الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على المشاهد إلى درب الصفاء، ويقال له: الشارع الأعظم إلى دار الأنماط إلى الجامع العتيق، فإذا وصل إلى بابه، وجد الشريف الخطيب قد وقف على مصطبة بجانبه فيها محراب مفروشة بحصر معلق عليها سجادة، وفي يده المصحف المنسوب خطه إلى عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، وهو من حاصله فإذا وازاه وقف في موضعه، وناوله المصحف من يده، فيتسمله منه، ويقبله ويتبرّك به مرارا، ويعطيه صاحب الخريطة المرسومة للصلات: ثلاثين دينارا، وهي رسمه متى اجتاز به، فيوصلها الشريف إلى مشارف الجامع، فيكون نصيبهما منها خمسة عشر دينارا، والباقي للقومة والمؤذنين دون غيرهم.
ويسير إلى أن يصل دار الملك، فينزلها والوزير معه ومنذ يخرج من باب القصر إلى أن يصل إلى دار الملك لا يمرّ بمسجد إلا أعطى قيمة من الخريطة دينارا، فلا يزال بدار الملك نهاره فتأتيه المائدة من القصر، وعدّتها: خمسون شدّة على رؤوس الفرّاشين مع صاحب المائدة، وهو أستاذ جليل غير محنك، وكل شدّة فيها: طيفور فيها الأواني الخاص، وفيها من الأطعمة الخاص من كل نوع شهيّ، وكل صنف من المطاعم العالية، ولها رواء، ورائحة المسك فائحة منها، وعلى كل شدّة طرحهة حرير تعلو القوّارة التي هي الشدّة، فيحمل إلى الوزير منها جزء وافر، ولمن صحبه وللأمراء، ولكافة الحاضرين في الخدمة، ويصل منها إلى الناس بمصر ممن بعضهم بعضا شيء كثير، ولا يزال إلى أن يؤذن عليه بالعصر، فيصلي ويتحرّك إلى العود إلى القاهرة، والناس في طريقه لنظره، فيركب وزيه في هذه الأيام أنه يلبس الثياب المذهبة البياض، والملوّنة والمنديل من النسبة، وهو مشدود شدّة مفردة عن شدّات الناس، وذؤابته مرخاة من جانبه الأيسر، ويتقلد بالسيف العربي المجوهر بغير حنك، ولا مظلة، ولا يتيمة، فإنّ ذلك في أوقات مخصومة، ولا يمرّ أيضا بمسجد في سلوكه في هذه الطريق بالساحل إلّا، ويعطي قيّمه دينارا أيضا، كما جرى في الرواح، وينعطف من باب الخرق، ويدخل من باب زويلة شاقا القاهرة حتى يدخل القصر، فيكون ذلك من المحرّم إلى شهر رمضان، إمّا أربع مرّات أو خمس مرّات، ومن شعر الأسعد أسعد بن مهذب بن زكريا بن أبي مليح مما في دار الملك هذه:
حللت بدار الملك والنيل آخذ
…
بأطرافها والموج يوسعها ضربا
فخيلته قد غار لما وطئتها
…
عليها فأضحى عند ذاك لها خربا
منازل العز
بنتها السيدة تغريد أمّ العزيز بالله بن المعز، ولم يكن بمصر أحسن منها، وكانت مطلة على النيل لا يحجبها شيء عن نظره، وما زال الخلفاء من بعد المعز يتداولونها، وكانت معدّة لنزهتهم، وكان بجوارها حمام، ولها منها باب وموضعها الآن مدرسة تعرف: بالمدرسة التقوية منسوبة للملك المظفر تقيّ الدين عمرو بن شاهنشاه بن نجم الدين أيوب بن شادي.
الهودج: وكان من منتزهاتهم العظيمة البناء العجيبة البديعة الزي بناء في جزيرة الفسطاط التي تعرف اليوم: بالروضة، يقال له: الهودج، بناه الخليفة الآمر بأحكام الله لمحبوبته البدوية التي غلب عليه حبها بجوار البستان المختار، وكان يتردد إليه كثيرا، وقتل وهو متوجه إليه وما زال منتزها للخلفاء من بعده.
