الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فكذب لا يخفى على عاقل، فضلاً عن عاقل طالبِ عِلْم.
[9] نشأتها
.
يكفي لمعرفة نشأتها معرفةً كامِلةً، أنْ تعلَمَ أنها نشأتْ في بيت والدِها رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، هذا يكفي لِيَعلمَ المرءُ عِلماً يقيناً لا شكَّ فيه مبلغَ العلم والهدى والعبادة والتربية والسكينة والخيرات المتعددة التي أكرم الله بها بنات النبي صلى الله عليه وسلم سواء قبل زواجهن في «مكة» ، أو بعده في «المدينة النبوية» .
فإذا أضفتَ إلى ذلك أن أُمَّهُنَّ السيدةَ الكاملةَ العاقلةَ الرزينة المؤمنة: أمَّ المؤمنين خديجة رضي الله عنها كان هذا خيراً على خير عظيم.
فإذا أضفت إلى ذلك ـ أيضاً ـ أن فاطمة من بين أخواتها كانت ملازمة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، شَهدَتْ مراحِلَ الدعوة كلَّها، وبعضَ غزواته، وكان بيتُها بعد زواجها مجاوراً لبيتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهي الوحيدة التي بقيت بعده، عَلِمْتَ أنها امتلأت حِكمةً وإيماناً وعِلماً وتَربية رضي الله عنهن.
قال الأديب: عباس العقاد: (لم تفتح عينَيها على غير بوادر ومقدمات الصلوات والتسبيحات والتألُّه من أبوين كريمين
إذا وُصِفت نشأةُ الزهراء بكلمة واحدة تُغني عن كلمات، فالجِدُّ هي تلك الكلمة الواحدة
…
نشأتْ في حَنانٍ جادٍّ رَصِين، ونكادُ نقول: بَلْ حَنْانٍ صَابِرٍ حَزينٍ نَشْأَةُ جِدِّ واعتكاف، ونَشْأةُ وقار واكتفاء.
لقد أوشكَت الزهراءُ أنْ تَنْشأَ نشأةَ الطفل الوحيد في دار أبويها؛ لأنها لم تجد معها غيرَ أُختٍ واحدةٍ ليست من سِنِّها، وغيرَ أخيها من أمها هند بنِ أبي هالة
وأوشَكَتْ عُزْلَةُ الطفلة الوحيدة أن تكبُرَ معها؛ لأنها لم تكُنْ تسمَعُ عن ذُكرَيات إخوتها الكبار إلا ما يُحزِن ويُشغِل: ماتوا صغاراً، وخلَّفوا في نفوس الأبوين لَوْعَةً كَامِنَةً، وصَبْرَاً مَرِيرَاً. مع زواج الأختين الكبيرتين
لقد لَقِيَتْ مِن والدِها حَنَانَاً كَبِيراً، والحَنَانُ على الصُّغْرَى مِن الذرِّيةِ بعد فِراقِ الذُّرِّيَةِ كلِّها بالموت أو بالرحلة، حَنَانٌ ـ لَعَمْرُ الحقِّ ـ صابرٌ حَزِيْنٌ.
ولقد نَعِمَت الزهراءُ بهذا الحنَانِ مِن قَلْبَيْنِ كَبِيْرَيْنِ، حَنَانٌ أحرَى بِهِ أنْ يُعَلِّمَ الوقَارَ، ولا يُعلِّمَ الخِفَّةَ والمَرَحَ والانْطِلاق).
(1)
ووصفت الأديبة: عائشة بنت الشاطئ نشأتَها بأنها: هجَرَتْ في صِباها مَلاعِب أترَابها ولِدَاتِها، وأدركَتْ عِظَمَ مَسؤوليةِ والدِها صلى الله عليه وسلم بعد أنْ بعثَهُ اللَّهُ رحمَةً للعالَمين.
هجَرَتْ ملاعبَ الصِّبا، وانتبذَتْ مِن صَواحِبِهَا مَكَاناً قريباً من أبيها في
(1)
«فاطمة الزهراء» للعقاد، بتصرف يسير.
قَلْبِ الميدان.
قال الأستاذ: عبدالستار الشيخ في وصف طفولتها: (وتَرَعْرَعَت الطفلةُ في أحضان النبوة وظِلال الوحي الذي يتنزَّل على أبيها صلى الله عليه وسلم غدوةً وعشيِّاً بآيات القرآن الحكيم، وتفتَّحَ قلبُها وعقلُها على معاني آياته الكريمة مشفوعاً بالهَدْي النبوي الرفيع الذي تعيشه غضَّاً طريِّاً في كلِّ ساعةٍ ومَوقفٍ وحادثَةٍ.
فكانت مَلَكَاتُها ومَدارِكُهَا تَشبُّ وتَنمُو بما يفوق جِسْمَها الضئيل، وسِنَّها الصغيرة؛ وهذا ما يُفسِّر لنا مواقِفَها الباهِرة، وجُرْأَتَها النادرة، ووعيَها الوقَّاد، مما يشهدُ به كثيرٌ من أحداث الدعوة في مكة والمدينة، والذي ترجمَتْ به السيدةُ الزهراءُ ثمرات تلك النشأة الفريدة في سِنيِّ طفولتها المبارَكة).
وقد رأت فاطمةُ رضي الله عنها الزهدَ والإقلالَ من الدنيا في حياةِ والدِها صلى الله عليه وسلم قبلَ الهِجرة وبعدَها، قال الأستاذ: عبدالستار الشيخ: (عاشَتْ في كنف أبيها دهرَاً لم ترَهُ يَتبسَّط من الدنيا، وأموالُ خديجة بين يديه. وفاطمة وعلي ــ لأنه عاش مع النبي صلى الله عليه وسلم ــ رأيَا الزهدَ والتقشُّفَ من النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكان يحبُّ الزهدَ لآل بيته، وقد قال: «اللهم اجعَلْ رِزْقَ آلِ محمَّد قُوتاً»).