بيَانِ أَن الإِسْنَادَ مِنَ الدِّينِ، وَأَنَّ الرِّوَايَةَ لَا تَكُونُ إلا عَنِ الثِّقَاتِ، وَأَنَّ جَرْحَ الرُّوَاةِ بمَا هُوَ فِيهِمْ جَائِزٌ، بَلْ وَاجِبٌ، وَأنَّهُ لَيسَ مِنَ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ، بَلْ مِنَ الذَّبِّ عَنِ الشَّرِيعَةِ الْمُكَرَّمَةِ

- ‌(8) بَابُ الْكَشْفِ عَنْ مَعَايِبِ رُواةِ الْحَدِيثِ ونَقَلَةِ الأَخْبَارِ وَقَوْلِ الأَئِمةِ فِي ذَلِكَ

- ‌ترجمة لأبي داود الأعمى:

- ‌فصل في ترجمة عَمْرو بن عُبَيد:

- ‌تتمة لترجمة عَمْرو بن عُبَيد:

- ‌تتمة في ترجمة أبي شَيبة:

- ‌تتمة في ترجمة صالح المُرِّي:

- ‌فصل في ترجمة الحَسَنُ بن عُمارة:

- ‌نبذة من ترجمة زياد بن ميمون:

- ‌تتمة في ترجمة خالد بن مَحْدُوج:

- ‌فصل في ترجمة عَبَّاد بن منصور الناجِي:

- ‌تتمة في ترجمة مهدي بن هلال:

- ‌ترجمةُ أبان بن أبي عَياش:

- ‌ترجمة بقِية الكَلاعي:

- ‌ترجمة إسماعيل بن عَيَّاش:

- ‌نبذة من ترجمة المعَلَّى:

- ‌تتمة في صالح بن نَبْهان:

- ‌ترجمة حَرَام بن عثمان:

- ‌ترجمة عبد الله بن مُحَرَّر:

- ‌ترجمة يحيى بن أبي أُنيسَة (ت):

- ‌ترجمة فَرْقَد بن يعقوب السبخي:

- ‌نبذة من ترجمة محمد بن عبد الله الليثي:

- ‌نبذة من ترجمة يعقوب بن عطاء:

- ‌أمَّا عُبيدةُ .. فترجمتهُ:

- ‌أما السَّرِي بن إسماعيل:

- ‌أما محمد بن سالم:

- ‌فصل في المسائل المَنْثُورَة والجُمل التي تتعلِّقُ بهذا الباب:

- ‌(9) باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن إذا أمكن لقاء المُعَنْعِنينَ ولم يكن فيهم مدلس

- ‌خاتمة المقدمة

- ‌خاتمة المجلد الأول

الفصل: ‌(8) باب الكشف عن معايب رواة الحديث ونقلة الأخبار وقول الأئمة في ذلك

(8) بَابُ الْكَشْفِ عَنْ مَعَايِبِ رُواةِ الْحَدِيثِ ونَقَلَةِ الأَخْبَارِ وَقَوْلِ الأَئِمةِ فِي ذَلِكَ

ــ

مَاتَتْ أمُّها وعليها صلاة أنْ تُصَلِّي عنها.

وحكى صاحبُ "الحاوي" عن عطاء بنِ أبي رَبَاح وإسحاقَ بنِ رَاهُويه أنهما قالا بجواز الصلاة عن الميت، ومال الشيخُ أبو سَعْدٍ عبدُ الله بن محمد بن هبة الله بن أبي عصرون من أصحابنا المتأخرين في كتابه "الانتصار" إلى اختيارِ هذا.

وقال الإمام أبو محمدٍ البَغَويُّ من أصحابنا في كتابه "التهذيب": لا يَبْعُدُ أنْ يُطْعَم عن كل صلاةٍ مُدٌّ من طعام، وكُل هذه المذاهب ضعيفةٌ، ودليلُهم: القياسُ على الدُّعاء والصدقةِ والحجِّ، فإنَّها تَصِلُ بالإجماع.

ودليلُ الشافعيِّ ومُوافقِيهِ: قولُ اللهِ تعالى: {وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى} وقولُ النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابنُ آدمَ .. انْقَطَعَ عملهُ إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ أو عِلْم يُنتفَعُ به أو وَلَدٍ صالحٍ يدعو له".

واختلف أصحابُ الشافعيِّ في ركعتي الطواف في حَج الأجير هل تَقَعَانِ عن الأجيرِ أم عن المستأجر؟ والله أعلم) اهـ من "النووي" رحمه الله تعالى (1).

(8)

باب الكشف عن معايب رواة الحديث ونقلة الأخبار وقول الأئمة في ذلك

أي: هذا بابٌ في الاستدلال على جواز كَشْفِ وبيانِ عُيُوبِ رُواةِ الحديث من الأُمور التي تُوجِبُ عدمَ قبولِ حديثهم وتَرْكَ الاحتجاجِ به، كالخَطَإ والغفلةِ والوَضْعِ والكَذِب والاختلاطِ والاضطرابِ ممَّا يُوجبُ ضَعْفَهم، كسَب الصحابة رضوان الله عليهم.

يُقال: كَشَفَ عن الشيء إذا بيَّنَه وأظْهَرَه للغير، والمَعَايِب: جَمْعُ مَعَاب، والمَعَابُ كالمَعَابة والمَعِيب، والعَابِ: الوَصْمَةُ والنقِيصةُ والرذيلة.

وبابُ بيانِ حالِ نَقَلَةِ الأخبارِ وحُمَّالِ الآثارِ ورُوَاةِ الأحاديث من الضبْط والإتقان والحِفْظِ والثباتِ، ممَّا يُوجِبُ صِحَّةَ حديثهم وقَبُولَه وقُوَّتَهُم في أنفسهم، والنَّقَلَةُ:

= نَذْر) بلفظ: وأمَرَ ابنُ عُمر امرأة جَعَلَتْ أُمها على نفسها صلاةَ بقُباء، فقال:(صَلي عنها). ووقع في "مكمل إكمال الإكمال"(1/ 25): (من ماتت أمه

أن يصلي عنها) وفيه تحريفان.

(1)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 89).

ص: 268

وَقَال مُحَمد: سَمِعْتُ عَلِي بْنَ شَقِيقٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ عَلَى رُؤوسِ النَّاسِ: دَعُوا حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ؛

ــ

جمعُ ناقِل ككَامِلٍ وكَمَلَة، وهو: مَنْ يَنْقُلُ الحديثَ ويرويه عن غيرِه، وبيانِ قول أئمةِ الحديث وحُفَّاظِه ونُقَّادِه في ذلك؛ أي: في كَشْف وبيانِ معايب الضعفاء والمتروكين من رُواة الحديث.

ثم استدل المؤلِّفُ على الترجمة بقول عبد الله بن المبارك فقال:

(وقال) لنا (محمدُ) بن عبد اللهِ بنِ قُهْزَاذَ المَرْوَزِي: (سمعتُ عَلِي) بنَ الحَسَنِ (بنَ شَقِيقِ) بن دينار بن مِشْعَب العبدي مولاهم -شُهِرَ بنِسْبَتِه إلي جَده شَقِيق- أبا عبد الرحمن المروزي، أحَدَ المشايخِ المشهورين.

روى عن الحُسَينِ بن واقد وابنِ المبارك وعبدِ الوارث بن سعيد وغيرِهم، ويروي عنه (ع) وأحمدُ وابنُ مَعِين ومحمدُ بن عبد اللهِ بنِ قُهْزَاذَ وخَلْق، قال أحمدُ: لم يكن به بأس، رَجَعَ عن الإرجاء.

وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس عشرة ومائتين، وقيل: قبل ذلك.

حالةَ كونِه (يقولُ: سمعتُ عبدَ الله بنَ المُبَارَكِ) بن واضح المَرْوَزِي، حالةَ كونهِ (يقولُ على رؤوس الناسِ) وأعيانِهم وأشرافِهم وعلمائِهم:(دَعُوا) أيها المُحَدِّثُون، أمْرٌ من وَدَعَ بمعنى تَرَكَ؛ أي: اتْرُكُوا أيُها الناسُ (حديثَ عَمْرِو بنِ ثابتٍ) هو عَمْرو بن ثابت بن هُرْمُز البكريُّ أبو محمد الكوفي، وهو عَمْرُو بن أبي المقدام الحَداد، مولى بَكْر بن وائل.

روى عن أبيه وأبي إسحاق السَّبِيعي والأعمشِ وغيرِهم، وذَكَرَ أنه رأى راعيًا رأى النبي صلى الله عليه وسلم، ويروي عنه أبو داود الطيالسي ويحيى بن أبي بُكَيرٍ ويحيى بن آدم وعبدُ اللهِ بن صالح العِجْلِي وسعيدُ بن منصورٍ وآخرون.

قال الحَسَنُ بن عيسى: تَرَكَ ابنُ المبارك حديثَه، وقال هَنَادُ بن السَّرِي: لم يُصَلِّ عليه ابنُ المبارك، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: ضعيفُ الحديث، وزاد أبو حاتم: كان رديءَ الرأْيِ شديدَ التشيع.

ص: 269

فَإِنهُ كَانَ يَسُبُّ السلَفَ.

[33]

وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ النضْرِ بْنِ أَبِي النضْرِ،

ــ

وقال الآجُرِّيُّ عن أبي داود: رافضي خبيث.

وتوفي في خلافة هارون سنة اثنتين وسَبْعِين ومائة، وبالجملة فهو مُتفَق على ضَعْفِهِ.

أي: سمعتُ ابنَ المبارك يقول: اتْرُكُوا أيها الناسُ روايةَ حديثِ عَمْرِو بنِ ثابتٍ الكوفي (فإنه) أي: فإنَّ عَمْرَو بنَ ثابتٍ رافضي خبيث من شِرَارِ الناس؛ لأنه (كان يَسُب) ويَشْتِمُ (السلَفَ) الصالحَ من الصحابة والتابعين، فسَب السلفِ من أسباب الجَرْح، فلا ترْوُوا حديثَه؛ فإنه غيرُ مقبول.

ورُوَاةُ هذا الأثَرِ كُلُّهم مرْوَزِيُون، وغَرَضُه: الاستدلالُ به على جوازِ كَشْفِ معايب الرُّواة والتحذيرِ عن رواية أحاديث الضعفاء، وعلى وجوب الرواية عن الثقات بطريق المفهوم، وعلى قول الأئمة فيهم، فدَلَّ على أجزاء الترجمة كُلها.

ثم استشهد المؤلفُ رحمه الله تعالى لأثَرِ عبد الله بن المبارك بالنظر إلى الجزء الثاني من الترجمة، وهو بيانُ حالِ نَقَلَةِ الأخبار بأثَرِ القاسمِ بن عُبَيد الله فقال:

[33]

(وحَدثني أبو بكرِ) كنيتُه اسمُه على المشهور، وقال عبدُ اللهِ بن أحمد الدَّوْرَقِي: اسمُه أحمد، وقال الحافظُ أبو القاسم ابنُ عساكر: اسمُه محمد (1) الحافظُ البغدادي (بن النضْر بنِ أبي النضْر) هاشم بن القاسم.

قال النووي: (هكذا وَقَع في الأُصول: "أبو بكر بن النضْر بن أبي النضْر" منسوبًا إلى أبيه النضْر، وأكثرُ ما يُستعمل "أبو بكر بن أبي النضْر" منسوبًا إلى جَدّه أبي النضْر، واسمُ أبي النضْرِ: هاشمُ بن القاسم، ولَقَبُهُ قَيصَر (2)).

روى عن جَدِّه أبي النضْر ومحمد بن بِشْر وحَجاج بن محمد وغيرهم، ويروي عنه

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 90 - 91).

(2)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 90 - 91)، انظر سبب هذا اللقب في "تهذيب الكمال"(30/ 133).

ص: 270

قَال: حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثنا أَبُو عَقِيلٍ صَاحِبُ بُهَيَّةَ

ــ

(م ت س) وأبو قُدامة السرخسيُّ وابنُ أبي خيثمة وأبو يَعْلَى والسَّرَّاجُ -وقال: سألتُه عن اسمِه فقال: اسمي وكُنْيتي أبو بكر- وغيرُهم.

وقال في "التقريب": ثقة، من الحادية عشرة، وقال السراجُ: مات سنة خمسٍ وأربعين ومائتين.

(قال) أبو بكر: (حَدَّثني) جَدِّي (أبو النَّضْرِ هاشمُ بن القاسمِ) بن مسلم بن مقسم الليثي مولاهم، الحافظُ البغدادي، مشهور بكُنْيته ولَقَبُه: قَيصَر) كما مَر آنفًا، خُراساني الأصل.

روى عن شُعْبَةَ (1) وابن أبي ذئب وحَرِيزِ بنِ عثمان وعكرمة بنِ عَمَّارٍ ووَرْقَاء بن عُمر وزُهَيرِ بنِ معاوية والليثِ وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع) وابنُه أو حفيدُه أبو بكر بن أبي النضْر وأحمدُ بن حَنبل وإسحاقُ بن رَاهُويه وعلي بن المَديني ويحيى بن مَعِين وآخرون، قال العِجْلِي: ثِقةٌ صاحبُ سُنَّة، كان أهلُ بغداد يَفْخَرُون به.

وقال في "التقريب": ثقة ثَبْتٌ، من التاسعة، مات سنة سبعٍ ومائتين، وله ثلاث وسبعون سنة.

قال أبو النضْر: (حَدثنا أبو عَقِيلٍ) بفتح العين وكسر القاف، يحيى بن المتوكل الضريرُ المدنيُّ، وقيل: الكوفي (صاحبُ بُهَيةَ) ومولاها.

قال النوويُّ): (ضَعَّفَهُ يحيى بن مَعِين وعليُّ بن المَدِيني وعَمْرُو بن علي وعثمانُ بن سعيدِ الداري وابنُ عَمَّارٍ والنسائي، ذَكَرَ هذا كُله الخطيبُ البغداديُّ في "تاريخ بغداد" (1/ 109 - 110) بأسانيده عن هؤلاء) اهـ (2).

وقال في "التقريب": ضعيفٌ، من الثامنة، مات سنة سبع وستين ومائة.

يروي عنه (من د).

و(بُهَيَّة) هذه بضم الباء الموحدة وفتحِ الهاء وتشديد الياء، تصغير بَهْيَة بفتح الباء

(1) قال الحافظ المِزيّ: (سمع منه ما أملاه ببغداد وهو أربعة آلاف حديث). "تهذيب الكمال"(30/ 131).

(2)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 91).

ص: 271

قَال: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيدِ اللهِ

ــ

وسكون الهاء وفتح الياء المخففة، وهي امرأة تَرْوي عن عائشة أُم المؤمنين رضي الله عنها، وهي التي سَمَّتْهَا بهذا الاسم، ذَكَرَه أبو علي الغَسَّاني في "تقييد المهمل"(1/ 114) و (2/ 349)، وكانتْ مولاةً لها، وكان أبو عَقِيل هذا مولى بُهَيَّة، فرَوَى عنها وعُرِفَ بها فنُسِبَ إلى صُحْبَتِها، وقد خَرجَ عنها أبو داود (1).

وفي "تهذيب التهذيب"(12/ 405): بُهَيَّة مولاةُ أبي بكر، رَوَتْ عن عائشة في الاستحاضة، وعنها أبو عقيل، قلتُ: قال ابنُ عَمار: ليستْ بحُجَّة.

قال النووي: (فإنْ قيلَ: فإذا كان حالُ أبي عَقِيل الضعْفَ فكيف رَوَى له مسلم؟ فجوابه من وجهين:

أحدُهما: أنه لم يذكره أصلًا ومقصودًا بل ذَكَرَه استشهادًا لما قبله.

والثاني: أنه لم يَثْبُتْ جَرْحُه عنده مُفَسرًا، ولا يُقْبَلُ الجَرْحُ عنده إلا مُفَسرًا.

وقيل: يُقْبَلُ مطلقًا.

ثالثها: يُقبل من العالِم وإنْ لم يَذْكُرِ السَّبَبَ بخلاف غيره) اهـ بزيادة من السنوسي (2).

ولعلَّ تقييدَ المؤلِّفِ له بـ (صاحبِ بُهَيَّة) احتراز عن أبي عَقِيلٍ -بفتح العين أيضًا- الدَّوْرَقيِّ اسمه بَشِير بن عُقْبَة الناجي السَّامي البصري؛ فإنه ثِقةٌ من السابعة، روى عن مجاهدٍ والحَسَنِ، ويروي عنه (خ م) والقَطَّانُ والأصْمَعِي.

(قال) أبو عَقِيل: (كنتُ) أنا (جالسًا) أي: قاعدًا (عندَ القاسمِ بنِ عُبَيدِ اللهِ) ابنِ عَبْدِ الله بن عُمر بن الخَطَّاب العُمري أبي محمد المدنيِّ.

روى عن أبيه وعَمِّه سالم، ويروي عنه (م س) ويحيى بن المتوكل أبو عقيل وعاصمُ بن محمد، وَثَّقَهُ ابنُ حِبَّان.

وقال في "التقريب": ثقةٌ، من السادسة، مات في حدود الثلاثين ومائة.

(1)"سنن أبي داود"(1/ 195) في كتاب الطهارة، (110 باب من قال: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة)، حديث رقم (284).

(2)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 91)، "مكمل إكمال الإكمال"(1/ 26).

ص: 272

وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فَقَال يَحْيَى لِلْقَاسِمِ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؛ إِنهُ قَبِيحٌ عَلَى مِثْلِكَ عَظِيمٌ أَنْ تُسْألَ عَنْ شَيءٍ مِنْ أَمْرِ هَذَا الدِّينِ فَلَا يُوجَدَ عِنْدَكَ مِنْهُ عِلْمٌ وَلَا فَرَجٌ،

ــ

(و) عندَ (يحيى بنِ سعيدِ) بن قيس الأنصاري النجاري أبي سعيدٍ المدني القاضي.

روى عن أنسِ بن مالك وأبي سلمة بنِ عبد الرحمن وسعيدِ بنِ المُسَيّب والقاسمِ بن محمد وغيرهم، ويروي عنه (ع) والزهْرِيُّ -وهو من شيوخه- والأوزاعي ومالك والسُّفْيانانِ والحَمَّادان وخلائق، قال ابنُ سَعْد: كان ثقةً كثيرَ الحديثِ حُجَّةً ثَبْتًا.

وقال في "التقريب": من الخامسة، مات سنة أربعٍ وأربعين ومائة أو بعدها.

(فقال يحيى) بن سعيدٍ الأنصاري (للقاسمِ) بنِ عُبَيد الله العُمَرِي: (يا أبا مُحَمدٍ) وهي كُنْيَةُ القاسمِ كما مَر آنِفًا، سَماه بالكُنْيَة إكرامًا له؛ لأنَّ الخِطابَ بها خطابٌ بصيغة الإكرام كما هي العادةُ المعروفةُ.

(إنه) أي: إن الشَّأنَ والحال، وقولُه:(قبيحٌ) مبتدأ ليس له خبرٌ، بل اكْتَفَى بمرفوعه، وهو صفةٌ مشبهةٌ عَمِلَتْ فيما بعدها الرفعَ؛ لاعتمادِها على مخبر عنه من القُبْحِ، وهو ضِد الحُسْن.

(على مِثْلِكَ) متعلِّق بقَبيح.

وقولُه: (عظيم) صفةٌ لقَبيح، وجملةُ قوله:(أنْ تُسْألَ عن شيء من أمْرِ هذا الدينِ) الإسلاميّ في تأويل مصدرٍ مرفوعٍ على الفاعلية لـ (قَبِيح) أي: إن الشَّأْنَ والحال قبيحٌ عظيم علي مِثْلِكَ، وعارٌ كبيرٌ وعَيبٌ شَنِيع أنْ تُسْألَ وتُسْتَفْتَى عن حُكْمِ من أحكام هذا الدِّين، وتُسْتَخْبَرَ عن أمرٍ من أُمُور هذا الدين (فلا يُوجَدَ) ولا يَحْصُلَ (عندَك) يا أبا محمد جواب (منه) أي: من ذلك الأمرِ الذي سُئِلْتَ عنه ولا يكون عندك (عِلْم) ومعرفةٌ بذلك الأمْرِ الذي هو من أُمُور هذا الدّين الإسلامي فروعًا وأُصولًا، كتابًا وَسُنَّةً.

(ولا فَرَجٌ) أي: ولا كَشف وحَل لمشكلاتِه بالجواب الشافي والدليل الكافي.

والفاءُ في قوله: (فلا يُوجَدَ) عاطفةُ للجملة الفعليةِ على جملةِ قوله: (تُسْأل) على كَونها مرفوعةً للمبتدإ الذي هو (قَبِيحٌ)، وجملةُ المبتدإ في محلّ الرفع خبرِ إن،

ص: 273

أَوْ عِلْمٌ وَلَا مَخْرَجٌ، قَال: فَقَال لَهُ الْقَاسِمُ: وَعَمَ ذَاكَ؟ قَال: لِأَنكَ ابْنُ إِمَامَي

هُدَىً، ابْنُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ،

ــ

والتقديرُ: يا أبا محمّدٍ؛ إنّه عار عظيم وعَيبٌ شديدٌ كونك مسؤولًا عن أمْرٍ من أُمور هذا الدِّين وعن حُكْمٍ من أحكامه فعدم وجدان عِلْمه عندك، وعدم حلّ مشكلاته منك.

(أو) قال يحيى بن سعيدٍ بَدَلَ قوله: (عِلْم ولا فَرَج): فلا يُوجَد عندك منه (عِلْم ولا مَخْرَج) أي: فلا يُوجَد عندك سَبَبُ مَخْرَجٍ من مُشكلاته، وهو الجوابُ الكافي والحَلُّ الشافي، و (المَخْرَج) مصدرٌ ميمي بمعنى الخروج؛ أي: سبب خروج من مشكلاته وجهله وهو الجواب الوافي، والبيان الصافي، والشك من أبي عَقِيل فيما قاله يحيى بن سعيدٍ من كلمتَي (فَرَج) و (مَخْرَج)، والمعنى واحد.

(قال) أبو عَقِيل -وفي بعض النُّسَخ إسقاطُ (قال) من هنا- (فقال له) أي: ليحيى بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ (القاسمُ) بن عُبَيد الله مُسْتَفْهِمًا عن سبب كون ذلك عَيبًا عنده: (وعَمَّ) أي: ولأجْلِ ما (ذاك؟ ) أي: كون عدم وجدان عِلْم أو مَخْرجٍ منه عندي عَيْبًا عظيمًا على مثلي، وعَمَّ قلتَ ذلك الكلام؟

وقولُه: (عَمَّ) جارٌّ ومجرورٌ خبر مُقَدَّم لـ (ذاك)، و (ما) استفهامية حُذِفَتْ ألِفُها؛ فَرْقًا بينها وبين ما الموصولة إذا دَخَل عليها حرفُ الجَر، نظيرُ قوله تعالى:{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} .

(وذاك): اسمُ إشارةٍ للمفرد المذكر القريب أو المتوسّطِ في محل الرفع مبتدأ مؤخر وجوبًا؛ لكون الخبر مما يلزمُ الصدارة؛ أي: كون ذلك المذكور عيبًا على مثلي بأي سبب ولأجلّ أيّ عِلّة؟

(قال) يحيى بن سعيدٍ: وإنما كان عَدَمُ وجدانِ عِلْمٍ أو مَخْرَجٍ منه عَيبًا عظيمًا على مِثْلِكَ (لأنّك) يا أبا محمّدٍ (ابن إمامَي) ورئيسي (هُدىً) هذا الذين وأحكامه وابنُ مرجعَيْ مشكلات هذا الدين.

وقولُه: (ابنُ أبي بكرٍ) الصديق (و) ابن (عُمَرَ) بن الخطاب بواسطةِ والدَيْكَ: بدلٌ من (ابنُ إمامَي هُدى)، بدلَ تفصيلٍ من مُجْمَل.

ص: 274

قَال: يَقُولُ لَهُ الْقَاسِمُ: أَقْبَحُ مِنْ ذَاكَ عِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ أَنْ أَقُولَ بِغَيرِ عِلْم، أَوْ آخُذَ عَنْ غَيرِ ثِقَةٍ،

ــ

قال القرطبي: (إنما صَحَّت النسبتانِ على القاسم لأن أباه هو عُبَيدُ اللهِ بن عبد الله بن عُمر، وأُمه هي ابنةُ القاسم بن محمد بن أبي بكر، وباسم جَدِّه هذا كان يُكنى، فعُمَرُ جَدُّه لأبيه الأعلى، وأبو بكرٍ جَده الأعلى لأُمه، فصَدَقَتْ عليه النِّسْبتان)(1).

(قال) أبو عَقِيل: (يقول له) أي: ليحيى الأنصاري (القاسمُ) أي: يقول القاسمُ ليحيى، فالمضارعُ هنا بمعنى الماضي، وعَبَّرَ بالمضارع حكايةً للحال الماضية، والمعنى: قال أبو عَقِيل: فقال القاسمُ ليحيى في الجواب: (أقْبَحُ) واللهِ وأشْنَعُ (من ذاك) الذي قُلْتَه من كَوْنِ فِقْدانِ فَرَجٍ ومَخْرَجٍ وجوابٍ لمَا سُئِلْتُ عنه عندي قَبيحًا، وقوله:(أقْبَحُ) خبرٌ مُقَدَّمٌ، وأتَى بالقَسَم تَأكيدًا للكلام، وقولُه:(من ذاك) مُتَعَلِّقٌ بأقْبَحَ، وكذلك قولُه:(عندَ مَنْ عَقَلَ) وعَرَفَ معرفةً حَقَّةً صادقةً صادرةً (عنِ اللهِ) سبحانه وتعالى .. متعلِّق به.

والمصدرُ المُنْسَبِكُ عن جملة قوله: (أنْ أقولَ) وأُفتيَ وأُحَدِّثَ وأُجِيبَ (بغيرِ عِلْم) جازمٍ ومعرفةٍ يقينيةٍ .. مبتدأ مؤخر، والتقدير: وقولي في جوابِ ما سُئِلْتُ عنه منَ أمْرِ هذا الذين بغير عِلْمٍ ومعرفةٍ عندي، وجوابي عنه بغير دليلٍ من الكتاب والسُّنَّة .. أشَدُّ قُبْحًا وأشَدُّ شَناعَةً وأخوفُ عُقوبةً من قُبْحِ عدم وجْدانِ الجواب عندي عندَ مَنْ عَرَف بحُكْمِ شَرْعِ الله تعالى معرفةً صادرة عن معرفة كتابِ الله تعالى وسُنَّةِ رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لدخولي حينئذٍ في وعيد قوله صلى الله عليه وسلم:"مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتعمدًا .. فليتبوأْ مقعدَه من النار"؛ لأني إنما أُجيبُ حينئذٍ بادعاء معرفة كتابِ الله تعالى وسُنَّةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، وليس عندي معرفتُهما، فأكون حينئذ كاذبًا على رسوله صلى الله عليه وسلم، فيكون ذلك الوعيدُ منطبقًا عَلَيَّ، ولأن قولَ المَرْء فيما لا يعْلَمُ:(واللهُ أعلمُ) من مَئِنةِ عِلْمِه.

وقولُه: (أو آخُذَ عن غيرِ ثِقَةٍ) معطوفٌ على (أنْ أقولَ)، فهو في تأويلِ مصدرٍ

(1)"المفهم"(1/ 127).

ص: 275

قَال: فَسَكَتَ فَمَا أَجَابَه.

[34]

وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَبْدِي، قَال: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَينَةَ يَقولُ: أَخْبَروني عَنْ أَبي عَقِيلٍ صَاحِبِ بُهَيّةَ:

ــ

معطوفٍ على مصدرٍ منسبكٍ من جملةِ (أنْ أقولَ)، والتقديرُ: وقولي في جوابِ ما سُئِلْتُ عنه من أمر هذا الذين بغير شبهة علم، أو أخذي ما هو شبهة علم عن غير ثقةٍ مأمون، فجوابي به ذلك السؤال أقْبَحُ عندَ مَنْ عَقَلَ عن الله سبحانه وتعالى من ذاك؛ أي: من قبح عدم وجْدان جواب ما سُئلت عنه من أمر هذا الذين عندي؛ لكوني ابنَ إمامَيِ الهدى والشريعة؛ لأنَّ العِلْمَ ليس بالنَسَب بل بالتعلُّم.

(قال) أبو عَقِيل: (فَسَكَتَ) يحيى بن سعيد.

وقولُه: (فما أجَابَهُ) تأكيد لقوله: (فَسَكَتَ) أي: فما أجاب يحيى للقاسم بن عُبَيد الله شيئًا من الكلام، ولا رَد عليه كلامَه، بل سكت عنه.

وغَرَضُ المؤلِّف بسَوْقِ هذا الأثَرِ: الاستشهادُ لأثَرِ عبد الله بن المبارك الدال بمفهومه على أن هذا العِلْمَ لا يُؤْخَذُ إلا عن ثقةٍ حيث قال: (دَعُوا حديثَ عَمْرِو بنِ ثابتٍ

) إلخ، ورجالُ هذا الأثرِ أربعة: بغداديان ومدنيان.

ثم ذكر المؤلّفُ رحمه الله تعالى المتابعةَ لأثَرِ القاسم بن عُبَيد الله فقال:

[34]

(وحَدثني بشْرُ بن الحَكَمِ) بن حبيب بن مِهْران بكسر الميم (العَبْدِي) أبو عبد الرحمن النيسابوري الزاهدُ الفقيهُ.

روى عن مالكٍ وهُشَيم وابن عُيَينَةَ وجماعةٍ، ويروي عنه (خ م س) والحَسَنُ بن سفيان وخَلْق.

قال في "التقريب": ثقة زاهدٌ فقيه، من العاشرة، مات سنة سبعٍ أو ثمانٍ وثلاثين ومائتين.

(قال) بِشْرُ بن الحَكَمِ: (سمعتُ سفيانَ بنَ عُيينة) بن ميمون الهلالي أبا محمدٍ الأعورَ الكوفي ثم المكيَّ، أحدَ الأئمة الأعلام -قد تقدَّم البسط في ترجمته فرَاجِعْها- أي: قال بِشْرُ بن الحَكَم: سمعتُ سفيانَ حالةَ كَوْنه (يقول: أخْبَروني) أي: أخْبَرَني الناسُ (عن أبي عَقِيل صاحبِ بُهَيَّة) ومولاها، واسمه يحيى بن المتوكل.

ص: 276

أَنَّ ابْنًا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ سَألوهُ عَنْ شَيءٍ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهِ عِلْمٌ، فَقَال لَهُ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ: وَاللهِ إِني لأُعْظِمُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُكَ وَأَنْتَ ابْنُ إِمَامَيِ الْهُدَي -يَعْنِي عُمَرَ وَابْنَ عُمَرَ-

ــ

قال النوويُّ: (وأما قولُ سفيان في الرواية الثانية: "أخْبَرُوني عن أبي عَقِيل" فقد يُقال فيه: هذه رواية عن مجهولين فكيف أدخله مسلم في جامعه؟ فيُجابُ عنه: بأن هذا في المُتابعة، والمتابعةُ وكذا الاستشهادُ يَذْكُرُون فيهما مَنْ لا يُحْتَج به على انفراده؛ لأنَّ الاعتمادَ في الاستدلال على ما قبلهما لا عليهما) اهـ بتصرف (1).

(أن ابْنًا لعبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ) وهو القاسمُ بن عُبَيدِ اللهِ بنِ عبد الله بن عُمَر، وفي بعض النُّسَخ:(أن أبناءً) بصيغة الجَمْع وهو تحريف من النُّسَّاخ (2)(سألوه) أي: سأل الناسُ ذلك الابنَ (عن شيء) أي: عن أمرٍ من أُمورِ الدِّين (لم يَكُنْ عندَه) أي: عندَ ذلك الابنِ (فيه) أي: في ذلك الشيءِ (عِلْم) ومعرفة (فقال له) أي: لذلك الابنِ الذي لم يكن عنده عِلْم بذلك الشيء الذي سُئِلَ عنه (يحيى بن سعيد) الأنصاريُّ: (واللهِ) أي: أقسمتُ بالله الذي لا إله إلا هو (إنّي) أنا (لأعظِمُ) بضمِّ الهمزة مضارع لأَعْظَمَ الرباعي؛ أي: إني لأعُد عيبًا عظيمًا (أنْ يكونَ مِثْلُكَ) من أولادِ العُلماء الكبارِ والأصحابِ الأخيار (وأنتَ) أي: والحالُ أنك (ابنُ إمامَيِ الهُدَى) وقُدْوتَي الشريعة (يعني) يحيى بن سعيدٍ. ويَقْصِدُ بإمامَيِ الهُدَى: (عُمَر) بنَ الخَطَّابِ الذي هو جَدُّه الأعلى من جهة الأب (و) عبدَ اللهِ (بنَ عُمَرَ) بنِ الخَطَّابِ الذي هو جَدُّه الأقربُ من جهة الأب أيضًا.