قال ابن سعيد في كتاب المحلى بالأشعار: قال القرطبيّ «1» في تاريخه: تذاكر الناس في حديث البدوية، وابن مياح من بني عمها وما يتعلق بذلك من ذكر الآمر، حتى صارت رواياتهم في هذا الشأن كأحاديث البطال، وألف ليلة وليلة وما أشبه ذلك.
والاختصار منه أن يقال: إنّ الآمر كان قد بلي بعشق الجواري العربيات، وصارت له عيون بالبوادي، فبلغه أن جارية بالصعيد من أكمل العرب، وأظرفهم شاعرة جميلة، فيقال: إنه تزيا بزيّ بداة الأعراب وكان يجول في الأحياء إلى أن انتهى إلى حيّها، وبات هناك في ضائقة، وتحيل حتى عاينها هنالك، فما ملك صبره ورجع إلى مقرّ ملكه، وأرسل إلى أهلها يخطبها، وتزوّجها، فلما وصلت صعب عليها مفارقة ما اعتادته، وأحبت أن تسرّح طرفها في الفضاء، ولا تنقبض نفسها تحت حيطان المدينة، فبنى لها البناء المشهور في جزيرة الفسطاط المعروف بالهودج، وكان غريب الشكل على شط النيل، وبقيت متعلقة الخاطر بابن عم لها، ربيت معه يعرف: بابن مياح، فكتبت إليه من قصر الآمر:
يا ابن مياح إليك المشتكي
…
مالك من بعد قد ملكا
كنت في حيي مطاعا آمرا
…
نائلا ما شئت منكم مدركا
فأنا الآن بقصر مرصد
…
لا أرى إلّا خبيثا ممسكا
كم تثنينا كأغصان اللوا
…
حيث لا نخشى علينا دركا
فأجابها:
بنت عمي والتي غذيتها
…
بالهوى حتى علا واحتبكا
بحت بالشكوى وعندي ضعفها
…
لو غدا ينفع منا المشتكى
مالك الأمر إليه أشتكي
…
مالك وهو الذي قد ملكا
قال: وللناس في طلب ابن مياح، واختفائه أخبار تطول، وكان من عرب طيّ في قصر الآمر: طراد بن مهلهل السنبسي فبلغته هذه القضية، فقال:
ألا بلغوا الآمر المصطفى
…
مقال طراد ونعم المقال
قطعت الأليفين عن ألفة
…
بها سمر الحيّ بين الرجال
كذا كان آباؤك الأكرمون
…
سالت فقل لي جواب السؤال
فقال الخليفة الآمر: لما بلغته الأبيات، جواب سؤاله قطع لسانه على فضوله، وطلب في أحياء العرب، فلم يوجد، فقالت العرب: ما أخسر صفقة طراد، باع أبيات الحيّ بثلاثة أبيات، وكان بالإسكندرية: مكين الدولة أبو طالب أحمد بن عبد المجيد بن أحمد بن الحسن بن حديد له مروءة عظيمة، ويحتذى أفعال البرامكة، وللشعراء فيه أمداح كثيرة مدحه ظافر الحدّاد، وأمية بن أبي الصلت، وغيرهما. وكان له بستان يتفرّج فيه به جرن كبير من رخام، وهو قطعة واحدة وينحدر فيه الماء فيبقى كالبركة من كبره، وكان يجد في نفسه برؤيته زيادة على أهل التنعم، والمباهاة في عصره، فوشى به للبدوية محبوبة الآمر، فسألت الخليفة الآمر في حمل الجرن إليها، فأرسل إلى ابن حديد بإحضار الجرن، فلم يجد بدّا من حمله من البستان، فلما صار إلى الآمر أمر بعمله في الهودج، فقلق ابن حديد، وصارت في قلبه حرارة من أخذ الجرن، فأخذ يخدم البدوية، ومن يلوذ بها بأنواع الخدم العظيمة الخارجة عن الحدّ في الكثرة حتى قالت البدوية: هذا الرجل أخجلنا بكثرة تحفه، ولم يكلفنا قط أمرا نقدر عليه عند الخليفة مولانا، فلما قيل له هذا القول عنها قال: ما لي حاجة بعد الدعاء لله بحفظ مكانها، وطول حياتها في عزّ ردّد الفسقية التي قلعت من داري التي بنيتها في أيامها من نعمتهم تردّ إلى مكانها، فتعجبت من ذلك، وردّتها عليه، فقيل له: حصلت في حدّ أن خيّرتك البدوية في جميع المطالب، فنزلت همتك إلى قطعة حجر، فقال: أنا أعرف بنفسي، ما كان لها أمل سوى أن لا تغلّب في أخذ ذلك الحجر من مكانه، وقد بلغها الله أملها، وكان هذا المكين قضاء الإسكندرية، ونظرها في أيام الآمر.
