الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
انتهى كلام الشيخ تقي الدين، وهو موافق لما قلناه واللَّه أعلم.
وقد ذكرت المصنفات التي نقلت هنا منها في كتاب الإنصاف، وفيها بحمد اللَّه كفاية.
* * *
اختلاف الترجيح:
ظاهر قوله: " فإن اختلف الترجيح أطلقت الخلاف " أن اختلاف الترجيح يكون بين الأصحاب، وهو المتبادر إلى الفهم، ويشكل على ذلك أشياء:
أحدها: أنه يقول في كتابه في غير ما موضع: " فعنه يكون كذا اختاره الأصحاب، وعنه لا "، كما ذكره في باب المسح على الخفين وباب الحجر.
أو يقول: وهل يكون الحكم كذا، اختاره الأصحاب، أو كذا، فيه روايتان، كما ذكره في باب ما يفسد الصوم.
أو يقول: يكون الحكم كذا في رواية اختارها فلان، أو كذا في رواية اختارها الأصحاب، كما ذكره في باب ما يفسد الصوم أيضًا، مع أن في كلام المصنف في هذه المسألة نظرًا من ثلاثة أوجه يأتي بيانها في محلها.
وكذا الذي في باب الحجر.
أو يقول: يكون الحكم كذا في رواية اختاره الأصحاب، وكذا في رواية، كما ذكره في باب محظورات الإحرام وما أشبه ذلك.
فأين الاختلاف بين الأصحاب في الترجيح، وهو قد قطع بأن الأصحاب قد اختاروا إحدى الروايتين،
فيمكن الجواب بأن يقال: هذه الصيغ ليست من الخلاف المطلق، وهو ضعيف.
والصواب أن يقال: بقرينة قوله " اختاره الأصحاب ": انتفى إطلاق الخلاف الذي اصطلح عليه، ويكون المذهب ما قاله الأصحاب، وإنما أتى بهذه الصيغة لتدل على قوة الرواية الأخرى عندهم حتى تقاوم ما اختاره الأصحاب كما تقدم التنبيه عليه، ويكون
كقوله: " فعنه كذا، والمذهب أو الأشهر كذا " واللَّه أعلم.
الثاني: أنه يطلق الخلاف، ثم يقول:" والأشهر كذا، أو المشهور كذا ونحوه "، فدل أن ذلك أكثر ترجيحا، وأشهر بين الأصحاب.
والجواب كما تقدم، ويزاد هنا بأن بعض الأصحاب قد اختار غير الأشهر، فاختلف الترجيح، ولكن بعضه أشهر.
الثالث: أنه يقول في بعض المسائل بعد إطلاق الخلاف: والترجيح مختلف.
كما ذكره في باب زكاة الفطر، وباب الإحرام وليس فيه غيرهما، وهل هذا إلا تحصيل الحاصل.
ويمكن الجواب بأنه قال ذلك تأكيدًا، وفيه نظر لقلة ذكره لهذه الصيغة.
أو يقال: ذكر ذلك لنكتة خفيت على بعض الأصحاب، فصرح بذلك ليعلم، أو ليحصل الاعتناء، والتنبيه على تحريرها.
أو يقال: لم يستحضر المصنف حال ذكر ذلك ما اصطلح عليه في الخطبة وهو
الظاهر، أو حرر الخطبة بعد فراغه من الكتاب.
ويحتمل أن يكون الترجيح في الموضعين باعتبار سببين فيحمل كل واحد على
محمل، وهو بعيد، واللَّه أعلم.
الرابع: أنه يطلق الخلاف في مسائل لم يعلم للأصحاب فيها كلام كما ذكره في باب إزالة النجاسة في ماهية الزياد والعنبر من أي شيء هما، وكما وقع له في باب صلاة التطوع في حذف ياء الثماني، هل هو خطأ أو شاذ، وكما ذكره في باب صوم التطوع
في تسمية يوم التروية ويوم عرفة، وكما ذص هـ في قول عائشة رضي الله عنها:"كان يصوم شعبان كله "
هل المراد غالبه، أو كله، وكما ذكره في سورة القدر هل هي مكية أو مدنية
في الباب المذكور، وكما ذكره في باب الاعتكاف في
(
خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ) ، وكما ذكره في باب المواقيت في الأفقي نسبة هل هو بضم الهمزة والفاء أو بفتحهما، وكما ذكره في كتاب البيع في ضبط المجر هل هو بفتح الجيم أو كسرها.
