الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث
حكم من لم يُعَق عنه صغيراً هل يَعُقُّ عن نفسه إذا بلغ
؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يستحب لمن لم يعق عنه صغيراً أن يعق عن نفسه كبيراً وبه قال عطاء والحسن ومحمد بن سيرين، وذكر الحافظ العراقي أن الإمام الشافعي يرى أنه مخير في العقيقة عن نفسه، واستحسن القفال الشاشي من الشافعية أن يعق عن نفسه كبيراً، وهو رواية عن الإمام أحمد، وعلق الشوكاني القول به على صحة الحديث المذكور أدناه.
القول الثاني: لا يعق عن نفسه وبه قال المالكية، وقالوا إن العقيقة عن الكبير لا تعرف بالمدينة، وهو رواية عن أحمد ونسب إلى الشافعي، وضعف هذه النسبة الإمام النووي والحافظ ابن حجر وغيرهما، والصحيح عن الشافعي ما ذكرته أولاً (1).
أدلة القول الأول:
استدلوا بما روي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة) وهذا الحديث تكلم عليه المحدثون كلاماً طويلاً أذكر خلاصته:
(1) المجموع 8/ 431، المغني 9/ 461، شرح السنة 11/ 264، المحلى 6/ 240، طرح التثريب 5/ 209، الإنصاف 4/ 113، مغني المحتاج 4/ 293، الفروع 3/ 564، كشاف القناع 3/ 25، فتح الباري 12/ 12 - 13، كفاية الأخيار ص 535، تحفة المودود ص 69، نيل الأوطار 5/ 153، الفروع 3/ 564 الحاوي 15/ 129، مواهب الجليل 4/ 391.
فالحديث رواه عبد الرزاق عن عبد الله بن محرر عن قتادة عن أنس رضي الله عنه (1).
ورواه البيهقي بسنده عن عبد الله بن محرر عن قتادة عن أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة) قال عبد الرزاق إنما تركوا عبد الله بن محرر لحال هذا الحديث. ثم قال: وقد روى من وجه آخر عن قتادة. ومن وجه آخر عن أنس وليس بشيء] (2).
قال الحافظ ابن حجر: [وكأنه أشار بذلك إلى أن الحديث الذي ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة لا يثبت وهو كذلك فقد أخرجه البزار من رواية عبدالله بن محرر وهو بمهملات عن قتادة عن أنس، قال البزار: تفرد به عبدالله وهو ضعيف أ. هـ. وأخرجه أبو الشيخ من وجهين آخرين أحدهما: من رواية إسماعيل بن مسلم عن قتادة وإسماعيل ضعيف أيضاً وقد قال عبد الرزاق إنهم تركوا حديث عبد الله بن محرر من أجل هذا الحديث، فلعل إسماعيل سرقه منه. ثانيهما: من رواية أبي بكر المستملي عن الهيثم بن جميل وداود بن المحبر قالا: حدثنا عبد الله بن المثنى عن ثمامة عن أنس، وداود ضعيف، لكن الهيثم ثقة، وعبد الله من رجال البخاري، فالحديث قوي الإسناد. وقد أخرجه محمد بن عبد الملك بن أيمن عن إبراهيم بن إسحق السراج عن عمرو الناقد، وأخرجه الطبراني في الأوسط عن أحمد بن مسعود كلاهما عن الهيثم بن جميل وحده به، فلولا ما في عبد الله بن المثنى من المقال لكان هذا الحديث صحيحاً، لكن قد قال ابن معين ليس بشيء. وقال النسائي ليس
(1) مصنف عبد الرزاق 4/ 229.
(2)
سنن البيهقي 9/ 300.
بقوي، وقال أبو داود لا أخرج حديثه، وقال الساجي فيه ضعف، لم يكن من أهل الحديث روى مناكير. وقال العقيلي لا يتابع على أكثر حديثه، وقال ابن حبان في الثقات ربما أخطأ. ووثقه العجلي والترمذي وغيرهما، فهذا من الشيوخ الذين إذا انفرد أحدهم بالحديث لم يكن حجة. وقد مشى الحافظ الضياء على ظاهر الإسناد فأخرج هذا الحديث في الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين، ويحتمل أن يقال: إن صح هذا الخبر كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم كما قالوا في تضحيته عمن لم يضح من أمته] (1).
وقال الحافظ ابن عبد البر: [وعبد الله بن محرر ليس حديثه بحجة](2).
وقال النووي: [وهذا حديث باطل، قال البيهقي: هو حديث منكر
…
فهو حديث باطل وعبد الله بن محرر ضعيف متفق على ضعفه. قال الحفاظ: هو متروك] (3).
وقال الحافظ أبو زرعة العراقي: [له طريق لا بأس بها رواها أبو الشيخ وابن حزم من رواية الهيثم بن جميل عن عبد الله المثنى عن ثمامة عن أنس](4).
وذكر الذهبي في ترجمة عبد الله بن محرر أنه متروك، وأن من بلاياه أنه روى عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعدما بعث (5).
(1) فتح الباري 12/ 12 - 13، وانظر التلخيص الحبير 4/ 147.