وبلغ من علوّ همته، وعظم مروءته أنّ سلطان الملوك حيدرة أخا الوزير المأمون بن البطائحيّ: لما قلده الآمر ولاية ثغر الإسكندرية في سنة سبع عشرة وخمسمائة، وأضاف إليه الأعمال البحرية، ووصل إلى الثغر، ووصف له الطبيب دهن شمع بحضور القاضي المذكور، فأمر في الحال بعض غلمانه بالمضيّ إلى داره لإحضار دهن شمع. فما كان أكثر من مسافة الطريق إلا أن أحضر حقا مختوما فكّ عنه، فوجد فيه منديل لطيف مذهب على مداف بلور فيه: ثلاثة بيوت، كل بيت عليه قبة ذهب مشبكة مرصعة بياقوت وجوهر، بيت دهن بمسك، وبيت دهن بكافور، وبيت دهن بعنبر طيب، ولم يكن فيه شيء مصنوع لوقته، فعندما أحضره الرسول، تعجب المؤتمن والحاضرون من علوّ همته، فعندما شاهد القاضي ذلك بالغ في شكر أنعامه، وحلف بالحرام إن عاد إلى ملكه، فكان جواب المؤتمن قد قبلته منك لا لحاجة إليه، ولا لنظر في قيمته بل لإظهار هذه الهمة، وإذاعتها، وذكر أن قيمة هذا المداف، وما عليه: خمسمائة دينار، فانظر رحمك الله، إلى من يكون دهن الشمع عنده في
إناء قيمته: خمسمائة دينار ودهن الشمع لا يكاد أكثر الناس يحتاج إليه البتة، فماذا تكون ثيابه، وحليّ نسائه، وفرش داره، وغير ذلك من التجملات، وهذا إنما هو حال قاضي الإسكندرية، ومن قاضي الإسكندرية بالنسبة إلى أعيان الدولة بالحضرة؟ وما نسبة أعيان الدولة، وإن عظمت أحوالهم إلى أمر الخلافة، وأبهتها إلّا يسير حقير.
وما زال الخليفة الآمر يتردّد إلى الهودج المذكور إلى أن ركب يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة يريد الهودج، وقد كمن له عدّة من النزارية في فرن عند رأس الجسر من ناحية الروضة، فوثبوا عليه، وأثخنوه بالجراحة حتى هلك، وحمل في العشاريّ إلى اللؤلؤة، فمات بها، وقيل: قبل أن يصل إليها، وقد خرب هذا الهودج، وجهل مكانه من الروضة، ولله عاقبة الأمور.
قصر القرافة: وكان لهم بالقرافة قصر بنته: السيدة تغريد أم العزيز بالله بن المعز في سنة: ست وستين وثلثمائة، على يد الحسين بن عبد العزيز الفارسيّ المحتسب هو، والحمام الذي في غربيه، وبنت البئر، والبستان وجامع القرافة، وكان هذا القصر نزهة من النزه من أحسن الآثار في إتقان بنيانه وصحة أركانه، وله منظرة مليحة كبيرة محمولة على قبو مادّ تجوز المارّة من تحته، ويقيل المسافرون في أيام القيظ هناك، ويركب الراكب إليه على زلاقة، وكان كأحسن ما يكون من البناء، وتحته حوض لسقي الدواب يوم الحلول فيه، وكان مكانه بالقرب من مسجد الفتح.