قال النووي: (وأما قولُ يحيى في الرواية الأُولى للقاسم بن عُبَيدِ الله: "لأنَّكَ ابنُ إمامَي هُدىً، ابنُ أبي بكرٍ وعُمَرَ" رضي الله عنهما، وفي الرواية الثانية:"وأنْتَ ابْنُ إمامَيِ الهُدَى يعني عُمَرَ وابن عُمَرَ" رضي الله عنهما .. فلا مُخالفَة بينهما، فإن

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 91 - 92).

(2)

قلت: وكذلك ورد محرّفًا في طبعة "تحفة الأشراف"(13/ 334) حديث رقم (19201) في ترجمة (القاسم بن عُبيد الله بن عبد الله بن عمر)، ويرده أن الحافظ المزي ترجم له في (13/ 447) بقوله:(ابنٌ لعبد الله بن عُمَر بن الخطاب) فتنبه لذلك، والله الموفق.

ص: 277

تُسْألُ عَنْ أَمْر لَيسَ عنْدَكَ فيه علْمٌ؟ ! فَقَال: أَعْظَمُ منْ ذَلكَ وَالله عنْدَ الله وَعنْدَ مَنْ عَقَلَ عَن الله أَنْ أَقُولَ بغَير علْم، أَوْ أُخْبرَ عَنْ غَير ثقَة،

ــ

القاسم هذا هو ابنُ عُبَيد الله بن عبد الله بن عُمر بن الخطاب فهو ابنُهما، وأُمُ القاسم هي أُمُّ عبد الله بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فأبو بكر جَده الأعلى لأُمه، وعُمَرُ جَده الأعلى لأبيه، وابنُ عُمَرَ جَده الحقيقي لأبيه، رضي الله تعالى عنهم أجمعين) اهـ (1).

وجملةُ قوله: (تُسْألُ) أنتَ يا قاسمُ، -وفيه التفاتٌ أو (مثْلُ) مقحمٌ- (عن أمْر) أي: عن حُكْم من أحكام هذا الذين (ليس عندَك) يا قاسمُ (فيه) أي: في ذلك الأمْر (علْمٌ) ومعرفة بذلك الأمر: خبر ليس، والمعنى: أقسمتُ بالله! إني لأَعُدُّ وأحْسبُ عَيبًا وعارًا قبيحًا أنْ يكونَ مثْلُك مسؤولًا عن أمرٍ ليس عنده فيه علْمٌ فتجهل؛ أي: كَوْن مثْلك مسؤولًا عن أمْر هذا الذين فجاهلًا فيه، وقيل:(المثْلُ) مُقْحَمٌ في قوله: (أنْ يكونَ مثْلُكَ) نظير قوله تعالى: {لَيسَ كَمثْله شَيءٌ} ، والمعنى عليه واضح، أي: والله إني لأُعْظمُ أنْ تكونَ مسؤولًا عن أمْر هذا الذين فتجهل فيه والحالُ أنك ابنُ إمامَي الهُدى والشريعة.

(فقال) القاسمُ ليحيى: (أَعْظَمُ من ذلك) الذي قُلْتَ عيبا وأشَد عَارًا (والله عندَ الله) سبحانه وتعالى (وعنْدَ مَنْ عَقَل) وعَرَفَ معرفةَ صادرةً (عن الله) سبحانه وتعالى، وقولُه:(أَعْظَمُ) مبتدأٌ أو خبرٌ مُقَدمٌ للمصدر المُنْسَبك من جملة قوله: (أنْ أقولَ بغير علْم) أي: أَعْظَمُ من ذلك الذي قُلْتَ عقوبةً عند الله تعالى وأشَد عارًا عندَ مَنْ عَقَل عن الله تعالى قولي وجوابي عن ذلك الأمر الذي سُئلْتُ عنه بغير شبهة علْم ولا مُسْتَنَد دليل؛ أي: جوابي عنه برَأْيٍ مَحْضٍ وظَن لا مُسْتَنَدَ له.

(أو أُخْبِرَ) في جواب سؤال ذلك الأمر بشبهة علم صادرةٍ (عن غير ثقَة) مأمونٍ وعَدْل ضابطٍ موثوقٍ؛ لأن في الأول إنشاءَ أمْرٍ لم يكن من الذين، وفي الثاني كَذبًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما أشَد عقوبةً عند الله تعالى وأعْظَمُ عارًا عند

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 91)، وانظر "إكمال المعلم"(1/ 129 - 130).

ص: 278

قَال: وَشَهدَهُمَا أَبُو عَقيلٍ يَحْيَى بْنُ الْمُتَوَكل حينَ قَالا ذَلكَ.

[35]

وَحَدثنا عَمْرُو بْنُ عَلي أَبُو حَفْصٍ،

ــ

الناس من إظهار جَهْلي فيما سُئلْتُ عنه من أمْر هذا الدّين؛ لأن النَّسَبَ ليس مَنَاطَ العلْم بل مَناطُهُ التعلمُ.

قال بِشْر بن الحَكَمِ: (قال) لي سفيانُ بن عُيَينَة: (وشَهدَهُما) أي: وحَضَرَ عند يحيى بن سعيدٍ الأنصاريّ والقاسم بن عُبَيد الله (أبو عَقيلٍ يحيى بن المُتَوَكِّل) صاحبُ بُهَيَّة (حين قالا) أي: حين قال الأنصاري والقاسمُ بن عُبَيد الله وتَكَلَّمَا (ذلك) الكلامَ المذكورَ سابقًا، وهذا السَّنَدُ من رُباعياته: واحد منهم نيسابوري، وواحدٌ مكي، واثنان مدنيان.

وغَرَضُ المؤلّف بسَوْق هذا الأثَر ثانيًا مَتْنًا وسَنَدًا: بيانُ متابعة سفيان بن عُيَينَة لهاشم بن القاسم في رواية هذا الأثَر عن أبي عَقيل، وأما تكرارُ المتن .. فلِمَا في الرواية الثانية من المخالفة للرواية الأُولى في بعض الكلمات زيادةً ونقصًا، فللمؤلّف رحمه الله تعالى غَرَضٌ في التكرار فلا اعتراضَ عليه، وفائدةُ هذه المتابعة بيانُ كثرة طُرُقِه فقط؛ لأن المُتَابع والمُتَابَعَ كلاهما ثقتان.

ثم استدل المؤلّف رحمه الله تعالى على الجزء الأخير من الترجمة -وهو جوازُ جَرْحِ الرُّواة بما هو فيهم بالأثَر المأثور عن الأئمة الآتية فقال:

[35]

(وحَدثنا عَمْرُو بن عَلي) -وفي بعض النُّسَخ إسقاطُ الواو في (وحَدثنا) - ابن بَحْر بن كَنيزٍ بنون وزاي (أبو حَفْصٍ) الفَلَّاسُ (1) الصيرفي الباهلي البصريُّ الحافظُ، أحَدُ الأئمّة الأعلام.

روى عن مُعْتَمر بن سُلَيمان وابن عُيَينَة ويحيى بن سعيد القطان وخَلْق، ويروي عنه (ع) وابنُ جريرٍ الطبريُّ وغيرُهم.

(1) قال الحافظ أبو علي الغساني: (لقبَه عَفَّانُ بن مسلم الفَلاس

قال أبو حفص عَمْرو بن علي الفلاس: روى عني عَفَّانُ حديثَين، فلم فلم خيره بشره، قال: حدثني أبو حفص الفلَّاس، ولم أكُنْ فلاسًا، فأوقَعَ على الفلاس). "تقييد المهمل"(3/ 1131 - 1132).

ص: 279

قَال: سَمعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعيدٍ قَال: سَالْتُ سُفْيَانَ الثَّوْريَّ وَشُعْبةَ وَمَالكا

ــ

قال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ، من العاشرة، مات سنة تسعٍ وأربعين ومائتين.

(قال) أبو حفص: (سمعتُ يحيى بن سعيد) بن فَرُّوخَ -بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وسكون الواو ثم خاء معجمة- التميمي أبا سعيدٍ القطانَ البصري الأحولَ، الحافظَ الحُجة، أحدَ أئمّة الجرح والتعديل.

روى عن سُلَيمَان التيمي وحُمَيدٍ الطويل ويحيى بن سعيدٍ الأنصاريّ وهشام بن عُرْوة وغيرهم، ويروي عنه (ع) وشعبةُ وابنُ مهدي وأحمدُ وإسحاقُ وغيرُهم.

وقال في "التقريب": ثقة مُتْقنٌ حافظ إمامٌ قُدْوة، من كبار التاسعة، مات سنة ثمانٍ وتسعين ومائة، وله ثمان وسبعون سنة.

(قال) يحيى القطَّانُ: (سألتُ سفيانَ) بنَ سعيد بن مسروق بن حبيب (الثوْري) أبا عبد الله الكوفي، أحَدَ الأئمة الأعلام.

روى عن زيادِ بن علاقة وحبيب بن أبي ثابت والأسود بن قيس وزيد بن أسْلَم وخلائق، ويروي عنه (ع) والأعمشُ وابنُ عجلان وشعبةُ ومالكُ بن أنسٍ وغيرُهم.

وقال في "التقريب": ثقة حافظ فقيه عابدٌ إمام حُجة، من رؤوس الطبقة السابعة، وكان ربما دَلس، مات سنة إحدى وستين ومائة، وله أربع وستون سنة.

وقولُه: (وشُعْبةَ) بنَ الحَجاج العتكي مولاهم، أبا بسْطام الواسطي البصري، أحَدَ أئمة الإسلام.

روى عن معاويةَ بن قُرَّة وأنس بن سيرين وثابتٍ البُنَانيّ وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع) وأيوبُ والثوري وابنُ المبارك وخلائق.

قال في "التقريب": ثقة حافظ مُتْقن، من السابعة، مات سنة ستين ومائة.

معطوف على (سفيانَ الثوْريَّ) وكذا ما بعدَه.

(ومالكًا) هو ابنُ أنس أبو عبد الله، الفقيهُ المدني، إمامُ دار الهجرة، وأَحَدُ أئمّة الإسلام.

ص: 280

وَابْنَ عُيَينَةَ عَن الرجُل لَا يَكُونُ ثَبْتًا في الْحَديث فَيَأتيني الرجُلُ فَيَسْألُني عَنْهُ، قَالُوا: أَخْبرْ عَنْهُ أَنهُ لَيسَ بثَبْتٍ

ــ

روى عن نافع ونعيم بن عبد الله وابن المُنكَدر وغيرهم، ويروي عنه (ع) والزُّهْري ويحيى الأنصاري وشعبةُ والثوريُّ.

وقال في "التقريب": من السابعة، بلغ تسعين سنةً، ومات سنة تسعٍ وسبعين ومائة، ودُفن بالبقيع.

(و) سألتُ سفيانَ (بنَ عُيَينةَ) بن ميمون الهلالي أبا محمدٍ الأعورَ الكوفي ثم المكي، من الطبقة الثامنة، مات في رجب سنة ثمانٍ وتسعين ومائة، وله إحدى وتسعون سنة.

أي: قال يحيى بن سعيدٍ القطَّانُ: سألتُ هؤلاء الأئمّةَ الأربعةَ كُلهم عَمَّا أقولُ في جواب مَنْ سَألَني (عن) حال (الرجل) أي: عن حال الشخص الذي (لا يكون ثَبْتًا) متْقنًا (في) علْم (الحديث، فيأتيني الرجلُ) الآخَرُ (فيسألُني) ذلك الآخَرُ (عنه) أي: عن حال الرجل الأول هل هو ثَبْت في الحديث أم لا، فماذا أُخبر السائل؟ هل أكشفُ عن حاله نصيحةً للدّين، أم أستره خَوْفًا من الوقوع في الغيبة؟ (قالوا) أي: قال كُل من هؤلاء الأئمة الأربعة لي: (أَخْبر عنه) أي: أَخْبر السائل عن حال ذلك الرجل الضعيف، وبَيِّن له منزلتَه في علْم الحديث، واكْشفْ له عن حاله بقَصْد النصيحة والذبِّ عن الدِّين، لا بقَصْد الغيبة وإظهار معايبه، وأخْبرْهُ (أنّه) أي: أن ذلك الرجلَ المسؤولَ عنه (ليس بثَبْتٍ) ولا قَوي ولا مُتْقنٍ في الحديث لينْكَفَّ عن الرواية عنه.

قال القرطبي: (وفُتْيا سفيان الثوْري ومَنْ بعدَه هي التي يَجبُ العملُ بها، ولا يختلفُ المسلمون في ذلك، وحاصلُه: أن ذكْرَ مساوئ الراوي والشاهد القادحَة في عدالتهما وفي روايتهما أمْر ضروري فيَجبُ ذلك؛ فإنه إنْ لم يُفْعَلْ ذلك .. قُبلَ خَبَرُ الكَذَاب وشهادةُ الفاسق، وغُشَّ المسلمون، وفَسَدَت الدنيا والدِّين، ولا يُلْتَفَتُ لقَوْل غَبيٍّ جاهلٍ يقول: ذلك غيبة؛ لأنها وإنْ كانت من جنس الغيبة فهي واجبة بالأدلّة القاطعة والبراهين الصادعة، فهي مستثناةٌ من تلك القاعدة للضرورة الداعية)(1).

(1)"المفهم"(1/ 129).

ص: 281

[36]

وَحَدَّثَنَا عُبَيدُ الله بْنُ سَعيد، قَال: سَمعْتُ النضْرَ يَقُولُ: سُئلَ ابْنُ عَوْنٍ

ــ

وقد سَبقَ أن غَرَض المؤلف بسَوْق هذا الأثَر الاستدلالُ على الجزء الأخير من الترجمة، ورجالُه كُلُّهُم بصريون بالنظَر إلى شُعْبة، وأمَّا الثَّوْري فكُوفي، ومالك مَدَني، وابنُ عُيَينَةَ مَكيٌّ.

ثم استشهد المؤلفُ لأثر هؤلاء الأئمّة الأربعة بأثَر ابن عَوْنٍ فقال:

[36]

(وحَدثنا عُبَيدُ الله بن سعيد) بن يحيى اليَشْكُري مولاهم، أبو قُدامة السرخسي، نزيلُ نيسابور، الحافظُ.

روى عن ابن عُيَينَة وحفص بن غياث وأبي معاوية وخَلْق، ويروي عنه (خ م س) وابنُ خُزَيمة والسراج.

قال في "التقريب": ثقة مأمون سُني، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومائتين.

(قال) عُبَيدُ الله: (سمعتُ النضْرَ) بنَ شُمَيل المازني أبا الحَسَن البصريَّ النحْوي نزيلَ مَرْوَ وشيخَها.

روى عن حُمَيدٍ الطويل وابن عَوْن وشعبةَ وهشام بن عُرْوة وابن جُرَيح وحَمَّاد بن سلمة وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع) ويحيى بن يحيى النيسابوري وإسحاق بن رَاهُويه ويحيى بن مَعينٍ وعليُّ بن المَديني وإسحاقُ بن منصورٍ الكَوْسَجُ وغيرُهم، وثَّقَهُ النسائي وأبو حاتم وابنُ مَعين.

وقال في "التقريب": ثقة ثَبْتٌ، من كبار التاسعة، مات سنة أربعٍ ومائتين، وله اثنتان وثمانون سنة.

حالة كَوْن النَّضْر (يقولُ: سُئلَ) عبدُ الله (بن عَوْن) بن أرْطَبان -بفتح فسكونٍ ففتح- المزني مولاهم، أبو عَوْن البصري، أحدُ الأئمّة الأعلام.

روى عن عطاءٍ ومجاهد وسالم والحَسَن والشعْبي وخَلْق، ويروي عنه (ع) وشعبةُ والثَّوْريُّ وابنُ عُلَيَّةَ ويحيى القطان وخلائق، قال ابنُ مهدي: ما أحد أعلم بالسُّنَّة بالعراق من ابن عَوْن، وقال رَوْح بن عُبادة: ما رأيتُ أعْبَدَ منه.

ص: 282

عَنْ حَديثٍ لشَهْرٍ وَهُوَ قَائمٌ عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَاب فَقَال: إن شَهْرًا نزكُوهُ، إن شَهْرًا نَزَكُوه.

قَال مُسْلمٌ رحمه الله:

ــ

وقال في "التقريب": ثقة ثَبْت فاضل، من أقران أيوب في العلم والعمل والسنّ، من السادسة، مات سنة خمسين ومائة على الصحيح.

ورجالُ هذا الأثَر ثلاثة: نيسابوري كوفي بصري، وكُلهم ثقات أثبات، وغَرَضُ المؤلِّف بذكْره: الاستشهادُ كما مَر.

(عن حديثٍ لشَهْر) بن حَوْشَب؛ أي: عن حال حديث منسوب لشَهْر بن حَوْشَب هل هو صحيح أم ضعيف؟ (وهو قائمٌ) أي: والحالُ أن شَهْرا قائم (على أسْكُفة الباب) أي: على عتبة دار ابن عَوْن.

قال النووي: (والأُسْكُفة -بضم الهمزة والكاف بينهما سين ساكنة وتشديد الفاء المفتوحة-: هي العَتَبةُ السفلى التي تُوطأ)(1).

(فقال) عبدُ الله بن عَوْنٍ وَشهْرٌ يسمعُه: (إن شَهْرًا) ابنَ حَوْشَب (نَزَكُوه) أي: نَزَكَه أهلُ الحديث، وطَعَنُوه وتَكَلَّمُوا فيه بالجَرْح، فكأنه يقول: طَعَنُوه بالنيزَك، وهو الرمْحُ القصير.

وقوله: (إن شَهْرًا نَزَكُوه) توكيد لفظي للجملة الأُولى.

وعبارةُ السنوسي هنا: (قولُه: (نزَكُوه) هو بالنون والزاي المفتوحتَين، ومعناه: طَعَنُوا فيه وتَكَلَّمُوا بجَرْحه، فكأنه يقول: طَعَنوه بالنيزَك -بفتح النون والزاي والياء المثناة من أسفل بينهما- وهو الرمْحُ القصير.

وهذه هي الروايةُ الصحيحةُ المشهورةُ، ورُويَ "تَرَكُوه" بالتاء الفوقية والراء المهملة وضَعَّفَهُ القاضي عيَاض (2)، وقال غيره: هي تصحيف، وتفسيرُ مسلم الآتي يَرُدُّها) (3) حيث (قال مسلمٌ رحمه الله سبحانه وتعالى، وقولُه هذا يُسَمَّى عند

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 92).

(2)

"إكمال المعلم"(1/ 134)، وانظر "صيانة صحيح مسلم"(ص 124).

(3)

"مكمل إكمال الإكمال"(1/ 26)، وهو مختصر من"شرح صحيح مسلم" للنووي (1/ 92 - 93).

ص: 283

يَقُولُ: أَخَذَتْهُ أَلْسنَةُ الناس، تَكَلَّمُوا فيه

ــ

البديعيين تجريدًا، وهو أنْ يُجَرِّدَ المتكلِّمُ من نفسه شخصًا مُماثلًا له ويُخْبرَ عنه كأنّه غيرُه، أو (يقولُ: أَخَذَتْهُ ألسنةُ الناس تَكَلَّمُوا فيه) هو من كلام بعض رُواة جامعه عنه (يقولُ) أي: يُريدُ عبدُ الله بن عَوْنٍ بقوله: (نزكُوه): (أَخَذَتْه) أي: أَخَذَتْ شَهْرًا وَعَيَّبَتْه (ألسنةُ الناس) و (تكلمُوا فيه) أي: تَكَلمَ الناسُ في شَهْرٍ بالجَرْح وأسبابه.

قال النووي: (والألسنةُ: جمعُ لسان على لُغَةِ مَنْ جَعَلَ اللسانَ مذَكَّرًا، وأما مَنْ جَعَلَهُ مُؤَنَّثًا .. فجَمْعُهُ ألْسُن، قاله ابن قتيبة)(1).

وقال أيضًا: (ويَردُّ أيضًا روايةَ التاء: أن شَهْرًا ليس متروكًا، بل وَثَّقَه كثيرٌ من أئمة السلف كابن حَنْبلٍ وابن مَعينٍ، وقال أبو زُرْعة: لا بأسَ به، وقال الترمذي عن البُخَاريّ: "شَهْرُ بن حَوْشَبٍ حَسَنُ الحديث" (2).

وأما ما ذُكِرَ من جَرْحِه أنه أخَذَ خريطةً من بيت المال .. فقد حَمَلَه العلماء المُحَقِّقُون على مَحْمَلٍ صحيحٍ، وقولُ أبي حاتم بن حبَّان (3):"إنه سَرَق من رفيقه في الحج عَيْبةً" غيرُ مقبولٍ عند المحققين بل أنكروه، والله أعلم) اهـ (4).

وأما ترجمته: فهو شَهْرُ بن حَوْشَب -بفتح الحاء المهملة والشين المعجمة- مولى أسماء بنت يَزِيد بن السكن، أبو سعيد ويُقال: أبو عبد الله وأبو عبد الرحمن وأبو الجَعد، الشامي الحمْصي -وقيل: الدمشقي- الأشعري، أَرْسَلَ عن مولاته أسماءَ وابن عَباسٍ وعائشة وأُمّ سلمة وجابرٍ وطائفةٍ، ويروي عنه (م عم) وقتادةُ وثابتٌ

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 93).

(2)

"سنن الترمذي"(5/ 56)، حديث رقم (2697).

(3)

"كتاب المجروحين"(1/ 361). وانظر "تهذيب الكمال"(12/ 582 - 583).

(4)

"وشرح صحيح مسلم"(1/ 93)، وهذا الأثر رواه الترمذي في "سننه" (5/ 56) في أوائل كتاب الاستئذان (9 - باب ما جاء في التسليم على النساء) عقيب حديث شَهْر بن حَوشَب عن أسماء بنت يَزيد (2697): أنبأنا أبو داود المصَاحفيُّ البَلْخي، أخبرنا النضْرُ بن شُمَيل، عن ابن عَوْن، قال: إن شَهرًا نَزَكوه. قال أبو داود: قال النضر: نزكُوه؛ أي: طَعَنُوا فيه وإنما طَعَنُوا فيه؛ لأنه وَليَ أمْر السلطان.

ص: 284

[37]

وَحَدَّثنا حَجاجُ بْنُ الشَّاعر،

ــ

والحَكَمُ وعاصمُ بن بَهْدَلة، وَثَّقَهُ ابنُ مَعين وأحمدُ.

وقال في "التقريب": صدوقٌ كثيرُ الإرسال والأوهام، من الثالثة، مات سنة اثنتي عشرة ومائة.

وقال النوويُّ: (إنَّ شَهْرًا وَثَّقَهُ كثيرون من كبار أئمة السلف أو أكثرُهم، فَممنْ وَثَّقَه أحمدُ بن حنبل ويحيى بن مَعين وآخرون، وقال أحمدُ بن حنبل: ما أحْسَنَ حديثَه! ووَثَّقَهُ، وقال أحمدُ بن عبد الله العجْلي: هو تابعيّ ثقة، وقال ابنُ أبي خيثمة عن يحيى بن مَعين: هو ثقَةٌ، ولم يذكر ابنُ أبي خيثمة غيرَ هذا، وقال أبو زرعة: لا بأسَ به، وقال الترمذي: قال محمدٌ يعني البُخَاري: شَهْرٌ حَسَنُ الحديث، وقَوَّى أمْرَه، وقال: إنما تَكَلَّمَ فيه ابنُ عَوْن، ثم روى عن هلال بن أبي زينب عن شَهْر، وقال يعقوبُ بن شيبة: شَهْرٌ ثقةٌ.

وقال صالحُ بن محمد: شَهْرٌ روى عنه الناسُ من أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الشام، ولم يُوقَفْ منه على كَذِب، وكان رجلا يَنْسُكُ -أي: يَتَعَبَّدُ- إلّا أنه روى أحاديثَ لم يَشْرَكْهُ فيها أحدٌ، فهذا كلامُ هؤلاء الأئمة في الثناء عليه) اهـ (1).

ثم استشهد المؤلفُ رحمه الله تعالى ثانيا بأثَر شُعْبَةَ فقال:

[37]

(وحَدثنا حَجاجُ بن الشاعر) وفي بعض النسخ: (وحَدثني).

قال النووي: (هو حَجَّاجُ بن يوسف بن حَجَّاج الثقفي، أبو محمد البغدادي المعروفُ بابن الشاعر، الحافظ الرحَّال، كان أبوه يوسفُ شاعرًا صَحبَ أبا نُواس، وحَجَّاجٌ هذا يُوافقُ الحَجَّاجَ بنَ يوسف بن الحكم الثقفي أبا محمد الواليَ الجائرَ المشهورَ بالظُّلْمِ وسَفْك الدِّماء، فيُوافقُه في اسمه واسم أبيه وكُنْيته ونَسَبه، ويُخَالفُهُ في جَدِّه وعَصْره وعدالته وحُسن طريقته)(2).

روى عن يونس المؤدِّب ورَوْح بن عُبادة وأبي النَّضْر وأبي علي الحنفي وعبد الرزاق

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 93).

(2)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 93).

ص: 285

حَدثنا شَبَابَةُ قَال: قَال شُعبَةُ: وَقَدْ لَقيتُ شَهْرًا فَلَمْ أَعْتَدَّ به.

[38]

وَحَدَّثَني مُحَمدُ بْنُ عَبْد الله بْن قُهْزَاذَ -منْ أَهْل مَرْوَ-

ــ

وشَبَابَة، ويروي عنه (م د) وقال (1): هو خيرٌ من مائة مثل الرمادي، ويروي عنه أيضًا المحاملي وابنُ أبي حاتم.

وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة تسعٍ وخمسين ومائتين.

قال الحَجَّاجُ: (حَدَّثنا شَبَابةُ) -بفتح الشين المعجمة وبالباءين الموحدتين- ابن سَوَّار أبو عَمْرو الفزَاري مولاهم، المدائني، أصلُه من خُراسان، قيل: اسمُه مروان وشَبَابَةُ لَقَبُه.

روى عن يونس بن أبي إسحاق وحريز بن عثمان، ويروي عنه (ع) وأحمد وعَبَّاس الدوري.

قال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ رُميَ بالإرجاء، من التاسعة، مات سنة أربعٍ أو خمس أو ستّ ومائتين.

(قال) شَبَابَةُ بن سَوَّار: (قال شُعْبةُ) بن الحَجاج العتكي البصريُ: (وقد لَقيتُ) أي: رأيتُ (شهْرًا) ابنَ حَوْشَب وعَلمْتُ حالهُ (فلم أَعْتد به) أي: فلم أهْتَمَّ برواية حديثه ولم أعْتَنِ به؛ لأنه ليس ممَّن يُكتب حديثه ولا ممَّن يُوثَقُ به في الحديث، ولم أحسب حديثَه من الأحاديث الصحيحة.

ورجالُ هذا السَّنَد ثلاثةٌ: واحدٌ منهم بغدادي، وواحدٌ مدائني، وواحد بصري.

وغرَض المؤلِّف منه: الاستشهادُ لمَا قَبله، والله أعلم.

ثم استشهد المؤلفُ رحمه الله تعالى لمَا قبلَه بأثَر سفيان الثَّوْري فقال:

[38]

(وحَدَّثني محمدُ بن عبد الله بن قُهْزَاذَ) المَرْوَزي أبو جابرٍ، ثقةٌ، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وستين ومائتين (من أهل مَرْوَ) بلدةٍ عظيمةٍ بخُراسان.

(1) أي: أبو داود انظر "تهذيب الكمال"(5/ 468).

ص: 286

قَال: أَخْبَرَني عَليُّ بْنُ حُسَين بْن وَاقدٍ، قَال: قَال عَبْدُ الله بْنُ الْمُبَارَك: قُلْتُ لسُفْيَانَ الثوْري: إن عَبَّادَ بْنَ كَثير

ــ

(قال) محمدُ بن عبد الله: (أخبرني عَلي بن حُسَين بن وَاقدٍ) بقاف القُرَشي أبو الحَسَن المَرْوَزي.

روى عن أبيه وهشام بن سَعْد وابن المبارك، ويروي عنه (من عم) وسوَيد بن نَصْر وعلي بن خَشْرَم وغيرُهم، قال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث.

وقال في "التقريب": صدوقٌ يَهمُ، من العاشرة، مات سنة إحدى عشرة ومائتين.

(قال) علي بن حُسَين: (قال عبدُ الله بن المبارك) بن واضح الحنظلي مولاهم، أبو عبد الرحمن المَرْوَزي، أحدُ الأئمة الأعلام:(قلتُ لسفيانَ) بن سعيد بن مسروق (الثوْري) أبي عبد الله الكوفي أحَد الأئمة الأعلام: (إن عَبادَ بنَ كثيرٍ) الثقفي البصري.

روى عن أيوبَ السخْتياني ويحيى بن أبي كثير وعَمْرو بن خالد الواسطي وثابت البُناني وعبد الله بن طاوس وأبي الزبير وأبي الزناد وغيرهم، ويروي عنه إبراهيمُ بن طَهْمان وأبو خيثمة -وهما من أقرانه- وإسماعيلُ بن عَياش وغيرُهم.

قال أبو طالب عن أحمد: هو أسوَأُ حالًا من الحَسَن بن عمارة وأبي شَيبة، رَوَى أحاديثَ كذب لم يَسْمَعْهَا، وكان صالحًا، قلتُ: فكيف روى ما لم يَسْمَعْ؟ قال: البَلَهُ والغَفْلَةُ (1).

وقال الدُّوري عن ابن مَعين: ضعيف الحديث وليس بشيء، وقال ابنُ أبي مريم

(1) هكذا وقع هنا تبعًا لما في "تهذيب التهذيب"(5/ 100): (البَلَهُ والغَفلَةُ)، وفي "تهذيب الكمال" (14/ 146):(البلاء والغفلة)، ولعل الصواب كما في "الجرح والتعديل" (6/ 85):(البلاء الغفلة)، والله أعلم.

ص: 287

مَنْ تَعْرِفُ حَالهُ، وإذَا حَدَّثَ .. جَاءَ بأمْرٍ عَظيمٍ، فتَرَى أَنْ أَقُولَ للناس: لَا تأخُذُوا عَنْهُ؟ قَال سُفْيَانُ: بَلَى، قَال عَبْدُ الله: فَكُنْتُ

ــ

عن ابن مَعِين: لا يُكتب حديثه، وقال ابنُ أبي حاتم عن أبيه: كان يسكن مكة، ضعيف الحديث، وفي حديثه عن الثقات إنكارٌ، وعن أبي زُرْعة: لا يُكتب حديثه، كان شيخًا صالحًا، لا يضبط الحديث.

وذَكَرَه البخاري في "الأوسط"(2/ 81) في فصل: مَنْ مات ما بين الأربعين إلى الخمسين ومائة، وقال: سكتوا عنه، وقال العجْلي: ضعيفٌ متروكُ الحديث، وكان رجلا صالحًا.

- وقال في "التقريب": من السابعة، مات بعد الأربعين ومائة، وروى عنه (د ق).

ورجالُ هذا السَّنَد أربعةٌ، ومن لطائفه: أن رجاله كُلهم مَرْوَزيُّون إلا سفيان الثوْري فهو كوفي.

(مَنْ تَعْرِفُ حالهُ) وضَعْفَه، بالتاء المُثَنَّاة فوقُ خطابًا لسفيان، يعني أنتَ عارفٌ بضَعْفه. (وإذا حَدَّثَ) للناس حديثًا ( .. جاءَ) عَبادٌ (بأمر عظيم) أي: بكَذبٍ عظيمٍ وافتراءٍ شديدٍ، فهو لا يَتَوَرَّعُ عن الكَذب ولا يُبالي في حديثه أَصَدَقَ أم كَذَب، أَ (فَتَرَى) يا سفيانُ، بتقدير همزة الاستفهام من الرأْي؛ أي: أفتَعْتَقدُ رَأْيًا سديدًا وقولًا حقًّا (أنْ أقولَ للناس) الذين يَرْوُون عنه الحديثَ (لا تَأخُذُوا) أيها الناس (عنه؟ ) أي: عن عَبَّاد بن كثير، ولا تَرْوُوا عنه الأحاديثَ؛ لأنه ليس من أهل الحديث؛ لئلّا يَغْتَرُوا بحديثه ويَضِلُّوا به، نصيحةً لهم وذَبًّا عن الذين وحفْظًا للسُّنَّة المطَهَّرة.

