الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أكثرها مخالفة للأخبار المثبتة في كتب أئمة الدين، وهذا ظن فاسد، ووهم كاسد "..
انتهى ما أردته من كلام اللكنوي.
* * *
من اصطلاحات السادة الحنفية:
الصحيح:
الصحيح في مذهب السادة الحنفية نوعان:
1 -
صحيح دراية، وهو: الذي نهض دليله، وقويت حجته، وتعليله ممن كان صدوره، وأيًّا كان صدوره.
2 -
وما هو صحيح رواية: لثبوته عن القائل به بسند صحيح تواترًا، أو شهرة، أو آحادا، مثل ما يروى عن: أبي حنيفة، وأي يوسف، ومحمد، وزفر، والحسن، ومالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم من الأئمة بطريق صحيح:
أ - إما برفع إسناده إلى المنقول عنه بنقل الثقة عن الثقة سالمًا عن القادح والعلة.
ب - أو بالوجدان في كتاب معروف، قد عُرِفَ صاحبه بالعدالة والضبط في
الرواية، ككتب محمد بن الحسن، وما قدمناه من المتون المعتمدة.
" هو الصحيح - أو هو المأخوذ به - أو الظاهر - أو به يُفْتَى - أو عليه الفتوى - الصحيح يُقَدَّم على الأصح - الظاهر مُقَدَّم على الأظهر ":
فإن قلتَ: قد صَرَّحوا بأن الرواية إذا ذُيِّلَت بقوله: " هو الصحيح، أو هو المأخوذ به، أو الظاهر، أو به يفتى، أو عليه الفتوى " فليس للمفتي أن يخالفه، و " أن الصحيح مُقَدَّم على الأصح، والظاهر على الأظهر عند التعارض " إلى غير ذلك مما بيَّنوه في رسم المفتِي.
قلنا: إن المراد من ذلك هو ما كان هو الصحيح في الواقع دراية ورواية، وهو: الظاهر بحسب ثبوته عن المزوى عنه أي الواقع على ما مَرَّ تفصيله، غير أن المقُلد الذي عجز عن فقه الدليل وليس عنده ما يعتمد عليه إلا قول المجتهد، لما كان عاجزًا عن معرفة ذلك كله إلا من بيان العالم وتَذْيِيلِه القول بـ:" الصحيح " ونحوه -: قالوا: ما ذكرناه عنهم، ولذلك شرطوا أن يكون المُذَيِّل بشيء مما ذُكِرَ من أهل العلم بفقه
الدليل، وإلا فما الفائدة في تصحيح الجاهل بالرواية والدراية؟!.
ومحل قولهم: " إن الصحيح والظاهر مُقَدَّم على الأصح والأظهر " إذا أورده بصيغة تفيد الحصر، كقولهم:" هو الصحيح "، ونحوه، وإن لم يورده كذلك فلا يُقَدَّم؛ لأن العبارة حينئذ إنما تدل على صحة القول المُذَيَّل مع السكوت عن مقابله، فيحتمل أن يكون صحيحًا عنده أيضا لجواز تَعَدّد الصحيح رواية.
ومع اشتراط أن يكون المرجِّح عالماً بفقه الدليل: يشترط أيضًا أن يكون عدلًا ثقة قد عُرِفَ، واشتُهر بالفقه، والضبط، والورع، وإلا فلا عبرة بترجيح من لا يميز بين الغث والسمين، ولا يَفْرِق بين الشمال واليمين من ضعفاء الناس، والمستورين الذين لم يعرف حالهم، ولم تثبت عدالتهم.
وكما لا عبرة بتصحيح هذا، وترجيحه -: لا عبرة بنقله.
وقوله، ولا عبرة بما تَفَرَّد به إلا بشرط موافقته للأصول، وقيام الدليل عليه، وأن لا يعارضه فيه من هو فوقه أو مثله، وإلا اضمحل بالتعارض، أو بظهور عدم صحة النقل، أو عدم تعضيد الدليل له.
ومثال ذلك: أن المصلي منفردًا إذا قضى الصلاة الجهرية، هل يجب عليه إخفاء القراءة أو لا؟
اختلف فيه، فقيل: يجوز الإخفاء، ويجوز الجهر، والجهر أفضل ليكون القضاء على حسب الأداء، وقيل: يجب عليه الإخفاء، قال في الهداية: هو الصحيح.