ولما كان في سنة عشرين وأربعمائة جدّده الخليفة الآمر، وعمل تحته مصطبة للصوفية وكان يجلس في الطاق بأعلى القصر ويرقص أهل الطريقة من الصوفية، والمجامر بالألوية موضوعة بين أيديهم والشموع الكثيرة تزهر، وقد بسط تحتهم حصر من فوقها بسط، ومدّت لهم الأسمطة التي عليها كل نوع لذيذ ولون شهيّ من الأطعمة، والحلوى أصنافا مصنفة، فاتفق أن تواجد الشيخ أبو عبد الله بن الجوهريّ الواعظ، ومزق مرقعته، وفرّقت على العادة خرقا، وسأل الشيخ أبو إسحاق إبراهيم المعروف بالقارح المقري خرقة منها، ووضعها في رأسه، فلما فرغ التمزيق، قال الخليفة الآمر بأحكام الله: من طاق بالمنظرة يا شيخ أبا إسحاق، قال: لبيك يا مولانا، قال: أين خرقتي؟ فقال مجيبا له في الحال: ها هي على رأسي يا أمير المؤمنين، فاستحسن الآمر ذلك، وأعجبه موقعه فأمر في الساعة، والوقت فأحضر من خزائن الكسوات ألف نصفية، ففرّقت على الحاضرين، وعلى فقراء القرافة، ونثر عليهم متولي بيت المال من الطاق ألف دينار، فتخاطفها الحاضرون، وتعاهد المغربلون الأرض التي هناك أياما لأخذ ما يواريه التراب، وما برح قصر الأندلس بالقرافة، حتى زالت الدولة، فهدم في شهر ربيع الآخر سنة سبع وستين وخمسمائة.
المنظرة ببركة الحبش «1» : وكانت لهم منظرة تشرف على بركة الحبش، قال الشريف أبو عبد الله محمد الجواني في كتاب النقط على الخطط: إن الخليفة الآمر بأحكام الله بنى على المنظرة التي يقال لها بئر دكة الخركة منظرة من خشب مدهونة فيها طاقات، تشرف على خضرة بركة الحبش، وصوّر فيها الشعراء كل شاعر وبلده، واستدعى من كل واحد منهم قطعة من الشعر في المدح، وذكر الخركاه، وكتب ذلك عند رأس كل شاعر، وبجانب صورة كل منهم رف لطيف مذهب، فلما دخل الآمر، وقرأ الأشعار أمر أن يحط على كل رف، صرّة مختومة فيها: خمسون دينارا، وأن يدخل كل شاعر، ويأخذ صرّته بيده، ففعلوا ذلك، وأخذوا صررهم، وكانوا عدّة شعراء.
البساتين: وكان للخلفاء عدّة بساتين يتنزهون بها: منها البساتين الجيوشية، وهما بستانان كبيران أحدهما من عند زقاق الكحل، خارج باب الفتوح إلى المطرية، والآخر يمتدّ من خارج باب القنطرة إلى الخنذق، وكان لهما شأن عظيم، ومن شدّة غرام الأفضل بالبستان الذي كان يجاور بستان البعل، عمل له سورا مثل سور القاهرة، وعمل فيه بحرا كبيرا، وقبة عشاري تحمل ثمانية أرادب، وبنى في وسط البحر منظرة محمولة على أربع عواميد من أحسن الرخام، وحفها بشجر النارنج، فكان نارنجها لا يقطع حتى يتساقط وسلط على هذا البحر أربع سواق، وجعل له معبرا من نحاس مخروط زنته قنطار، وكان يملأ في عدّة أيام، وجلب إليه من الطيور المسموعة شيئا كثيرا، واستخدم للحمام الذي كان به عدّة مطيرين، وعمر به أبراجا عدّة للحمام والطيور المسموعة، وسرّح فيه كثيرا من الطاوس، وكان البستانان اللذان على يسار الخارج من باب الفتوح بينهما بستان الخندق، لكل منهما أربعة أبواب من الأربع جهات على كل منها عدّة من الأرمن، وجميع الدهاليز مؤزرة بالحصر العبدانيّ، وعلى أبوابها سلاسل كثيرة من حديد، ولا يدخل منها إلّا السلطان، وأولاده وأقاربه.
قال ابن عبد الظاهر: واتفقت جماعة على أن الذي يشتمل عليه مبيعهما في السنة من زهر وثمر: نيف وثلاثون ألف دينار، وإنها لا تقوم بمؤنهما على حكم اليقين لا الشك، وكان الحاصل بالبستان الكبير، والمحسن إلى آخر الأيام الآمرية، وهي سنة: أربع وعشرين وخمسمائة: ثمانمائة، وأحد عشر رأسا من البقر، ومن الجمال: مائة وثلاثة رؤوس، ومن العمال وغيرهم ألف رجل.