(قال سفيانُ) الثوْري: (بلى) أي: نَعَمْ أرى ذلك رأيا سديدًا وقولا حقًّا، (بَلَى) هنا بمعنى (نَعَمْ) التي للتصديق لا لنفي النفي؛ لعدم سبقها بالنفي.

قال عليُّ بن الحُسَين: (قال) لنا (عبدُ الله) بن المبارك: (فكنتُ) أنا بعد ذلك

ص: 288

إذَا كُنْتُ في مَجْلسٍ ذُكرَ فيه عَبَّادٌ .. أَثْنَيتُ عَلَيه في دينه وَأَقُولُ: لَا تَأخُذُوا عَنْهُ.

وَقَال مُحَمَّدٌ: حَدثنا عَبْدُ الله بْنُ عُثْمَانَ، قَال: قَال أَبي: قَال عَبْدُ الله بْنُ الْمُبَارَك: انتهَيتُ إلَى شُعْبةَ فَقَال:

ــ

(إذا كنتُ في مجلس) وحلقةٍ (ذُكرَ فيه) أي: في ذلك المجلس (عَبادُ) بن كثيرٍ ( .. أثْنَيتُ عليه) بالخير والصلاح (في دينه) وكثرة عبادته وشدة أمانته ويقينه (وأقولُ) بعد ثنائي عليه وذكْره بالخير: ولكنْ (لا تَأخُذُوا) ولا تَرْوُوا (عنه) أي: عن عَبَّادٍ الحديثَ؛ لأنه ليس من أهله؛ لقلَّة ضَبْطه وإتقانه، وكثرة غَفْلَته وخَطئه، واتّهام الناس له بالوَضْع والكَذب.

ثم ذكر المؤلفُ رحمه الله تعالى شاهدًا لأثر سفيان فقال:

(وقال) لنا (محمدُ) بن عبد الله بن قُهْزَاذَ المَرْوَزي من الحادية عشرة: (حَدثنا عبدُ الله بن عثمانَ) بن جَبَلَة -بفتح الجيم والموحدة- ابن أبي رَوَّاد -بفتح الراء وتشديد الواو- الأزدي العَتكي -بفتح المهملة والمثناة- نسبة إلى بطن من الأزد يُسمى العَتيك، أبو عبد الرحمن المروزي الحافظ المُلَقَّب بعَبْدان.

روى عن مالكٍ وشُعْبةَ وابن المبارك، ويروي عنه (خ م دت س) والذهْلي وخَلْق.

وقال في "التقريب": ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة إحدى وعشرين ومائتين في شعبان.

(قال) عبدُ الله بن عثمان: (قال أبي) عثمانُ بن جَبَلَة بن أبي رَواد العَتكى مولاهم، المَرْوَزي.

روى عن عَمِّه عبد العزيز وقُرَّةَ بن خالد، ويروي عنه (خ م س) وابناه عبدان وعبد العزيز وأبو جعفر النَّفَيلي، وَثَّقَهُ أبو حاتم.

وقال في "التقريب": ثقةٌ، من كبار العاشرة، مات على رأس المائتين.

(قال) لنا (عبدُ الله بن المبارك) المَرْوَزي: (انْتهَيتُ) أي: وَصَلْتُ (إلى شَعْبةَ) بن الحَجَّاج العتكي البصريّ وعَبادُ بن كثيرٍ جالس عنده، (فقال) لنا شعبةُ:

ص: 289

هَذَا عَبَّادُ بْنُ كَثيرٍ فَاحْذَرُوهُ.

[39]

وَحَدَّثَني الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ قَال: سَألْتُ مُعَلَّىً الرازيَّ عَنْ مُحَمد بْن سَعيدٍ

ــ

(هذا) الشخصُ الحاضرُ عندنا هو (عَبَّادُ بن كثير) الثقفي البصري الوَضَّاعُ الكَذَّابُ في الحديث (فاحْذَرُوه) أي: فاحْذَرُوا حديثَه واجْتَنبُوه ولا تَرْوُوا عنه؛ فإنه ضعيف يروي مناكيرَ عن الثقات، وليس أهلا للحديث، وهو يسمع كلامه.

وهذا السَّنَدُ من خماسياته، ومن لطائفه: أن رُواتَهُ كُلهم مَرْوَزيُّون إلا شُعبة فإنه بصري. وغَرَضُه بسَوْق هذا السنَد: بيانُ متابعة عثمان بن جَبَلة لعَليِّ بن حُسَين عن عبد الله بن المبارك، أو غَرَضُه استشهادُه لسفيان بشُعْبة.

ثم ذكر المؤلِّفُ رحمه الله تعالى المتابعةَ لعبد الله بن المبارك فقال:

[39]

(وحَدَّثني الفَضْلُ بن سَهْل) بن إبراهيم الأعرج أبو العباس البغدادي الحافظ.

روى عن أبي أحمد الزُّبَيري وَيزيد بن هارون وعَفَّان ومحمد بن بشْر، ويروي عنه (خ م دت س) وابنُ مخلد والمحاملي. وكان ذكيًّا يحفظُ.

وقال في "التقريب": صدوقٌ، من الحادية عشرة، مات سنة خمس وخمسين ومائتين.

(قال) الفضل: (سَألْتُ معَلَّى) بنَ منصور (الرازي) أبا يعلى الحنفي الحافظَ الفقيهَ.

روى عن مالكٍ والليث وسُلَيمَانَ بن بلال وهُشَيمٍ وحَماد بن زيد وغيرهمْ، ويروي عنه (ع) وابنُه يحيى وأبو خيثمة وأبو بكر بن أبي شيبة وابنُ المَديني وغيرُهم.

قال في "التقريب": ثقةٌ سُني فقيهٌ، طُلبَ للقضاء فامْتَنَع، من العاشرة، مات سنة إحدى عشرة ومائتين على الصحيح.

(عن محمد بن سعيد) بن حسان بن قيس الأسدي -ويقال: الأزدي- الشامي الدمشقي المصلوب، ويقال: محمد بن سعيد بن عبد العزيز، ويُقال له: ابن أبي عُتبة، ويُقال: ابن أبي قيس، ويُقال: ابن أبي حسان، ويُقال: ابن الطبري، ويقال له غير ذلك في نَسَبِه، كنيتُه: أبو عبد الرحمن، ويُقال: أبو عبد الله، ويُقال: أبو قيس، وقد يُنْسَبُ لَجَدِّه، وقيل: إنهم قَلَبُوا اسمَه على مائة وَجْهٍ ليَخْفَى.

ص: 290

الذي رَوَي عَنْهُ عَبَّادٌ، فَأخْبَرَنِي عَنْ عيسَى بْن يُونس قَال: كُنْتُ عَلَى بَابه وَسُفْيَانُ عنْدَهُ، فَلَما خَرَجَ .. سَأَلْتُهُ عَنْهُ، فأخْبَرني

ــ

روى عن عبد الرحمن بن غَنْم من وجْهٍ ضعيف وعُبادة بن نُسَي وربيعة بن يَزيد وغيرهم، ويروي عنه (ت ق) وابنُ عجلان والثوري وسعيدُ بن أبي هلال ومروانُ بن معاوية ويحيى بن سعيدٍ الأُموي وغيرُهم، كَذَّبُوه، وقال أحمدُ بن صالح: وَضَعَ أربعةَ آلاف حديث.

وقال دُحَيْم: سمعتُ خالدَ بن يزيدَ الأزرقَ يقول: سمعتُ محمدَ بن سعيدٍ الأُرْدُني يقول: إذا كان الكلام حَسَنًا .. لم أُبال أنْ أجْعَلَ له إسنادًا. وقال العُقَيلي: يُغَيِّرُون اسمَه إذا حَدَّثُوا عنه.

وقال النَّسائيُّ: الكَذَّابونَ المعروفون بوَضْع الحديث أربعةٌ: إبراهيمُ بن أبي يحيى بالمدينة، والواقديُّ ببغداد، ومُقاتل بخُراسان، ومحمدُ بن سعيدٍ بالشام.

وقال عبدُ الله بن أحمدَ عن أبيه: قتَلَه المنصورُ على الزندقة وَصَلَبَه.

وقال في "التقريب": من السادسة.

وقولُه: (الذي) صفةٌ لمحمد بن سَعيدٍ؛ أي: الذي (رَوَى عنه عَبادُ) بن كثيرٍ (فأخْبَرَني) مُعَلّى بن منصورٍ (عن عيسى بن يُونُس) بن أبي إسحاق السبيعى -بفتح المهملة وكسر الموحدة- أخي إسرائيل أبي عَمْرو الكوفي، أحَد الأئمة الأعلام.

روى عن أبيه وأخيه إسرائيلَ وإسماعيلَ بن أبي خالد وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع) وحَمَّادُ بن سلمة وهو أكبرُ منه، وابنُ وَهْبٍ وابنُ المَديني وغيرُهم، وثَّقَه أبو حاتم، وقال ابنُ المَديني: بخ بخ ثقة مأمون.

وقال في "التقريب": ثقة مأمون، من الثامنة، مات سنة إحدى وتسعين ومائة، وقيل: سنة سبع وثمانين ومائة.

(قال) عيسى بن يونس: (كنتُ) أنا يومًا واقفًا (على بابه) أي: على باب محمَّد بن سعيدٍ (وسفيانُ) بن سعيدٍ الثوْري جالس (عندَه) أَي: عندَ محمد بن سعيد، (فلمَّا خَرَجَ) سفيانُ الثوري من عند محمد بن سعيدٍ ( .. سألتُه) أي: سألتُ سفيانَ الثوري (عنه) أي: عن حال محمد بن سعيدٍ هل هو ثقة أم لا؟ (فأخبرني)

ص: 291

أنَّه كَذَّابٌ.

[40]

وَحَدَّثَني مُحَمدُ بْنُ أَبي عَتابٍ، قَال: حَدَّثَني عَفانُ،

ــ

سفيانُ الثوريُّ: (أنه) أي: أن محمدَ بنَ سعيدٍ هذا هو (كَذاب) وَضَّاعٌ في الحديث، ليس بثقةٍ ولا مأمون، فلا تأخذوا عنه الحديثَ ولا تَرْوُوا حديثَه.

وغَرَضُ المؤلِّف رحمه الله تعالى بسَوْق هذا السنَد: بيانُ متابعة عيسى بن يونس لعبد الله بن المبارك في رواية هذا الأثر عن سفيان الثوْري، وكَررَ المتنَ لمَا بين الروايتَين من المخالفة في الكلمات، وهذا السنَدُ من رُباعياته، وفيه روايةُ بغدادي، عن رازي، عن كوفي، عن كوفي.

ثم استشهد المؤلِّفُ رحمه الله تعالى لمَا تقدمَ في كَشْف معايب الرواة بأثَر يحيى بن سعيد القطان فقال:

[40]

(وحَدَّثَني مُحَمَّدُ بن أبي عَتَّاب) بالعين المهملة البغدادي، أبو بكرٍ الأعينُ، واسمُ أبي عَتابٍ: طريفٌ، وقيل: الحسن بن طريف.

روى عن رَوْح بن عُبادة وأسود بن عامر وعبد الصمد بن النعمان وزَيد بن الحُباب وغيرهم.

ويروي عنه (من ت) وأبو داود في غير "السُّنَنِ" وأبو زُرْعة وأبو حاتم وغيرُهم.

قال عبد الخالق بن منصور عن ابن مَعين: ليس هو من أصحاب الحديث، وقال الخطيبُ: عَنَى بذلك أنَّه لم يكن من الحُفاظ لعلَله والنقاد لطُرقه مثْل علي بن المديني ونحوه، وأما الصِّدْقُ والضبْطُ لمَا سَمعَهُ .. فلم يكن مدفوعًا عنه.

وقال في "التقريب": صدوقٌ، من الحادية عشرة، مات سنة أربعين ومائتين.

(قال) محمدُ بن أبي عَتَّابٍ: (حَدَّثَني عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الأنصاري مولى عَزْرة بن ثابت أبو عثمان الصفار البصري، أحَدُ الأئمة الأعلام.

روى عن هشام الدَّسْتَوَائي وشُعْبة وهَمام وحَمَّاد بن سلمة وطبقتهم، ويروي عنه (ع) وإبراهيمُ الحربي وأبو زُرْعة وأحمدُ وإسحاقُ وابنُ مَعين وغيرُهم.

قال العجْلي: ثقةٌ ثَبْتٌ صاحبُ سُنَّة، وقال في "التقريب": ثقة ثَبْتٌ من كبار

ص: 292

عَنْ مُحَمَّد بْن يَحْيَى بْن سَعيدٍ الْقَطَّان، عَنْ أَبيه قَال: لَمْ نَرَ الصَّالحينَ في شَيءٍ أَكْذَبَ منْهُمْ في الْحَديث

ــ

العاشرة، قال ابنُ المَديني: كان إذا شَكَّ في حَرْفٍ من الحديث .. تَرَكَه، ورُبما وَهِمَ، وقال ابنُ عَدِي: اخْتَلَطَ سنةَ تسعَ عشرة، ومات سنة عشرين ومائتين قاله البخاري وأبو داود ومُطَيّن، وليس في مسلم (عَفَّان) إلا هذا الثقة الفاضل.

(عن محمد بن يحيى بن سعيدٍ القَطَّان) أبي صالحٍ البصري وَلَد العالم المشهور.

روى عن أبيه ومُعاذ بن مُعاذ وفُضَيْل بن عياض وابن عُيَينة وابن مهدي وغيرهم، ويروي عنه (مق) وعُبَيدُ الله بن معاذ ومحمدُ بن يحيى بن أبي حاتم الأَزْدي -وهُما من أقرانه- وصالح وأحمد ابنا محمد بن يحيى بن سعيد القطان وطائفةٌ، وثَّقَهُ ابنُ حبَّان.

وقال في "التقريب": ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة ثلاثٍ وثلاثين ومائتين على الصحيح.

(عن أبيه) يحيى بن سعيدٍ القطَّان أبي سعيدٍ الأحول التميمي الحافظ الحُجَّة.

قال في "التقريب": ثقةٌ مُتْقنٌ حافظٌ إمام قُدْوَةٌ، من كبار التاسعة، مات سنة ثمانٍ وتسعين ومائة، وله ثمان وسبعون سنة.

وهذا السَّنَدُ من رُباعياته، ومن لطائفه: أن رجالهُ كُلهم بصريون إلا محمد بن أبي عَتَّاب فهو بغدادي كما مَر.

(قال) أبوه يحيى بن سعيدٍ القطَّانُ: (لم نَرَ الصالحين) قال النووي: (ضبَطْناهُ هُنا بالنون، وفي الموضع الآتي بالتاء المثنّاة فوق)(1) أي: لم نَعْلَم الصالحين؛ أي: العُبَّادَ الزُّهَّادَ المُراعين لحقوق الله وحقوق العباد (في شَيء) من أُمور الدين والدنيا (أكْذَبَ منهم في الحديث) أي: لم نَعْلَم الصالحين أكثرَ كَذبًا وخطأً في شيءٍ من أُمور الدين والدنيا من كَذبهم وخَطَئهم في رواية الحديث، حتى يَضَعُوا الأحاديثَ في الترغيب والترهيب بقَصْد الإرشاد للأمة والنصيحة لهم.

قال النووي: (ومعناه: ما قاله مسلمٌ: إنَّه يجري الكذبُ على ألسنتهم

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 94).

ص: 293

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

ولا يتعمَّدُونه؛ لكَونِهم لا يُعَانُون صناعةَ أهل الحديث، فيقَعُ الخطأ في رواياتهم ولا يعرفونه، ويَرْوُون الكذب ولا يعلمون أنه كَذِبٌ، وقد قدمْنا أن مذهبَ أهل الحق أن الكَذِبَ هو الإخْبَارُ عن الشيء بخلاف ما هو عليه عَمْدًا كان أو سَهْوًا أو غَلَطًا) اهـ (1).

وقال القاضي عيَاضٌ: (يعني أنهم يُحَدِّثون بما لم يَصِحَّ لقلَّة معرفتهم بالصحيح، والعِلْم بالحديث، وقِلَّة حفْظهم وضَبْطهم لما سَمعُوه، وشُغلِهم بعبادتهم، وإضْرابهم عن طريق العلم، فكَذَبُوا من حيثُ لم يَعْلمُوا وإنْ لم يتَعَمَّدُوا

وقد يقَعُ في الكَذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مَنْ غَلَبَتْ عليه العبادةُ ولم يكن معه علْمٌ فيَضَعُ الحديثَ في فضائل الأعمال ووجُوه البر، ويتساهلون في رواية ضعيفها ومُنْكَرِها وموضوعاتها، كما قد حُكيَ عن كثير منهم واعترفَ به بعضُهم، وهم يَحْسَبُون -لقلة علْمهم- أنهم يُحْسنُون صُنْعًا.

ورُبَّما احْتَجُّوا في ذلك بالحديث المأثور عن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعُه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا حُدِّثتم عني حديثًا تعرفونه ولا تُنْكرونهُ .. فَصدِّقُوا به قُلْتُه أو لم أقُلْهُ؛ فإني أقولُ ما يُعرف ولا يُنكر" وهو حديثٌ ضعَّفَه الأصيلي وغيرُه من الأئمة، وتأوَّلَهُ الطَّحَاوي وغيرُه، ومعناه -لو صحَّ ظاهره- وهو: أنه ما جاءَ عنهُ موافقًا لكتاب الله تعالى وما عُرِفَ من سُنَّته غَيرَ مُخَالف لشريعته ولا تَحَقَّقَ أنَّه قاله بلَفْظِه فيُصَدَّق به أي بمعناه لا بلفظه؛ إذْ قد صَحَّ من أُصول الشريعة أنه

(1) المصدر السابق، وجاء في "الحل المفهم لصحيح مسلم" (1/ 15 - 16) ما يلي:

(في تقرير المكي: قوله: "لم نَرَ الصالحين" وهم الذين يُحسنُون الظن بالناس لصلوحهم في أنفسهم، فلا يُميزون بين الصادق والكاذب، بل يَرْوون عن كل مَنْ يَدعي الحديث، فلهذا -أي: لعدم تحقيقهم- يكون أكثر رواياتهم كاذبةً ولا يعرفون به. اهـ

وكتب عليه العلامة السّنْدي رحمه الله تعالى: قوله: "يجري الكذبُ على لسانهم" أي: لأنهم لكثرة اشتغالهم بالعبادة لا يتفرَّغُون لحفْظ الحديث، ولحُسْن نيتهم في نشر العلم لا ينتهون عن روايته فيقعون فيما يقولون) اهـ.

ص: 294

قَال ابْنُ أَبي عَتَّابٍ: فَلَقيتُ أَنَا مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْن سَعيدٍ الْقَطَّان، فَسَألْتُهُ عَنْهُ فَقَال عَنْ أَبيه: لَمْ تَرَ أَهْلَ الْخَير في شَيءٍ أَكْذَبَ منْهُمْ في الْحَديث.

قَال مُسْلمٌ: يَقُولُ: يَجْري الْكَذبُ عَلَى لسَانهمْ وَلَا

ــ

لا يُصَدَّق به؛ لاحتمال أنه قاله بغير هذا اللفظ، ولا يُكَذب به؛ إذ قد يحتمل أنه قاله) اهـ (1).

(قال) محمدُ (ابنُ أبي عَتَّاب) البغدادي: (فَلقيتُ) بضمّ التاء للمتكلم، وقولُه:(أنا) تأكيد لتاء المتكلم، أتَى به دفْعًا لما قد، يتَوَهَّمُ أنه بفتح التاء للمخاطَب؛ أي: رأيتُ أنا (مُحَمَّدَ بنَ يحيى بن سعيدٍ القَطَّان) بعدما رَوَى لي عنه عَفَّانُ بن مسلم، وغَرَضُه بهذا الكلام: بيانُ عُلُوِّ سَنَده، وقولُه:(القطَّان) مجرورٌ صفةٌ لـ (يحيى)، وليس منصوبًا على أنه صفة لـ (محمد)، والله أعلم قاله النووي (2)؛ لأن (القطَّان) صيغةُ نَسَبٍ ليحيى بن سعيد؛ لأن معناه: صاحب قطن؛ لأنه كان يبيعُها على ما قيل، والله أعلم.

(فسألتُه) أي: سألتُ محمد بن يحيى (عنه) أي: عن الأثَر الذي حَدَّثَنيه عنه عَفَّانُ بن مسلمٍ (فقال) لي محمدُ بن يحيى مُشَافَهَةً بلا واسطة حالةَ كونه راويًا لي هذا الأثر (عن أبيه) يحيى بن سعيدٍ القَطَّان: (لم تَرَ) أنتَ بتاء الخطاب لا بالنون كما في الرواية الأولى؛ أي: لم تَرَ أنتَ أيها المُخَاطَبُ (أهلَ الخير) والصلاح والعبادة (في شَيء) من أُمور الدين والدنيا، والجار والمجرورُ متعلق بقوله:(أكْذَبَ) أي: أكثرَ كَذبًا في شيءٍ (منهم) أي: منْ كَذبهم (في الحديث) أي: لم تَرَ أهلَ الخير والعبادة في شيءٍ أكذبَ منهم في الحديث، يعني به الغلطَ والخطأ، كما فَسرَهُ مسلم بذلك حين قال على سبيل التجريد:

(قال مسلمُ) بن الحَجَّاج رحمه الله تعالى: (يقولُ) أي: يُريدُ يحيى بن سعيدٍ القَطَّانُ بقوله: (لم تَرَ أهلَ الخير في شيءٍ أكْذَبَ منهم في الحديث): (يَجْري الكَذبُ على لسَانهم) أي: يَقَعُ منهم الكَذبُ خَطأً وغَلَطًا، (و) الحالُ أنهم (لا

(1)"إكمال المعلم"(1/ 135 - 136).

(2)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 94).

ص: 295

يَتَعَمَّدُونَ الْكَذبَ.

[41]

حَدَّثَني الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، قَال: حَدثنا يَزيدُ بْنُ هَارُونَ، قَال: أَخْبَرَني خَليفَةُ بْنُ مُوسَى

ــ

يَتَعَمَّدُون الكَذِبَ) بما جَرَى على لسانهم ولا يَقْصدُونه، بل يقصدون به الترغيبَ والترهيبَ إرشادا للناس وتذكيرًا وعظَةً لهم.

قال القرطبيُّ: (وسَبَبُ هذا: أن أهلَ الخير غَلَبَتْ عليهم العبادةُ، فاشتغلوا بها عن الرواية، فنَسُوا الحديثَ، ثم إنهم تعرَّضوا للحديث فغَلِطُوا، أو كَثُرَ عليهم الوَهَمُ فتُرِكَ حديثُهم؛ كما اتَّفقَ للعمري وفَرْقد السَّبخي وغيرهما) اهـ (1).

وَغَرضُ المؤلِّف بسوق هذا السند: بيانُ عُلُو سَنَده بعد نزوله ببيان مُشافهة ابن أبي عَتَّابٍ لمحمد بن يحيى بعدَ روايته عنه أولًا بواسطة عَفان بن مسلم، وكَرَّرَ المَتْنَ؛ لمَا في الرواية الثانية من المُخالفة للرواية الأولى في بعض الكلمات، فلا اعتراضَ عليه في التكرار؛ لأنه كان لغَرَض.

ثم استشهد المؤلِّف رحمه الله تعالى لمَا تَقَدمَ بأثَر خليفة بن موسى فقال:

[41]

(حَدَّثَني الفَضْلُ بن سَهْل) بن إبراهيم الأعرجُ أبو العباس البغدادي، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة خمسٍ وخمسين ومائتين.

(قال) الفَضْلُ بن سَهْل: (حَدثَنا يَزيدُ بن هارونَ) بن زاذان السُّلَمي مولاهم، أبو خالدٍ الواسطي، أحَدُ الأئمة الأعلام المشاهير.

روى عن سليمان التَّيمي وحُمَيد الطويل والجُرَيري وغيرهم، ويروي عنه (ع) وأحمد وإسحاقُ وابنُ مَعين وعليُّ بن المَديني وابنا أبي شَيبة وآخرون، قال أحمد: كان حافظًا مُتْقنًا. وقال العجْلي: ثقة ثَبْت. وقال أبو حاتم: إمام لا يُسأل عن مثْله.

وقال في "التقريب": ثقة مُتْقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومائتين، وقد قارب التسعين.

(قال) يَزيدُ بن هارون: (أخبرني خليفةُ بن موسى) بن راشد العُكْلي بضم

(1)"المفهم"(1/ 127 - 128).

ص: 296

قَال: دَخَلْتُ عَلَى غَالب بْن عُبَيد الله،

ــ

المهملة وسكون الكاف نسبة إلى العُكْل بطن من تميم -قال ابنُ الأثير: وإنما عُكْل اسم أمَةٍ لامرأةٍ من حمْيَر كما في "اللباب"(2/ 352) - الكوفي.

روى عن الشَّرْقيّ بن قُطَاميّ وغالب بن عُبَيد الله الجَزَري ومحمد بن ثابت البُناني، ويروي عنه ابنُ أخيه محمد بن عَباد بن موسى ويَزيدُ بن هارون.

قال في "التقريب": مستورٌ من السابعة.

(قال) خليفةُ بن موسى: (دَخَلْتُ علي غالب بن عُبَيد الله) العُقيليِّ الجَزَري.

روى عن عطاءٍ ومكحولٍ ومجاهدٍ، ويروي عنه يحيى بن حمزة ويعلى بن عُبَيد وعَمْرُو بن أيوب الموصلي وآخرون، وسمعَ منه وَكيعٌ وتَرَكَهُ لكَوْنه قال: حدثنا سعيد بن المسيب والأعمش، وقال ابنُ مَعين: ليس بثقة، وقال الدارقطنيُ وغيرُه: متروك.

روى عَمْرُو بن أيوب عن غالب الجَزَري عن نافع عن ابن عُمَرَ: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أرادَ أن يأكل دجاجة .. أمرَ بها فرُبطَتْ أيامًا ثم يأكلها بعد ذلك).

وبه: (كان يُقَبِّلُ وهو صائم ولا يُعيدُ الوضوء).

وقال ابنُ حبَّان: روى غالبٌ عن عطاءٍ عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى معاوية سَهْمًا فقال: "هاك هذا حتى تُوافيني به في الجنة".

قلتُ: ولم يوصله ابنُ حِبَّان إليه، أنبأنا به عبد الرحمن بن قدامة الفقيه قال: أخبرنا عمر بن محمد، أخبرنا هبة الله بن أحمد الجَوبري، أخبرنا أبو إسحاق البرمكي، أخبرنا أبو عمر بن حَيُّويَهْ، أخبرنا عبد الله بن إسحاق المدائنى، حدثنا إسحاق بن أحمد العلاف، حدثنا موسى بن إسماعيل المنْقَريُّ، عن غالب بن عُبَيد الله، عن عطاء، عن أنسٍ: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخَذَ سهمًا من كنانته فناوله معاويةَ وقال: "ائتني به في الجنة"، كذا قال عطاءٌ عن أنس.

وبه إلى المدائني: حدثنا عمر بن شبّة، حدثنا وضاح حدثنا الوزير، عن غالب، عن عطاء، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نَاولَ معاويةَ سهمًا

الحديث.

ص: 297

فَجَعَلَ يُمْلي عَلَيَّ: حَدَّثَني مَكْحُولٌ حَدَّثَني كَذَا، فَأخَذَهُ الْبَوْلُ فَقَامَ، فَنَظَرْتُ في الْكُراسَة؛

ــ

وهذا حديثٌ موضوعٌ، رواه الأصَمُّ عن عباس الدوري، حدثنا الوَضَّاح بن حسان الأنباري، حدثنا وزير بن عبد الله نحوه، والوضَّاحُ ضعيفٌ. اهـ ("الميزان" (3/ 3321 - 332).

(فجَعَلَ) غالبُ بن عُبَيد الله (يُمْلي) ويَقْرأُ (عَلَي) والإملاءُ: حكايةُ القول لمَنْ يَكْتُبُه، والتلقينُ: حكاية القول لمَنْ يقولهُ حالةَ كَوْنه يقول في إملائه علي: (حَدثني مَكْحُول حَدَّثَني كذا) وكذا، وفي بعض النُّسَخ:(حَدثَني مَكْحُولٌ حَدثَني مَكْحُولٌ) بالتكرار بلا ذكْر لفظة (كذا).

وأما مكحولٌ: فهو مكحول الشامي أبو عبد الله، روى عنه (م عم).

قال في "التقريب": ثقة فقيه كثيرُ الإرسال مشهور، من الخامسة، مات سنة بضع عشرة ومائة.

وقولُه: (فأخَذَه البولُ) معطوفٌ على (جَعَل) أي: فأخذ غالبا البولُ؛ أي: دَافَعَه البولُ وضَغَطَهُ وأزعجه وأحْوَجَهُ إلى الخُروج (فقام) غالبٌ من مجلسه فخَرجَ لإخراج البول وتَرَك الكُراسة التي يملي عنها علي في مجلسه (فنظَرتُ في الكُراسَة) حين خرج.

قال النووي: (وأما الكُرَّاسةُ آخرها هاء .. فمعروفةٌ، قال أبو جعفر بن النحاس في كتابه "صناعة الكتاب": "الكراسة معناها: الكُتُبُ المضمومُ بعضُها إلى بعض والوَرَقُ الذي قد أُلْصِقَ بعضُه إلى بعض، مشتقٌّ من قولهم: رَسْمٌ مُكَرسٌ إذا أَلْصَقَت الريحُ التُّرابَ به، قال: وقال الخليلُ: الكُرَّاسةُ مأخوذةٌ من أكْرَاس الغَنَم وهو أن تَبُولَ في الموضع شيئًا بعد شيء فيتَلبَّد، وقال أقضى القضاة الماوردي: أصلُ الكُرَّاس: العلْمُ، ومنه قيل للصحيفة يكون فيها عِلْمٌ مكتوبٌ: كُراسة، والله أعلم) اهـ (1).

قلت: وهي المعروفةُ الآن عند أهل المطابع بـ (الملْزَمة) 16 صفحة.

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 95).

ص: 298

فَإذَا فيهَا: حَدَّثَني أَبَانٌ عَنْ أَنَسٍ، وَأَبَانٌ عَنْ فُلانٍ، فترَكْتُهُ وَقُمْتُ

ــ

(فإذا فيها) أي: في الكُرَّاسَة: (حَدثَني أبانُ) بن أبي عياش فيروز أبو إسماعيل، مولى عبد القيس، البصري.

روى عن أنس فأكثر، قال الفلاس: متروك الحديث، وقال أحمد بن حنبل: متروك الحديث، ترك الناس حديثه منذ دهر، روى عنه (د).

ولفظُ (أبان) فيه وجهان لأهل العربية (1):

أحدهما: الصَّرْفُ على جَعْل الهمزة فيه أصليةً فيكون وزنه فَعالًا وهو الصحيح، وهو الذي اختاره الإمام محمد بن جعفر في كتابه "جامع اللغة" والإمام أبو محمد بن السَّيد البَطَلْيَوْسي.

الوجه الثاني: عدمُ الصرف للعلمية ووزن الفعل على جَعْل الهمزة فيه زائدةً فيكون أصلُه فعلًا ماضيًا على وزن أفعل، وعلى هذا: قال بعضُهم: من صَرف أبَانَ .. فهو أتَان (2).

(عن أنسِ) بن مالك الأنصاري الخَزْرَجِيِّ النجَّاريِّ خادمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي حمزة البصري، مات سنة اثنتين أو ثلاث وتسعين، وهو آخرُ مَنْ مات بالبصرة من الصحابة.

(و) حدثني (أبانٌ عن فُلانٍ) وفلانٍ كذا وكذا، والمعنى: فلما قام لبوله .. نظَرْتُ في الكُراسة التي يُمْلي عَلَيَّ منها فإذا في الكُرَّاسة: (حَدَّثَني أبان عن أنسٍ وأبَان عن فُلانٍ) بدلَ ما يُمْلي عليَّ بقوله: حدثني مكحول حدثني مكحول (فَتَرَكْتُه) أي: فتَرَكْتُ غالبَ بنَ عُبيد الله (وَقُمْتُ) من عنده؛ لظُهور كَذبه لي بمخالفة إملائة لمَا في الكُراسة.

(1) انظر المصدر السابق، و"تهذيب الأسماء واللغات"(1/ 97)، و"صيانة صحيح مسلم"(ص 128).

(2)

لكن قال الحافظ الزبيدي في "تاجِ العروس"(9/ 117): (وقال بعضُ أئمة اللغة: مَن لم يَعرف صَرْفَ أبان .. فهو أتان. نقله الشهابُ رحمه الله في "شرح الشفاء").

