المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

هداية الآيات من هداية الآيات: 1- التنديد بالشرك والمشركين. 2- براءة الرؤساء في - أيسر التفاسير للجزائري - جـ ٤

[أبو بكر الجزائري]

فهرس الكتاب

- ‌ النمل

- ‌(1)

- ‌(6)

- ‌(12)

- ‌(36)

- ‌(41)

- ‌(45)

- ‌(50)

- ‌(54)

- ‌(56)

- ‌(70)

- ‌(76)

- ‌(87)

- ‌(91)

- ‌(17)

- ‌(22)

- ‌(38)

- ‌(44)

- ‌(52)

- ‌(60)

- ‌(68)

- ‌(85)

- ‌ العنكبوت

- ‌(1)

- ‌(19)

- ‌(26)

- ‌(31)

- ‌(38)

- ‌(41)

- ‌(46)

- ‌(50)

- ‌(56)

- ‌(61)

- ‌(65)

- ‌ الروم

- ‌(1)

- ‌(11)

- ‌(26)

- ‌(30)

- ‌(33)

- ‌(41)

- ‌(46)

- ‌(48)

- ‌(58)

- ‌ لقمان

- ‌(1)

- ‌(6)

- ‌(12)

- ‌(16)

- ‌(20)

- ‌(22)

- ‌(27)

- ‌(29)

- ‌(33)

- ‌ السجدة

- ‌(1)

- ‌(12)

- ‌(15)

- ‌(23)

- ‌(1)

- ‌(6)

- ‌(26)

- ‌(31)

- ‌(35)

- ‌(49)

- ‌(50)

- ‌(51)

- ‌(56)

- ‌(60)

- ‌(63)

- ‌ سبأ

- ‌(1)

- ‌3

- ‌(7)

- ‌(20)

- ‌(24)

- ‌(40)

- ‌(43)

- ‌ فاطر

- ‌(1)

- ‌(12)

- ‌(15)

- ‌(19)

- ‌(28)

- ‌(31)

- ‌(36)

- ‌(40)

- ‌(1

- ‌يس:

- ‌(13)

- ‌(20)

- ‌(28)

- ‌(33)

- ‌(37)

- ‌(47)

- ‌(55)

- ‌ الصافات

- ‌(1)

- ‌(22)

- ‌(31)

- ‌(38)

- ‌(62)

- ‌(75)

- ‌(83)

- ‌(133)

- ‌(139)

- ‌(161)

- ‌(171)

- ‌ ص

- ‌(1)

- ‌(12)

- ‌(34)

- ‌(55)

- ‌(65)

- ‌ الزمر

- ‌(1)

- ‌(5)

- ‌(8)

- ‌(21)

- ‌(24)

- ‌(32)

- ‌(36)

- ‌(60)

- ‌(67)

- ‌غافر

- ‌(18)

- ‌(21)

- ‌(28)

- ‌(41)

- ‌(47)

- ‌(53)

- ‌(64)

- ‌(69)

- ‌(77)

- ‌(82)

- ‌ فصلت

- ‌(1)

- ‌(6)

- ‌(9)

- ‌(13)

- ‌(25)

- ‌(33)

- ‌(37)

- ‌(40)

- ‌(47)

- ‌(49)

- ‌(52)

- ‌ الشورى

- ‌(1)

- ‌(7)

- ‌(10)

- ‌(15)

- ‌(27)

- ‌(32)

- ‌(42)

- ‌ الزخرف

- ‌(1)

- ‌(9)

- ‌(15)

- ‌(36)

- ‌(41)

- ‌(57)

- ‌(63)

- ‌(67)

- ‌(74)

- ‌(86)

الفصل: هداية الآيات من هداية الآيات: 1- التنديد بالشرك والمشركين. 2- براءة الرؤساء في

هداية الآيات

من هداية الآيات:

1-

التنديد بالشرك والمشركين.

2-

براءة الرؤساء في الضلال من المرؤوسين.

3-

التحذير من الغواية وهي الضلال، والانغماس في الذنوب والآثام.

4-

خذلان المعبودين عابديهم يوم القيامة وتبرؤهم منهم.

5-

باب التوبة مفتوح لكل عبد مهما كانت ذنوبه ولا يهلك على الله إلا هالك.

وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ‌

(68)

وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69) وَهُوَ اللهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70)

شرح الكلمات:

يخلق ما يشاء: أي من خلقه.

ويختار: أي من يشاء لنبوته وطاعته.