وذكر أنّ الذي دار سور البساتين من سنط، وجميز، وأثل من أوّل حدّهما الشرقيّ، وهو ركن بركة الأرمن مع حدّهما البحريّ والغربي جميعا إلى آخر زقاق الكحل في هذه المسافة الطويلة: سبعة عشر ألف ألف، ومائتا شجرة، وبقي قبليهما جميعا لم يحصن.
وإنّ السنط تغصن حتى لحق بالجميز في العظم، وإنّ معظم قرظه يسقط إلى الطريق، فيأخذه الناس، وبعد ذلك يباع بأربعمائة دينار، وكان به كل ثمرة لها دويرة مفردة، وعليها سياج، وفيها نخل منقوش في ألواح عليها برسم الخاص لا تجني إلّا بحضور المشارف، وكان فيهما ليمون تفاحيّ يوكل بقشرة بغير سكر، وأقام هذان البستانان بيد الورثة الجيوشية مع البلاد التي لهم مدّة أيام الوزير المأمون، لم تخرج عنهم، وكشف ذلك في أيام الخليفة الحافظ، فكان فيهما ستمائة رأس من البقر، وثمانون جملا، وقوّم ما عليهما من الأثل والجميز، فكانت قيمته: مائتي ألف دينار، وطلب الأمير شرف الدين وكانت له حرمة عظيمة من الخليفة الحافظ قطع شجرة واحدة من سنط فأبى عليه، فتشفع إليه، وقوّمت بسبعين دينارا، فرسم الخليفة إن كانت وسط البستان تقطع، وإلا فلا، ولما جرى في آخر أيام الحافظ ما جرى من الخلف ذبحت أبقاره، وجماله، ونهب ما فيه من الآلات والأنقاض، ولم يبق إلّا الجميز والسنط والأثل لعدم من يشتريه، انتهى.
وكان هذان البستانان من جملة الحبس «1» الجيوشيّ، وهو أن أمير الجيوش بدر الجماليّ حبس عدّة بلاد وغيرها، منها في البرّ الشرقيّ بناحية بهتيت، والأميرية، والمنية، وفي البرّ الغربيّ ناحية سفط «2» ونهيا ووسيم مع هذين البستانين المذكورين على عقبة، فاستأجر هذا الحبس الوزير مدّة سنين بأجرة يسيرة، وصار يزرع في الشرقيّ منه، الكتان ومنه ما تبلغ قطيعته ثلاثة دنانير ونصفا وربعا عن كل فدّان فيتناولون فيه ربحا جزيلا لأنفسهم، فلما بعد العهد انقرضت أعقابه، ولم يبق من ذرّيته سوى امرأة كبيرة، فأفتح الفقهاء بأن هذا الحبس باطل، فصار للديوان السلطانيّ يتصرّف فيه، ويحمل متحصله مع أموال بيت المال وتلاشت البساتين، وبنى في أماكنها ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى، وبنى العزيز بالله بستانا بناحية سردوس.
قبة الهواء: وكان من أحسن منتزهات الخلفاء الفاطميين، قبة الهواء، وهي مستشرف بهج بديع، فيما بين التاج، والخمس وجوه يحيط به عدّة بساتين، لكل بستان منها: اسم، ولهذه القبة فرش معدّة في الشتاء، والصيف ويركب إليها الخليفة في أيام الركوبات التي هي يوم السبت والثلاثاء.
بحر أبي المنجا «1» : وكان من منتزهات الخلفاء، يوم فتح بحر أبي المنجا، قال ابن المأمون: وكان الماء لا يصل إلى الشرقية إلّا من السردوسيّ، ومن الصماصم، ومن المواضع البعيدة، فكان أكثرها يشرق في أكثر السنين، وكان أبو المنجا اليهوديّ مشارف الأعمال المذكورة، فتضرّر المزارعون إليه، وسألوا في فتح ترعة يصل الماء منها في ابتدائه إليهم، فابتدأ بحفر خليج أبي المنجا في يوم الثلاثاء السادس من شعبان سنة ست وخمسمائة، وركب الأفضل بن أمير الجيوش ضحى، وصحبته القائد أبو عبد الله محمد بن فاتك البطائحيّ، وجميع إخوته والعساكر تحاذيه في البرّ وجمعت شيوخ البلاد وأولادها، وركبوا في المراكب، ومعهم حزم البوص «2» في البحر، وصار العشاريّ، والمراكب تتبعها إلى أن رماها الموج إلى الموضع الذي حفروا فيه البحر، وأقام الحفر فيه سنتين، وفي كل سنة تتبين الفائدة فيه، ويتضاعف من ارتفاع البلاد، ما يهوّن الغرامة عليه.