ص: 299

قَال: وَسَمعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَليٍّ الْحُلْوَانيَّ يَقُولُ: رَأَيتُ في كتَاب عَفَّانَ حَديثَ هشَامٍ أَبي الْمقْدَام

ــ

وعبارة السنوسي رحمه الله: (يعني تركتُه لمخالفة ما أَمْلَى بلسانه وهو: "حَدثَنا مكحولٌ

" لما في كُرَّاسه وهو: حَدثنا أبَان عن أنس) اهـ (1).

وهذا السَّندُ من ثُلاثياته في الأثَر، ورجالُه بغدادي، عن واسطي، عن كوفي.

ثم استشهد المؤلفُ رحمه الله تعالى لمَا مَرَّ بأثَر عفان بن مسلم بقوله:

(قال) الإمامُ مسلم رحمه الله تعالى، عَبرَ بلفظ الغَيبة على سبيل التجريد:(وسمعتُ الحَسَنَ بنَ عَليِّ) بن محمد الهُذلي نسبة إلى هُذيل بن مُدْركة أبا عليٍّ الخَلَّال (الحُلْوَاني) الحافظَ المكي.

روى عن عبد الصمد وعبد الرزاق ووَكيع وأبي معاوية وخلق، ويروي عنه (خ م د ت ق) ومحمد بن إسحاق السراج.

قال في "التقريب": ثقة حافظٌ، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين.

(يقولُ) أي: حالة كون الحسن يقول: (رأيتُ في كتاب عَفانَ) بن مسلم الأنصاري البصري، ثقَة ثَبْت، من كبار العاشرة، مات سنة عشرين ومائتين؛ أي: رأيتُ في ثَبَته (حديثَ هشام) بن زياد بن أبي يَزيد القُرشي الأموي، مولى آل عثمان، المَكْنِيَّ بـ (أبي المقْدَام)، ويُقال له أيضًا: هشام بن أبي الوليد المدني.

روى عن أبيه وأُمّه وأخيه والحَسَن البصري وأبي صالح السَّمان وعُمَرَ بن عبد العزيز ومحمد بن كعب القُرَظي وغيرهم، ويروي عنه وَكيع وزَيدُ بن الحُباب وابنُ المبارك والنضْر بن شُمَيل ويَزيد بن هارون وغيرُهم.

قال ابن مَعين: ليس بثقة، وقال في موضع آخر: ضعيف ليس بشيء، وقال البُخاري: يتكلَّمون فيه، وقال أبو داود: غيرُ ثقة، وقال الترمذي: يُضَعَّفُ، وقال النَّسائيُّ وعليُّ بن الحُسَيْن بن الجنيد وأبو الفَتْح الأزدي: متروكُ الحديث، وقال أبو

(1)"مكمل إكمال الإكمال"(1/ 28).

ص: 300

حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَال هِشَامٌ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ يَحْيَى بْنُ فُلانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ

ــ

حاتم: ضعيف الحديثِ ليس بالقوي، وقال ابنُ حِبان: يروي الموضوعات عن الثقات لا يجوزُ الاحتجاجُ به. وبالجملة اتَّفَقُوا على تَضْعِيفِه وتَرْكِه.

وقال في "التقريب": متروك، من السادسة، روى عنه (ت ق).

وقولُه: (حديثُ عُمَرَ بنِ عبد العزيزِ) بالرفعِ خبرٌ لمحذوفٍ تقديرُه: أي الذي هو حديثٌ رواه هشامٌ أولًا عن عُمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أُمَية بن عبد شمس الأُموي، أبي حفص، الحافظ أمير المؤمنين، وبالنصب بَدَلٌ من حديثِ عمر بن عبد العزيز.

وعبارةُ السنوسي هنا: (قوله: "حديثُ عُمَرَ بنِ عبد العزيز" يجوزُ فيه الرفعُ على تقدير المبتدإ؛ أي: وهو حديثُ عمر، والنصبُ على أحد وجهَينِ: إمَّا على البدل من "حديثَ هشام"، أو على أنه مفعولٌ على إضمار أعني) اهـ (1)

روى عن أنسٍ وعبدِ الله بن جعفر وابنِ المُسَيَّب، ويروي عنه (ع) وأيوب وحُمَيد والزهْري وخَلْق، قال ميمونُ بن مِهْران: ما كانت العلماءُ عند عمر بن عبد العزيز إلا تلامذة.

وَلِيَ الخلافةَ في سنة تسعٍ وتسعين، ومات في رجب سنة إحدى ومائة، وله أربعون سنة، فمُدةُ خلافته سنتان ونصف (2)، فهو من الخلفاء الراشدين.

(قال هشامُ) بن زياد أبو المقدام المذكورُ في ذلك الحديث المكتوب في كتاب عفان: (حَدَّثني رجل يُقَالُ له) أي: يسَمى (يحيى بن فُلانٍ) أي: ابن سعيد، وهذا بيان للحديث الذي رآه في كتاب عفان (عن محمدِ بنِ كَعْبِ) بن سُلَيم بن أسد

(1)"مكمل إكمال الإكمال"(1/ 28)، وأصلُه من كلام النووي في "شرح صحيح مسلم"(1/ 95 - 96).

(2)

قال الحافظ المزيُّ في "تهذيب الكمال"(21/ 433): (وكانتْ ولايتُه تسعةً وعشرين شهرًا مثل ولاية أبي بكر الصّدّيق).

ص: 301

قَال: قُلْتُ لِعَفانَ: إنهُمْ يَقُولُونَ: هِشَامٌ سَمِعَهُ مِنْ محمد بْنِ كَعْبٍ، فَقَال: إِنَّمَا ابْتُلِيَ مِنْ قِبَلِ هَذَا الْحَدِيثِ، كَانَ يَقُولُ: حَدثَنِي يَحْيَى عَنْ مُحمدٍ، ثُمَّ ادَّعَى بَعْدُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدٍ

ــ

أبي حمزة القُرَظِي المدني ثم الكوفي، وكان قد نَزَلَ الكوفةَ مدةً، أَحَدُ العلماء.

روى عن أبي الدرداء مرسلًا، وعن فَضَالة بن عُبَيد وعائشة وأبي هُرَيرَة، ويروي عنه (ع) وابن المُنْكَدِر وَيزِيد بن الهاد والحَكَم بن عُتَيبة، قال عونُ بن عبد اللهِ: ما رأيتُ أحدًا أعلمَ بتأويل القرآن من القُرَظي.

وقال في "التقريب": ثقة عالم، من الثالثة، مات سنة عشرين ومائة، وقيل قبل ذلك.

(قال) الحَسَنُ الحُلْوَانِيُّ. (قلتُ لعَفانَ) بنِ مسلم: (إنهم) أي: إن الناسَ (يقولون: هشامٌ) وابنُ زياد أبو المِقْدام البصري (سَمِعَه) أي: سَمعَ هذا الحديثَ (من محمد بنِ كَعْبٍ) القرظي مشافهةً بلا واسطةٍ، فكيف يقول في كتابك: حدثني يحيى بن فلان عن محمَّد بن كعب بإثبات الواسطة؟

(فقال) عَفَّانُ بن مسلم للحَسَنِ الحُلْواني في جواب سؤاله واستفهامه: (إنما ابْتُلِيَ) هشامٌ وأُصِيبَ بجَرْحِ الناس له وضُعِّفَ عندهم (مِنْ قِبَلِ هذا الحديثِ) أي: بسبب هذا الحديث، يعني حديثَ عمر بن عبد العزيز؛ لأن هشاما (كان) تارةً (يقولُ: حَدَّثني يحيى) بن سعيد (عن محمدِ) بنِ كعب.

(ثُمَّ ادعَى) أي: ثُمَّ بعدَ أنْ رَوَى عن يحيى عن محمدٍ .. ادعَى (بعدُ) أي: بعدَ أنْ رَوَى عن محمدٍ بواسطة يحيى، وكلمةُ (بعدُ) لا حاجةَ إليها؛ للاستغناء عنها بثُمَ؛ لأن مفادَهما واحد.

(أنه) أي: هشامًا (سَمِعَهُ) أي: سمع ذلك الحديثَ (من محمدِ) بنِ كعبٍ، فكلامُه متناقض يُوْجِبُ الاضطرابَ في روايته المُوجِبَ لضَعْفِه في الحديث.

وعبارةُ السنوسي هنا: (قولُه: "إنما ابْتُلِيَ هشامٌ" يعني: إنما ضَعفُوه من قِبَل هذا الحديث، كان يقول: حَدَّثني يحيى عن محمدٍ، ثم ادعى أنه سَمِعَهُ من محمَّد،

ص: 302

[42]

حَدَّثَنِي محمدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ قُهْزَاذَ، قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ يَقُولُ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الذِي رَوَيتَ عَنْهُ حَدِيثَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو:

ــ

قد يُقال: هذا القَدْر لا يَقْتَضي ضَعْفًا؛ لأنه ليس فيه تصريح بكَذبٍ لاحتمال أنه سمعه من محمدٍ ثم نَسِيَه فحَدَّث به عن يحيى عنه ثم ذَكَرَ سماعَهُ من محمدٍ فرواه عنه؛ والجوابُ: أن الأئمة رحمة الله تعالى عليهم إنما ضَعَّفُوه بهذا لمَا قَامَتْ وظَهَرتْ لهم من القرائنِ المُؤْذِنَةِ لهم بعَدَمِ سماعِه من محمدٍ فحَكَمُوا ذلك بتلك القرائن) (1).

ورجال هذا السَّنَد ثُنَائِيٌّ: مكيٌّ، عن بصري.

ثم استشهد المؤلفُ رحمه الله تعالى لِمَا مَرّ بأثَرِ عبد الله بن المبارك فقال:

[42]

(حَدَّثني محمدُ بن عبد اللهِ بن قُهْزَاذَ) الحافظُ المَرْوَزِيُّ أبو جابر، ثقةٌ، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وستين ومائتين.

(قال) محمدُ بن عبد الله: (سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ عثمانَ بنِ جَبَلَةَ) بفتح الجيم والموحدة، ابن أبي رَوَّاد -بفتح الراء وتشديد الواو- الأزدي العَتكِيَّ، أبا عبد الرحمن المَرْوَزِيَ الحافظَ المُلَقَّب بـ (عَبْدان)، ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة إحدى وعشرين ومائتين في شعبان.

أي: سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ عثمان حالةَ كَوْنِه (يقول: قلت لعبد الله بن المبارك) بن واضح الحنظلي مولاهم، أبي عبد الرحمن المَرْوَزِي، أَحَدِ الأئمة الأعلام، ثقة ثَبْت، من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين ومائة.

وهذا السند من ثُلاثياته، ومن لطائفِه: أن رجالهُ كُلهم مَرْوَزِيُّون.

أي: قال عبدُ اللهِ بن عثمان: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ المبارك بقولي له: (مَنْ هذا الرجلُ الذي رَويتَ) وحَدَّثْتَ لنا (عنه) أي: عن ذلك الرجل (حديثَ عبد اللهِ بنِ عَمْرٍو) وهو مفعولٌ به لرَوَيتَ.

(1)"مكمل إكمال الإكمال"(1/ 28)، وهو للنووي في "شرح صحيح مسلم"(1/ 96).

ص: 303

"يَوْمُ الْفِطْرِ يَوْمُ الْجَوَائِزِ"؟ قَال: سُلَيمَانُ بْنُ الْحَجاجِ،

ــ

وقولُه: ("يوم الفطر يوم الجوائز") بدلٌ محكى من (حديثِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو) بدل كُلّ من كُل، والجوائز: جمع جائزة، وهي العطاء.

وأما عبدُ اللهِ: فهو ابنُ عَمْرو بن العاص بن وائل السَّهْمِيُّ أبو محمَّد، وقيل: أبو عبد الرحمن، بينه وبين أبيه إحدى عشرة سنة، أَحَدُ السابقين إلى الإِسلام، وأَحَدُ المُكْثِرين من الصحابة، وأَحَدُ العبادلة الفقهاء، مات بالطائف على الراجح سنة خمسٍ وستين.

وأمَّا حديثُ (يوم الفطر يوم الجوائز) فهو ما رُوي عنه: "إذا كان يومُ الفِطْرِ .. وَقَفَت الملائكةُ على أفواه الطُّرُقِ ونادَتْ: يا معشرَ المسلمين؛ اغْدُوا إلى رَبٍّ رحيمٍ، يأمرُ بالخير ويُثيبُ عليه الجَزِيل، أَمَرَكم فصُمْتُم، وأطعتم رَبكم، فاقْبَلُوا جوائزِكِم، فإذا صَلوا العيدَ .. نادى منادٍ من السماء: ارْجِعُوا إلى منازلكم راشدين فقد غفرْتُ ذُنُوبَكم كُلها، ويُسَمَّى ذلك اليومُ يومَ الجوائز" جمع جائزة، وهي العطاء.

قال النوويُ: (وهذا الحديث رويناه في كتاب "المستقصى في فضائل المسجد الأقصى" تصنيف الحافظ أبي القاسم ابن عساكر الدمشقي رحمه الله تعالى) اهـ (1) وهو حديث موضوع.

(قال) عبدُ الله بن المبارك في جواب استفهام عبد الله بن عثمان: ذلك الرجل الذي رَويتُ عنه ذلك الحديثَ هو (سُلَيمَانُ بن الحَجَّاج)، فهو خبرٌ لمبتدإ محذوفٍ كما قَدَّرْنا.

وأما سُلَيمَان بن الحَجاجِ: فهو شيخٌ للدَّرَاوَرْدِي لا يُعرف عِدادُه في أهل الطائف، فقد روى الدرَاوَرْدِي عنه عن لَيثٍ عن مجاهدٍ عن ابن عَبَّاسٍ:(نَهَى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن طعام المتباهين وعن طعام المتبارين).

وروى موسى بن أعيَن، عن بكر بن خُنيس، عن سُلَيمَان بن الحَجَّاج، عن خالد بن سعيد، عن أبي حازم، عن سَهْلٍ مرفوعًا:"إن لكُل شيءٍ شبحًا، وشبحُ الجهادِ الرباطُ" وفي رواية: "إن لكُل شيءٍ شيخًا، وشيخ الجهاد الرباط"، وهذا

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 97).

ص: 304

انْظُرْ مَا وَضَعْتَ في يَدِكَ مِنْهُ.

قَال ابْنُ قُهْزَاذَ: وَسَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ زَمْعَةَ

ــ

حديثٌ لا أَصْلَ له، بل هو من الموضوعات. اهـ من "الميزان".

وقوله: (انظر ما وَضَعْتَ) هو بفتح التاء على الخطاب، ولا يمتنعُ الضمُّ أيضًا (1).

والكافُ في قوله: (في يَدِكَ) عائدة إن عبد الله بن عثمان، والضميرُ في قوله:(منه) إن سُلَيمَان بن الحَجَّاج.

والمعنى على رواية فتح التاء من (وَضَعْتَ): انْظُرْ وفتِّش يا عبدَ اللهِ ما وَضَعْتَ وجَمَعْتَ في يَدِكَ من الأحاديث، واطْرَحْ منها ما كان مَرْويّا منه؛ أي: من سُلَيمَان بن الحجاج، ولا تَرْوه للناس؛ فإنه مجهولٌ وأحاديثُه من الموضوعات.

والمعنى على ضَمِّها: انْظُرْ وفتِّشْ ما جَعَلْتُ أنا في يَدِكَ من الأحاديث التي رَويتُها لك واطْرَحْ منها ما رَوَيتُه لك منه، أي: من سُلَيمَان بن الحَجَّاج؛ فإنه مجهولٌ ليس من أهل الحديث، وهذا الكلام جَرْحٌ وذَمٌّ لسُلَيمَان بن الحَجَّاج؛ لأنه مجهول كما هو مقتضَى السِّياق؛ لأن سِيَاقَ كلامِ المؤلِّف رحمه الله تعالى في كَشْفِ معايب الرُّواة لا في مَدْحِهِم، ولا تَغْتَرَّ بما قاله النوويُّ هنا:(وهو مَدْحٌ وثَنَاءٌ على سُلَيمَان بن الحَجَّاج)(2) فإنه؛ سَهْوٌ أو سبقُ قلمٍ منه.

ثم استشهد المؤلِّفُ رحمه الله تعالى لِمَا مَرَّ بأثَرِ عبد الله بن المبارك أيضًا فقال:

(قال) محمدُ بن عبد الله (ابن قُهْزَاذَ) المَرْوَزِي، والواو في قوله:(وسَمِعْتُ) عاطفةٌ ما بعدَها على قوله (سَمِعْتُ عبدَ اللهِ بنَ عثمان) مع تكرار العامل الذي هو قال؛ أي: قال محمَّد بن قُهْزَاذَ: سَمِعْتُ عبدَ اللهِ بنَ عثمان، وسَمِعْتُ أيضًا (وَهْبَ بنَ زَمْعَةَ) -بفتح الزاي وإسكان الميم وفتحها (3) - التميميَّ أبا عبد الله المَرْوَزيَّ.

روى عن ابن المبارك وسفيان بن عبد الملك وعبد العزيز بن أبي رِزْمَة وغيرِهم،

(1) انظر "شرح صحيح مسلم"(1/ 97)، و "مكمل إكمال الإكمال"(1/ 28).

(2)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 97).

(3)

انظر المصدر السابق.

ص: 305

يَذْكُرُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَال: قَال عَبْدُ الله -يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ-: رَأَيتُ: رَوْحَ بْنَ غُطَيفٍ

ــ

ويروي عنه (من ت س) وأبو إسحاق الجُوزجاني ومحمد بن عبد الله بن قُهْزَاذَ وغيرُهم، وَثقَهُ النَسائيُّ.

وقال في "التقريب": ثقة، من قُدماء العاشرة.

حالةَ كَوْنِ وَهْب بن زَمْعَة (يَذْكُرُ) وَيَرْوي (عن سفيانَ بنِ عبد الملك) المَرْوَزِيِّ.

روى عن ابن المبارك فقط، ويروي عنه (من دت) وابنُ رَاهُويه وعَبْدان.

قال في "التقريب": ثقة، من قدماء العاشرة، مات قبل المائتين.

(قال) سفيان: (قال عبدُ اللهِ) قال المؤلفُ رحمه الله تعالى إيضاحا لعبدِ اللهِ وإشعارًا بأن النِّسْبَةَ الآتيةَ ليستْ من كلام شيخه، بل ممَّا زَادَه من عند نفسه:(يعني) ويَقْصِدُ سفيانُ بن عبد الملكِ بعبد الله في قوله: (عبدُ اللهِ): (ابنَ المبارك) أي: يَقْصِدُ به عبدَ اللهِ بنَ المبارك. وهذا السَّنَدُ من رباعياته، ومن لطائفه: أن رجاله كُلَّهم مَرْوَزِيُّون.

وقولُه: (رأيتُ رَوْحَ بنَ غُطَيفٍ) إلى قوله: (كُرْهَ حديثِه) مقولٌ لقال عبدُ الله؛ أي: قال سفيانُ بن عبد الملك: قال لنا عبدُ اللهِ بن المبارك: (رأيتُ) أي: لَقِيتُ (رَوْحَ) بفتح الراء المهملة (بنَ غُطَيفٍ) بضم الغين المعجمة ثم طاء مهملة مفتوحة، هذا هو الصواب (1).

وحكى القاضي عِيَاضٌ عن أكثر شيوخه كالعُذري والطبري والسمرقندي: أنهم رَوَوْه غضيف بالضاد المعجمة وهو خطأ (2).

قال البخاري في "تاريخه"(3/ 308): وهو منكر الحديث.

وقال الذهبيُّ في "الميزان"(2/ 60): (رَوْح بن غُطَيف وَهَّاهُ ابنُ مَعِين، وقال

(1) قال الحافظُ ابنُ الصلاح: (وإنما هو بالطاء المهملة من وجوهٍ معتمدة، وهو كذلك محفوظٌ معروف، وهو عندي على الصواب فيما انتخبتُه من أصلِ فيه سماعُ شيخنا أبي الحسن الطوسي، وعليه خَطُّ شيخِه الفَرَاوي، وقرأتُه عليه عند قبر مسلم، والله أعلم). "صيانة صحيح مسلم"(ص 126).

(2)

"إكمال المعلم"(1/ 137)، و"مشارق الأنوار"(2/ 144).

ص: 306

صَاحِبَ الدَّمِ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، وَجَلَسْتُ إِلَيهِ مَجْلِسا، فَجَعَلْتُ أَسْتَحْيي مِنْ أَصْحَابِي

ــ

النسائيُّ: متروكٌ، وله عن الزُّهْري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا:"تُعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم"، انفرد به عنه القاسمُ بن مالك المزني (1)، وروى نَصْر بن حماد أحدُ التَّلْفَى عنه عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة: لا يُعادُ المريضُ إلّا بعد ثلاث. قلتُ: رَوْح بن غُطَيف -بطاء مهملة- عِدادُه في أهل الجزيرة) اهـ.

وقولُه: (صاحبَ الدَّمِ) صفة لرَوْح، وقولُه:"قَدْرِ الدِّرْهَم" قال السنوسي: (الظاهرُ جرُّ قَدْرِ الدِّرْهَمِ على البدلية من الدَّمِ قبلَه، أو على أنه عطف بيانٍ له)(2).

هكذا قالوا: وفيه نَظَرٌ؛ لأن المُبْدَلَ منه حينئذ على نِيَّة الطَّرْح، فإذا أسقطناه وقلنا:(صاحبَ قَدْرِ الدِّرْهَمِ) فلا معنى له، والأَوْلى جَرُّه على أنه صفةٌ للدم على جَعْلِ أل فيه جنسية، والتقدير: صاحبَ الدَّمِ الموصوفِ بكَوْنهِ قَدْرَ الدِّرْهَمِ، ويَصِح نصبُه على الحالية من الدم، وعلى هذين الاحتمالين: فهو جامدٌ مُؤَوَّلٌ بمشتقٍّ؛ لأن الصفة والحال لا يكونان إلّا مشتقًا أو مؤولًا به.

قال النوويُّ: (وأرادَ ابنُ المبارك بهذا الكلام وصفَه وتعريفَه بالحديث الذي رواه رَوْحٌ هذا عن الزهْري عن أبي سلمة عن أبي هريرة يرفعُه: تُعَادُ الصلاةُ من قَدْرِ الدرهم يعني من الدم)(3).

قال عبدُ اللهِ بن المبارك: لَقِيتُ رَوْحَ بنَ غُطَيفٍ جالسًا في حلقتِه (وجلستُ إليه) أي: عنده أو جنبه؛ أي: جلست جنب حلقته (مجلسًا) أي: جلوسا قليلًا لاستماع حديثه تجربةً له، هل يروي أحاديث صحيحة أو مناكير موضوعة؟

(فجعلت) أي: فصرْتُ وكنت (أسْتَحْييِ) وأستخفي (من أصحابي) وزملائي أهل السُّنَّة والحديث، أي: فكنت وصرت مستحييًا من أصحابي ورفقتي، وجَعَلَ هنا من أخوات صارَ لا التي من أفعال الشُّروع.

(1) وهو حديث باطل لا أصل له عند أهل الحديث. انظر "إكمال المعلم"(1/ 137)، و"شرح صحيح مسلم"(1/ 97).

(2)

"مكمل إكمال الإكمال"(1/ 29).

(3)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 97).

ص: 307

أَنْ يَرَوْني جَالِسًا مَعَهُ؛ كُرْهَ حَدِيثِهِ

ــ

وجملةُ: (أنْ يَرَوْنِي جالسًا معه) أي: أن يراني أصحابي جالسًا معه، في تأويل مصدرٍ مجرورٍ على أنه بدلُ اشتمالٍ من أصحابي؛ أي: فصرتُ أستخفي من أصحابي من رؤيتهم إياي جالسا معه؛ أي: مع رَوْح بن غُطَيف.

وقولُه: (جالسًا) إمَّا حالٌ من مفعول رأى إن كانتْ بصريةً، أو مفعولٌ ثانٍ لها إن كانتْ علمية.

وقولُه: (كرْهَ حديثِه) مفعولٌ لأجله لأسْتَحْيي؛ أي: كنتُ أستحيي من أصحابي لأجل كراهية حديثه (1)؛ أي: رَوْحِ بنِ غُطَيفٍ.

وقولُه: (أسْتَحْيِي) هو بياءين، ويجوزُ حذفُ إحداهما (2).

وحَدَّ ابنُ الصلاح (3) الحياءَ بأنه خُلُقٌ يمنعُ من القبيح ومن التقصير من الحُقوق.

وحدَّه الزمخشريُّ (4) بأنه تغَيُّرٌ وانكسارٌ يَلْحَقُ من فعلِ أو تَرْكِ ما يُذَمُّ به.

وقال المازري: (والحياء هو غَرِيزةٌ في الأكثر، وإنما جُعِلَ من الإيمان المكتسَبِ في حديث: "والحياءُ شُعْبَةٌ من الإيمان"؛ لأنه يَمْنَعُ من المعصية كما يمنع منها الإيمان)(5).

وقوله: (كُرْهَ) بضم الكاف ونصب الهاء على أنه مفعولٌ لأجله كما مَرَّ آنفًا، وهو بالضمِّ مصدرٌ سماعيٌّ لِـ (كَرِهَ) الثلاثي، وبالفتح مصدرٌ قياسيٌّ له كَسَمِعَ سَمْعًا.

قال النوويُّ؛ (وهذا الحديث ذَكَره البخاريُّ في "تاريخه" (3/ 308)، وهو حديثٌ باطلٌ لا أصلَ له عند أهل الحديث، والله أعلم) (6).

وقال السنوسيُّ: (وقد اختُلِفَ في العَفْو عن يسير النجاسة، فذهب أهلُ العراق

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 97).

(2)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 97).

(3)

"صيانة صحيح مسلم"(ص 197 - 198).

(4)

"الفائق"(1/ 340 - 341).

(5)

"المعلم بفوائد مسلم"(1/ 196).

(6)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 97).

ص: 308

[43]

وَحَدَّثَنَا ابْنُ قُهْزَاذَ، قَال: سَمِعْتُ وَهْبًا يَقُولُ: عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَال: بَقِيَّةُ

ــ

إلى أنَّ قَدْرَ الدرهم من جميع النجاسات مَعْفُوٌّ عنه قياسًا على موضع الاستجمار، وذهب الشافعي إلى أنه لا يُعفى عن شيءٍ منها دمًا أو غيرَه، ويُغسل قليلُها وكثيرُها، وذهب مالكٌ إلى ذلك إلا في الدم فرأى العَفْوَ عن يسيرِه للمشقّة، واختُلف عنه في العفو عن يسير دم الحيض، وفي يسير دم غيره ويسير القيح والصديد قولان) اهـ (1).

ثم استشهد المؤلفُ رحمه الله تعالى لِمَا مَرَّ بأثَرِ عبد الله بن المبارك في بقيَّة فقال:

[43]

(وَحَدَّثَنا) وفي بعض النُّسَخ: (حَدَّثَني) محمدُ بن عبد الله (ابنُ قهْزَاذَ قال: سمِعْتُ وَهْبًا) وابنُ زمعة المَرْوَزِيُّ، حالة كون وَهْبٍ (يقولُ) ويروي (عن سفيانَ) بنِ عبد الملك المَروَزِي حالة كونه راويًا (عن) عبد اللهِ (ابن المبارك) الحافظ المَرْوَزِيِّ، ومن لطائف هذا السَّنَدِ: أن رجاله كُلَّهم مَرْوَزِيُون كسابقِه.

(قال) عبدُ الله بن المبارك: (بقِية) بن الوليد بن صائد بن كعب الكَلاعي بفتح الكاف واللام المخففة نسبة إلى كَلاعة قبيلةٍ كبيرةٍ نزلتْ حِمْصَ من الشام، أبو يُحْمِد -بضم التحتانية وسكون المهملة وكسر الميم- الميتَمِي (2).

روى عن بَحِير بن سَعْد ومحمد بن زياد الأَلْهاني وأُمَم، ويروي عنه (م عم) وابنُ جريج وشُعْبةُ وهما من شيوخه وكثيرُ بن عُبيد وأحمدُ بن الفَرج الحجازيُّ وخَلْق، له في (م) فرد حديث متابعة (3). وثقه الجمهورُ فيما سمعه من الثقات، وقال النَّسائيُّ: إذا قال حَدَّثَنا وأخبرنا .. فهو ثقة.

(1)"مكمل إكمال الإكمال"(1/ 29)، وهو مختصرٌ من كلام القاضي عياض في "إكمال المعلم"(1/ 138).

(2)

المَيتَمي: بفتح الميم وسكون الياء تحتها نقطتان، وبعدها تاء فوقها نقطتان، وبعدها ميم، هذه النسبة إلى مَيتَم وهو بَطْنٌ مِن حِمْيَر. انظر "اللباب" لابن الأثير (3/ 279 - 280)، و"تقييد المهمل"(2/ 465) و "تهذيب الكمال"(4/ 192) مع الحاشية.

(3)

رواه مسلمٌ في كتاب النكاح (16 - باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوته) حديث رقم (101/ 1429): عن إسحاق بن منصور، عن عيسى بن المُنْذِر، عن بقِية، عن الزبيدي، عن نافع، عن ابن عُمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ دُعِيَ إلى عُرْسِ أو نحوه .. فَلْيُجِبْ".

ص: 309

صَدُوقُ اللِّسَانِ، ولكنهُ يَأخُذُ عَمنْ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ.

[44]

حَدثنا قتيبة بْنُ سَعِيدِ، حَدّثَنَا جَرِيرٌ،

ــ

وقال في "التقريب": صدوقٌ كثيرُ التدليس عن الضعفاء، من الثامنة، مات سنة سبعٍ وتسعين ومائة، وله سبعٌ وثمانون سنة. وليس في رجال مسلم (بَقِيَّة) إلَّا هذا.

أي: بَقِيَّةُ (صَدُوقُ اللسان) أي: صدوق في كلامهِ وحديثِه ليس كاذبا، (ولكنه) أي: ولكن بَقِيَّةَ (يأخذُ) أي: يروي الحديث (عمنْ أقْبَلَ) على الحديثِ وعَرَفه وضَبَطَهُ وأتْقَنَهُ يعني الثقات، أو عمنْ أقبل بَقِيَّةُ عليه؛ أي: عمنْ عَرَفَ حاله وصِدْقَه وثقتَه في الحديث (و) عَمَّنْ (أدْبَر) وتَوَلى عن الحديث ولم يعرفه ولم ويتقنه ولم يحفظه يعني الضعفاء، أو عمَّنْ أدْبَرَ بَقِيَّة عنه ولَم يَعْرِفْ حاله وصِدْقَه وَكذِبَه، فيروي الحديث عَمَّنْ سَمعَ منه، سواء كان من الثقات أو الضعفاء، فلا يُبالي أيًّا كان. ثم استشهد المؤلَّف رحمه الله تعالى لِمَا مَرّ بأثَرِ الشعْبِيِّ فقال:

[44]

(حَدَّثَنا قُتَيبةُ بن سَعِيدِ) بن جَمِيل -بفتح الجيم- ابن طَرِيف الثقفي مولاهم، وقتيبة تصغير قِتْبة بكسر القاف واحدة الأقتاب وهي الأمعاء، قال الصغاني: وبها سمَّي الرجل قتيبة ولُقَّب بها، واسمُه فيما قاله ابنُ مَنْدَهْ: علي بن سعيد بن جَميل، وقيل: يحيى بن سعيد، أبو رجاء البَغْلاني -بفتح الموحدة وسكون المعجمة- نسبة إلى بَغْلان قريةِ من قرى بَلْخ، أحد أئمّة الحديث.

روى عن مالك والليث وإسماعيل بن جعفر، ويروي عنه (خ م د ت س) وابنُ ماجه بواسطة، ومن أقرانه أحمدُ والحُمَيدي، وثقَه ابنُ مَعِين وأبو حاتم.

وقال في "التقريب": ثقةٌ ثَبت، من العاشرة، مات سنة أربعين ومائتين عن تسعين سنة.

(حَدَّثَنا جَرِيرٌ) وابنُ عبد الحميد بن قُرْط -بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة- الضَبّي -بفتح الضاد المعجمة وتشديد الباء الموحدة- نسبة إلى ضَبَّة بن أُدّ، أبو عبد الله الكوفي ثم الرازي، وُلِدَ بقريةِ من قُرى أصبهان، ونشأ في الكوفة، ونزل الرَّي.