ما كان لهم: أي للمشركين.

الخيرة: أي الاختيار في شيء.

سبحان الله: أي تنزيها لله عن الشرك.

يعلم ما تكن صدورهم: أي ما تسر وتخفي من الكفر وغيره.

له الحمد في الأولى: أي في الدنيا لأنه مولى كل نعمة.

وفي الآخرة: أي في الجنة.

وله الحكم: أي القضاء النافذ.

وإليه ترجعون: بعد النشور وذلك يوم القيامة.

ص: 92

معنى الآيات:

لقد تقدم في الآيات قبل هذه التنديد بالشرك وتوبيخ المشركين وتحديهم بدعاء شركائهم ليخلصوهم مما هم فيه من العذاب، وكان شركهم باختيارهم الخاص وإرادتهم الحرة إذ تبرأ منهم من اختاروهم آلهة مع الله فعبدوهم معه. وفي هذه الآية يكشف تعالى عن خطئهم في الاختيار، وذلك من وجهين: الأول أنه لا حق لهم في الاختيار. إذ الاختيار لخالق المخلوقات فيختار منها ما يشاء لنبوته أو طاعته أما الذي يُخْلَقُ ولا يَخْلُقُ فكيف يصح منه اختيار. والثاني بحكم أنهم مخلوقون مربوبون لله تعالى وهم يعلمون هذا إذ لو سألهم أحد: من خلقكم؟ لقالوا: الله؛ كان المفروض فيهم والمطلوب منهم أن يطلبوا من الله تعالى خالقهم أن يختار لهم ما يعبدون ويبين لهم كيف يعبدون، إذ هو مولاهم الحق ولا مولى لهم سواه أما أن يركبوا رؤوسهم ويختاروا بأنفسهم ما يعبدون فهذا ظلم منهم كبير استوجبوا به اللوم في الدنيا والعذاب في الآخرة. قال تعالى:(68){وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} .. أي وربك يا محمد يخلق ما يشاء ممن يريد خلقهم ويختار (1) من يشاء لما يشاء ممن يشاء من عباده لما يشاء من كمال أو نقصان. أما عبيده فليس لهم حق الاختيار وإنما عليهم السمع والطاعة قال تعالى: {مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ (2) } أي حق الاختيار بل الذي يختاره الله هو الذي يجب أن يختاره العبد. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ويقول: "اللهم خرْ لي واختر لي" وكان يعلم أصحابه دعاء الاستخارة كما يعلمهم السورة من القرآن، ويحضهم على أن يختاروا في الأمر الواحد سبع مرات. وقوله تعالى:{سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} نزه تعالى نفسه عن شرك المشركين وباطل المبطلين وقوله {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} وهذا برهان أن الخيرة له (3) وليس لغيره إذ الذي يعلم الظواهر والبواطن والبدايات والنهايات قبل البدء والمنتهى صاحب هذا العلم هو الذي يختار. أما الذي لا يعلم ما يكنه أخوه في صدره بل ولا ما يظهره آخر إلى جنبه أي لا يعلم عاقبته فكيف يصح منه الاختيار أو تكون له خيرة في شيء. وفوق ذلك أنه سبحانه وتعالى {وَهُوَ اللهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} أي المعبود الذي لا معبود بحق سواه الذي له الحمد

1 - قيل نزلت رداً على الوليد بن المغيرة حين قال: لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم. كما هي ردّ على اختيارهم الشركاء ليشفعوا لهم يوم القيامة.

2 -

جائز أن يكون (ما) موصولاً مفعولا به لفعل: يختار، والعائد محذوف أي: ويختار الذي لهم فيه خير، كما أن الخلق من خصائصه، إذ قال (وربك يخلق ما يشاء) فكذلك الاختيار له دون غيره، وجائر أن يكون الوقف التام على (ويختار) ، وجملة (ما كان لهم الخيرة) مستأنفة لغرض تأكيد القصر على الله تعالى هو الخالق وحده وهو الذي يختار وحده وليس لأحد من الخلقِ الخلقُ والاختيار.

3 -

الخيرة: اسم مصدر الاختيار كالطيرة اسم مصدر التطير ولا نظير لهذه الصيغة في الأسماء (والطيرة والخيرة) .