ولما عرض على الأفضل جملة ما أنفق فيه استعظمه وقال: غرمنا هذا المال جميعه، والاسم لأبي المنجا، فغير اسمه، ودعي بالبحر الأفضليّ، فلم يتم ذلك، ولم يعرف إلّا بأبي المنجا ثم جرى بين أبي المنجا، وبين ابن أبي الليث، صاحب الديوان بسبب الذي أنفق خطوب أدت إلى اعتقال أبي المنجا عدّة سنين، ثم نفي إلى الإسكندرية بعد أن كادت نفسه تتلف، ولم يزل القائد أبو عبد الله بن فاتك، يتلطف بحاله إلى تضاعف من عبرة البلاد ما سهل أمر النفقة فيه.
ورأيت بخط ابن عبد الظاهر، وهذا أبو المنجا هو جدّ بني صفير الحكماء اليهود، والذين أسلموا منهم، ولما طال اعتقال أبي المنجا في الإسكندرية في مكان بمفرده مضيقا عليه، تحيل في تحصيل مصحف، وكتب ختمة، وكتب في آخرها: كتبها أبو المنجا اليهوديّ، وبعثها إلى السوق ليبعها، فقامت قيامة أهل الثغر، وطولع بأمره إلى الخليفة، فأخرج.
وقيل له: ما حملك على هذا؟ فقال: طلب الخلاص بالقتل، فأدّب، وأطلق سبيله.
وقيل: إنه كان في محبسه حية عظيمة، فأحضر إليه في بعض الأيام لبن، فرأى الحية، وقد شربت منه، ودخلت حجرها، فصار في كل يوم يحضر لها لبنا، فتخرج وتشرب منه، وتدخل مكانها، ولم تؤذه.
ولما ولي المأمون البطائحيّ وزارة الآمر بأحكام الله بعد الأفضل بن أمير الجيوش، تحدّث الآمر معه في رؤية فتح هذا الخليج، وأن يكون له يوم كخليج القاهرة، فندب الآمر معه عدي الملك أبا البركات بن عثمان وكيله، وأمره بأن يبني على مكان السدّ منظرة متسعة، تكون من بحريّ السدّ، وسرّع في عمارتها بعد كمال النيل، وما زال يوم فتح سدّ هذا البحر يوما مشهودا إلى أن زالت الدولة الفاطمية.
فلما استولى بنو أيوب من بعدهم على مملكة مصر، أجروا الحال فيه على ما كان، قال القاضي الفاضل في متجدّدات سنة سبع وسبعين وخمسمائة: وركب السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب لفتح بحر أبي المنجا، وعاد. وقال: وفي سنة تسعين وخمسمائة، كسر بحر أبي المنجا بعد أن تأخر كسره عن عيد الصليب بسبعة أيام، وكان ذلك لقصور النيل في هذه السنة، ولم يباشر السلطان الملك العزيز عثمان ابن السلطان صلاح الدين بنفسه، وركب أخوه شرف الدين يعقوب الطواشي لكسره، وبدت في هذا اليوم من مخايل القبوط ما يوجبه سوء الأفعال من المجاهرة بالمنكرات، والإعلان بالفواحش، وقد أفرط هذا الأمر، واشترك فيه الآمر والمأمور، ولم ينسلخ شهر رمضان، إلّا وقد شهد ما لم يشهده رمضان قبله في الإسلام وبدا عقاب الله في الماء الذي كانت المعاصي على ظهره، فإنّ المراكب كان يركب فيها في رمضان الرجال والنساء مختلطين، مكشفات الوجوه، وأيدي الرجال تنال منها ما تنال في الخلوات، والطبول، والعيدان مرتفعات الأصوات، والصنجات، واستنابوا في الليل عن الخمر بالماء، والجلاب ظاهرا، وقيل: إنهم شربوا الخمر مستورا، وقربت المراكب بعضها من بعض، وعجز المنكر عن الإنكار إلّا بقلبه، ورفع الأمر إلى السلطان، فندب حاجبه في بعض الليالي، ففرّق منهم من وجده في الحالة الحاضرة، ثم عادوا بعد عوده، وذكر أنه وجد في بعض المعادي خمرا فأراقه.