روى عن عبد الملك بن عُمَير وأبي إسحاق الشيباني ويحيى بن سعيد الأنصاري،

ص: 310

عَنْ مغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ

ــ

وسُلَيْمَان التَّيمي والأعمش وعاصم الأحول وسُهَيل بن أبي صالح وعبد العزيز بن رُفيع وعُمارة بن القَعْقاع وإسماعيل بن أبي خالد ومنصور بن المُعْتَمر ومغيرة بن مِقْسَم وَيزِيد بن أبي زياد وأبي حَيَّان التيمي وعطاء بن السائب وخَلْقٍ كثير، ويروي عنه (ع) وأحمدُ وإسحاقُ وابنا أبي شَيبة وقُتيبة وعَبْدان المَرْوَزي وأبو خَيثَمَة ومحمد بن قُدَامة المِصِّيصيُّ ومحمد بن قُدامة الطُوسي ومحمد بن قدامة السُّلَمِي وعلي بن المَدِيني ويحيى بن مَعِين ويحيى بن يحيى وأبو الربيع الزَّهْراني وعلي بن حُجْر وجماعةٌ.

قال ابنُ سَعْد: كان ثقةً كثيرَ العِلْم يُرْحَلُ إليه، وله مصنَّفات.

وقال في "التقريب": ثقةٌ صحيحُ الكتاب، قيل: كان في آخِرِ عُمُرِهِ يَهِمُ من حفظه، مات سنة ثمانٍ وثمانين ومائة، وله إحدى وسبعون سنة. اهـ وكان من السادسة.

(عن مُغيرة) بن مِقْسَم -بكسر أوله وسكون ثانيه- الضَبّي مولاهم، أبي هشام الكوفي الفقيه، قيل: إنه وُلدَ أعمى.

روى عن إبراهيم النَّخَعي، والشعْبي، وأبيه، وأبي وائل، ومجاهد، وغيرِهم، ويروي عنه (ع)، وشُعْبة، والثوْري، وزائدة بن قُدامة، وزُهَير بن معاوية، وجَرِير بن عبد الحميد، والمُفَضَّل بن مُهَلْهل، وهُشَيم، ومحمد بن فُضَيل، وأبو عَوانة، وإسرائيل، وإبراهيم بن طَهْمان، وخَلْق، وثقَه العِجْليُّ وابنُ مَعِين.

وقال في "التقريب": ثقةٌ مُتْقِنٌ إلّا أنه كان يُدَلِّسُ ولا سيَّما عن إبراهيم النَّخَعي، قال ابنُ فُضَيل: وكُنَّا لا نكتب عنه إلا ما قال: حَدَّثَنا إبراهيم.

من السادسة مات سنة ست وثلاثين ومائة على الصحيح.

(عن الشَّعْبِيِّ) عامر بن شَرَاحيل الحِمْيَريِّ أبي عَمْرو الكوفي الإِمام العَلَم، وُلدَ لست سنين خَلَتْ من خلافة عُمر.

روى عن عُمر، وعليّ، وابن مسعود ولم يَسْمَعْ منهم، وعن أبي هريرة، وعائشة، وجَرِير، وابن عباس، وخَلْقٍ.

قال: أدركتُ خمسمائة من الصحابة. ويروي عنه ابنُ سيرين، والأعمشُ،

ص: 311

قَال: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ الأَعْوَرُ الْهَمْدَانِيُّ وَكَانَ كَذَّابًا

ــ

وشُعْبَةُ، و (ع)، وخَلْقٌ، وقال أبو مِجْلَز: ما رأيتُ فيهم أفْقَه من الشعْبي.

وقال في "التقريب": ثقة مشهورٌ فقيه فاضل، من الثالثة، مات سنة ثلاثٍ ومائة، وله نحو من ثمانين سنة، وقيل غير ذلك.

(قال) الشَّعْبيُّ: (حَدثني الحارثُ) بن عبد الله (الأعورُ الهَمْداني) بإسكان الميم وبالدال المَهملة، الخَارِفي -بكسر الراء وبالفاء- نسبة إن خَارِف بَطْن من هَمْدان، أبو زُهَير الكوفي.

روى عن عليّ، وابن مسعود، وزَيد بن ثابت وبُقَيرة امرأة سَلْمان، ويروي عنه الشَّعْبِيُّ، وأبو البَخْتَري الطائي، وأبو إسحاق السَّبيعي، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن مُرَّة، وجماعةٌ.

قال الشَّعْبيُّ: (وكان) الحارثُ الأعورُ (كَذابًا) أي: كثيرَ الكَذب في الحديث، وقال مُجَالدٌ: قيل للشعبي: كنتَ تَخْتَلِفُ إلى الحارث؟ قال: نعم، أختلفُ إليه أتَعَلَّمُ منه الحساب، كان أحْسَبَ الناس.

وقال الدارقطنيُّ: الحارث ضعيف، وقال ابنُ عدي: عَامَّةُ ما يرويه غيرُ محفوظ، وقال ابنُ حِبَّان: كان الحارث غاليًا في التشيُّع، واهيا في الحديث.

مات سنة (65)، وكذا ذَكَر وفاتَه إسحاقُ القَرَّابُ في "تاريخه"، وقرأتُه بخطّ الذهبي، والجمهورُ على توهينه مع روايتهم لحديثه في الأبواب، وهذا الشعبي يُكَذّبُه، ثم يروي عنه .. إلى آخر ما في "تهذيب التهذيب"(2/ 146 - 147) من اختلافهم فيه (1).

(1) وقال الحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء"(4/ 153) في ترجمة (الحارث الأعور) ما نصُه: (قلتُ: قد كان الحارثُ من أوعية العِلْم، ومن الشيعة الأول، كان يقول: تعلمْتُ القرآن في سنتين، والوَحْيَ في ثلاث سنين.

فأمَّا قول الشعْبي: "الحارثُ كَذَّابٌ" فمحمولٌ على أنه عَنَى بالكذب الخطأ لا التعمُّدَ، وإلا .. فلماذا يَرْوي عنه ويعتقدُه بتعمُّدِ الكذب في الدين؟ ! وكذا قال علي بن المَديني وأبو =

ص: 312

[45]

حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الله بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ، حَدّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مُفَضَّلٍ،

ــ

وهذا السَّنَدُ من رباعياته، ومن لطائفه: أن رجاله كُلَّهم كوفيون إلَّا قتَيبة فإنه بَغْلانِيٌّ كما مرّ.

ثم ذكر المؤلّفُ رحمه الله تعالى المتابعةَ في أثَرِ الشعْبِيّ فقال:

[45]

(حَدثنا أبو عامر عبدُ اللهِ بن بَرَّادٍ) -بفتح الموحدة والراء المشددة ثم ألف ثم دال مهملة- ابن يوسف بن أبي بُردة بن أبي موسى (الأشعريُّ) الكوفي.

روى عن عبد الله بن إدريس، وابن فُضَيل، وأبي أُسامة، ويروي عنه (م)، ومُطَيّن، والحَسَن بن سفيان، قال أحمد: ليس به بأس.

وقال في "التقريب": صدوقٌ من العاشرة. مات سنة أربع وثلاثين ومائتين.

قال أبو عامر: (حَدَّثَنا أبو أسامة) حَمادُ بن أسامة الهاشمي مولاهم، الحافظ الكوفي، مشهورٌ بكُنْيته.

روى عن إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، والمُفَضَّل، والأَجْلَح، وهشام بن عُرْوة، وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع)، وأحمد، وإسحاق، وابنُ مَعِين، وابن المَدِيني، وأبو عامر، وخلائقُ.

قال أحمد: ثقةٌ ما كان أثبتَه لا يكادُ يُخْطِئُ.

وقال في "التقريب": ثقة ثَبْتٌ ربما دَلسَ، وكان بأخَرَةٍ يحدث عن كُتُبِ غيره، من كبار التاسعة، مات سنة إحدى ومائتين، وهو ابنُ ثمانين سنة.

(عن مُفَضَّل) بن مُهَلْهَل السعدي أبي عبد الرحمن الكوفي، روى عن الأعمش ومنصور ومغيرة وبَيَان بن بِشْر وغيرِهم، ويروي عنه (م س ق) وابنُ إدريس وأبو أسامة ويحيى بن آدم وغيرُهم. وثقه ابنُ مَعِين وجماعةٌ.

= خيثمة: هو كَذَّاب، وأمّا يحيى بن مَعِين فقال: هو ثقةٌ، وقال مَرَّةً: ليس به بأس، وكذا قال الإمامُ النَّسائيُّ: ليس به بأس، وقال أيضًا: ليس بالقويّ، وقال أبو حاتم: لا يُحتَجُّ به، ثم إن النسائي وأربابَ السُّنَن احْتَجُّوا بالحارث، وهو مِمَّنْ عندي وقفة في الاحتجاج به).

ص: 313

عَنْ مُغِيرَةَ، قَال: سَمِعْتُ الشعْبِيَّ يقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ الأَعْوَرُ، وَهُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ

ــ

وقال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ نبيلٌ عابدٌ، من السابعة، مات سنة سبعٍ وستين ومائة.

(عن مغيرة) بن مِقْسَم بن بُجْرة الكوفي (قال) المغيرةُ: (سمعتُ الشَّعْبيَّ) عامرَ بنَ شراحيل الكوفي.

وهذا السَّنَدُ من خماسياته، ومن لطائفه: أن رجاله كُلَّهم كوفيون، وغَرَضُه بِسَوْقِ هذا السند: بيانُ متابعة المُفَضَّل لجرير في رواية هذا الأثَرِ؛ عن المغيرة، وكَرَّرَ لفظَ الأَثرِ لِمَا فيه من المخالفة للرواية الأُولى في الألفاظ، ومن فوائد هذه المتابعة: التصريحُ بسماع المغيرة عن الشَّعْبي، وبيانُ كثرة طُرُقِه.

أي: قال المغيرة بن مِقْسَم: سمعتُ الشَّعْبِي حالة كونه (يقول: حدثني الحارثُ) بن عبد الله (الأعورُ) الهَمْداني، وجملةُ قوله:(وهو يَشْهَدُ) في محل النصب حالٌ من فاعل (يقولُ) أي: سمعتُ الشَّعْبِي يقولُ: حَدَّثَني الحارثُ والحالُ أن الشَّعْبِيَّ يَشْهَدُ ويعترفُ بلسانِه (أنه) أي: أن الحارثَ الأعورَ (أحدُ الكَاذِبينَ) في الحديث، قال النوويّ:(بفتح النون على صيغة الجمع -وفي بعض النسخ "أحدُ الكَذَّابين" بصيغة المبالغة- والضميرُ في قوله: "وهو يَشْهَدُ" يعودُ على الشَّعْبي، والقائل "وهو يَشْهَدُ" المغيرةُ بن مِقْسَم) اهـ بزيادة (1).

وقال السنوسي: (فإنْ قيل: فهذا كان أحدَ الكَاذِبِينَ فما بالُ الشعْبِي حَدَّثَ عنه؟ فالجوابُ: أن الأئمة رضوان الله عليهم إنما حَدَّثُوا عن مِثْلِ هؤلاء مع اعترافهم بكَذِبهِم لأَوْجُهٍ:

منها: أن يعلموا طُرُقَ حديثهِم وضُرُوبَ رواياتِهم؛ لئلّا يأتي مجهولٌ أو مُدَلِّسٌ فيُبَدِّلَ اسمَ الضعيف ويجعلَ مكانه قويًّا فيعلم المُحَقِّقُ بمعرفته طُرُقَ الضعفاء ذلك.

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 98).

ص: 314

[46]

وَحَدَّثَنَا قتيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَال: قَال عَلْقَمَةُ:

ــ

والثاني: أن يكون الرجل إنما ترك لأجْلِ غَلَطِه وسُوءِ حِفْظِه، أو يكون ممَّنْ أَكْثَرَ فأصابَ وأخطأ، والحُفَّاظُ يعرفون خطأه من صوابه فيَدَعُون تخليطَه ويستظهرون صحيحَ حديثِه لموافقة غيره، وبهذا احْتَجَّ الثَّوْرِيُّ حين نَهى عن الكلبي فقيل له: وأنتَ تروي عنه؟ ! فقال: أنا أعلمُ صِدْقَه من كَذِبِه، وهم لا يَرْوُون منها شيئًا للحُجَّةِ بها والعملِ بمقتضاها) (1).

ثم استشهد المؤلِّف لما مَرّ بأثَرِ إبراهيم النَّخَعي فقال:

[46]

(وحَدَّثنا قُتَيبةُ بن سعيد) بن جَميل البَغْلاني.

قال قتيبَةُ: (حدثنا جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الكوفي (عن مغيرة) بن مقسم الكوفي (عن إبراهيم) بن يَزِيد بن قيس بن الأسود النَّخَعي أبي عمران الكوفي الفقيه.

روى عن عَلْقَمة وهَمَّام بن الحارث والأسود بن يَزِيد وأبي عُبَيدة بن عبد الله ومسروق عن عائشة -ورأى عائشة- وخَلْقٍ، ويروي عنه (ع) والحكم بن عُتَيبة الكندي مولاهم ومنصور والأعمش وابن عَوْن وزُبَيد اليَامِي وعِدَّةٌ.

وكان لا يتكلَّمُ إلا إذا سُئِلَ، وكان عجبًا في الوَرَع والخير، مُتوقيًا للشُّهْرة، رأسًا في العِلْم، وقال مغيرة: كُنَّا نَهَابُ إبراهيم هَيبة الأمير.

وقال في "التقريب": ثقةٌ إلّا أنه يُرسِلُ كثيرًا، من الخامسة، مات سنة ستٍّ وتسعين، وهو ابنُ خمسين أو نحوها.

(قال) إبراهيم: (قال علقمةُ) بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة النَّخَعِيّ

(1)"مكمل إكمال الإكمال"(1/ 29)، وهو مختصر من كلام القاضي عياض في "إكمال المعلم"(1/ 140 - 141)، وقال الحافظ ابن حجر في "تهذيب "التهذيب" (1/ 101) في ترجمة (أبان بن أبي عَيَّاش) ما يلي:(وحكى الخَلِيلي في "الإرشاد" بسَنَدٍ صحيحٍ: أن أحمد قال ليحيى بن معين وهو يكتبُ عن عبد الرزاق عن مَعْمَر عن أبان نسخةً: تكتبُ هذه وأنتَ تعلمُ أنَّ أبانًا كَذَّاب؟ ! فقال: يرحمك الله يا أبا عبد الله! أكتُبها وأحفظُها حتى إذا جاء كَذَّابٌ يرويها عن مَعْمَر عن ثابت عن أنس أقولُ له: كَذَبْتَ، إنما هو أبَان).

ص: 315

قَرَأْتُ الْقُرآنَ في سَنتَينِ، فَقَال الْحَارِثُ: الْقُرآنُ هَيِّنٌ، الْوَحْيُ أَشَدُّ.

[47]

وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ،

ــ

أبو شِبْل الكوفيُّ، أحدُ الأئمّة الأعلام، مُخَضْرَم.

روى عن أبي بكر وعُمر وعثمان وعليّ وابن مسعود وحُذَيفة وطائفةٍ، ويروي عنه (ع) وإبراهيم النَّخَعي والشَعْبي وسَلَمة بن كُهَيل وخَلْق، قال إبراهيم: كان يقرأُ القرآنَ في خمس.

وقال في "التقريب": ثقة ثَبْتٌ فقيه عابدٌ، من الثانية.

قال ابنُ سَعْد: مات سنة اثنتين وستين، قيل: عن تسعين سنة.

(قرأتُ القرآن) وتَعَلَّمْتُه (في سَنَتَينِ، فقال الحارثُ) بن عبد الله الأعور في مقابلة قول علقمة: (القرآنُ هَيِّن) أي: تَعَلمُه سَهْل يُمكن في أقَل من سنتين (1)(الوَحْيُ) أي: تَعَلُّمُ الوَحْي والكتابةِ (أَشَدُّ) أي: أتعبُ وأحوجُ إلى الزمان الكثير (2).

ثم ذكر المؤلِّفُ رحمه الله تعالى المتابعةَ في أثرِ إبراهيم النخَعِيِّ فقال:

[47]

(وحَدَّثني حجاجُ) بن يوسف بن حَجَّاج الثقفي أبو محمَّد الذي يُقال له (ابنُ الشاعِرِ) البغدادي الحافظ الرحَّال، من الحادية عشرة، مات سنة تسعٍ وخمسين ومائتين.

(1) وفي تقرير الشيخ محمَّد حسن المكي: (قولُه: "القرآنُ هَيِّن" أي: سَهْلْ حِفْظُه، لكن الأشدّ هو حفظ مجموع الوحي، وهو هذا القرآن مع شيءِ زائدٍ موجودٍ عند أهل البيت ليس عليه الاطلاع لأَحَدٍ. وكذلك زاد الشيعة على هذا القرآن زيادةً كثيرةً، وقالوا: إنها من القرآن طَرَحها عنه عثمان رضي الله تعالى عنه، فالوَحْيُ إشارة إلى مجموعها، وهذا تشيُّعٌ منه)"الحل المفهم"(1/ 16).

(2)

وقال الشيخ الكنكوهي: (قولُه: "الوَحْيُ أشَدُّ" أرادَ بالوحي السُّنَّة، فإنه الوحي الغير المتلوّ، ولا رَفض -أي: تَشَيُّع- في هذا الكلام بهذا المعنى).

وقال العلامة السَّنْدي: (قولُه: "الوَحْيُ أشَدُّ" هذا ممّا أُنكر عليه، وكان بناءً على أنه قال ذلك على اعتقادِ أهل التشيُّع: أن القرَآنَ المعروفَ مغيّرٌ، والوحي المنزل غيره، نعوذُ بالله منه)"الحل المفهم"(1/ 16 - 17).

ص: 316

حَدَّثَنِي أَحْمَدُ -يَعْنِي ابْنَ يُونس- حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ:

ــ

قال الحَجَّاجُ: (حَدَّثني أحمدُ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يعني) شيخي حجاجُ بن الشاعر، ويقصدُ بأحمدَ الذي روى عنه: أحمدَ (ابنَ يُونُسَ) نُسِبَ إلى جدهِ وشُهِرَ به؛ لأنه أحمدُ بن عبد الله بن يونس بن عبد الله بن قيس التميمي اليَرْبُوعي نسبة إلى اليَرْبُوع بن مالك بَطْنٍ كبيرٍ من تميم كما في "اللباب"(3/ 409)، أبو عبد الله الكوفي.

روى عن عاصم بن محمَّد وابن أبي ذئب وابن أبي ليلى والثوري، وإسرائيل، وخَلْقٍ كثير، ويروي عنه (خ م د) وأبو زُرْعَة، وعَبْد بن حُمَيد، وحَجاج بن الشاعر و (ت س ق) بواسطة، قال أحمدُ فيه: هو شيخ الإِسلام، وقال أبو حاتم: كان ثقةً مُتْقنًا.

وقال في "التقريب": ثقةٌ حافظٌ، من كبار العاشرة، مات سنة سبعٍ وعشرين ومائتين، وله أربع وتسعون سنة.

قال أحمد بن يونس: (حَدَّثنا) وفي نسخة: أخبرنا (زائدةُ) بن قُدامة الثقَفي أبو الصَّلْتِ -بفتح أوله وسكون ثانيه- الكوفي أحدُ الأعلام الحُفَّاظ.

روى عن سِماك بن حَرْب وزياد بن عِلاقة وعاصم بن بَهْدَلة، ويروي عنه (ع) وابن عُيَينَة وحُسَين الجُعْفي وابن مهدي وأحمد بن يونس.

قال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ صاحب سُنَّة، من السابعة، مات سنة ستين ومائة، وقيل: بعدها.

وليس في مسلم من اسمه (زائدة) إلَّا هذا الثقة.

(عن) سُلَيمَان بن مِهْران (الأعمشِ) الكاهلي مولاهم، أبي محمَّد الكوفي.

قال في "التقريب": ثقة حافظ عارف بالقراءات وَرِع لكنه يُدَلّس، من الخامسة، مات سنة ثمانٍ وأربعين ومائة.

(عن إبراهيمَ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النَّخَعي أبي عمران الكوفي، من

ص: 317

أَنَّ الْحَارِثَ قَال: تَعَلَّمْتُ الْقُرآنَ في ثَلاثِ سِنِينَ وَالْوَحْيَ في سَنتَينِ، أَوْ قَال: الْوَحْيَ في ثَلاثِ سِنِينَ وَالْقُرانَ في سَنتَينِ

ــ

الخامسة، مات سنة ست وتسعين، وهو ابنُ خمسين سنة كما مَرَّ آنفًا.

وهذا السَّنَدُ من خُماسياته، ومن لطائفه: أن رجاله كُلَّهم كوفيُّون إلّا حَجَّاج بن الشاعر؛ فإنه بغدادي، وغَرَضُه بسَوْق هذا السند: بيانُ متابعة الأعمش لمغيرة بن مِقْسَم في رواية هذا الأثَرِ عن إبراهيم النَّخَعي، وكَرَّرَ المتنَ لما بين الروايَتَينِ من المُخالفة.

وجملةُ قوله: (أن الحارثَ) الأعورَ (قال

) إلخ مفعولٌ ثانٍ لـ (حدثني حَجَّاجُ بن الشاعر) أو لـ (حدَّثَنا) زائدة؛ أي: قال المؤلِّفُ رحمه الله تعالى: حدثني حجاج بن الشاعر بواسطة هؤلاء المشايخ: أن الحارثَ الأعورَ قال: (تَعَلَّمْتُ القرآنَ) وحَفِظْتُهُ (في) مُدَّة (ثلاثِ سنينَ و) تَعَلَّمْتُ (الوَحْيَ) والكتابةَ (في سَنَتَينِ) وهذا يَدُلُّ على أن القرآنَ أشَد من الكتابة.

وقولُه: (أو قال) شَكٌّ من إبراهيم النَّخَعي؛ أي: قال إبراهيمُ أو قال الحارثُ: تَعَلَّمْتُ (الوَحْيَ) والكتابةَ (في ثلاثِ سنينَ و) تَعَلَّمْتُ (القرآن في سَنَتَينِ) وهذا يَدُلُّ على أن الكتابةَ أشَدُّ من القرآن، وهذا مُوَافِقٌ لما قاله علقمة بن قيس بالنسْبة إلى القرآن؛ لأن علقمة لم يذكر الوحي.

وعبارةُ السنوسي هنا: (وأمّا قول الحارث: "تَعَلَّمْتُ القرآنَ في ثلاثِ سنينَ والوَحْيَ في سَنتَين، أو قال: الوَحْيَ في ثلاثِ سنينَ والقرآنَ في سنتَين"، وفي الرواية الأخرى: "القرآنُ هَيِّنٌ، الوَحْيُ أَشَدُّ" فقد ذَكَرَهُ الإمامُ مسلم رحمه الله تعالى في جملة ما أنكروه على الحارث وجُرِحَ به)(1).

قال القاضي عِياض: (وأرجو أن هذا من أخفّ أقواله؛ لاحتماله الصواب، فقد فَسَّرَه بعضُهم أن المرادَ بالوحي هنا: الكتابةُ ومعرفةُ الخطّ، وعن الخَطَّابي مثلُه، وقال ابنُ دريد: وَحَى يَحِي وَحْيًا -من باب وَعَى- إذا كَتَبَ، وقال الهَرَويُّ في قوله

(1)"مكمل إكمال الإكمال"(1/ 29).

ص: 318

[48]

وَحَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، قَال: حَدثني أَحْمَدُ -وَهُوَ ابْنُ يُونس-

ــ

تعالى: {فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا} أي: كَتَبَ لهم في الأرض؛ إذْ كان لا يتكلم، وقيل: أوحى: رمز، وقال بعضُ اللغويين: وَحَى وأوحى واحد، وقاله صاحب "الأفعال") اهـ (1).

قلتُ: كأنّه أرادَ بـ (الوَحْي): ما في الصحيفة التي في قِراب سيف عليّ رضي الله عنه؛ تعريضًا إلى كثرة ما فيها.

وعبارة النووي هنا: (فقد ذَكَرَ الإمامُ مسلمٌ هذا الكلام في جملة ما أُنْكِرَ على الحارث، وجُرِّحَ به وأُخِذَ عليه من قبيح مذهبه وغُلُوِّه في التشيُّع وكَذِبِهِ، قال القاضي عِياض (2) رحمه الله: وأرجو أن هذا من أخَفِّ أقواله لاحتماله الصوابَ، فقد فَسَّرَهُ بعضُهم بأن الوَحْيَ هنا الكتابةُ ومعرفةُ الخط قاله الخَطَّابي، يُقال: أوحى وَوَحَى إذا كَتَبَ، وعلى هذا: ليس على الحارث في هذا دَرَكٌ، وعليه الدَّرَكُ في غيره، قال القاضي: ولكنْ لمّا عُرِفَ قُبْحُ مذهبه وغُلوُّه في مذهب الشيعة ودعواهم الوصيَّةَ إلى عليّ رضي الله عنه وسِرّ النبي صلى الله عليه وسلم إليه من الوحي وعلم الغيب ما لم يَطَلِعْ غيرُه عليه بزعمِهمِ .. سِيئَ الظنُّ بالحارث في هذا، وذُهِبَ به ذلك المذهب، ولعلَّ هذا القائل فهِمَ من الحارث معنى منكرًا فيما أراده، والله أعلم) اهـ (3).

ثم ذكر المؤلِّفُ رحمه الله تعالى ثانيًا المتابعةَ في أثرِ إبراهيم النَّخَعِي فقال:

[48]

(وَحَدَّثَنِي حَجَّاجٌ) وابنُ الشاعر (قال) الحَجَّاجُ: (حَدَّثَني أحمدُ) قال المؤلفُ رحمه الله تعالى: (وهو) أي: أحمدُ الذي روى عنه شيخي حَجَّاجٌ: أحمدُ (ابنُ يونس)؛ أي: أحمدُ بن عبد الله بن يونس المنسوبُ إلى جدِّهِ كما مرَّ آنفًا، وأتى بلفظ (هو) ولم يَقُلْ (أحمد بن يونس) إيضاحًا للراوي وإشعارًا بأن هذه

(1)"إكمال المعلم"(1/ 139).

(2)

"إكمال المعلم"(1/ 139).

(3)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 98 - 99).

ص: 319

حَدَّثنا زَائِدَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالْمُغِيرَةِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ:

ــ

النِّسْبةَ ممّا زادَهُ من عند نفسه لا ممّا سمِعَهُ من شيخه، وتَحَرُّزًا من الكذب على شيخه بنِسْبَتِهِ إليه ما لَم يَقُلْه، وأتَى فيما قبله بلفظ (يعني) وهنا بلفظ (هو) -مع أن الغرضَ منهما واحدٌ- للتفنن، وهو عند البديعيين ذِكْرُ نوعَينِ من الكلام مع كَوْنِ المرادِ منهما واحدًا، لثِقَلِ تكرارِ أحدهما على اللسان، وهو من المحسنات البديعية اللفظية.

قال أحمد بن يونس: (حَدَّثَنا زائدةُ) بن قُدامة الثَّقَفي الكوفي (عن منصورِ) بن المُعْتَمِرِ بن عبد الله السلمي أبي عَتَّابٍ -بمثناة بعدها جاء موحدة- الكوفي، أحد الأئمة الأعلام المشاهير.

روى عن إبراهيم النَّخَعي وأبي وائل والحَسَن البصري وغيرِهم، ويروي عنه (ع) وأيوب وحصين بن عبد الرحمن والثوْري ومِسْعَر وزائدة وخَلْق.

قال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ وكان لا يُدَلِّسُ، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة.

وقولُه: (و) عن (المغيرةِ) بن مِقْسَم الضبيِّ الكوفي بالجرّ معطوفٌ على (منصور).

روى عن إبراهيم النخَعِي والشَّعْبي ومُجاهد وخلق، ويروي عنه (ع) وشُعْبةُ والثوْرِيُّ وزائدةُ وغيرُهم.

قال في "التقريب": ثقةٌ مُتقِنٌ إلا أنه كان يُدَلسُ ولا سِيما عن إبراهيم -ففائدةُ هذه المقارنة حينئذٍ: بيانُ كثرة طُرُقِه؛ لأن المغيرةَ ضعيفٌ عن إبراهيم، من السادسة، مات سنة ستٍّ وثلاثين ومائة على الصحيح.

كلاهما (عن إبراهيمَ) بن يَزِيد النَّخَعي الكوفي.

وغَرَضُه بِسَوْقِ هذا السَّنَدِ بيانُ متابعة منصورٍ للأعمش في رواية هذا الأثر عن إبراهيم، وكَرَّرَ المَتْنَ؛ لما بين الروايتَينِ من المخالفة، ومن لطائف هذا السند أيضًا: أن رجاله كُلَّهم كوفيون إلَّا حَجَّاج بن الشاعر كما مَرَّ آنفًا.

ص: 320

أَنَّ الْحَارِثَ اتُّهِمَ.

[49]

وَحَدَّثَنَا قتيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ حَمْزَةَ الزيَّاتِ قَال: سَمِعَ مُرةُ الْهَمْدَانِيُّ

ــ

وقولُه: (أن الحارثَ اتُّهِمَ) بفتح همزة أن: مفعولٌ ثانٍ لي (حَدَّثني حَجَّاجٌ)، أو لما بعده كما مَرَّ؛ أي: حَدَّثني حَجَّاجُ بن الشاعر بواسطة هؤلاء المشايخ: أن الحارث بن عبد الله الأعورَ اتُّهِمَ بالكَذِب والوَضع في حديثه؛ لغُلُوِّه في التشيُّع، وسِيءَ به الظن بأنه قصد بالوحي ما زعموا أن عَليًّا رضي الله عنه اختص ببعضِ الوَحْي وعلمِ الغيب الذي أسَرَّ إليه النبي صلى الله عليه وسلم مما لم يطلعه على غيره.

ثم استشهد المؤلِّفُ رحمه الله تعالى لِمَا مَرَّ بأثَرِ مُرّة الهَمْداني فقال:

[49]

(وحَدَّثنا قتيبةُ بن سعيدِ) بن جميلِ بن طَرِيف البَغْلاني، قال:(حَدثنا جرير) وابنُ عبد الحميد بن قُرْط الكوفي، (عن حمزةَ) بن حَبيب بن عُمارة (الزيَّاتِ) -بالزاي وتشديد الياء نسبة إلى بَيع الزيت؛ لأنه كان يجلَب الزيتَ من الكوفة إلى حلوان- أبي عمارة الكوفي، أَحَدِ القُرّاء السبعة.

روى عن أبي إسحاق السَّبِيعي وأبي إسحاق الشيباني والأعمش وحَبيب بن أبي ثابت ومنصور بن المُعْتَمِر وغيرِهم، ويروي عنه (م عم) وابن المَبارك وجَرِير بن عبد الحميد وأبو أحمد الزبيري ومحمد بن فُضَيل ووَكِيع وخَلْق.

قال في "التقريب": صدوقٌ زاهدٌ ربما وَهِمَ، من السابعة، مات سنة ست أو ثمانٍ وخمسين ومائة.

(قال) حمزةُ: (سَمِعَ مُرَّةُ) بن شَرَاحيل (الهَمْدَاني) بسكون الميم أبو إسماعيل الكوفي العابد يُقال له: مُرّة الطيب ومُرَّة الخير، لُقِّبَ بذلك لعبادته.

روى عن أبي بكرٍ وعُمَرَ وعليّ وأبي ذرٍّ وحُذَيفَة وابن مسعود وطائفة، ويروي عنه (ع) والشعْبِي وطلحة بن مُصَرِّف وإسماعيل بن أبي خالد وعطاء بن السائب وعَمْرو بن مُرَّة وغيرُهم، وَثَّقهُ ابنُ مَعِين.

ص: 321

مِنَ الْحَارِثِ شَيئًا، فَقَال لَهُ: اقْعُدْ بِالْبَابِ، قَال: فَدَخَلَ مُرَّةُ وَأَخَذَ سَيفَهُ، قَال: وَأَحَسَّ الْحَارِثُ بِالشَّرِّ فَذَهَبَ

ــ

وقال في "التقريب": ثقةٌ عابدٌ من الثانية، مات سنة ستٍّ وسبعين، وقيل: بعد ذلك.

وليس في مسلم من اسمه (مُرَّة) إلَّا هذا الثقة.

تنبيه:

في هذا السند انقطاعٌ؛ لأن حمزة الزيَّات لم يُدْرِكْ مُرّة.

أي: سَمِعَ مُرَّةُ الهَمْدَانِيُّ (من الحارثِ) الأعورِ (شيئًا) من الكلام ممَّا يَدُلُ على تشيُّعِه وكَذِبه ولم يُبيِّن ذلك الكلامَ (فقال) مُرَّةُ (له) أي: للحارثِ: (اقْعُدْ) في هذا المكان والْزَمْ (بـ) هذا (الباب) حتى أدْخُلَ البيتَ وأخرجَ إليك (قال) حمزةُ: (فدَخَلَ مُرَّةُ) البيتَ (وأخَذَ سيفَهُ) ليقتل الحارثَ كأنّه سمع منه ما يُوجبُ قَتْلَه (قال) حمزةُ: (وأحَسَّ الحارثُ بالشَّرِّ) والقتل الذي أراده؛ أي: عَلِمَ الحارَثُ بالقرينة بالشرِّ والضَّرَرِ الذي أراده؛ مُرَّة به (فذَهَبَ) الحارثُ وشَرَدَ ولم ينتظر خوفًا من إيقاع شَرِّه عليه، وإنفاذِ ضرره الذي أراده به، وهذا السَّنَدُ من رُباعياته، ورجالُه كُلُّهم كوفيون إلَّا قتيبة بن سعيد؛ فإنه بَغْلانِيٌّ كما مَرّ.