ص: 93

في الدنيا إذ كل ما في الدنيا هو خلقه وفضله وإنعامه، وله الحمد في الآخرة، يحمده أهل الجنة إذ قالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن بل الحياة الدنيا كالآخرة. تختم بالحمد لله. قال تعالى {وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين} {وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي وله الحكم والقضاء في الدنيا والآخرة {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فكما أن الحكم خاص به فكذلك الرجوع إليه، ويوم يرجعون إليه يحكم بينهم بحكمه وهو العزيز العليم.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

1-

تقرير مبدأ "ليس من حق العبد أن يختار إلا ما اختاره الله له".

2-

تعين طلب الاختيار في الأمر كله من الله تعالى بقول العبد "اللهم خر لي واختر لي".

3-

تأكيد سنة الاستخارة وهي إذا همّ العبد بالأمر يصلي ركعتين في وقت لا تكره فيه صلاة النافلة، ثم يدعو بدعاء الاستخارة كما ورد في الصحيح وهو "اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي وفي عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي وفي عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به". ويسمي حاجته التي هم بها من سفر أو زواج أو بناء أو تجارة أو غراسة.

4-

تقرير التوحيد وإبطال التنديد.

5-

وجوب حمد الله وشكره على كل حال وذلك لتجدد النعمة في كل آن.

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

ص: 94

(73)

وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (74) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كَانُوا يَفْتَرُونَ (75)

شرح الكلمات:

أرأيتم: أي أخبروني

سرمداً: أي دائما، ليلاً واحداً متصلاً لا يعقبه نهار.

بضياء: أي ضوء كضوء النهار.

بليل تسكنون فيه: أي تنامون فتسكن جوارحكم فتستريح من تعب الحياة.

لتسكنوا فيه: أي في الليل.

ولتبتغوا من فضله: أي تطلبوا الرزق من فضل الله في النهار.

ولعلكم تشكرون: أي كي تشكروا ربكم بطاعته كالصلاة والصيام والصدقة.

ونزعنا من كل أمة شهيداًَ: أي أحضرنا من كل أمة من يشهد عليها وهو نبيها عليه السلام.

فقلنا هاتوا برهانكم: أي حججكم على صحة الشرك الذي أنذرتكم رسلنا عواقبه فما قبلتم النذارة ولا البشارة.

فعلموا أن الحق لله: أي تبين أن العبادة والدين الحق لله لا لسواه.

وضل عنهم ما كانوا يفترون: أي وغاب عنهم ما كانوا يكذبونه من الأقوال الباطلة التي كانوا يردون بها على الرسل عليهم السلام.

معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في تقرير التوحيد وإبطال التنديد وهو حول أنداد لله تعالى من مخلوقاته فقال تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، قل لهؤلاء المشركين الذين جعلوا لله أنداداً وهو

ص: 95

خالقهم ورازقهم ومدبر أمر حياتهم {أَرَأَيْتُمْ (1) } أي أخبروني {إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً} أي (2) دائما ليلاً واحداً متصلا لا يعقبه نهارٌ {إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} أخبروني هل هناك {إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ (3) } كضياء النهار، والجواب: لا أحد وإذاً فكيف تشركون به أصناما. {أَفَلا تَسْمَعُونَ} ما يقال لكم. وقل لهم أيضاً {أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداًً} أي دائماً متصلاً لا يخلفه ليل أبداً {إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} إلى انقراض هذا الكون وانتهاء هذه الحياة وقيام الناس لربهم من قبورهم يوم القيامة {مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ} أي أيُّ إله غير الله {يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ} فتخلدون إلى الراحة بالنوم والسكون وعدم الحركة فيه، وإذا قلتم لا أحد يأتينا بليل نسكن فيه إذاً فما لكم لا تبصرون هذه الآيات ولا تسمعون ما تحمله من الأدلة والحجج القواطع القاضية بأنه لا إله إلا الله، ولا معبود بحق سواه. وقوله تعالى:{وَمِنْ رَحْمَتِهِ (4) جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} إذ ليس واجبا عليه ذلك وإنما هو فضل منه ورحمة فالليل تسكنون فيه والنهار تتحركون فتبتغون رزقكم من فضل الله، وبذلك تهيّؤون للشكر إذا أكلتم أو شربتم أو ركبتم أو نزلتم قلتم الحمد لله، والحمد لله رأس الشكر، كما أن الليل والنهار ظرف للعبادة التي هي الشكر، فالعبادات لا تقع إلا في الليل والنهار، فالصيام في النهار والقيام بالليل والصلاة والصدقات فيهما. وقوله تعالى:{وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} أي اذكر يا رسولنا لهم تنبيها وتعليماً يوم يناديهم الرب تبارك وتعالى فيقول لهم: {أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} أنهم شركاء لي فعبدتموهم، وهل يرجى أن يجيبوا لا، لا، وإنما هذا السؤال ونظائره هو سؤال تبكيت وتأنيب وتوبيخ وهو نوع من العذاب النفسي الذي هو أشد من العذاب الجسمي. وقوله تعالى:{وَنَزَعْنَا (5) مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} أي واذكر لهم هذا الموقف من مواقف القيامة الصعبة {وَنَزَعْنَا} أي أحضرنا {مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً} يشهد عليها وهو

