الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن شرقيه على بستان الجرف، ولم يبق به إلا القليل من الدور، وموضعه كما تقدّم كان في قديم الزمان غامرا بماء النيل، ثم ربى جرفا، وهو بين الزقاقين المذكور، فعمر عمارة كبيرة، ثم خرب الآن وخرب أيضا خط موردة الحلفاء، وكان في القديم غامرا بالماء، فلما ربى النيل الجرف المذكور، وتربت الجزيرة قدّام الساحل القديم الذي هو الآن البكارة إلى المعاريج، وأنشأ الملك الناصر محمد بن قلاون الجامع الجديد عمرت موردة الحلفاء هذه، واتصلت من بحريها بمنشأة المهرانيّ، ومن قبليها بالأملاك التي تمتدّ من تجاه الجامع الجديد إلى دير الطين، وصارت موردة الحلفاء عظيمة تقف عندها المراكب بالغلال وغيرها، ويملأ منها الناس الروايا، وكان البحر لا يبرح طول السنة هناك، ثم صار ينشّف في فصل الربيع والصيف، واستمرّ على ذلك إلى يومنا هذا، وخراب ما خلف الجامع الجديد أيضا من الأماكن التي كانت بحرا تجاه الساحل القديم، ثم لما انحسر الماء صارت مراغة للدواب، فعرفت اليوم بالمراغة وهي من آخر خط قنطرة السدّ إلى قريب من الكبارة، ويحصرها من غربيها بستان الجرف المقدّم ذكره، وعدّة دور كانت بستانا وشونا إلى باب مصر، ومن شرقيها بستان ابن كيسان الذي صار صناعة، وعرف الآن ببستان الطواشي، ولم يبق الآن بخط المراغة إلّا مساكن يسيرة حقيرة.
ذكر المنشأة
اعلم أن خليج مصر كان يخرج من بحر النيل، فيمرّ بطريق الحمراء القصوى، وكان في الجانب الغربيّ من هذا الخليج عدّة بساتين من جملتها بستان، عرف ببستان الخشاب، ثم خرب هذا البستان، وموضعه الآن يعرف: بالمريس، فلما كان بعد الخمسمائة من سني الهجرة انحسر النيل عن أرض فيما بين ميدان اللوق الآتي ذكره في الأحكار ظاهر القاهرة إن شاء الله تعالى، وبين بستان الخشاب المذكورة، فعرفت هذه الأرض بمنشأة الفاضل، لأنّ القاضي الفاضل عبد الرحيم بن عليّ البيسانيّ أنشأ بها بستانا عظيما كان يمير أهل القاهرة من ثماره وأعنابه، وعمر بجانبه جامعا، وبنى حوله فقيل لتلك الخطة منشأة الفاضل، وكثرت بها العمارة، وأنشأ بها موفق الدين محمد بن أبي بكر المهدويّ العثمانيّ الديباجيّ بستانا دفع له فيه ألف دينار في أيام الظاهر بيبرس، وكان الصرف قد بلغ كل دينار ثمانية وعشرين درهما ونصفا، فاستولى البحر على بستان الفاضل وجامعه، وعلى سائر ما كان بمنشأة الفاضل من البساتين والدور، وقطع ذلك حتى لم يبق لشيء منه أثر، وما برح باعة العنب بالقاهرة ومصر تنادي على العنب بعد خراب بستان الفاضل هذا عدّة سنين: رحم الله الفاضل يا عنب، إشارة لكثرة أعناب بستان الفاضل وحسنها، وكان أكل البحر لمنشأة الفاضل هذه بعد سنة ستين وستمائة، وكان الموفق الديباجيّ المذكور يتولى خطابة جامع الفاضل الذي كان بالمنشأة، فلم تلف الجامع باستيلاء النيل عليه سأل: الصاحب بهاء الدين بن حنا، وألحّ عليه وكان من ألزامه، حتى قام في عمارة الجامع بمنشأة المهرانيّ، ومنشأة المهرانيّ هذه
موضعها فيما بين النيل والخليج، وفيها من الحمراء القصوى فوهة الخليج انحسر عنها ماء النيل قديما وعرف موضعها بالكوم الأحمر من أجل أنه كان يعمل فيها أقمنة الطوب، فلما سأل الصاحب بهاء الدين بن حنا الملك الظاهر بيبرس في عمارة جامع بهذا المكان ليقوم مقام الجامع الذي كان بمنشأة الفاضل أجابه إلى ذلك، وأنشأ الجامع بخط الكوم الأحمر كما ذكر في خبره عند ذكر الجوامع، فأنشأ هناك الأمير سيف الدين بلبان المهرانيّ دارا وسكنها، وبنى مسجدا، فعرفت هذه الخطة به، وقيل لها: منشأة المهرانيّ، فإنّ المهرانيّ المذكور أوّل من ابتنى فيها بعد بناء الجامع، وتتابع الناس في البناء بمنشأة المهرانيّ وأكثروا من العمائر حتى يقال: إنه كان بها فوق الأربعين من أمراء الدولة سوى من كان هناك من الوزراء، وأماثل الكتاب، وأعيان القضاة، ووجوه الناس، ولم تزل على ذلك حتى انحسر الماء عن الجهة الشرقية فخربت، وبها الآن بقية يسيرة من الدور، ويتصل بخط الجامع الجديد خط دار النحاس، وهو مطلّ على النيل، ودار النحاس هذه من الدور القديمة، وقد دثرت، وصار الخط: يعرف بها.