قولُه: (وأحَسَّ بالشرِّ) قال النوويُ: (هكذا ضبطناه من أصول محققة: "أحَسَّ" ووَقَعَ في كثيرٍ من الأُصول أو أكثرِها: "حَسَّ" بغير ألف، وهما لُغتان، ولكن "أَحَسَّ" أفصحُ وأشهرُ، وبها جاء القرآن العزيز، بمعنى "عَلِمَ" و"أيقَنَ" كقوله تعالى:{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ} .

وأمّا قولُ الفقهاء وأصحابِ الأصول: "الحاسّة والحواسّ الخمس" .. فإنما يَصِحُّ على اللغة القليلة: "حَسَّ" بغير ألف (1)، والكثيرُ في "حَسَّ" بغير ألف أن تكون بمعنى "قتَل" كقوله تعالى:{إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ} (2).

(1) انظر "صيانة صحيح مسلم"(ص 126).

(2)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 99).

ص: 322

[50]

وَحَدَّثَنِي عُبَيدُ الله بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيّ- حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ

ــ

ثم استشهد المؤلِّفُ لِمَا مَرَّ أيضًا بأثَرٍ آخَرَ لإبراهيم فقال:

[50]

(وحَدَّثني عُبَيدُ اللهِ بن سعيدِ) بن يحيى اليَشْكُري مولاهم، أبو قُدامة السرخسي نزيل نيسابور الحافظ.

روى عن ابن عُيَينَة وحفص بن غِياث وأبي معاوية وابن مهدي، ويروي عنه (خ م س) وابن خُزَيمة والسرَّاج.

قال في "التقريب": ثقة مأمونٌ سُنِّيٌّ، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومائتين.

قال عُبَيدُ الله: (حَدَّثنا عبدُ الرحمنِ) قال المؤلِّفُ رحمه الله تعالى: (يعني) ويقصد شيخي عُبَيدُ اللهِ بعبد الرحمن الذي رَوَى عنه: عبدَ الرحمنِ (ابنَ مَهْدِيِّ) بن حسان الأزدي مولاهم، أبا سعيد البصري اللؤلؤي الحافظ الإِمام العلم، وأتى بلفظ (يعني) إشارةَ إلى أن هذه النِّسْبَة لم يسمعها من شيخه.

روى عن عُمر بن ذَرّ وعكرمة بن عمار وشُعْبة وحماد بن زيد وغيرهم، ويروي عنه (ع) وابن المبارك وأحمد وابن مَعِين.

قال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ حافظ عارفٌ بالرجال والحديث، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومائة بالبصرة، عن ثلاثٍ وستين سنة كما مَرّ.

قال عبد الرحمن: (حَدَّثنا حَمَّادُ بن زيدِ) بن دِرْهَم الأزدي أبو إسماعيل الأزرقُ البصري الحافظ مولى آل جَرِير بن حازم، أحَدُ الأعلام.

روى عن أنس بن سيرين وثابت وأيوب وغيرِهم.

قال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ فقيه، من كبار الثامنة، مات سنة تسعٍ وسبعين ومائة، وله إحدى وثمانون سنة.

(عن) عبد الله (بنِ عَوْنِ) بن أرْطَبان -بفتح فسكونِ ففَتْحِ- المُزَنيِّ أبي عون البصري، أحَدِ الأعلام.

ص: 323

قَال: قَال لَنَا إِبْرَاهِيمُ: إِيَّاكُمْ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ سَعِيدٍ وَأَبَا عَبْدِ الرَّحِيمِ؛ فَإِنَّهُمَا كَذَابَانِ

ــ

روى عن عطاء ومجاهد وإبراهيم النّخَعِي والشعْبي وخَلْق، ويروي عنه (ع) وشُعْبة والثَّوْري وغيرهم.

قال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ فاضلٌ، من السادسة، مات سنة خمسين ومائة.

(قال) ابنُ عَوْن: (قال لنا إبراهيمُ) بن يَزِيد النَّخَعِي الكوفيُّ، من الخامسة، مات سنة ستٍّ وتسعين، عن خمسين سنة.

وهذا السَّنَدُ من خماسياته، ورجاله: ثلاثة منهم بصريون، وواحدٌ نيسابوري، وواحدٌ كوفي.

وقولُه: (إيّاكم) منصوبٌ على التحذير بعاملٍ محذوف وجوبًا؛ لِيقام المعطوف مقامَه (والمغيرةَ بنَ سعيدٍ وأبا عبد الرحيمِ) معطوفان عليه؛ أي: بَاعِدُوا أيُها الناسُ أنفسَكم عن رواية حديثِ المغيرةِ بن سعيد وحديثِ أبي عبد الرحيم (فإنَّهما كَذابانِ) في الحديث.

قال النووي: (وأمّا المغيرةُ بن سعيدِ: فقال النَّسائيُّ في كتابه "الضعفاء": هو كوفي دَجَّال، أُحرق بالنار زَمَنَ النَّخَعِيّ، ادعَى النبوة.

وأمّا أبو عبد الرحيم: فقيل هو شقيق الضبي الكوفي القاصّ (1)، وقيل: هو سلمة بن عبد الرحمن النَّخَعي، وكلاهما يُكنى أبا عبد الرحيم، وهما ضعيفان، وسيأتي ذِكْرُهما قريبًا أيضًا إن شاء الله تعالى) اهـ (2).

وفي "الميزان" للذهبي (4/ 160 - 162): (المغيرة بن سعيد البجلي: هو أبو عبد الله الكوفي الرافضي الكذَّاب، قال حماد بن عيسى الجهني: حدثني أبو يعقوب الكوفي سمعتُ المغيرة بن سعيد يقول: سألت أبا جعفر: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت برسول الله صلى الله عليه وسلم خائفًا، وأصبح الناس كلهم برسول الله صلى الله عليه وسلم آمنين، وقال حَمَّاد بن زيد عن ابن عَوْن قال لنا إبراهيم: إياكم

(1) انظر "الكنى والأسماء" للدولابي (2/ 70)، و "لسان الميزان"(3/ 151).

(2)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 100).

ص: 324

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

والمغيرةَ بنَ سعيدٍ وأبا عبد الرحيم فإنهما كَذَّابانِ.

وروى حَمَّاد عن الشعبي أنه قال للمغيرة بن سعيد: ما فَعَل حُبُّ علي؟ قال: في العَظْم والعَصَب والعُرُوق.

وقال شَبَابَةُ: حدثنا عبد الأعلى بن أبي المساور، سمعتُ المغيرة بن سعيد الكَذَّاب يقول: إن الله يأمر بالعدل "علي" والإحسان "فاطمة" وإيتاء ذي القربى "الحسن والحسين" وينهى عن الفحشاء والمنكر، قال: فلان أفحش الناس والمنكر فلان كأنه ذَكَرَ الشيخَين.

وقال جرير بن عبد الحميد: كان المغيرة بن سعيد كَذابًا ساحرًا.

وقال الجوزجاني: قُتل المغيرة على ادعاء النبوة، كان أشعل النيران بالكوفة على التمويه والشعبذة حتى أجابه خلق، قال الأعمش: فقلت: واللهِ لأسالنّه، فقلتُ: كان عَلِي يُحيي الموتى؟ فقال: إي والذي نفسي بيده لو شاء أحيا عادًا وثمود، قلتُ: مِنْ أين علمتَ ذاك؛ قال: أتيت بعض أهل البيت فسقاني شربةَ من ماء، فما بَقِيَ شيء إلَّا وقد عَلِمْتُه.

قال أبو معاوية: عن الأعمش قال: جاءني المغيرة بن سعيد، فلمُّا صارَ على عَتَبةِ الباب وَثَبَ إلى البيت فقلت: ما شأنك؟ فقال: إن حِيطانَكم هذه لخَبيثة، ثم قال: طوبى لمن يَرْوى من ماءِ الفُراتِ، فقلتُ: ولنا شراب غيره؟ قال: إنه يُلْقى فيه المحايضُ والجِيفُ، قلت: من أين تشرب؟ قال: من بئر، وكان ألحَنَ الناس فخرج يقول: كيف الطريقُ إلى بنو حَرام؟

قال أبو معاوية عن الأعمش قال: أوّل مَنْ سمعتُه يَنتقِص أبا بكرِ وعُمَرَ المغيرةُ المصلوبُ.

قال كَثيرٌ النوَّاءُ: سمعتُ أبا جعفر يقول: برئ الله ورسوله من المغيرة بن سعيد وبيان بن سمعان فإنهما كَذَبا علينا أهلَ البيت.

قال عبد الله بن صالح العجلي: حدثنا فُضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن الحسن، قال: دخَلَ عليُّ المغيرةُ بن سعيد وكنتُ أُشَبُّهُ وأنا شابٌّ برسول الله صلى الله عليه وسلم، فذَكَرَ من قرابتي وَشَبَهي وأملَه في، ثم ذكر أبا بكر وعمر فلَعنهما فقلتُ:

ص: 325

[51]

حَدَّثنا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ،

ــ

يا عدو الله؛ أعندي؟ ! قال: فخَنَقْتُه خنقا حتى أدْلَع لسانه.

قال أبو عوانة عن الأعمش قال: أتاني المغيرة بن سعيد فذَكَر عليًّا رضي الله عنه وذَكَر الأنبياءَ صلوات الله عليهم وسلامه ففَضَّلَه عليهم ثم قال: كان علي بالبصرة فأتاه أعمى فمسح على عينيه فأبصر، ثم قال له: أتُحب أن ترى الكوفة؟ قال: نعم، فحملت الكوفة إليه حتى نظر إليها، ثم قال لها: ارجعي فرجعت، فقلت: سبحان الله سبحان الله، فتركني وقام.

قال ابن عدي: لم يكن بالكوفة أَلْعَنُ من المغيرة بن سعيد فيما يُرْوَى عنه من الزور عن عليّ، هو دائمُ الكذب على أهل البيت، ولا أعرف له حديثًا مسندًا، وقال ابن حزم: قالت فرقةٌ عادية بنُبوَّة المغيرة بن سعيد، وكان -لَعنَهُ الله- مَوْلَى بَجِيلَة.

قال أبو بكر بن عياش: رأيتُ خالدَ بنَ عبد الله القسريَّ حين أُتِيَ بالمغيرة بن سعيد وأتباعِه فقتَل منهم رجلًا ثم قال للمغيرة أخيِه، وكان يُريهم أنه يُحيي الموتى، فقال: والله ما أُحيي الموتى، فأمَرَ خالدٌ بِطَنِّ قَصَبٍ فأضرم نارًا ثم قال للمغيرة: اعتنقْه، فأبَى، فعدا رجلٌ من أصحابه فاعتنقه والنارُ تَأكلُه، فقال خالد: هذا واللهِ أحَق منك بالرياسة، ثم قتَلَه وقتَلَ أصحابَه.

قلتُ: وقُتل في حدود العشرين ومائة.

وأما أبو عبد الرحيم: فهو كوفيّ زنديقٌ في زمن التابعين، ذكره الحاكمُ في كتاب "الإكليل".

وأمَّا شَقِيقٌ الضبيُّ: فهو من قدماء الخوارج صدوق في نفسه، وكان يَقُصُّ في الكوفة، وكان أبو عبد الرحمن السلمي يَذُمُّه ويزجر الناسَ عنه) اهـ من "ميزان الاعتدال" للذهبي.

ثم استشهد المؤلفُ رحمه الله تعالى لِمَا مَرّ أيضًا بأثَر عاصم بن بَهْدَلَة فقال:

[51]

(حَدَّثَنا أبو كاملٍ) فُضَيل بن حُسَين -بالتصغير فيهما- ابنِ طلحة البصري (الجَحْدَرِي) بجيم مفتوحة، ثم حاء ساكنة، ثم قال مفتوحة، قال أبو سَعْد

ص: 326

حَدَّثنا حَمَّادٌ -وَهُوَ ابْنُ زَيدٍ- قَال: حَدّثَنَا عَاصِمٌ

ــ

السمعاني: (هو منسوبٌ إلى جَحْدَرٍ "اسمِ رجلًا") اهـ (1).

روى عن الحَمَّادَينِ وأبي عَوَانة وسُليم بن أخضر وغيرهم، ويروي عنه (خت م د) و (س) بواسطة زكريا السَّجزي والبَغَوي وجَمْع. وثقَه ابنُ حِبان.

وقال في "التقريب": ثقة حافظٌ، من العاشرة، مات سنة سبع وثلاثين ومائتين.

قال أبو كامل: (حَدَّثَنا حَمَّادٌ)(قال المؤلفُ رحمه الله تعالى: (وهو) أي: حَمَّادٌ الذي روى عنه شيخي أبو كامل: هو حَمَّادُ (بن زيدِ) بن درْهَم -وأتى بـ (هُوَ) إشارةً إلى أنه لم يسمع هذه النِّسْبة من شيخه أبي كامل، بل ممّا زاده من عند نفسه إيضاحًا للراوي كما مرّ - الأزديُّ أبو إسماعيل الأزرق البصري.

قال في "التقريب": ثقةٌ ثَبْتٌ فقيهُ، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومائة، وله إحدى وثمانون سنة.

(قال) حَمَّاد: (حَدَّثَنا عاصمُ) بن بَهْدَلة بفتح وسكون: اسم أمه، وقيل: أبوه، قاله ابن أبي داود (2)، وهو ابنُ أبي النَّجُود -بفتح النون وضم الجيم- الأسدي مولاهم، أبو بكر الكوفي، أحَدُ القُرّاء السبعة.

روى عن أبي وائل وأبي صالح السمَّان وحُمَيْد الطويل، وقرأ على أبي عبد الرحمن السُّلَمي وزِرٍّ وروى عنهما، ويروي عنه (خ م مقرونًا عم) وشُعْبة والسُّفْيانان وزائدة والحمادان وخَلْق، وثقَه أحمدُ والعِجْلِيُّ وأبو زُرْعة.

وقال في "التقريب": صدوق له أوهامٌ، حُجة في القراءة، وحديثُه في "الصحيحين" مقرونٌ -قرناه بآخر، وليس له عندهما غير حديثين (3) - مات سنة ثمان وعشرين ومائة، من السادسة.

(1)"الأنساب"(3/ 206).

(2)

انظر "تهذيب الكمال"(13/ 474).

(3)

قال الحافظ ابن حجر: (ما له في "الصحيحين" سوى حديثَين، كلاهما من روايته عن زِرّ بن حُبَيش عن أُبَي بن كعب، قرنه في كُلٍّ منهما بغيره، فحديثُ البخاري في تفسير سورة المعوّذتين، وله في البخاري موضعٌ آخرُ معلَّق في الفتن). "هدي الساري"(ص 411).

وانظر الحديثين في "تحفة الأشراف"(1/ 14 - 15) حديث رقم (18) و (19).

ص: 327

قَال: كُنَّا نأتِي أَبَا عَبْدِ الرحمنِ السُّلَمِي ونَحْنُ غِلْمَةٌ أَيفَاعٌ،

ــ

(قال) عاصمُ بن بَهْدَلَة: (كنَّا) معاشرَ الشباب (نأتي) ونجيءُ (أبا عبد الرحمن السُّلَمِي) بضمِّ السين، عبد الله بن حبيب بن رُبَيِّعَةَ -بضم الراء وفتح الموحدة وكسر المثناة المشددة آخره هاء- الكوفي التابعي الجليل المقرئ، مشهورٌ بكُنْيته، ولأبيه صحبة.

روى عن عُمر وعثمان وعلى وابن مسعود وطائفة، ويروي عنه (ع) وإبراهيم النَّخَعي وعلقمة بن مَرْثد وعاصم بن بَهْدَلة، قال أبو إسحاق: أقْرَأَ القرآن في المسجد أربعين سنة، وثَّقَه النسائي.

وقال في "التقريب": ثقةٌ ثبتٌ، من الثانية، مات بعد السبعين.

وهذا السَّنَدُ من رباعياته: اثنان منهم بصريان واثنان كوفيان.

وجملةُ قوله: (ونحن غِلْمَةٌ أيْفَاعٌ) حالٌ من فاعل (نأتي) أي: كُنَّا نأتي إلى أبي عبد الرحمن السُّلَمي لاستماعِ الحديث وقراءةِ القرآن حالةَ كَوْنِنا غلمانًا أيفاعًا؛ أي: أولادًا شيبة.

وقولُه: (غِلْمَةٌ) بكسر الغين المعجمة وتسكين اللام: جمع غُلام، واسمُ الغلامِ يَقَعُ على الصبي من حين يُولَدُ على اختلاف حالاته إلى أن يبلغ.

وقوله: (أيفاع) بفتح الهمزة وسكون الياء: جمع يافع؛ أي: شيبة (1).

قال القاضي عِياضٌ: (معناه: شَبَبة بالغون، يُقال: غُلامٌ يافع ويَفَعٌ ويَفعة -بفتح الفاء فيهما- إذا شبَّ وبَلَغ، أو كادَ أنْ يبلغ، قال الثعالبي: إذا قارَبَ البلوغ أو بلَغَه .. يُقال له: يافع وقد أيفع وهو نادر، وقال أبو عبيد: أيفع الغلام إذا شارف الاحتلامَ ولم يَحْتَلِم)(2)، هذا آخر نقل القاضي عياض.

قال النووي: (وكان اليافعَ مأخوذٌ من اليَفَاع بفتح الياء، وهو ما ارتفع من الأرض، قال الجوهري: ويُقال: غلمان أيفاع ويفعة أيضًا) اهـ (3).

(1) انظر "شرح صحيح مسلم"(1/ 100)، و "مكمل إكمال الإكمال"(1/ 30).

(2)

"إكمال المعلم"(1/ 139).

(3)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 100).

ص: 328

فَكَانَ يَقُولُ لَنَا: لَا تُجَالِسُوا الْقُصَّاصَ غَيرَ أَبِي الأَحْوَصِ، وإيَّاكُمْ وَشَقِيقًا،

ــ

(فكان) أبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ (يقولُ) إرشادًا (لنا) ونصيحةً: (لا تُجَالِسُوا القُصَّاصَ) أي: لا تجلسوا مع الذين يَقُصُّون القَصَصَ والأخبارَ؛ لأنه لا تخلو أخبارُهم عن الأكاذيب والأباطيل.

قال النووي: (والقُصَّاصُ بضم القاف: جمعُ قاصّ، وهو الذي يقرأ القَصَص والأخبارَ على الناس، قال أهل اللغة: القصة: الأمر والخبر، وقد اقتصصتُ الحديثَ إذا رويته على وجهه، وقصَّ عليه الخبر قَصصا بفتح القاف، والاسمُ أيضًا القَصَص بالفتح، والقِصص بالكسر اسم جمع للقصة) اهـ (1).

وفي "القاموس": (يقال: قصّ أثره قصا وقصصا تتبعه، وقص الخبر أعلمه وبينه ومنه قولُه تعالى: {فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} أي: رجعا من الطريق الذي سلكاه يقصان الأثَرَ، ومنه: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} نبيِّنُ لك أحْسَنَ البيانِ، والقاص: مَنْ يأتي ويخبر بالقصة) اهـ

أي: لا تجلسوا مع القُصاص كلهم (غيرَ أبي الأحوصِ) وأمثالِه من الثقات المأمونين، أمّا أبو الأحوص .. فاجلسوا معه واستمعوا حديثَه؛ لأنه ثقة مأمون.

(وأبو الأحوص) اسمه: عوف بن مالك بن نَضْلة -بفتح النون وسكون المعجمة -الجُشَمي -بضم الجيم وفتح المعجمة- الكوفي، مشهورٌ بكُنْيته.

روى عن أبيه وأبي موسى الأشعري، ويروي عنه (م عم) وأبو إسحاق وعبد الملك بن عُمَير وعاصم وخَلْق، وثَّقَهُ ابنُ مَعِين.

وقال في "التقريب": ثقة من الثالثة، قتَلَتْهُ الخوارجُ في أيام ولاية الحَجَّاج على العراق.

(وَإيَّاكم وَشَقِيقًا) أي: وبَاعِدُوا أنفسَكم أيُها الغلمانُ عن مجالسةِ شَقِيقٍ واستماعِ حديثِه وروايتِه؛ فإنه كَذَّابٌ لا يُؤْمَنُ في حديثه.

(1) المصدر السابق.

ص: 329

قَال: وَكَانَ شَقِيقٌ هَذَا يَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ، وَلَيسَ بأبِي وَائِلٍ.

[52]

حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ

ــ

قال النووي: (وأمّا شَقِيقٌ الذي نُهِيَ عن مجالسته: فقال القاضي عِيَاضٌ (1): هو شقيق الضبِّيُّ الكوفي القاصُّ ضَعَّفَهُ النسائيُّ، كُنْيته أبو عبد الرحيم، قال بعضُهم (2): وهو أبو عبد الرحيم الذي حَذَّر منه إبراهيم النَّخَعِيُّ قبل هذا آنفا، وقيل: إن أبا عبد الرحيم الذي حَذَّرَ منه إبراهيم هو سلمة بن عبد الرحمن النَّخَعِي، ذكر ذلك ابنُ أبي حاتم الرازي في كتابه عن ابن المَدِيني) اهـ (3)

(قال وكانَ شَقيقٌ هذا) أي: الذي نَهَى عن مجالستِه أبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ (يَرَى) ويعتقدُ (رأيَ الخوارج) ومذهبَهم، وهم قومٌ خَرَجُوا على المسلمين حين افتراقهم بعد وقعة صِفّين، واستباحوا سَفْكَ دمائِهم وأخْذَ أموالِهم، فقَاتَلَهم علي رضي الله عنه قَتْلَ استئصالٍ.

(وليس) شَقِيقٌ هذا (بأبي وائلٍ) أي: ليس هذا الذي نُهِيَ عن مجالسته بشَقِيق بن سلمة أبي وائل الأسديِّ المشهورِ المعدودِ في كبار التابعين ومن العلماء العاملين.

روى عن أبي بكر وعُمر وعثمان وعلي ومُعاذ بن جبل وطائفة، ويروي عنه (ع) والشعبي وعَمْرو بن مُرَّة ومغيرة بن مِقْسَم ومنصور وزُبَيد، تعلم القرآن في سنتين.

وقال في "التقريب": ثقةٌ مُخَضرَمٌ، مات في خلافة عُمر بن عبد العزيز (4)، وله مائة سنة رحمه الله تعالى.

ثم استشهد المؤلِّفُ رحمه الله تعالى بأثَرِ جرير بن عبد الحميد فقال:

[52]

(حَدثنا أبو غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة وتشديد السين المهملة، والمسموعُ في كتُبِ المحدِّثين ورواياتِهم غَسَّانُ بغير صرفٍ للعلمية وزيادة الألف والنون، وذكره

(1)"إكمال المعلم"(1/ 142).

(2)

انظر "الكنى والأسماء" للدولابي (2/ 70)، و"لسان الميزان"(3/ 151).

(3)

"شرح مسلم"(1/ 100 - 101).

(4)

انظر "تهذيب الكمال"(12/ 554).

ص: 330

محمد بْنُ عَمْرٍو الرَّازِيُّ، قَال: سَمِعْتُ جَرِيرًا يَقُولُ: لَقِيتُ جَابِرَ بْنَ يَزِيدَ الْجُعْفِي فَلَمْ أَكْتُبْ عَنْهُ؛ كَانَ يُؤْمِنُ بِالرَّجْعَةِ

ــ

ابن فارس في "المجمل" وغيرُه من أهل اللغة في باب (غسن) فالنون أصلية، وفي باب (غسس) فالنونُ زائدةٌ، وهذا تصريح بأنه يجوزُ صَرْفُه وتركُ صَرْفه، فمَنْ جَعَلَ النُّونَ أصليةً .. صَرَفه، ومَنْ جَعَلَها زائدةً .. لم يَصْرِفْه (1).

(محمدُ بن عَمْرِو) بن بَكْر بن سالم التميمي العَدَوي الطلاس (الرازِيُّ) المعروف بزُنيج بزاي ونون وجيم مصغرًا.

روى عن حَكَّام بن سَلْم وهارون بن المغيرة وطائفة، ويروي عنه (م د ق) وأبو حاتم -ووَثَّقَه- وأبو زرعة والحَسَن بن سفيان وغيرهم.

قال في "التقريب": ثقةٌ، من العاشرة، مات في آخر سنة أربعين ومائتين أو أوّل التي بعدها.

(قال) أبو غَسَّان: (سمعتُ جَرِيرًا) وابنُ عبد الحميد بن قُرْط الضبي الكوفي ثم الرازي، قال في "التقريب": ثقة من السابعة مات سنة ثمانٍ وثمانين ومائة، حالة كون جرير (يقول: لَقِيتُ جابرَ بنَ يَزِيدَ) بنِ الحارث (الجُعْفِيَّ) أبا عبد الله الكوفيّ، قال في "التقريب": ضعيف رافضي، من الخامسة، مات سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين ومائة.

وفي "الميزان"(1/ 384): (مات جابر سنة سبع وستين ومائة).

يروي عنه (د ت ق).

(فلم أكتُبْ) أنا (عنه) أي: عن جابرٍ الجُعْفِيِّ شيئًا من الحديث؛ لأنه (كان يُؤمِنُ) ويُصَدِّقُ ويعتقدُ (بالرجعة) قال النوويُّ: (هي بفتح الراء، قال الأزهريُّ وغيرُه: لا يجوزُ إلّا الفتح- وفي "القاموس": "ويؤْمِنُ بالرَّجْعة" بفتح الراء بالرجوع إلى الدنيا بعد الموت - وأمَّا رجعةُ المرأةِ المُطلقة .. ففيها لغتان: الكسر والفتح.

(1) انظر "شرح صحيح مسلم"(1/ 101).

ص: 331

[53]

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ

ــ

قال القاضي عِياض:

"وحُكي في هذه الرَّجْعة التي كان يُؤْمِنُ بها جابر الكسرُ أيضًا، ومعنى إيمانِه بالرَّجعة: هو ما تقولُه الرافضةُ وتعتقدُه بزَعْمِها الباطلِ أن عليّا رضي الله عنه في السحاب -فسوف يرجع إلى الأرض وينزل إليها ويُقاتِل مَنْ قتَلَ أولادَه- فلا نخرج -لقتال معاوية- مع مَنْ يخرج من ولده حتى يُنادي من السماء: أنِ اخْرُجُوا معه، وهذا نوع من أباطيلهم الكاذبة، وعظيم مِن جهالاتهم اللائقةِ بأذهانِهم السَّخيفةِ وعُقُولهم الواهية" اهـ بزيادة وتصرف (1).

ثم ذَكَرَ المؤلفُ رحمه الله تعالى المتابعةَ في جَرْحِ جابرِ الجُعْفِي فقال:

[53]

(حَدثنا الحَسَنُ) بن علي بن محمَّد الهذلي أبو علي (الحُلْوَانِيُّ) المكي الحافظ، ثقة من الحادية عشرة مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين.

قال الحَسَنُ: (حَدثنا يحيى بن آدمَ) بن سُلَيمَان الأموي مولاهم، أبو زكريا الكوفي أحدُ الأئمّة الأعلام.

روى عن فِطْر بن خليفة ومالك بن مِغْوَل وإسرائيل والثَّوْري وجَرِير بن حازم وغيرهم، ويروي عنه (ع) وأحمد وإسحاق وعلي بن المَدِيني والحَسَن الحُلْواني وغيرُهم.

قال في "التقريب": ثقة حافظ من كبار التاسعة مات سنة ثلاث ومائتين.

قال يحيى: (حَدثنا مِسْعَرُ) بن كِدام، بكسر أولهما، ابن ظهير بن عبيدة الهلالي أبو سلمة الكوفي، أحدُ الأعلام.

روى عن عطاء وسعيد بن أبي بُرْدة والحَكَم وغيرهم، ويروي عنه (ع) وسُليمان التَّيمي وشُعْبة والثَّوْري وخلق، ثقة ثَبْت من السابعة، مات سنة ثلاثٍ أو خمس وخمسين ومائة.

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 101)، "إكمال المعلم"(1/ 142 - 143).

ص: 332

قَال: حَدّثَنَا جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ مَا أَحْدَثَ.

[54]

وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبِ، حَدّثَنَا الْحُمَيدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ

ــ

ورجالُ السَّنَدِ ثلاثة: مكيٌّ وكوفيان، وغَرَضُه بسَوْقِهِ: بيانُ متابعة مِسْعَر لجريرٍ في جَرْح جابر بن يَزيد الجُعْفِيّ.

(قال) مِسْعَرٌ: (حَدَّثنا جابرُ بن يَزِيدَ) الأحاديثَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (قَبْلَ أنْ يُحْدِثَ) ويعتقدَ (ما أحْدَثَ) الآنَ واعتقَدهُ من الإيمان بالرَّجْعة، فتركنا الروايةَ عنه بعد ذلك، ودَلَّ هذا الأثَر بمفهومه: أن ما رواه المُحَدِّثُ قبل وقوع سبب الجَرْحِ منه .. يُقْبَلُ، وما بعدَه .. فلا، كما هو القاعدةُ عندهم.

ثم ذكر المؤلِّفُ رحمه الله تعالى المتابعةَ في جَرْح جابر الجُعْفي فقال:

[54]

(وحَدَّثني سَلَمَةُ بن شَبِيبِ) المِسْمَعي -بكسر الميم الأولين وفتح الثانية- النَّيسابوريُّ أبو عبد الرحمن الحافظ نزيل مكة.

روى عن أبي أسامة ويَزيد بن هارون وغيرهم، ويروي عنه (م عم) ومحمد بن هارون الرُّوياني.

قال في "التقريب": ثقة، من كبار الحادية عشرة، مات سنة سبع وأربعين ومائتين.

قال سَلَمَةُ بن شَبيب: (حَدثنا الحُمَيديُّ) عبدُ اللهِ بن الزبير بن عيسى المكي أبو بكر.

قال في "التقريب": ثقة حافظ فقيه، أَجَل أصحاب ابن عُيَينَة، من العاشرة، مات سنة تسع عشرة ومائتين، وقيل: بعدها، قال الحاكم: كان البخاري إذا وَجَدَ الحديثَ عن الحُمَيديّ .. لا يَعْدُوه إلى غيره، يروي عنه (خ من د ت س فق).

قال الحُمَيدِيُّ: (حَدَّثنا سفيانُ) بن عُيَينَة بن ميمون الهلالي أبو محمَّد الأعور الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ، من الثامنة، مات في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة، وله إحدى وتسعون سنة.

ص: 333

قَال: كَانَ الناس يَحْمِلُونَ عَنْ جَابِرٍ قَبْلَ أَنْ يُظْهِرَ مَا أَظْهَرَ، فَلَمَّا أَظْهَرَ مَا أَظْهَرَ .. اتَّهَمَهُ النَّاسُ في حَدِيثِهِ، وَتَرَكَهُ بَعْضُ الناس، فَقِيلَ لَهُ: وَمَا أَظْهَرَ؟ قَال: الإِيمَانَ بِالرَّجْعَةِ.

[55]

وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ،

ــ

ورجال هذا السَّندِ ثلاثة: واحد نيسابوريٌّ واثنان مكيان، وغَرَضُه بسَوْقِه: بيانُ متابعة سفيان لجريرٍ في جَرْحِ جابرِ أيضًا.

(قال) سفيانُ: (كان الناسُ يَحْمِلُون) الحديثَ ويَرْوُونَه (عن جابرِ) بن يَزِيد الجُعْفِي (قَبْلَ أنْ يُظْهِرَ ما أظْهَرَ) من اعتقادِه بالرَّجْعة (فلمّا أظْهَرَ) وأحْدَثَ جابرٌ (ما أَظْهَرَ) من اعتقاده بالرجعة ( .. اتهَمَه) أي: اتَّهَم جابرًا (الناسُ) من المُحَدِّثين، وارْتابُوا (في حديثِه، وتَرَكه) أي: وتَرَكَ حديثَه (بعضُ الناسِ) ورَفَضُوه ولم يَعْتَدُوا به.

(فقيل له) أي: لسفيان بن عُيَينَة: (وما أَظْهَرَ) جابر وأحْدَثَه؛ (قال) سفيانُ: أَظْهَرَ (الإيمانَ) والاعتقادَ (بالرَّجعة) أي: برجوعِ علي رضي الله عنه إلى الأرض وقتالِه مَنْ قتَل أولادَه.