واعترض عليه العلامة السغناقي في النهاية وغيره: بأنه مخالف لقول شمس الأئمة السرخسي، وفخر الإسلام، والإمام التمرتاشي، والإمام المحبوبي، وقاضيخان وغيرهم بالتخيير، وأن الجهر أفضل، وأنه الصحيح، وفي الذخيرة والكافي هو الأصح؛ لأن القضاء على وَفْق الأداء.
فعُلِمَ أن ما صححه صاحب الهداية بقوله: " هو الصحيح " غير صحيح.
وقد أجاب عنه صاحب العناية: بأنه ليس مراد المصنف " الصحيح رواية " حتى يَرِدَ عليه ما ذكر، بل " الصحيح دراية ".
وذلك لأن الحكم الشرعي ينتفي بانتفاء المدرك الشرعي، والمعلوم من الشرع: كون الجهر من المنفرد تخييرًا في الوقت، وحتمًا على الإمام، ولولا الأثر من النبي صلى الله عليه وسلم أنه حين قضائه فجر غداة التعريس جهر فيها بالقراءة كما كان يصليها في وقتها، لقلنا بتقييده في الوقت أيضًا في حق الإمام، ومثل هذا الأثر في المنفرد معدوم فيبقى الجهر في
حقه على الانتفاء الأصلي، فلا يعدل عنه إلا بمُوجِب، ولم يوجد..
اهـ.
ورده المحققون منا: بأننا لا نسلِّم أن الأصل في القراءة الإخفاء، وأن الجهر عارض بدليل، فإن الثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر في الصلوات كلها، فشرع الكفار يغلِّطونه
كما يشير إليه قوله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) .
فأخفى النبي صلى الله عليه وسلم إلا في الأوقات الثلاثة، فإنهم كانوا فيها غُيَّبًا، أو نائمين، أو مشغولين بالطعام فاستقر الأمر على ذلك.
فهذا يدل على أن الأصل فيها الجهر، وأن الإخفاء عارضٌ، على أننا لا نسلم انتفاء المدرك الشرعي، بل هو موجود، وهو: القياس على أدائها بعد الوقت بأذان وإقامة.
بل أولى، لأن فيهما الإعلام بدخول الوقت، والشروع في الصلاة، ومع ذلك قد سُنَّا في القضاء، وإن لم يكن من يُعْلِمْه بدخول الوقت والشروع في الصلاة، بأن كان المصلى وحده، فعُلِم أن المقصود مراعاة هيئة الجماعة في القضاء، كما كان يراعيها في الأداء.
وقد روى أن من صلى على هيئة الجماعة صَلَّت بصلاته صفوف من الملائكة، وفي موطأ مالك عن زيد بن أسلم:" إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو نسيها فليصلها كما كان يصليها في وقتها ".
فإن قلتَ: إن سببي الجهر اللذين ذكرهما صاحب الهداية ثابتان بالإجماع، وقد انتفى كل منهما بعد خروج الوقت، فكيف ييقى حكم الجهر بعد انتفاء سببه، وأما ما ذكرت من موافقة القضاء للأداء، فلم ينعقد على سببيته للجهر إجماع، ولم يأت به نص: فجعْله سببا يكون إثباتًا للسبب ابتداء بالرأي، وهو لا يجوز.
قلنا: ما ذكرته من انتفاء السببين مُسَلَّم، لكن لا نسلِّم انتفاء الحكم لانتفائهما؟
لأن الحكم إنما ينتفي بانتفائهما إذا انعقد الإجماع على حصر السببية فيهما، وليس كذلك، وقد تَقَرَّر في الأصول أن ما ثبت بالإجماع مثل الثابت بالنص، فيكون معقولًا ومعللًا كما هو الأصل في الأحكام الشرعية، فيجوز إلحاق غيره به لوجود علة الحكم فيه، ولذلك قال بعض الفضلاء: فظهر أن ما ذكره صاحب الهداية ليس بصحيح دراية أيضًا.
ومثل ما وقع لصاحب الهداية، وقع لقاضيخان، فإنه قال في هلال رمضان وهلال الفطر:" وينبغي أن يشترط لفظ الشهادة، والدعوى على قياس قول الإمام ".
وفرَّع عليه المحقق الكمال بن الهمام ما فرعه عليه، وقد تقدّم ما في ذلك من أنه