قال القضاعيّ:
دار النحاس اختطها: وردان مولى عمرو بن العاص، فكتب مسلمة بن مخلد، وهو أمير مصر إلى معاوية يسأله أن يجعلها ديوانا، فكتب معاوية إلى وردان يسأله فيها، وعوّضه فيها دار وردان التي بسوقه الآن، وقال ربيعة: كانت هذه الدار من خطة الحجر من الأزد، فاشتراها عمر بن مروان، وبناها، فكانت في يد ولده، وقبضت عنهم وبيعت في الصوافي سنة ثمان وثلثمائة، ثم صارت إلى شمول الإخشيديّ، فبناها قيسارية وحماما، فصارت دار النحاس قيسارية شمول.
وقال ابن المتوّج: دار النحاس خط نسب لدار النحاس، وهو الآن فندق الأشراف ذو البابين أحدهما من رحبة أمامه، والثاني شارع بالساحل القديم، وبآخر هذه الشقة التي تطل على النيل (جسر الأفرم) ، وهو في طرف مصر فيما بين المدرسة المعزية، وبين رباط الآثار كان مطلا على النيل دائما، والآن ينحسر الماء عنه عند هبوط النيل، وعرف بالأمير عز الدين أيدمر الأفرم الصالحيّ النجميّ أمير جندار، وذلك أنه لما استأجر بركة الشعيبية، كما ذكر عند ذكر البرك من هذا الكتاب جعل منها فدّانين من غربيها أذن للناس في تحكيرها، فحكرت وبنى عليها عدّة دور بلغت الغاية في إتقان العمارة، وتنافس عظماء دولة الناصر محمد بن قلاون من الوزراء، وأعيان الكتاب في المساكن بهذا الجسر، وبنوا وتأنقوا، وتفننوا في بدع الزخرفة، وبالغوا في تحسين الرخام، وخرجوا عن الحدّ في كثرة إنفاق الأموال العظيمة على ذلك بحيث صار خط الجسر خلاصة العامر من إقليم مصر، وسكانه أرق الناس عيشا، وأترف المتنعمين حياة، وأوفرهم نعمة، ثم خرب هذا الجسر بأسره، وذهبت دوره.
وأما الجهة الشرقية من مصر: ففيها قلعة الجبل، وقد أفردنا لها خبرا مستقلا يحتوي على فوائد كثيرة تضمنه هذا الكتاب فانظره، ويتصل آخر قلعة الجبل بخط باب القرافة، وهو من أطراف القطائع والعسكر، ويلي خط باب القرافة الفضاء الذي كان يعرف بالعسكر، وقد تقدّم ذكره، وكان بأطراف العسكر مما يلي كوم الجارح.
الموقف «1» قال ابن وصيف شاه في أخبار الريان بن الوليد: وهو فرعون نبيّ الله يوسف صلوات الله عليه، ودخل إلى البلد في أيامه غلام من أهل الشام احتال عليه إخوته وباعوه، وكانت قوافل الشام تعرّس بناحية الموقف اليوم، فأوقف الغلام، ونودي عليه، وهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليهم، فاشتراه أطفين العزيز، ويقال: إنّ الذي أخرج يوسف من الجب: مالك بن دعر بن حجر بن جزيلة بن لخم بن عديّ بن الحارث بن مرّة بن أدد بن زيد بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
وقال القضاعيّ: كان الموقف فضاء لأم عبد الله بن مسلمة بن مخلد، فتصدّقت به على المسلمين، فكان موقفا تباع فيه الدواب، ثم ملك بعد وقد ذكرته في الظاهر يعني في خطط أهل الظاهر، فإنّ الموقف من جملة خطط أهل الظاهر.
وقال ابن المتوّج: بقعة (خط الصفاء) هذا الخط دثر جميعه، ولم يبق له أثر، وهو قبليّ الفسطاط أوّله بجوار المصنع، وخط الطحانين أدركته، كان صفين طواحين متلاصقة متصلة من درب الصفاء إلى كوم الجارح، وأدركت به جماعة من أكابر المصريين أكثرهم عدول، وكان المار بين هذين الصفين لا يسمع حديث رفيقه إذا حدّثه لقوّة دوران الطواحين، وكان من جملتها طاحون واحد فيه سبعة أحجار، دثر جميع ذلك، ولم يبق له أثر.
قال:
وبقعة درب الصفاء هو الدرب الذي كان باب مصر، وقيل: إنه كان بظاهره سوق يوسف عليه السلام، وكان بابا بمصراعين يعلوهما عقد كبير، وهو بعتبة كبيرة سفلى من صوّان، وكان بجوار المصنع الخراب الموجود الآن، وكان حول المصنع عمد رخام بدائرة حاملة الساباط يعلوه مسجد معلق، هدم ذلك جميعه في ولاية سيف الدين المعروف بابن سلار، والي مصر في دولة الظاهر بيبرس، وهذا الدرب يسلك منه إلى درب الصفاء، والطحانين.
قال مؤلفه رحمه الله: كان هذا الباب المذكور أحد أبواب مدينة مصر، وبابها الآخر من ناحية الساحل الذي موضعه اليوم باب مصر بجوار الكبارة، وأنا أدركت آثار درب الصفاء المذكور والمصنع الخراب، وكان يصب فيه الماء للسبيل، وهو قريب من كوم