1 - حقق الهمزة من (أرأيتم) حفص، وخففها ورش فقلبها ألفاً تخفيفاً (أرايتم) .

2 -

(سرمداً) أي: دائماً. قال طرفة بن العبد:

لعمرك ما أمري عليّ بغمّة

نهاري ولا ليلي عليّ بسرمد

3 -

أي: بنهار تبصرون فيه معايشكم ويصلح فيه ثماركم ونباتاتكم.

4 -

فيه تصريح بأن الليل بما يحصل فيه من سكون وراحة للأبدان والعقول من الهم والتفكير، والنهار بما يحصل فيه من عمل ونشاط للكسب وتحصيل الزرق نعمة الله على العباد اقتضتها رحمته بهم فله الحمد وله المنة.

5 -

أعيد هذا الموقف مرة أخرى ليذكر فيه حالاً لم تذكر في الأول وهي: إشهاد الأنبياء على أممهم، وفي هذا تقرير للنبوة المحمدية إذ هذه الآية كآية (وجئنا بك على هؤلاء شهيداً) .

ص: 96

نبيها، ويشهد الرسول أنه بلغ ونصح وأنذر، ويقال لهم:{هَاتُوا (1) بُرْهَانَكُمْ} على صحة ما كنتم تعبدون وتدعون. قال تعالى: {فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ} أي تبين لهم أن الحق لله أي أن الدين الحق لله فهو المستحق لتأليه المؤلهين وطاعة المطيعين وقربات المتقربين لا إله غيره ولا رب سواه.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

1-

إشارة علمية إلى أن السماع يكون مع السكون وقلة الضجيج، وأن الإبصار يكون مع الضوء، ولا يتم مع

الظلام بحال من الأحوال.

2-

البرهنة القوية على وجوب توحيد الله إذ لا رب يدبر الكون سواه.

3-

كون النهار والليل ظرفان للسكون وطلب العيش هما من رحمة الله تعالى أمر يقتضي شكر الله تعالى بحمده والاعتراف بنعمته وطاعته بصرف النعمة فيما يرضيه ولا يسخطه.

4-

بيان أهوال القيامة، بذكر بعض المواقف الصعبة فيها.

5-

إذا كان يوم القيامة بطل كل كذب وقول ولم يبق إلا قول الحق والصدق.

إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)

وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً

1 - (هاتوا) أحضروا، والأمر مستعمل هنا للتعجيز إذ هم عاجزون عن الإتيان بأدنى حجة عن صحة شركهم وكفرهم بلقاء ربهم، فعاب عليهم ما كانوا يكذبونه من الادعاءات الفارغة من أن أصنامهم تشفع لهم.

ص: 97

وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)

شرح الكلمات:

إن قارون كان من قوم موسى: أي ابن عم موسى عليه السلام.

فبغى عليهم: أي ظلمهم واستطال عليهم.

ما إن مفاتيحه لتنوء بالعصبة: أي أعطاه الله من المال ما يثقل عن الجماعة حمل مفاتح خزائنه.

لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين: أي لا تفرح فرح البطر والأشر.

وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة: أي اطلب في المال الذي أوتيته الدار الآخرة بفعل الخيرات.

على علم عندي: أي لعلم الله تعالى بأني أهل لذلك.

وأكثر جمعا: أي للمال.

ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون: أي لعلم الله تعالى بهم فيدخلون النار بدون حساب.