(2)
الاستذكار 15/ 376.
(3)
المجموع 8/ 431 - 432.
(4)
طرح التثريب 5/ 210 وانظر المحلى 6/ 239.
(5)
ميزان الاعتدال 2/ 500.
وقال الهيثمي: [رواه البزار والطبراني في الأوسط ورجال الطبراني رجال الصحيح خلا الهيثم بن جميل وهو ثقة وشيخ الطبراني أحمد بن مسعود الخياط المقدسي ليس هو في الميزان](1).
وقد صحح الشيخ الألباني الحديث في سلسلة الأحاديث الصحيحة الحديث رقم 2726، وتكلم عليه كلاماً طويلاً، وذكر أن للحديث طريقين عن أنس رضي الله عنه: الأولى: عن عبد الله بن محرر عن قتادة عنه: ثم ذكر من أخرج الحديث من هذا الطريق وذكر تضعيفهم له، ثم قال الشيخ الألباني: [والطريق الأخرى عن الهيثم بن جميل حدثنا عبد الله بن المثنى بن أنس عن ثمامة بن أنس عن أنس به. أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار 1/ 461 والطبراني في المعجم الأوسط 1/ 55/2 رقم 976 – بترقيمي، وابن حزم في المحلى 8/ 321، والضياء المقدسي في المختارة ق71/ 1.
قلت – الألباني -: وهذا إسناد حسن رجاله ممن احتج بهم البخاري في صحيحه غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ من شيوخ الإمام أحمد وقد حدث عنه بهذا الحديث كما رواه الخلال عن أبي داود قال: سمعت أحمد يحدث به، كما في أحكام المولود لابن القيم ص88 – دمشق، ومن العجيب أنه أتبع هذه الطريق بالطريق الأولى وقال: قال أحمد: منكر، وضعف عبد الله بن محرر. ولم يتعرض لهذه الطريق الأخرى بتضعيف! وكذلك فعل الطحاوي وابن حزم، فيمكن اعتبار سكوتهم عنه إشارة منهم لقبولهم إياه، وهو حري بذلك فإن رجاله ثقات اتفاقاً، غير عبد الله بن المثنى وهو ابن عبد
(1) مجمع الزوائد 4/ 59.
الله بن أنس بن مالك، فإنه وإن احتج به البخاري فقد اختلفوا فيه اختلافاً كثيراً كما ترى في التهذيب وغيره، وذكره الذهبي في المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد 129/ 190. فهو وسط. وأفاد الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح ص416 أن البخاري لم يحتج به إلا في روايته عن عمه ثمامة وأنه إنما روى له عن غيره متابعة. قلت: فلعل ذلك لصلة عبدالله بعمه ومعرفته بحديثه فهو به أعرف من حديث غيره فكأن البخاري بصنيعه هذا الذي أشار إليه الحافظ يوفق بين قول من وثقه وقول من ضعفه، فهو في روايته عن عمه حجة، وفي روايته عن غيره ضعيف. ولعل هذا هو وجه إيراد الضياء المقدسي للحديث في المختارة، وسكوت من سكت عليه من الأئمة، كما أشرت إليه آنفاً.
وأما الحافظ ابن حجر فقد تناقض كلامه في هذا الحديث تناقضاً عجيباً، فهو تارة يقويه، وتارة يضعفه في المكان الواحد! فقد نقل في الفتح 9/ 594 - 595 عن الإمام الرافعي أن الاختيار في العقيقة أن لا تؤخر عن البلوغ، وإلا سقطت عمن كان يريد أن يعق عنه، لكن إن أراد أن يعق عن نفسه فعل، فقال الحافظ عقبه:[وكأنه أشار بذلك إلى أن الحديث الذي ورد: (أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة) لا يثبت وهو كذلك]. ثم أخرجه من رواية البزار الضعيفة، ثم قال: [وأخرجه أبو الشيخ من وجهين آخرين:
أحدهما: من رواية إسماعيل بن مسلم عن قتادة عن أنس. وإسماعيل ضعيف أيضاً. فلعله سرقه من عبد الله بن محرر.
ثانيهما: من رواية أبي بكر المستملي عن الهيثم بن جميل
…
والهيثم ثقة، وعبد الله من رجال البخاري. فالحديث قوي الإسناد، وقد أخرجه ابن أعين
والطبراني في الأوسط
…
فلولا ما في عبد الله بن المثنى من المقال لكان هذا الحديث صحيحاً.
ثم ذكر أقوال العلماء فيه ممن وثقه وضعفه، ثم قال: فهذا من الشيوخ الذين إذا انفرد أحدهم بالحديث لم يكن حجة].