ولما استهل شوّال وهو مطموع فيه تضاعف هذا المنكر، وفشت هذه الفاحشة، ونسأل الله العفو والعافية عن الكبائر، والتجاوز عما تسقط فيه المعاذر.
وقال: في سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة: كسر بحر أبي المنجا، وباشر العزيز كسره، وزاد النيل فيه أصبعا، وهي الأصبع الثامنة عشرة من ثماني عشر ذراعا، وهذا الحدّ يسمى عند أهل مصر: اللجة الكبرى، وقد تلاشى في زمننا أمر الاجتماع في يوم فتح سدّ بحر أبي المنجا، وقلّ الاحتفال به لشغل الناس بهتمّ المعيشة.
قصر الورد بالخاقانية: وكان من أيام منتزهات الخلفاء يوم قصر الورد بناحية الخاقانية، وهي قرية من قرى قليوب «1» ، كانت من خاص الخليفة، وبها جنان كثيرة
للخليفة، وكانت من أحسن المنتزهات المصرية وكان بها عدّة دويرات يزرع فيها الورد، فيسير إليها الخليفة يوما، ويصنع له فيها قصر عظيم من الورد، ويخدم بضيافة عظيمة.
قال ابن الطوير عن الخليفة الآمر بأحكام الله: وعمل له بالخاقانية وكانت من خاص الخليفة، قصر من ورد فسار إليها يوما، وخدم بضيافة عظيمة، فلما استقرّ هناك، خرج إليه أمير يقال له: حسام الملك من الأمراء الذين كانوا مع المؤتمن أخي المأمون البطائحيّ، وتخاذلوا عنه، فوصل إلى الخاقانية، وهو لابس لأمة حربه والتمس المثول بين يديه يعني الخليفة، فاستقلّ ما جاء به في ذلك الوقت، مما ينافي ما فيه الخليفة من الراحة، والنزهة وحيل بينه وبين مقصوده، فقال لجماعة من حواشي الخليفة: أنتم منافقون على الخليفة إن لم أصل إليه، فإنه يعاقبكم بذلك، فأطلعوا الخليفة على أمره، وحليته بالسلاح، وقوله فأمر بإحضاره، فلما وقعت عينه عليه قال: يا مولانا، لمن تركت أعداءك؟ يعني الوزير المأمون البطائحيّ، وأخاه، وكان الآمر قد قبض عليهما، واعتقلهما هذا والعهد قريب غير بعيد أأمنت الغدر؟ فما أجابه إلّا وهو على الرهاويج من الخيل، فلم تمض ساعة إلّا، وهو بالقصر، فمضى إلى مكان اعتقال المأمون وأخيه، فزادهما وثاقا وحراسة، وفي أثناء ذلك، وصل ابن نجيب الدولة الذي كان سيره المأمون في وزارته إلى اليمن، لتحقيق نسبه أنه ولد من جارية نزار بن المستنصر، لما خرجت من القصر، وهي به حامل ويدعو إليه بقية الناس، وأحضر إلى القاهرة على جمل مشوّه، فأدخل خزانة البنود، وقتل هو والمأمون، وجماعة في تلك الليلة، وصلبوا ظاهر القاهرة.