ويمكن الجواب عن ذلك بأن يقال: لا نسلم أن الأصحاب ليس لهم في هذا الكلام لا سيما في يوم عرفة والتروية، فإن الخلاف فيهما مشهور بين العلماء، ولا يلزم من عدم اطلاعنا على ذلك عدم اطلاعه، وهو ثقة فيما ينقل.
أو يقال: سلمنا أن الأصحاب لشى لهم كلام في ذلك، ولكنه لما رأى هذه
الأقوال، ولم يترجع عنده أحدها أطلق الخلاف فشابه ما اختلف ترجيح الأصحاب فيه، واللَّه أعلم، ولكن فيه نوع اشتباه.
الخامس: أن يقول في بعض المسائل: فقيل كذا، أو فقال فلان كذا، أو ففي الكتاب الفلاني كذا، ويقتصر عليه كما تقدم التنبيه عليه، ومسألة كراهة إمامة قوم أكثرهم له كارهون مثل ذلك على بعض النسخ فما ثم هنا خلاف ألبتة حتى يختلف الترجيح فيه.
فيجاب بأن هذا لم يدخل فيما اشترطه المصنف، ولكن إتيانه بهذه الصيغة لا يخلو من نكتة، ثم وجدته في جمع الجوامع في أصول الفقه للسبكي ذكر مثل هذه العبارة في مسألة الكلام في الأزل هل يسمى خطابا فقال بعض شراحه: ذكر المصنف قولين من غير ترجيح، فحكم بأن في المسألة قولين من غير ترجيح، ولكن لا يتأتى لنا القطع
بذلك في كلام المصنف وغيره، بل يتتبع كلامهم هل يوجد فيها منقول بذلك أم لا؟.
السادس: أنه في بعض المسائل يحكى الخلاف، ويطلقه عن شخص، أو كتاب ويقتصر عليه، وليس في المسألة نقل غير ما ذكره عن ذلك المصنف، أو الكتاب، فأين اختلاف الترجيح في ذلك بين الأصحاب؟.
ويجاب: بأنه نقل ذلك على سبيل الحكاية كما وجده، لا أن الخلاف فيه مطلق، أو أنه لم يظهر له ترجيح أحد القولين على الآخر فأطلق الخلاف، أو أنه بقرينة اختصاصه بهذا المصنف، أو الكتاب يدل على أن مرافى هـ بذلك غير ما اصطلح عليه من إطلاق الخلاف وهو الصواب، واللَّه أعلم.
السابع: أنه يخرج، أو يوجه من عنده روايتين، أو وجهين، أو احتمالين،
ويطلقهما، وهذا أيضًا مما ليس للأصحاب فيه كلام، ولا اختلف ترجيحهم فيه.
ويمكن أن يجاب بأن يقال: إنما خرج المصنف الروايتين، أو الوجهين، أو الاحتمالين لجامع بين المسألة التي خرجها، وبين المسألة الخرج منها، والمسألة الخرج منها فيها خلاف مطلَق، أو مُرَجَّح، فأطلق الخلاف إحالة على ذلك، وهو قوى أو قال ذلك من غير نظر إلى مصطلحه.
والصواب: أن الجواب هنا كالقول الأخير في التي قبلها واللَّه أعلم.
الثامن: أنه يطلق الخلاف في مسائل كثيرة متابعة لمن قبله حتى في نفس العبارة كما وقع له في الخطة، وباب الصلح، والإجارة، وكتاب الديات وغيرها، فإنه تابع ابن حمدان في رعايته الكبرى في إطلاق الخلاف بحروفه، والخلاف الذي أطلقه ابن حمدان إنما هو من عند نفسه، وتخريجه لم يسبق إليه.
وهذا مشكل جدًّا كونه لم ينسبه إلى قائله فأوهم أن الخلاف مطلق، وأن الأصحاب اختلفوا في الترجيح.
وكذلك يقع منه مثل ذلك متابعة للشيخ في المغني، فيتابعه حتى في الدليل والتعليل والإطلاق وغيرها، ولم يبين ذلك، بل يتابعه في إطلاق الاحتمالين اللذين له ولغيره،
وهذا كثير في النصف الثاني، كما ستراه إن شاء اللَّه تعالى.