قلت – الألباني -: وهذا الإطلاق فيه نظر، يتبين لك من شرحنا السابق لتفريق البخاري بين رواية عبد الله بن المثنى عن عمه؛ فاحتج بها، وبين روايته عن غيره؛ فاعتبر بها، وهو مما استفدناه من كلام الحافظ نفسه في المقدمة، فلعله لم يستحضره حين كتب هذا الإطلاق. على أن ابن المثنى لم يتفرد بالحديث، بدليل متابعة قتادة عند إسماعيل بن مسلم – وهو المكي البصري – وهو وإن كان ضعيفاً فإنه لم يتهم، بل صرح بعضهم أنه كان يخطئ. وقال أبو حاتم فيه – وهو معدود في المتشددين –:[ليس بمتروك، يكتب حديثه]. أي للاعتبار والاستشهاد به، ولذلك قال ابن سعد:[كان له رأي وفتوى، وبصر وحفظ للحديث، فكنت أكتب عنه لنباهته].
قلت – الألباني -: فمثله يمكن الاستشهاد بحديثه فيقوى الحديث به.
وأما قول الحافظ المتقدم فيه: [لعله سرقه من ابن المحرر] فهو مردود بأن أحداً لم يتهمه بسرقة الحديث مع كثرة ما قيل فيه. والله أعلم.
ومما سبق يظهر لك أن الوجه الآخر عن قتادة مما أشار إليه البيهقي في كلامه المتقدم نقلاً عن الحافظ في التلخيص وقال هذا فيه: [لم أره مرفوعاً]، قد رآه بعد وذكره في الفتح، وهو رواية إسماعيل هذه. وبالله التوفيق.
وإذا تبين لك ما تقدم من التحقيق ظهر لك أن قول النووي في المجموع شرح المهذب 8/ 431 - 432: [هذا حديث باطل].
أنه خرج منه دون النظر في الطريق الثاني وحال راويه ابن المثنى في الرواية، ولا وقف على المتابعة المذكورة، والله أعلم، وقد قال الهيثمي في مجمع الزوائد:[رواه البزار والطبراني في الأوسط، ورجال الطبراني رجال الصحيح، خلا الهيثم بن جميل، وهو ثقة، وشيخ الطبراني أحمد بن مسعود الخياط المقدسي ليس هو في الميزان].
قلت: يشير إلى تمشيته، وقد تابعه جمع من الثقات منهم الإمام أحمد كما تقدم.
والحديث قواه عبد الحق الإشبيلي في الأحكام، وقد ذهب بعض السلف إلى العمل به، فروى بن أبي شيبة في المصنف 8/ 235 - 236، عن محمد بن سيرين قال:[لو أعلم أنه لم يعق عني لعققت عن نفسي]. وإسناده صحيح؛ إن كان أشعث الراوي له عن ابن سيرين هو ابن عبد الله الحداني أو ابن عبدالملك الحمراني، وكلاهما بصري ثقة. وأما إن كان ابن سوار الكوفي فهو ضعيف، وثلاثتهم رووا عن ابن سيرين، وعنهم حفص – وهو ابن غياث – وهو الراوي لهذا الأثر عن أشعث!
وذكر ابن حزم في المحلى 8/ 322، من طريق الربيع بن صبيح عن الحسن البصري:[إذا لم يعق عنك، فعق عن نفسك وإن كنت رجلاً]. وهذا إسناد حسن] (1).
(1) سلسلة الأحاديث الصحيحة 6/ 1/503 - 506.
أدلة الفريق الثاني:
قالوا إن العقيقة مشروعة في حق الوالد فلا يفعلها الولد إذا بلغ فالسنة ثبتت في حق غيره. وقالوا أيضاً إن الحديث الذي احتج به الفريق الأول ليس ثابتاً كما سبق الكلام عليه، ولو ثبت يمكن أن يحمل على أنه خاص به صلى الله عليه وسلم (1).
مناقشة وترجيح:
إن الحديث الذي احتج به الفريق الأول مختلف في ثبوته عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فمن العلماء من ضعفه وهم كثر ومنهم من صححه واحتج به فيمكن الاستئناس بهذا الحديث على جواز أن يعق الإنسان عن نفسه كبيراً إذا لم يعق عنه صغيراً. وأما الادعاء بأن الحديث إن ثبت فهو من خصوصياته صلى الله عليه وسلم فهذه الدعوى تحتاج إلى دليل على الخصوصية، ولا أعلم دليلاً على ذلك.
كما أنه لم يرد ما يمنع من العقيقة حال الكبر ووردت آثار عن بعض السلف تجيز ذلك منها:
1.
عن الحسن البصري قال: [إذا لم يعق عنك فعق عن نفسك وإن كنت رجلاً](2).
2.
وقال محمد بن سيرين: [عققت عن نفسي ببختية بعد أن كنت رجلاً](3).
3.
ونقل عن الإمام أحمد أنه استحسن إن لم يعق عن الإنسان صغيراً أن يعق
عن نفسه كبيراً وقال: [إن فعله إنسان لم أكرهه](4).
(1) المغني 9/ 461، فتح الباري 12/ 13، تحفة المودود ص 69.
(2)
المحلى 2/ 240، شرح السنة 11/ 264.
(3)
شرح السنة 11/ 264، والبختية: الأنثى من الجمال البخت وهي جمال طوال الأعناق.
(4)
تحفة المودود ص 69.
وبناءً على ما تقدم فلا بأس أن يعق الإنسان عن نفسه حال الكبر إن لم يعق عنه حال الصغر والله أعلم.