ثم ذكر المؤلِّفُ أيضًا المتابعةَ في جَرْحِ جابرٍ فقال:

[55]

(وحَدَّثنا حَسَنُ) بن على (الحُلْوَانيُّ) المكيّ، ثقة من الحادية عشرة.

قال الحَسَنُ: (حَدَّثنا أبو يحيى) عبدُ الحميد بن عبد الرحمن (الحِمَّانِيُّ) بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم، منسوب إلى حِمَّان وهي قبيلة من تميم، الكوفيّ، لَقَبُهُ بَشْمِينُ بفتح الموحدة وسكون المعجمة وكسر الميم بعدها تحتانية ساكنة ثمّ نون.

روى عن بُرَيْد بن أبي بُرْدة والأعمش والسُّفْيَانينِ وأبي حَنِيفة وجماعة، ويروي عنه (خ من د ت ق) وأبو بكر محمَّد بن خلف الحَدَّادي وأبو كُرَيب وخلق.

قال أحمدُ وابنُ سَعْد: كان ضعيفًا، وقال العِجْلِيُّ: كوفيّ ضعيف الحديث

ص: 334

حَدّثَنَا قَبِيصَةُ وَأَخُوهُ: أنَّهمَا سَمِعَا الْجَرَّاحَ بْنَ مَلِيحٍ

ــ

مُرْجئ، وقال ابنُ مَعِين: كان ثقةً ولكنه ضعيف العقل.

وقال في "التقريب": صدوق يُخطئ ورُمِيَ بالإرجاء، من التاسعة، مات سنة اثنتين ومائتين.

قال الحِمَّانِيُّ: (حَدَّثنا قَبِيصَةُ) -بفتح أوله وكسر الموحدة- ابن عُقْبة بن محمَّد بن سفيان بن عقبة بن ربيعة بن جُنَيدب بن رِئَابِ بن حَبيب بن سُوَاءة بن عامر بن صَعْصَعة السُّوائي -بضمِّ المهملة وتخفيف الواو والمد- أبو عامر الكوفيّ.

روى عن الثَّوْري وشُعْبة ويونس بن أبي إسحاق وإسرائيل بن يونس والجَرَّاح -والد وَكِيع- وحَماد بن سَلَمَة وخلق، ويروي عنه (ع) -البخاري بلا واسطة والباقون بواسطة- وابنُه عُقْبَةُ وأبو بكر بن أبي شيبة وهَنَّاد بن السَّرِي وجماعة.

قال في "التقريب": صدوق ربما خَالف، من التاسعة، مات سنة خمس عشرة ومائتين على الصحيح.

وقولُه: (وأخوه) بالرفع بالواو معطوفٌ على (قَبيصةُ) أي: وحَدَّثَنا أيضًا سفيانُ بنُ عقبة السُّوائي الكوفي أخو قَبِيصة المذكور.

روى عن حُسَين المُعَلِّم ومِسْعَر والجَرَّاح بن مَلِيح وغيرهم، ويروي عنه (م عم) وابن أخيه عُقْبة بن قَبِيصة بن عُقْبةَ وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو كُرَيب وأبو يحيى الحِمّاني وغيرهم.

قال ابنُ مَعِين: لا بأس به، وقال العِجْلِيُّ: كوفي ثقة.

وقال في "التقريب": صدوق، من التاسعة.

وفائدة هذه المقارنةِ: تقويةُ السَّنَدِ؛ لأن كُلًّا من الراويَين صَدُوقٌ.

(أنهما) أي: أن قَبِيصةَ وأخاه سفيانَ بنَ عُقْبة (سَمِعَا الجَرَّاحَ بنَ مَلِيحٍ) -بفتح الميم وكسر اللام- ابن عدي بن فرس بن جُمحة بن سفيان بن الحارث بن عَمْرو بن عُبيد بن رؤاس الرُؤاسي -بضم الراء بعدها واو بهمزة وبعد الألف مهملة- والدَ وَكِيع.

ص: 335

يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: عِنْدِي سَبْعُونَ أَلْفَ حَدِيثٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم كُلُّهَا

ــ

روى عن أبي إسحاق السَّبِيعي وعطاء بن السائب وسِماك بن حَرْب وعاصم الأحول وغيرهم، ويروي عنه (بخ م د ت ق) وابنه وَكِيع وقَبِيصة وسفيان ابنا عُقْبة وابن مهدي وغيرهم.

قال ابنُ مَعين: ضعيف الحديث، وهو أمْثَلُ من أبي يحيى الحِمّاني، وقال الدَّارَقُطْنيُّ: ليس بشيءٍ وهو كثيرُ الوَهم، وقال أبو حاتم الرازي: يُكتب حديثه ولا يُحْتَجُّ به، وقال النوويُّ:(وهذا الجَرَّاحُ ضعيفٌ عند المحدثين ولكنه مذكورٌ هنا في "المتابعات") اهـ (1).

وقال في "التقريب": صدوقٌ يَهِمُ، من السابعة، مات سنة خمس -وقيل: ست- وسبعين ومائة.

وغَرَضُه بِسَوْقِ هذا السَّنَدِ: بيانُ متابعةِ الجَرَّاح لجريرٍ في جَرْحِ جابر الجُعْفي، ومن لطائفه: أن رجاله كُلَّهم كوفيون، وهم ثلاثة: اثنان منهم ضعيفان، وواحدٌ صدوق.

حالة كون الجَراح (يقولُ: سمعتُ جابرًا) ابنَ يَزيد الجُعْفِيَّ حالة كون جابرٍ (يقولُ: عندي) أي: في حفظي (سبعون ألفَ حديثٍ) رَوَيتُها ونَقَلْتُها (عن أبي جعفرٍ) محمدِ بن علي بن الحُسَين بن علي بن أبي طالب المعروفِ بـ (الباقرِ)؛ لأنه بَقَرَ العِلْمَ؛ أي: شَقَّه وفتحَهُ فَعَرَفَ أصلَه وتمَكنَ فيه، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

وقولُه: (عن النبي صلى الله عليه وسلم خبرٌ مُقَدَّم، وقولُه: (كُلُّها) مبتدأ مؤخر، والجملةُ الاسميةُ في محل الرفع صفةٌ لـ (سبعون)، أي: عندي سبعون ألف حديث مرويةٌ كُلُّها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يقوله لعدم تَوَرُّعه، ولتَوَغُّلِهِ في الكَذِب.

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 102).

ص: 336

[56]

وَحَدَّثَنِي حجاجُ بْنُ الشاعِرِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونس، قَال: سَمِعْتُ زُهَيرا يَقُولُ: قَال جَابِرٌ -أَوْ سَمِعْتُ جَابِرا يَقُولُ-: إِن عِنْدِي لَخَمْسِينَ

ــ

ثم ذكر المؤلِّف رحمه الله تعالى المتابعةَ في جَرْح جابر الجُعْفي فقال:

[56]

(وحدثني حَجَّاج) بن يوسف بن حجاج الثقفي أبو محمَّد الذي يُقال له: (ابنُ الشاعر) الحافظ البغدادي، ثقة حافظ من الحادية عشرة مات سنة تسع وخمسين ومائتين.

قال حَجَّاج: (حدثنا أحمد) بن عبد الله (بن يونس) بن عبد الله بن قيس التميمي اليَرْبُوعي الكوفي -وقد يُنْسَبُ إلى جَدِّه كما هنا- ثقة حافظ من كبار العاشرة، مات سنة سبع وعشرين ومائتين، وله أربع وتسعون سنة، كما مر البسط في ترجمته.

(قال) أحمدُ بن يونس: (سمعتُ زُهَيرًا) وابنُ معاوية بنِ حُدَيج -بضمِّ المهملة الأولى مصغرًا آخره جيم- ابن الرُّحَيل بحاء مهملة مصغرًا- ابن زُهَير بن خيثمة الجُعْفي أبو خيثمة الكومي، أحَدُ الحُفاظ والأعلام، نزيلُ الجزيرة.

روى عن سِماك بن حَرْب والأسود بن قيس وزياد بن عِلاقة وخَلْق، ويروي عنه (ع) والقطان وابن مهدي وأبو نعيم وغيرهم.

قال شُعَيب بن حَرْب: زُهَير أحفظُ من عشرين مِثْل شُعْبة، وقال أبو زرعة: ثقة إلَّا أنه سَمعَ من أبي إسحاق بعد الاختلاط.

وقال في "التقريب": ثقة ثَبْت، من السابعة، مات سنة اثنتين أو ثلاثٍ أو أربع وسبعين ومائة، وكان مولده سنة مائة.

ورجالُ هذا السَّنَدِ ثلاثة: بغداديٌّ وكوفيان، وغَرَضُه بِسَوْقه: بيانُ متابعة زهير لجريرٍ في جَرْح جابر الجُعْفي.

أي: حالة كون زهير (يقولُ: قال جابر

) إلخ، وقال أحمد بن يونس (أو) قال زهيرٌ:(سمعتُ جابرًا يقولُ) والشك من أحمد بن يونس: (إن عندي لخمسين

ص: 337

أَلْفَ حَدِيثٍ، مَا حَدّثْتُ مِنْهَا بِشَيءٍ، قَال: ثُمَّ حَدَّثَ يَوْمًا بحَدِيثٍ فَقَال: هَذَا مِنَ الْخَمْسِينَ أَلْفًا.

[57]

وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ الْيَشْكُرِيُّ، قَال: سَمِعْتُ أَبَا الْوَليدِ

ــ

ألفَ حديثٍ) وفي هذه الجملة تأكيد النسبة بثلاث مؤكدات: بأن، وباللام، وباسمية الجملة؛ تنزيلًا للمخاطبين منزلة المنكرين للنسبة (ما حَدّثْتُ) أي: ما أخبرتُ أحدًا من الناس (منها) أي: من تلك الخمسين ألفا (بشيءٍ) لا قليلٍ ولا كثيرٍ.

(قال) زُهَيرٌ: (ثُمَّ) بعد زمان من تلك المقالة (حَدّثَ) لنا (يومًا) من الأَيام (بحديثٍ) واحدٍ (فقال) جابرٌ: (هذا) الذي حَدَّثْتُهُ لكم الآن واحد (من) تلك (الخمسين ألفًا) التي كانت محفوظةً عندي، فكَذَبَ بمقالتِه هذه، وما عنده شيءٌ من الأحاديث الصحيحة فَضْلًا عن الخمسين ألفًا.

ثم ذكر المؤلِّفُ أيضًا المُتابعةَ في جَرْح جابر الجُعْفي فقال:

[57]

(وحَدَّثني إبراهيمُ بن خالدٍ اليشْكُرِيُّ) أفرده بعضُهم عن أبي ثَوْر، وقيل: هو أبو ثَوْر الفقيه صاحب الشافعي، وأنكر ذلك ابن خَلْفُون، فقال: هو غيرُ أبي ثَوْر، من الحادية عشرة.

روى عنه مسلمٌ في المقدمة عن أبي الوليد الطيالسي، وقال ابنُ خَلْفُون: لا أعرفُ اليَشْكُرِيَّ، ومَنْ ظَنَّ أنه أبو ثور .. فقد وَهِمَ، وقال الذهبيُّ: اليَشْكُرِي مجهول.

وأمّا أبو ثَوْر إبراهيم بن خالد الكَلْبي: فثقةٌ من العاشرة، روى عن ابن عُيَينة وأبي معاوية ووكيع والشافعي وصَحِبَهُ وغيرِهم، ويروي عنه أبو داود وابن ماجه ومسلمٌ خارج "الصحيح" وغيرُهم، مات سنة أربعين ومائتين.

(قال) إبراهيمُ بن خالد: (سمعتُ أبا الوليدِ) الطيالسي هشامَ بنَ عبد الملك الباهليَّ مولاهم، الحافظَ البصريَّ الإمامَ الحُجَّة.

روى عن عاصم بن محمَّد العُمري وزائدة واللَّيث ومالك وهَمَّام بن يحيى وخَلْق، ويروي عنه (ع) وإسحاق بن راهويه الحنظلي ومحمد بن المثنّى وبندَار وابن سَعْد

ص: 338

يَقُولُ: سَمِعْتُ سَلامَ بْنَ أَبِي مُطِيعٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرًا الْجُعْفِيَّ يَقُولُ: عِنْدِي خَمْسُونَ أَلْفَ حَدِيثٍ عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم.

[58]

وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدّثَنَا الْحُمَيدِيُّ،

ــ

وغيرهم، قال أحمد: مُتْقِنٌ، وهو اليومَ شيخُ الإِسلام، ما أُقَدِّمُ عليه أحدًا من المُحَدِّثين.

وقال في "التقريب": ثقة ثَبْت، من التاسعة، مات سنة سبعٍ وعشرين ومائتين، وله أربع وتسعون.

أي: سمعتُ أبا الوليد حالة كونه (يقولُ) أي: أبو الوليد: (سَمِعْتُ سَلَّامَ بنَ أبي مُطِيع) سَعْدٍ، أبا سعيدٍ الخُزَاعِيَّ مولاهم، البصري.

روى عن أبي عِمْرَان الجَوْنيِّ وقتادة، ويروي عنه (خ م ت س ق) وابنُ مهديّ وابنُ المبارك ومُسَدَّدٌ وغيرُهم.

قال في "التقريب": ثقة صاحبُ سُنة، في روايته عن قتادة ضَعْفٌ، من السابعة، مات سنة أربع وستين، وقيل: بعدها.

حالة كون سلَّام (يقولُ: سَمِعْتُ جابرًا الجُعْفِيَّ) حالة كونه (يقولُ: عندي) أي: في حفظي أو في كتابي، وهو خبرٌ مُقَدَّمٌ لقوله:(خمسون ألفَ حديثٍ) مروية (عن النبي صلى الله عليه وسلم لتَوَغُّلِهِ في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وغَرَضُ المؤلّفِ رحمه الله تعالى بسَوْقِ هذا السَّنَدِ: بيانُ متابعة سلام بن أبي مُطِيع لمن سَبق في جَرْحِ جابر الجُعْفي، ورجالُهُ ثلاثة: واحد منهم مجهول، واثنان ثقتان بصريان.

ثم ذكر المؤلفُ رحمه الله تعالى المتابعةَ في جَرْء جابرٍ الجُعْفِيِّ فقال:

[58]

(وحَدَّثَني سَلَمَة بن شَبِيبٍ) المِسْمَعي أبو عبد الرحمن النيسابوري، نزيل مكة، ثقة، من كبار الحادية عشرة، مات سنة سبعٍ وأربعين ومائتين.

قال: (حَدثنا الحُمَيديُّ) عبدُ اللهِ بن الزبير بن عيسى المكي من العاشرة، مات سنة تسع عشرة ومائتين.

ص: 339

حَدَّثنا سُفْيَانُ قَال: سَمِعْتُ رَجُلًا سَألَ جَابِرًا عَنْ قَوْلهِ عز وجل: {فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيرُ الْحَاكِمِينَ} فَقَال جَابِرٌ: لَمْ يَجئْ تأويلُ هَذِهِ، قَال سُفْيَانُ: وَكَذَبَ، فَقُلْنَا لِسُفْيَانَ: وَمَا أَرَادَ بِهَذَا؟ فَقَال: إِن الرَّافِضَةَ

ــ

قال: (حَدَّثنا سفيانُ) بن عُيَينة بن ميمون الهلالي أبو محمَّد الأعور الكوفي ثم المكي، من الثامنة، مات في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة وله إحدى وتسعون سنة، ومَرَّ لك قريبا بحثُ هذا السَّنَدِ فرَاجِعْهُ.

(قال) سفيانُ: (سَمِعْتُ رجلًا) حالةَ كَوْنه (سَأَلَ جابرًا) الجُعْفِيَّ (عن) معنى (قوله عَزَّ) أي: اتَّصَفَ بجميعِ الكمالاتِ (وجَلَّ) أي: تنزَّهَ عن جميع النقائص ({فَلَنْ أَبْرَحَ}) أُفَارِقَ ({الْأَرْضَ}) أرضَ مصر ({حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي}) والدَي بالعَوْدِ إليه ({أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي}) بخَلاص أخي ({وَهُوَ}) سبحانه وتعالى ({خَيرُ الْحَاكِمِينَ}) أعدلُ الحاكمين بين عباده.

(فقال جابِرٌ) الجُعْفِيَّ في جواب السائل عن معنى الآية: (لم يَجِيءْ) ولم يَأتِ الآنَ (تأويلُ هذه) الآيةِ وتفسيرُها؛ فإنها ستُفسر تفسيرًا خارجيًّا ظاهرًا لكُل أحَد.

(قال سفيانُ) بن عُيَينَةَ: (وكَذَبَ) جابر الجُعْفِيُّ في قوله: لم يَأتِ تأويلُها الآن؛ فإنَّ الآية نَزَلَتْ في حكاية ما وَقَعَ لإخوةِ يوسف عليه السلام.

قال الحُمَيدِيُّ: (فقُلْنا لسفيانَ) بن عُيَينَة: (وما أرادَ) جابرٌ (بهذا؟ ) أي: بقوله: لم يَأتِ تأويلُها؛ أي: ما أرادَ بالتأويل الذي سيأتي؟ (فقال) سفيان: أراد بذلك ما تعتقده الرافضةُ من رأيهم الفاسدِ ومذهبهم الباطلِ، وذلك (إن الرافضةَ) وفي "شرح النووي":(سُمُّوا رافضةً من الرفض وهو الترك، قال الأَصْمَعِيُّ وغيرُه: سُمُّوا رافضةً لأنهم رفضوا زيدَ بن عليّ فتركوه)(1).

وفي "القاموس": (رَفَضَه يَرْفُضُه من بابي ضرب ونصر رَفْضًا بالتسكين، ورَفَضًا بالتحريك إذا تركه، والروافض: كل جُندٍ تركوا قائدهم، والرافضة: الفِرْقة منهم، وفِرْقة من الشّيعة بايعوا زيدَ بنَ عليٍّ ثم قالوا له: تَبَرَّأْ من الشيخين فأبَى وقال: كانا

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 103).

ص: 340

تَقُولُ: إِنَّ عَلِيًّا في السَّحَابِ، فَلَا نَخْرُجُ مَعَ مَنْ خَرَجَ مِنْ وَلَدِهِ حَتَّى يُنَادِيَ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ -يُرِيدُ عَلِيًّا أَنَّهُ يُنَادِي-: اخْرُجُوا مَعَ فُلانٍ، يَقُولُ جَابِرٌ: فَذَا تَأويلُ هَذِهِ الآيَةِ، وَكَذَبَ؛ كَانَتْ في إِخْوَةِ يُوسُفَ صلى الله عليه وسلم

ــ

وزيرَي جَدِّي، فتَرَكُوْه ورَفَضُوه وارْفَضوا عنه، والنسبة إليه رافضي) اهـ

أي: فقال سفيانُ: إنَّ الرافضةَ؛ أي: الفِرْقةَ الذين رَفَضُوا وخَلَعُوا زيدَ بنَ عليٍّ (تقولُ) وتعتقد: (أن عليًّا) ابن أبي طالب رضي الله عنه لم يَمُتْ بل هو مُسْتَتِرٌ (في السَّحَاب) والغيم ومستقرٌّ فيه، (فلا نَخْرُجُ) بفتح النون وضمّ الراء على صيغة المسند إلى المتَكلِّمين؛ أي: فلا نَخْرُجُ نحن على معاوية ولا نُقَاتِلُه (مَعَ مَنْ خَرَجَ) على معاوية بن أبي سفيان وقاتَلَه من الشيعة (مِنْ وَلَدهِ حتى يُنَادِيَ) وَيصْرُخ (مُنَادٍ من) جهة (السماء يُرِيدُ) جابرٌ بذلك المنادي من السماء (عَلِيًّا) وابنُ أبي طالب رضي الله عنه (1).

وقولُه: (أنه) أي: أن عليًّا (يُنادي) من السماء: جملة في محل النصب بدل من (عليًّا)؛ أي: يُرِيدُ جابر أن عليًّا يُنادي ويقول في ندانه: (اخْرُجُوا) أيها الناس لقتال معاوية (مَعَ) ولدي (فُلانٍ) انتقامًا من معاوية لمَا فَعَلَ بأولادي من القَتْلِ الذريعِ.

(يقولُ جابر) الجُعْفِيُّ: (فذا) لك النداءُ الذي ناداهُ عليّ من السماء (تأويلُ) الإذنِ المذكورِ في (هذه الآيةِ) بقوله: {حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي} قال سفيانُ بن عُيَينَة: افْترَى (وكَذَبَ) جابر الجُعْفيُّ؛ لأنه (كانتْ) الآيةُ نَزَلَتْ (في) حكاية قصّة (إخوةِ يوسفَ) الصديقِ ابنِ يعقوبَ صلى الله عليه وسلم.

ثم ذكر المؤلِّفُ رحمه الله تعالى المتابعةَ في جَرْحِ جابرٍ بوَجْهِ آخَرَ بالسَّندِ السابقِ، فقال:

(1) قال الشيخ الكنكوهي: (قوله: "فإن الرافضة تقول

" ولعلَّ منشأَ انتزاعهم: ما وَردَ من أن مناديًا ينادي حين يخرج المهدي عليه السلام يسمعه كُلُّ أحد: إن هذا

فاتبعوه واخرجوا معه. فذهبوا بالرواية هذا المذهب وجعلوا المناديَ عَليًّا مع أنه الهاتف). "الحل المفهم"(1/ 17).

ص: 341

[59]

وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ، حَدَّثَنِي الْحُمَيدِيُّ، حَدّثَنَا سُفْيَانُ قَال: سَمِعْتُ جَابِرًا يحدث بِنَحْوٍ مِنْ ثَلاثِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ مَا أَسْتَحِلُّ أَنْ أَذْكُرَ مِنْهَا شَيئًا وَأَن لِي كَذَا وَكَذَا

ــ

[59]

(وحَدَّثني سَلَمَةُ) بن شَبيب المِسْمَعيُّ النيسابوريُّ، قال:(حَدَّثني الحُمَيدي) عبدُ اللهِ بن الزبير المكيُّ، قال:(حَدثنا سفيانُ) بن عُيَينَة، (قال) سفيانُ:(سَمِعْتُ جابرًا) الجُعْفِيَّ (يحدث) ويروي عن النبي صلى الله عليه وسلم (بنَحْو) أي: بقَدْر أو بقريبٍ (من ثلاثين ألفَ حديثٍ، ما أستَحِلُّ) أي: ما أحل أنا (أنْ أَذْكُر منها) أي: من تلك الثلاثين ألف حديث وأرويَ منها (شيئًا) لا قليلًا ولا كثيرًا لأحَدٍ من الناس (و) لو (أن لي) بسبب ذِكْرِها (كذا وكذا) من الأموال أو من حُمر النَّعَم؛ أي: ولو قُدِّرَ لي في مقابلةِ ذِكْرِها وروايتِها كذا وكذا من المكافأة بالأموال النفيسة.

تتمة فيما جرحوا به جابرًا الجُعْفِيَّ:

وروى إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أنه قال: يا جابرُ؛ لا تموت حتى تكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، قال إسماعيلُ: فما مَضَت الأيام والليالي حتى اتُّهِمَ بالكذب.

وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه قال: ترك يحيى القَطَّانُ جابرًا الجُعْفِي، وحدثنا عنه عبد الرحمن قديما ثم تركه بأخَرَةِ، وترك يحيى حديث جابر بأَخَرَة.

وقال أبو يحيى الحِمَّاني: سمعتُ أبا حنيفة يقول: ما رأيتُ فيمن رأيتُ أفضلَ من عطاءٍ ولا أكذبَ من جابر الجُعْفِي، ما أتيتُه بشيءٍ إلا جاءني فيه بحديث، وزعم أن عنده كذا وكذا ألف حديث لم يظهرها.

وقال جرير بن عبد الحميد عن ثعلبة قال: أردت جابرًا الجعفي، فقال لي لَيثُ بن أبي سُلَيم: لا تَأْتِه؛ فإنه كَذاب.

وقال النسائيُّ وغيرُه: متروك، وقال يحيى: لا يُكتب حديثه ولا كرامة، وقال أبو داود: ليس عندي بالقَوي في حديثه.

وقال عبد الرحمن بن مهدي: ألا تعجبون من سفيان بن عُيَينَة لقد تركتُ جابرًا لقوله لما حُكِيَ عنه أكثر من ألف حديث ثم هو يحدِّث عنهُ. وقال جريرُ بن

ص: 342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

عبد الحميد: لا أستحلُّ أن أُحَدِّثَ عن جابر الجُعْفِي، كان يُؤْمِنُ بالرَّجْعة.

وقال ابنُ حِبان: كان جابر الجُعْفِي سيئًا من أصحاب عبد الله بن سَبَإ، كان يقول: إن عليّا يَرجِعُ إلى الدنيا.

وقال يحيى بن يعلى المحاربي: طَرَحَ زائدةُ حديثَ جابر الجُعْفِي وقال: هو كذَاب يُؤْمِنُ بالرَّجْعة.

وقال عثمان بن أبي شيبة: حدثنا أبي عن جدّي قال: إنْ كنتُ لآتي جابرًا الجُعْفِيَّ في وقتٍ ليس فيه خيارٌ ولا قِثّاءٌ، فيتحوَّلُ حولَ حوضه ثم يخرج إلي بخيارٍ أو قثّاء فيقول: هذا من بستاني.

وقال عباس الدُّوري عن يحيى: لم يَدعْ جابرًا مِمن رآه إلا زائدةُ، وكان جابرٌ كذابا ليس بشيء.

وقال شهاب بن عباد: سمعتُ أبا الأحوص يقول: كنتُ إذا مررتُ بجابر الجعفي .. سألت ربي العافية، وذكر شهاب أنه سمع ابن عُيَينَة يقول: تركتُ جابرًا الجُعْفِيَّ، وما سمعتُ منه قال: دعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عليا فعلّمه مما تعلّم، ثم دعا علي الحَسَنَ فعلّمه مما تعلّم، ثم دعا الحَسَنُ الحُسَينَ فعلَّمه مما تعلَّم، ثم دعا ولدَه حتى بلغ جعفر بن محمَّد قال سفيان: فتَرَكْتُهُ لذلك.

قال ابن عدي: حدثنا علي بن الحسن بن قديد، حدثنا عُبيد الله بن يزيد بن العوام، سمعتُ إسحاق بن مُظْهِر، سمعتُ الحُمَيدي، سمعتُ سفيان، سمعتُ جابرًا الجُعْفِيَّ يقول: انتقل العِلْمُ الذي كان في النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي، ثم انتقل من عليّ إلى الحَسَنُ، ثم لم يَزَلْ ينتقلُ حتى بلغ جعفرًا.

قال الشافعي: سمعتُ سفيان: سمعتُ من جابر الجعفي كلاما بادَرْتُ خِفْتُ أن يقع علينا السقفُ.

قال سفيان: كان يُؤْمِنُ بالرَّجْعة، وقال الجُوزجاني: كَذابٌ، سألتُ أحمدَ عنه فقال: تَرَكَه عبدُ الرحمن فاستراح.

وقال شعبة: عن جابر، عن عَمَّار الدُّهْنِي، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس

ص: 343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

مرفوعًا: "مَنْ بنى لله مسجدًا ولو مِثْلَ مَفْحَصِ قَطاة .. بَنَى الله له بيتا في الجنة".

حدثنا يوسف بن يعقوب الضبعي، حدثنا سفيان وشعبة، عن جابر، عن أبي عازب، عن النعمان بن بَشير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كل شيء خطأ إلا السيف، وفي كل خطإ أرش".

حدثنا شريك، عن جابر، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بضَبُعَةٍ من غزوةِ الطائف فجعلوا يضربونها بالعصا ويَرَوْن أنها ميتةٌ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ضَعُوا فيها السكين واذكروا اسمَ اللهِ وكُلُوا".

قال إسماعيل السُّدّي: حدثنا شريك، عن جابر، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا:"كُتب عليَّ النحرُ ولم يُكتب عليكم، وأُمِرْتُ بصلاة الضُّحى ولم تُؤمروا".

قال الذهبيُّ: أجاز لي المسلم بن محمَّد وغيره أن الكندي أخبرهم قال: أنبأنا الشيباني، أنبأنا الخطيب، أنبأنا محمَّد بن الحسين القطان، أخبرنا الخُلْدي، حدثنا أحمد بن علي الخزّاز، أنبأنا أسيد بن زيد، حدثنا عمرو بن شمر، عن جابر الجُعْفِي، عن عامر، عن مسروق، عن عائشة، قالت: دَخَلَ على الحَسَنُ والحُسَينُ فوهبتُ لهما دينارًا وشققتُ مرطي بينهما فردَّيتهما، فخرجا مسرورَينِ يضحكان، فلقيهما النبي صلى الله عليه وسلم كفةَ كفةَ (1) فقال:"قُرَّةُ الأعْيُنِ! مَنْ كساكما ووهبكما دينارًا .. فجزاه الله خيرًا" قالا: أُمُّنا عائشةُ، قال:"صَدَقْتُما هيَ والله أُمُّكما وأُمُّ كُل مؤمن"، قالت: فوالله! ما صنَعْتُ، وما قال أحَبُّ من الدنيا وما فيها إلي.

هذا حديث منكر ورواته الثلاثة رافضية، ولكن لا يتهمون في نقل فضل عائشة رضي الله عنها، قال ابن عدي: عامَّةُ ما قذفوه به أنه كان يُؤْمِنُ بالرجْعة، وليس لجابر

(1) قوله: (كفة كفة) حال مركبة في محل النصب مبني على فتح الجزئين ومعناه: مواجهة كان كل واحد منهما كف صاحبه عن مجاوزته إلى غيره؛ أي: منعه، والكفة: المرة من الكف، وهما مبنيان على الفتح. اهـ "النهاية".

ص: 344

قَال مُسْلِمٌ: وَسَمِعْتُ أَبَا غَسَّانَ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو الرَّازِيَّ قَال: سَأَلْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ فَقُلْتُ: الْحَارِثُ بْنُ حَصِيرَةَ لَقِيتَهُ؟ قَال: نَعَمْ، شَيخٌ طَويلُ السُّكُوتِ، يُصِرُّ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ

ــ

الجُعْفِي في "سنن أبي داود" سوى حديثٍ واحدٍ في سجود السهو. اهـ من "الميزان"(1/ 379 - 383).

ثم استشهد المؤلِّفُ رحمه الله تعالى لما مَرّ من جَرْح الرواة بقوله:

(قال مسلمٌ) وفيه من المحسنات البديعية التجريد، وهو: أن يُجَرِّدَ المتكلِّمُ من نفسه شخصًا مماثلًا لنفسه ويُخْبِرَ عنه كأنه غيرُه، والواوُ في قوله:(وسَمِعْتُ) عاطفةٌ على محذوفٍ تقديره: سمعتُ غيرَ أبي غسَّان وسمعتُ (أبا غسَّان محمدَ بَن عَمْرِو) ابن بَكْر بن سالم التميميَّ (الرازيّ) ثقة من العاشرة مات في آخر سنة أربعين ومائتين أو أول التي بعدها.

(قال) أبو غسَّان: (سألتُ جريرَ بنَ عبد الحميد) الضبِّيَّ الكوفي ثم الرازيَّ، ثقة. من السابعة مات سنة ثمانٍ وثمانين ومائة.

قال أبو غسَّان: (فقلتُ) لجرير بنِ عبد الحميد: (الحارث بن حَصِيرةَ) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملَتينِ وآخره هاء.

ويجوزُ في (الحارث) الوجهان: الرفعُ، والنصبُ على الاشتغال.

وهو الحارث الأزدي أبو النعمان الكوفي، روى عن زيد بن وَهْب وعِكْرمة وطائفة، ويروي عنه (بخ مق ص عس) ومالك بن مِغوَل وعبد الله بن نُمَير.

قال أبو أحمد الزُّبَيري: كان يُؤْمِنُ بالرَّجعة، وقال يحيى بن مَعِين: ثقة خَشَبي، يُنسبون إن خَشَبةِ زيدِ بن عليّ لمّا صُلِبَ عليها، وقال النَّسائيُّ: ثقة، وقال ابنُ عدي: يُكتب حديثُهُ على ضَعْفِهِ، وهو من المتحرّقين بالكوفة في التشيُّع.

وقال في "التقريب": صدوق يُخطئ، ورُمي بالرَّفض، من السادسة، وله ذِكْرٌ في مقدمة مسلم.

أي: قال الرازيُّ: فقلتُ لجرير بن عبد الحميد: الحارث بن حَصيرة الكوفي هل (لَقِيتَه) ورأيته؟ فـ (قال) جريرٌ: (نَعَمْ) لَقِيتُه هو (شيخٌ طويلُ السُّكُوتِ) أي: كثيرُ الصَّمْتِ والسكوت (يُصِرُّ) ويستمرُّ ويدومُ (على أمْرٍ عظيمٍ) وهو التشيُّع فلا يتوب عنه ولا يُقلع.