بركة الجب: هي بظاهر القاهرة من بحريها، وتسميها العامّة في زمننا هذا الذي نحن فيه: بركة الحاج لنزول الحجاج بها عند مسيرهم من القاهرة إلى الحج في كل سنة، ونزولهم عند العود بها، ومنها يدخلون إلى القاهرة ومن الناس من يقول: جب يوسف، وهو خطأ، وإنما هي أرض جب عميرة، وعميرة هذا هو: ابن تميم بن جزء التجيبي من بني القرناء، نسبت هذه الأرض إليه، فقيل لها: أرض جب عميرة، ذكره ابن يونس، وكان من عادة الخليفة المستنصر بالله أبي تميم معدّ بن الظاهر بن الحاكم في كل سنة أن يركب على النجب مع النساء، والحشم إلى رجب عميرة هذا، وهو موضع نزهة بهيئة أنه خارج إلى الحج على سبيل اللعب والمجانة، وربما حمل معه الخمر في الروايا عوضا عن الماء، ويسقيه من معه، وأنشده مرّة الشريف أبو الحسن عليّ بن الحسين بن حيدرة العقيليّ في يوم عرفة:
قم فانحر الراح يوم النحر بالماء
…
ولا تضح ضحى إلّا بصهباء
وادرك حجيج الندامى قبل نفرهم
…
إلى منى قصفهم مع كل هيفاء
وعج على مكة الروحاء مبتكرا
…
فطف بها حول ركن العود والنائي
قال ابن دحية: فخرج في ساعته بروايا الخمر تزجي بنغمات حداة الملاهي وتساق، حتى أناخ بعين شمس في كبكبة من الفساق، فأقام بها سوق الفسوق على ساق، وفي ذلك العام أخذه الله تعالى، وأهل مصر بالسنين، حتى بيع في أيامه الرغيف: بالثمن الثمين، وعاد ماء النيل بعد عذوبته كالفسلين، ولم يبق بشاطئيه أحد بعد أن كانا محفوفين بحور عين.
وقال ابن ميسر: فلما كان في جمادى الآخرة من سنة: أربع وخمسين وأربعمائة، خرج المستنصر على عادته إلى بركة الجب، فاتفق أن بعض الأتراك جرّد سيفا في سكر منه على بعض عبيد الشراء، فاجتمع عليه طائفة من العبيد وقتلوه، فاجتمع الأتراك بالمستنصر، وقالوا: إن كان هذا عن رضاك، فالسمع والطاعة، وإن كان عن غير رضاك، فلا نرضى بذلك، فأنكر المستنصر ما وقع، وتبرّأ مما فعله العبيد، فتجمع الأتراك لحرب العبيد، وبرز بعضهم إلى بعض، وكان بين الفريقين قتال شديد على كوم شريك، انهزم فيه العبيد، وقتل منهم عدد كثير، وكانت أمّ المستنصر تعين العبيد، وتمدّهم بالأموال والأسلحة، فاتفق في بعض الأيام أن بعض الأتراك ظفر بشيء مما تبعث به أمّ المستنصر إلى العبيد، فأعلم بذلك أصحابه، وقد قويت شوكتهم بانهزام العبيد، فاجتمعوا بأسرهم، ودخلوا على المستنصر وخاطبوه في ذلك، وأغلظوا في القول، وجهروا بما لا ينبغي، وصار السيف قائما، والحروب متتابعة إلى أن كان من خراب مصر بالغلاء والفتن، ما كان، وكان من قبل المستنصر يتردّدون إلى بركة الجب.
قال المسبحيّ: ولاثنتي عشرة خلت من ذي القعدة سنة أربع وثمانين وثلثمائة، عرض العزيز بالله عساكره بظاهر القاهرة، عند سطح الجب فنصب له مضرب ديباج روميّ، فيه ألف ثوب بصفرية فضة، ونصبت له فازة مثقل، وقبة مثقل بالجوهر، وضرب لابنه الأمير أبي عليّ منصور مضرب آخر، وعرضت العساكر، وكان عدّتها مائة عسكري، وأقبلت أسارى الروم، وعدّتهم مائتان وخمسون، فطيف بهم، وكان يوما عظيما حسنا لم تزل العساكر تسير بين يديه من ضحوة النهار إلى صلاة المغرب، وما زالت بركة الجب منتزها للخلفاء والملوك من بني أيوب، وكان السلطان صلاح الدين يبرز إليها للصيد، ويقيم فيها الأيام، وفعل ذلك الملوك من بعده، واعتنى بها الملك الناصر محمد بن قلاون، وبنى بها أحواشا وميدانا كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى، وبركة الجب، وما يليها في درك بني صبرة، وهم ينسبون إلى صبرة ابن بطيح بن مغالة بن عجان بن عنب بن الكليب بن أبي عمرو بن دمية بن جدس بن أريش بن أراش بن جزيلة بن لخم، فهم أحد بطون لخم، وفيهم بنو جذام بن صبرة بن بصرة بن غنم بن غطفان بن سعد بن مالك بن حرام بن جذام أخي لخم.
المشتهى: وكان من مواضعهم التي أعدّت للنزهة المشتهى.