وعذره أنه لم يبيضه، ولم يعاود النظر فيه، أو يكون المصنف اطلع على غير ذلك واللَّه أعلم.
التاسع: أنه يطلق الخلاف في موضع، ويقدم حكمًا في موضع آخر في مسألة
واحدة، كما تقدم التنبيه عليه، أو يقدم حكمًا في موضع، ويقدم آخر في موضع آخر في مسألة واحدة، فيشتبه الصحيح من المذهب في ذلك، فيمكن أن يقال في المسألة الأولى حيث أطلق الخلاف فلاختلاف الأصحاب في الترجيح، وحيث قدم فلظهور المذهب عنده.
فعلى هذا الاعتماد على ما قاله أخيرًا من إطلاق، أو تقديم، لكن لا يكفي هذا في هذا المقام، بل يطلب المذهب من خارج، أو يقال قال ذلك ذهولًا، أو فعله متابعة لبعض الأصحاب، ولم يعاود النقل، ولا استحضر ذلك، واللَّه أعلم.
وأما تقديمه حكمًا في موضع وتقديم غيره في موضع آخر فهذا والله أعلم سهو منه، أو يقال: ظهر له المذهب في ذلك المكان، وظهر له أن المذهب غيره في المكان الآخر، ولم يستحضر ما فعله في المكان الآخر.
أو يقال: تابع بعض الأصحاب المحققين في مكان، وتابع غيره في مكان آخر ولم يستحضر ما قاله أولًا، فحصل الخلل، واللَّه أعلم.
وعلى كل حال لا بد من التنبيه على الصحيح من المذهب في ذلك إن شاء اللَّه تعالى.
العاشر: ما المراد باختلاف الترجيح إن أراد تعادل الأصحاب، وتقاومهما من الجانبين في ذلك، فهو يطلق الخلاف وأكثر الأصحاب على أحد القولين، ويصرح بذلك في بعض المسائل في حكايته القول كما ذكره في باب محظورات الإحرام
وغيره، وهو كثير في كلامه، بل هو يقدم في مسائل كثيرة حكمًا، والأكثر على خلافه، ويصرح به كما ذكره في كتاب البيع فيما إذا تقدم القبول على الإيجاب وغيره.
وإن أراد أن الأقل يقاوم الأكثر في التحقيق فهو في بعض المسائل يقدم حكما والحالة هذه من الجانبين، وهو كثير لمن تتبع كلامه، ويأتي في بعض المسائل ما يشهد لذلك.
وإن أراد مجرد اختلاف الترجيح مع أنه ظاهر عبارته فيرد عليه مسائل كثيرة يقدم فيها حكمًا، مع أن جماعة كثيرة، أو أكثر الأصحاب اختاروا القول المؤخر، وربما صرح بذلك المصنف فيقول: " وعنه كذا، أو وقيل كذا اختاره جماعة، أو الأكثر، أو
فلان وفلان "، ونحو ذلك.
والقول بأن مراده التعادل من الجانبين في التحقيق أقرب، فلا يضرنا كثرة الأصحاب في أحد الجانبين، لأن الأقل يعادل الأكثر لأجل التحقيق، أو لظهور الدليل، أو المدرك والمأخذ، أو العلة، أو غير ذلك من أسباب الترجيح، لكن لا يسلم له أيضًا هذا لمن تتبع
كلامه في المسائل التي قدم فيها حكمًا لو أطلق فيها الخلاف.
والذي يظهر أن الغالب في إطلاقه الخلاف ما قلناه من التعادل في التحقيق، وتارة يقوى عنده الدليل في مسألة تقاوم من قال بالقول الآخر، وإن كان ما اختاره إلا القليل من الأصحاب، لكن قوى قولهم بالدليل، أو بالقياس، أو بنوع من أنواع الترجيح، ولذلك تجده يطلق الخلاف مع أن أحد القولين عليه الأصحاب، أو هو المشهور،
أو الصحيح في المذهب، ولكن لقوة الدليل قاوم دليل الأصحاب، واللَّه أعلم.
ويرد بعض ذلك على قوله " وأقدم غالبًا المذهب " واللَّه أعلم.
* * *