ص: 345

[60]

حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، قَال: حَدثني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيدٍ قَال: ذَكَرَ أَيُوبُ رَجُلا

ــ

ثم استشهد المؤلِّف رحمه الله تعالى لِمَا مَرَّ من كَشْفِ معايب الرواة بأثَرِ أيوب السَّخْتِياني فقال:

[60]

(حَدَّثني أحمدُ بن إبراهيمَ) بن كثير بن زَيد البغداديُّ (الدَّوْرَقِيُّ) قال النوويُّ: (هو بفتح الدال والراء بينهما واوٌ ساكنة، نِسْبة إلى دَوْرَق بلدةٍ من بلاد فارس أو غيرها، وقيل: كان أبوه ناسكًا؛ أي: عابدًا، وكانوا في ذلك الزمان يُسَمُّون الناسكَ دَوْرقيًا، وهذا القول مَرْويٌّ عن أحمد الدَّوْرَقيّ هذا، وهو من أشهر الأقوال، وقيل: هي نِسْبَةٌ إلى القَلانِس الطِّوال التي تُسمى الدَّوْرَقية) اهـ (1).

وهو الحافظ الثقة أخو يعقوب.

روى عن هُشَيْم ويَزيد بن زُرَيع وحفص بن غِياث وابن مهدي وخَلْق، ويروي عنه (م د ت ق) وبقِيّ بن مَخْلَد وعبد الله بن أحمد بن حنبل ويعقوب بن شَيبة وغيرُهم.

قال في "التقريب": ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومائتين. عن ثمان وسبعين سنة.

(قال) الدورَقيُّ: (حَدَّثني عبدُ الرحمنِ بن مَهْديِّ) بن حسان الأزدي مولاهم، أبو سعيد البصري الحافظ الإِمام العَلَم.

قال في "التقريب": ثقة ثَبْت حافظ عارف بالرجال والحديث، من التاسعة، مات سنة ثمانٍ وتسعين ومائة بالبصرة، عن ثلاث وستين سنة.

(عن حمّادِ بنِ زيدِ) بن دِرْهَم الأزدي الجَهْضَمِيِّ، أبي إسماعيل البصري، ثقة ثَبْت فقيه، من كبار الثامنة، مات سنة تسعٍ وسبعين ومائة، وله إحدى وثمانون سنة.

(قال) حَمَّادٌ: (ذَكَرَ أيوبُ) بن أبي تَميمة كَيسان السَّخْتياني أبو بكر البصري، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة؛ أي: ذَكَرَ أيوبُ لنا (رجلًا) من

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 103 - 104)، وانظر هذه الأقوال في "تاريخ بغداد"(4/ 6)، و"الأنساب"(5/ 391 - 393).

ص: 346

يَوْمًا فَقَال: لَمْ يَكُنْ بِمُسْتَقِيمِ اللِّسَانِ، وَذَكَرَ آخَرَ فَقَال: هُوَ يَزِيدُ في الرَّقْمِ.

[61]

حَدَّثَنِي حجاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ،

ــ

المُحَدِّثين (يومًا) من الأيام؛ أي: ذَكَرَهُ بالجَرْح (فقال) أيوبُ السَّخْتياني: (لم يَكُنْ) ذلك الرجلُ (بمستقيمِ) أي: بقويمِ (اللسانِ) وصدوقِه، (وذَكَرَ) أيوبُ أيضًا رجلًا (آخَرَ) وجَرَحَه (فقال) أيوبُ:(هو) أي: ذلك الآخَرُ (يَزيدُ في الرَّقْم) أي: في رقم سعر البضاعة بأن يكتب على السِّلْعة ما قيمتُه عشرون بثلاثين، وما قيمتُه عشرة بخمسةَ عَشْرَة؛ ليغترَّ الناظرُ إلى ذلك الرقم بزيادة الثمن ويأخذه.

وعبارة السنوسي هنا: (قولُه: "هو يَزيدُ في الرَّقْمِ" وكذلك قولُه: (لم يَكُنْ بمستقيم اللسان" هذا كُلُّه كنايةٌ عن الكذب، وجَعَلَهُ في الأول كالتاجر الذي يَزيدُ في رقم السِّلْعة ويكذبُ فيها ليربحَ على الناس ويَغُرَّهم بذلك الرقم ويشتروا عليه)(1).

ورجالُ هذا السَّنَدِ أربعةٌ كُلُّهم بصريون إلا أحمد الدَّوْرَقيّ فبغدادي.

ثم استشهد المؤلِّف رحمه الله تعالى بأثَرٍ آخَرَ لأيوبَ فقال:

[61]

(حَدَّثني حجاجُ) بن يوسف الثقفي الذي نِسْبَتُهُ (بن الشاعر) البغدادي، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة تسع وخمسين ومائتين.

قال الحَجَّاجُ: (حَدَّثنا سُلَيمَانُ بن حَرْبٍ) الأزْدي الوَاشِحي نسبة إلى وَاشِح بَطْن من الأزْدِ، البصري قاضي مكة، أحد الأئمّة الأعلام.

روى عن شُعْبة والحَمَّادَينِ وجَرِير بن حازم وغيرهم، ويروي عنه (ع) وعَمْرو بن علي الفلاس، وأحمد وغيرهم.

قال أبو حاتم: حَضَرْتُ مجلسَه ببغداد فحَزَرُوا مَنْ فيه أربعين ألف رجل.

قال في "التقريب": ثقة إمام حافظ، من التاسعة، مات سنة أربع وعشرين ومائتين، وله ثمانون سنة (2).

(1)"مكمل إكمال الإكمال"(1/ 31)، وهو من كلام القاضي عياض في "إكمال المعلم"(1/ 145).

(2)

قلتُ: بل له أزيدُ من أربع وثمانين سنة؛ فقد قال يعقوب بن سفيان: قال سليمان بن حرب في =

ص: 347

حَدَّثَنَا حَمادُ بْنُ زيدٍ قَال: قَال أَيُّوبُ: إِن لِي جَارًا -ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ فَضْلِهِ- وَلَوْ شَهِدَ عِنْدِي عَلَى تَمْرَتَينِ .. مَا رَأَيتُ شَهَادَتَهُ جَائِزَةً.

[62]

وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافعٍ وَحَجَّاجُ بْنُ الشاعِرِ،

ــ

قال سُلَيمانُ: (حَدثنا حَمَّادُ بن زَيدِ) بن دِرْهَم الأزْدي أبو إسماعيل البصري، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومائة وله إحدى وثمانون سنة.

(قال) حَمَّادٌ: (قال أيوبُ) بن أبي تَميمة السَّخْتيانيُّ البصريُّ: (أن لي جارًا) من جيران داري (ثم ذَكَرَ) أيوبُ (من فَضْلِهِ) أي: من فَضْلِ ذلك الجار ومنقبته من صلاحه وعبادته وزهده ووَرَعِهِ وعِلْمه، ثم قال:(و) لكنْ (لو شَهِدَ عندي على تَمْرَتَينِ) أنهما لفُلانٍ فيما إذا حَصَلَتِ الخصومةُ فيهما ( .. ما رأيتُ شهادتَه) بهما أنهما لفُلانٍ (جائزةً) أي؛ مقبولةً مثْبِتَةً للحقِّ للمُدَّعي لقلَّةِ صِدْقِهِ، وهذا أيضًا كناية عن كَذِبِ ذلك الجار.

ورجالُ هذا السند أيضًا كُلُّهم بصريون إلا حَجَّاج بن الشاعر؛ فإنه بغدادي.

ثم استشهدَ المؤلِّف رحمه الله تعالى بأثَرٍ آخَر لأيوبَ أيضًا فقال:

[62]

(وحَدَّثني محمدُ بن رافع) القُشَيري مولاهم، أبو عبد الله النيسابوري الحافظ أحد الرحالين.

روى عن وَكِيع وابن نُمَير وابن عُيَينَة وغيرهم، وَيرْوي عنه (خ م د ت س) وابنُ خُزَيمة وابنُ أبي داود وجماعةٌ.

قال في "التقريب": ثقة عابدٌ، من الحادية عشرة.

وقولُه: (وحَجَّاجُ بن الشاعرِ) الثقفيُّ: معطوفٌ على (محمدُ بن رافع)، وفائدةُ هذه المقارنةِ: بيانُ كثرةِ طُرُقِه.

= ذي الحجة سنة ست عشرة ومائتين: إذا دخل صفر .. فقد استكملتُ سبعًا وسبعين سنة.

وقال البُخاري: قال سليمان بن حرب: ولدتُ في صفر سنة أربعين ومائة. "تهذيب الكمال"(11/ 391).

ص: 348

قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَال: قَال مَعْمَر: مَا رَأَيتُ أَيُوبَ اغْتَابَ أَحَدًا قَط

ــ

(قالا) أي: قال كُلٌّ من محمد بن رافع وحَجَّاج بن الشاعر: (حَدَّثنا عبدُ الرزاق) ابن هَمَّام بن نافع الحِمْيري الصنْعاني أحَدُ الأئمة الأعلام.

روى عن ابن جُرَيج وهشام بن حسَّان ومَعْمَر ومالك وغيرهم، ويروي عنه (ع) وأحمد وإسحاق وابن المَديني وغيرهم.

قال أحمد: مَنْ سَمعَ منه بعد ما ذَهَبَ بصرُه .. فهو ضعيفُ السماع، وقال ابنُ عدِيّ: لم نَرَ بحديثه بأسًا إلا أنهم نَسَبُوه إلى التشيُّع.

وقال في "التقريب": ثقة حافظ مصنِّفٌ شهيرٌ عَمِيَ في آخر عمره فتَغَيَّرَ، وكان يتشيَّع، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومائتين، عن خمس وثمانين سنة.

وليس في "صحيح مسلم" عبد الرزَّاق إلا هذا الثقة.

(قال) عبد الرزاق: (قال) لنا (مَعْمَر) وابنُ راشد الأزْدي مولاهم، أبو عُرْوة البصري، نزيل اليمن، شهد جنازة الحسن البصري، أحد الأئمة الأعلام.

روى عن ثابت البُناني والزُّهري وهَمَّام بن مُنَبه وقتادة وغيرهم، ويروي عنه (ع) وأيوب وابن المبارك وغيرهم.

قال في "التقريب": ثقة ثَبْت فاضل، من كبار السابعة، مات سنة أربعٍ وخمسين ومائة، وله ثمان وخمسون سنة.

أي: قال مَعْمَرٌ: (ما رأيتُ) أي: ما سمعتُ (أيوبَ) السَّخْتيانيَّ البصريَّ (اغْتَابَ) أي: ذَكَرَ بسوءٍ ونَقِيصَةٍ (أحدًا) من الناس.

وقولُه: (قَطُّ) ظرفٌ مستغرِقٌ لِمَا مَضَى من الزمان في محلّ النصب على الظرفية مبني على الضم تشبيهًا له بأسماء الغايات متعلّق برأيتُ بمعنى سمعتُ، والمعنى: ما سمعتُ أيوب السَّخْتياني في زَمَنِ من الأزمنة الماضية ذَكَرَ أحدًا من الناس بسُوءٍ

ص: 349

إلا عَبْدَ الْكَرِيمِ -يَعْنِي أَبَا أُمَيَّةَ- فَإنهُ ذَكَرَهُ فَقَال: رحمه الله، كَانَ غَيرَ ثِقَةٍ، لَقَدْ سَأَلنِي عَنْ حَدِيثٍ لِعِكْرِمَةَ ثُمَّ قَال: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ

ــ

(إلا عبدَ الكريمِ) بنَ أبي المُخارِق المعلمَ البصريَّ نزيل مكة، واسم أبيه قيس، وقيل: طارق.

وقال في "التقريب": ضعيف، وله ذِكْرٌ في مقدّمة مسلم.

قال المؤلِّف رحمه الله تعالى: (يعني) ويقصدُ مَعْمَر بعبد الكريم: عبدَ الكريمِ المَكْنِيَّ (أبا أمَيّةَ؛ فإنه) أي: فإن أيوبَ (ذَكَرَه) أي: ذَكَرَ عبدَ الكريمِ بنَقِيصَةٍ (فقال) أيوبُ في ذِكْره بنَقيصة: رحمه الله تعالى وأحْسَنَ إليه بالعَفْو عن كذبه (كان) عبدُ الكريمِ (غيرَ ثِقَةٍ) أي: غيرَ مأمونٍ في حديثه، واللهِ (لقد سألني) عبدُ الكريمِ (عن حديث لعكرمةَ) بنِ خالدٍ المخزوميِّ المكي فحَدَّثْتُهُ، (ثم) سمعتُه بعد ذلك (قال) أي: عبد الكريم للناس (سمعتُ عكرمةَ) يُحَدِّثُ كذا وكذا بلا واسطة، فنَفْيُ الواسطةِ بينه وبين عكرمة فيما سَمِعَهُ عن أيوب عن عكرمة يَدُلُّ على كذبه.

وقال السنوسيُّ: (قد يُقال: في التجريح بمِثْلِ هذا نظرٌ؛ لاحتمال أنه سمعه من عكرمة ثم نَسِيَه فسأل عنه، ثم ذَكَرَه بعدُ، والجوابُ: أنه عَرَف كَذِبَهُ بقرائنَ مُنْضَمَّةٍ إلى ذلك)(1).

وقال النوويُّ: (وهذا القَطْعُ بكذبهِ وكوبه غيرَ ثقةٍ بمثل هذه القضية قد يُستشكل من حيث إنه يجوزُ أن يكون سَمِعَه من عكرمة ثم نَسيَه، فسأل عنه ثم ذكره فرواه عنه، ولكنْ عَرَف كَذِبَه بقرائن.

وممَّن نَصَّ على ضَعْفِ عبد الكريم هذا: سفيانُ بن عُيَينَة وعبدُ الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان وأحمدُ بن حنبل وابنُ عدي، وكان عبدُ الكريم هذا من فضلاء فقهاء البصرة والله أعلم) اهـ (2)

ورجالُ هذا السَّنَدِ منهم نيسابوريٌّ وصَنْعَانِيٌّ وبصري كما عرفتَ.

(1)"مكمل إكمال الإكمال"(11/ 31).

(2)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 104).

ص: 350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

تتمة:

قال الذهبي: (وعبد الكريم بن أبي المُخَارِق البصري أبو أمية روى عن الحَسَن البصري وطاوس، ويروي عنه "ت س ق" (1) والثوري ومالك وجماعة.

قال مَعْمَرٌ: قال لي أيوبُ: لا تَحْمِلْ عن عبد الكريم أبي أُميّة؛ فإنه ليس بشيء، وقال الفَلَّاس: كان يحيى القطان وابنُ مهدي لا يُحَدِّثان عن عبد الكريم المُعلّم، وروى عثمان بن سعيد عن يحيى: ليس بشيء، وقال أحمد بن حنبل: قد ضرَبْتُ على حديثه، هو شِبْه المتروك، وقال النسائي والدارقطني: متروك.

وقال الحُميدي: حدثنا سفيان قلتُ لأيوب: يا أبا بكر؛ ما لك لم تُكْثِرْ عن طاوس؟ قال: أتيتُه لأسمع منه فرأيتُه بين ثقيلَين: عبد الكريم أبي أُميَّة ولَيث بن أبي سُلَيم فتركتُه.

قلتُ: وقد أخرج له البخاري تعليقًا ومسلمٌ متابعةَ، وهذا يَدُلُّ على أنه ليس بِمُطَّرحٍ.

قال أبو عُمر بن عبد البَرّ: بصري لا يختلفون في ضَعْفِهِ، إلّا أن منهم مَنْ يقبلُه في غير الأحكام خاصّة ولا يحتجّ به، وكان مُؤَدِّبَ كتابٍ، حسَن السَّمْتِ، غَرَّ مالكًا منه سَمْتُهُ، ولم يكن من أهل بلده فيعرفه، كما غَرَّ الشافعيَّ من إبراهيم بن أبي يحيى حِذْقُه

(1) قال الحافظ المِزّي في "تهذيب الكمال"(18/ 265): (استشهد به البخاريُّ، وروى له مسلمٌ في "المتابعات"، وأبو داود في "كتاب المسائل"، والباقون).

وعلّم له: (خت م ل ت س ق)، وتعقبه الحافظُ ابنُ حجر في "تقريب التهذيب" (ص 361) فقال: (له في البخاري زيادة في أول قيام الليل من طريق سفيان عن سُليمان الأحول عن طاوس عن ابن عباس، في الذكر عند القيام، قال سفيان: زاد عبد الكريم

فَذَكَر شيئًا، وهذا موصول، وعَلّمَ له المِزِّيُّ علامة التعليق، وله ذِكْرٌ في مقدمة مسلم)، وعلّم له:" خ م ل ت س ق".

وانظر أيضًا "هدي الساري"(ص 421).

ص: 351

[63]

حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ،

ــ

ونَباهَتُه، وهو أَيضًا مُجْمَعٌ على ضَعْفِهِ، ولم يُخرِّج مالك عنه حُكْمًا بل ترغيبًا وفضلًا.

قال أبو الفتح اليَعْمُري (1): لكن لم يُخرج عنه مالكٌ إلَّا الثابت من غير طريقه كحديث: "إذا لم تَسْتَحِ .. فاصْنَعْ ما شئتَ"، "ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة"، وقد اعتذرَ مالكٌ لمّا تبيَّن أمره، وقال: غَرَّني بكثرة بُكائه في المسجد أو نحو هذا.

وقد مات هو وعبد الكريم الجزري الحافظ في عام سبعةٍ وعشرين ومائة، واشتركا في الرواية عن سعيد بن جُبَير ومجاهد والحَسَن، وروى عنهما الثَّوريُّ وابنُ جريج ومالك، وقد يشتبهان في بعض الروايات) اهـ من "الميزان"(2).

ثم استشهد المؤلِّفُ رحمه الله تعالى لِمَا مَرَّ بأثَرِ قتادة في أبي داود الأعمى فقال:

[63]

(حَدَّثني الفَضْلُ بن سَهْلِ) بن إبراهيم الأعرج أبو العباس البغدادي الحافظ.

روى عن أبي أَحْمد الزُّبَيري ويَزيد بن هارون وعفَّان بن مسلم وغيرهم، ويروي عنه (خ م د ت س) وابن مَخْلَد وغيرهم، وكان ذكيًّا يحفظ.

(1) هو محمَّد بن محمَّد بن محمَّد بن أَحْمد الربعي، المعروف بابن سيِّد النَّاس، الإِمام العلّامة الحافظ المحدِّث الأديب الناظم الناثر، قال الحافظ الذهبي في "المعجم المختصّ" ترجمة رقم (332): (وكَتَبَ بخطّه المليح كثيرًا، وخَرَّجَ وَصَنفَ وصَحَّحَ وعَلَّلَ وفَرَّعَ وأصَّلَ، وقال الشِّعْر البديع، وكان حُلْوَ النادرة، كَيِّسَ المحاضرة، جالستُه وسمعتُ بقراءته، وأجاز لي مروياته ..

وكان أثريًّا في المعتقد يُحبُّ الله ورسوله، تُوفِّي سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، ودُفِنَ بالقرافة).

وله ترجمة حافلة في "الوافي بالوفيات"(1/ 289 - 311)، و"الدرر الكامنة"(4/ 208 - 213).

(2)

"ميزان الاعتدال"(2/ 646 - 647).

ص: 352

قَال: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَال: قَدِمَ عَلَينَا أَبُو دَاوُودَ الأَعْمَى،

ــ

وقال في "التقريب": صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة خمسٍ وخمسين ومائتين.

(قال) الفَضْلُ: (حَدَّثنا عَفَّانُ بن مُسْلِمٍ) بن عبد الله الأَنْصَارِيّ أبو عثمان الصَّفَّار البَصْرِيّ أحد الأئمة.

روى عن هشام الدَّسْتَوائي وشُعْبة وهَمَّام بن يحيى وحَمَّاد بن سلمة وطبقتهم، ويروي عنه (ع) وإبراهيم الحربي وأبو زُرْعة وأَحمد وإسحاق وخلائق.

قال العِجْلِيُّ: ثِقَة ثَبْت صاحب سُنَّة.

وقال في "التقريب": ثِقَة ثَبْتٌ من كبار العاشرة، وقال ابنُ عدي: اختلط سنة تسع عشرة، ومات سنة عشرين ومائتين، قاله البُخَارِيّ وأبو داود ومُطَيَّن.

وليس في مسلم (عفَّان) إلَّا هذا الثقة الفاضل.

قال عفَّانُ بن مسلم: (حَدثنا هَمَّامٌ) هو ابنُ يحيى بن دينار الأَزدِيّ العَوْذِي -بفتح المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة- أبو عبد الله البَصْرِيّ، أحد الأئمة الأعلام.

روى عن الحَسَنِ وعطاء ونافع وأنس بن سيرين وغيرهم، ويروي عنه (ع) والثوري -وهو من أقرانه- وصفان وابن المبارك وابن مهدي وغيرهم.

وقال أَحْمد: ثَبْتٌ في كلِّ المشايخ، وقال أبو حاتم: ثِقَة صدوقٌ في حِفْظِهِ شيء.

وقال في "التقريب": ثِقَة، ربما وَهِمَ، من السابعة، مات سنة أربع أو خمس وستين ومائة.

(قال) هَمَّامٌ: (قَدِمَ علينا) أي: دَخَلَ علينا في البصرة (أبو داود) أي: نُفَيع بن الحارث القاصّ (الأعمى) أي: المكفوف بصره، قال النوويُّ:(متَّفَقٌ على ضعْفِهِ، قال عَمْرو بن عليّ: هو متروك، وقال يحيى بن مَعِين وأبو زُرْعة: ليس هو بشيء، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، وضَعَّفَه آخرون) اهـ (1).

(1)"شرح صحيح مسلم"(1/ 105)، و"الجرح والتعديل"(8/ 490).

ص: 353

فَجَعَلَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ، قَال: وَحَدَّثَنَا زَيدُ بْنُ أَرْقَمَ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِقتَادَةَ فَقَال: كَذَبَ، مَا سَمعَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ سَائِلًا يَتَكَفَّفُ النَّاسَ زَمَنَ طَاعُونِ الْجَارِفِ

ــ

(فَجَعَلَ) أبو داود؛ أي: شرع يُحَدِّثُ لنا الحديثَ و (يقولُ: حَدَّثنا البَرَاءُ) بن عازب بن الحارث الأَنْصَارِيّ الأوسي، أبو عمارة، نزل الكوفة، له ثلاثمائة حديث وخمسة أحاديث.

(قال) هَمَّامٌ (و) جعل يقول أَيضًا: (حَدَّثنا زيدُ بن أرْقَمَ) بن زيد بن قيس الأَنْصَارِيّ الخزرجي الصحابي، نزل الكوفة، له تسعون حديثًا، وفي بعض النسخ إسقاط (قال) الثَّانية.

قال هَمَّامُ بن يحيى: (فَذَكَرْنا ذلك) الذي يقول أبو داود من روايته عن البراء وعن زيد بن أرقم (لقتادةَ) بن دعامة بن قتادة السَّدُوسي أبي الخطَّاب، البَصْرِيّ الأَكمَه، أحد الأئمة الأعلام، حافظ مفسِّر مدلِّس، من رؤوس الطَّبقة الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومائة.

ورجالُ هذا السَّند كلهم بصريون إلَّا الفضل بن سهل؛ فإنَّه بغدادي.

(فقال) قتادةُ: (كَذَبَ) أبو داود فيما يقول لكم؛ لأنه (ما سَمعَ منهم) أي: من الصَّحَابَة، البراءِ بن عازب وزيدِ بن أرقم وغيرهما من سائر الصَّحَابَة ممَّن زَعَمَ أنَّه رَوَى عنهم، فإنَّه زعم أنَّه رأى ثمانية عشر بدريًّا، كما صرّح به في الرواية الأُخرى في الكتاب؛ أي: لم يسمع من واحدٍ من الصَّحَابَة بل (إنما كان ذلك) الأعمى فقيرًا محتاجًا (سائلًا) أي: طالبًا صَدَقَةً من المال.

وجملةُ قوله: (يَتكَفَّفُ النَّاسَ) صفةٌ لـ (سائلًا)؛ لأنَّ الجُمَلَ بعد النكرات تكون صفةً غالبًا؛ أي: سائلًا يسألُ النَّاسَ المال، باسطًا كفَّه إليهم كما هو شأن السائل.

وقولُه: (زَمَنَ طاعونِ الجارفِ) ظرفٌ متعلِّقٌ بـ (سائلًا)، وإضافةُ (طاعون) إلى (الجارف) من إضافة الموصوف إلى صفته كمسجد الجامع؛ أي: كان سائلًا مشغولًا بطلب المال لا بطلب الحديث في زمن الطاعون الجارف؛ أي: في زمن الوباء الذي جرف النَّاس واستأصلهم وأمات كثيرًا منهم من الصَّحَابَة وغيرهم في سنة

ص: 354

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

سبعٍ وثمانين على المشهور كما سيأتي بيانُ الخلاف فيه.

قال النوويُّ: (قولُه: "يَتكَفَّفُ الناسَ" معناه: يسألهم في كَفه أو بكفه، ووَقَعَ في بعض النُّسَخ: "يتطفَّف" بالطاء المهملة، وهو بمعنى (يَتكَفَّفُ) أي: يسأل النَّاسَ في كَفهِ الطفيفَ وهو القليلُ، وذكر ابنُ أبي حاتم في كتابه "الجَرْح والتعديل" (8/ 490) (1) وغيره:"يَتنطَّف"، ولعلَّه مأخوذٌ من قولهم: ما تَنَطَّفْتُ بهِ؛ أي: ما تَلَطَّخْتُ به) (2).

قولُه: (زمن طاعون الجارِف) قال النووي: (والطاعون: وَباء معروف، وهو بُثَرٌ وورَمٌ مؤلم جدًّا، يخرج مع لهب ويَسْوَدُّ ما حوله أو يَخْضَرُّ أو يحمرُّ حمرةً بنفسجيَّةً كَدِرَةً، ويحصلُ معه خفقانُ القلبِ والقيء)(3).

قال القاضي عياض: (وسُمِّي الجارفَ لكثرة مَنْ مات فيه من النَّاس، وسُمي الموتُ جارفًا لاجترافه النَّاس، وسُمِّي السَّيلُ جارفًا لاجترافِه ما على وجه الأرض، والجَرْفُ: الغَرْفُ مِنْ فوق الأرض، وكَسْحُ ما عليها)(4).

وقال النووي: (وأمَّا زمنُه: فقد اختلفتْ فيه أقوالُ العلماء رحمهم الله تعالى اختلافًا شديدًا متباينًا تباينًا بعيدًا:

فمنْ ذلك: ما قاله الإمامُ الحافظُ أبو عُمر بن عبد البَرّ في أول "التمهيد"(1/ 341) قال: مات أيوبُ السَّخْتيانيُّ في سنة اثنتين وثلاثين ومائة في طاعون الجارف.

ونَقَلَ ابنُ قتيبة في "المعارف"(ص 610) عن الأصمعيّ: أن طاعون الجارف

(1) وفيه: (يَتَضَيَّفُ)، وكتب المحقق ما نصُّه:(صورته في ك: يتطيف، وفي م: يلطف، وفي "التهذيب": يتكلف، وهو الظاهر، لكن أثبتنا ما يقرب شكله ممّا في الأصلين مع أدائه أصل المعنى).

(2)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 105).

(3)

"شرح صحيح مسلم"(1/ 105).

(4)

"إكمال المعلم"(146).

ص: 355

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

كان في زمن ابن الزُّبير سنة سبع وستين (1)، وكذا قال أبو الحسن عليُّ بن محمَّد بن أبي سَيفِ المدائنيُّ في كتاب "التَّعازي": إن طاعون الجارف كان في زمن ابن الزُّبير سنة سبع وستين في شوال، وكذا ذكر الكَلابَاذِيُّ في كتابه في "رجال البُخَارِيّ" معنى هذا؛ فإنَّه قال: وُلدَ أَيُّوب السختياني سنة ستٍّ وستين، وفي قول: إنه ولد قبل الجارف بسنة.

وقال القاضي عِياض (2) في هذا الموضوع: كان طاعون الجارف سنة تسع عشرة ومائة.

وذكر الحافظُ عبدُ الغنيِّ المَقْدِسِيُّ في ترجمة "عبد الله بن مُطَرِّف"(3) عن يحيى القطَّان قال: مات مُطَرِّف بعد طاعون الجارف، وكان الجارفُ سنةَ سبعٍ وثمانين.

وذكر في ترجمة "يونس بن عُبيد": أنَّه رأى أنس بن مالك، وأنه وُلدَ بعد الجارف، ومات سنة سبع وثلاثين ومائة (4).

فهذه أقوال متعارضة، فيجوزُ أن يُجمع بينها بأن كل طاعون من هذه الطواعين يُسمَّى جارفًا؛ لأنَّ معنى الجَرْفِ موجودٌ في جميعها.

وكانت الطواعين كثيرة، ذكر ابنُ قتيبة في "المعارف" (ص 601) عن الأصمعيّ: أن أول طاعون كان في الإِسلام طاعون عَمواس بالشَّام في زمن عُمر بن الخطاب رضي الله عنه، فيه تُوفِّي أبو عُبَيدة بن الجَرَّاح ومعاذ بن جبل وامرأتاه وابنُه.

ثم الجارِف في زمن ابن الزُّبير.

ثم طاعون الفَتيات؛ لأنه بدأ في العذارى والجواري بالبصرة وبواسط وبالشام والكوفة، وكان الحَجَّاج يومئذ بواسطٍ في ولاية عبد الملك بن مروان، وكان يُقال

(1) في المطبوع: (سنة تسع وستين).

(2)

"إكمال المعلم"(1/ 146).

(3)

انظر "تهذيب الكمال"(16/ 150).

(4)

في "تهذيب الكمال"(32/ 533): (وقال حَمَّاد بن زيد: وُلدَ قبل الجارف، وقال فهد بن حَيّان: مات سنة تسع وثلاثين ومائة، وقال محمَّد بن سَعْد: مات سنة أربعين ومائة).

ص: 356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

له: طاعون الأشراف، يعني لِمَا مات فيه من الأشراف.

ثم طاعون عَدِيّ بن أرطأة سنة مائة.

ثم طاعون غُراب سنة سبع وعشرين ومائة، وغراب: اسم رجل.

ثم طاعون مسلم بن قتيبة سنة إحدى وثلاثين ومائة في شعبان وشهر رمضان وأقْلع في شوال، وفيه مات أَيُّوب السَّخْتياني، قال: ولم يَقَعْ في المدينة ولا بمكة طاعونٌ قط، هذا ما حكاه ابن قتيبة.

وقال أبو الحسن المدائنيّ: كانت الطواعينُ المشهورةُ العِظامُ في الإِسلام خمسةً: طاعونُ شِيرَوَيهِ بالمدائن على عهد النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم في سنة ستٍّ من الهجرة.

ثم طاعون عَمَواس في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان بالشَّام، مات فيه خمسةٌ وعشرون ألفًا.

ثم طاعون الجارف في زمن ابن الزُّبير في شوال سنة تسع وستين، هلك في ثلاثة أيام في كُلِّ يومِ سبعون ألفًا، مات فيه لأنس بن مالك رضي الله عنه ثلاثة وثمانون ابنًا، ويقال: ثلاثةٌ وسبعون ابنًا، ومات لعبد الرَّحْمَن بن أبي بَكْرة أربعون ابنًا.

ثُمَّ طاعون الفَتيات في شوال سنة سبع وثمانين.

ثم كان طاعون في سنة إحدى وثلاثين ومائة في رجب، واشتدَّ في شهر رمضان، فكان يُحْصَى في سِكَّة المربد في كل يوم ألفُ جنازة أيامًا، ثُمَّ خَفَّ في شوال، وكان في الكوفة طاعون، وهو الذي مات فيه المغيرة بن شُعْبة سنة خمسين، هذا ما ذكره المدائني.

وكان طاعون عَمَواس سنة ثماني عشرة، وقال أبو زُرْعة الدمشقيُّ: كان سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة، وعَمَواس: قريةٌ بين الرملة وبيت المقدس نُسِبَ الطاعون إليها لكونه بَدَأَ فيها، وقيل: لأنه عَمَّ النَّاس وتَواسَوا فيه، ذكر القولين الحافظ عبدُ الغني في ترجمة "أبي عُبَيدَة بن الجَرَّاح رضي الله عنه"(1).

(1) انظر "تهذيب الكمال"(14/ 57)، و"سير أعلام النبلاء"(1/ 23).

ص: 357