معنى الآيات:

هذا بداية (1) قصص قارون الباغي، وهو قارون ابن يصهر بن قاهَثْ بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام. فهو ابن عم موسى بن عمران وابن خالته أيضاً وكان يلقب المنور لحسن صورته، ونافق كما نافق السامري المطرود. قال تعالى في ذكر خبره {إِنَّ قَارُونَ (2) كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى} أي إسرائيلي ابن عم موسى بن عمران الرسول. {فَبَغَى عَلَيْهِمْ} أي على بني إسرائيل أي ظلمهم وطغى عليهم، ولعل فرعون كان قد أسند إليه إمارة على بني إسرائيل فأطغته وملك أموالاً كثيرة ففرته وألهته. وقوله تعالى:{وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ (3) بِالْعُصْبَةِ (4) أُولِي الْقُوَّةِ} . وهذا الخبر الإلهي دليل على ما كان للطاغية

1 - هذا استئناف ابتدائي لذكر قصة لها مغزاها ونتائجها من الموعظة والذكرى.

2 -

ومغزى هذا القصص أولا: تقرير النبوة المحمدية إذ مثل هذا لا يقصه غير من يوحى إليه بحال. ثانيا: تضمن القصص الرد على المعجبين بالمال ومتاع الحياة الدنيا وبيان نهايتهم المؤلمة، وثالثا: عرض مشابه لموقف أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم مع أغنياء مكة وهم يتطاولون عليهم بالمال والجاه. كما كان قارون مع ضعفة بني إسرائيل وفي ذلك عظة للمؤمنين وذكرى للكافرين.

3 -

(ما عن مفاتحه) الأكثرون على أن (ما) موصول، وصلتها جملة:(إن مفاتيحه) وأنكر بعض أن تبتدئ الصلة بحرف إنّ فقالوا: (ما) موصوفة وما بعدها في محل الصفة، والمفاتيح: جمع مفتاح بكسر الميم: اسم آلة الفتح.

4 -

(تنوء) من ناء بالشيء ينوء ثقل عليه، والباء: في (بالعصبة) للمصاحبة، وليست للسببية، إذ هي كما في قول امرؤ القيس:

وأردف أعجازا وناء بكلكل.

والعصبة الجماعة من الخمسة إلى العشرة فأكثر.

ص: 98

قارون من أموال بحيث أن المفاتح تثقل كاهل العصبة أي الجماعة من الرجال لو حملوها كلها وذلك لثقلها. وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ} أي من بني إسرائيل واعظين له مذكرين {لا تَفْرَحْ} أي بأموالك فرح الأشر البطر. {إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} أي الأشرين البطرين الذين يختالون ويتفاخرون ويتكبرون. {وَابْتَغِ} اطلب {فِيمَا آتَاكَ اللهُ} من أموال {الدَّارَ الْآخِرَةَ} بأن تصدَّقْ منها وأنفقْ في سبيل الله كبناء مسجد أو مدرسة أو ميتم أو ملجأ إلى غير ذلك من أوجه البر والإحسان. {وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ (1) مِنَ الدُّنْيَا} فكل واشرب والبس واركب واسكن ولكن في غير إسراف ولا مخيلة، {وَأَحْسِنْ} عبادة الله تعالى وطاعته وأحسن إلى عباده بالقول والعمل {كَمَا أَحْسَنَ} أي الله تعالى إليك {وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي (2) الْأَرْضِ} بترك الفرائض وارتكاب المحرمات. {إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} ومن لم يحبه الله أبغضه ومن أبغضه عذبه في الدنيا والآخرة فبعد هذه الموعظة من قومه الصالحين أهل العلم والبصيرة ردّ هذا الطاغية قارون بما أخبر به تعالى عنه في قوله في الآية (78){قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} أي لا تهددوني ولا تخوفوني بسلب مالي عني إن أنا لم أحْسن فإن هذا المال قد {أُوتِيتُهُ} أي آتانيه الله على علم منه (3) بأني أهل له ولذا أعطاني وزاد عطائي وأكثره قال تعالى في الردّ عليه في زعمه هذا {أَوَلَمْ يَعْلَمْ} أي أيقول ما يقول من الزعم الكاذب ولم {يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً} ، كعاد وثمود وقوم إبراهيم فلو كان كثرة المال دليلا على حب الله ورضاه عن أهله، ما أهلك عاداً وثمود وقوم نوح من قبل وكانوا أشد قوة وأكثر مالا ورجالاً وقوله تعالى:{وَلا يُسْأَلُ (4) عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} أي إذا أكثر العبد من الإجرام بالشرك والمعاصي حق عليه كلمة العذاب وآن أوان عذابه لا يسأل عن ذنوبه بل يؤخذ فجأة كما أن هؤلاء المجرمين سيدخلون النار بغير حساب فلا يسألون ولا يحاسبون. قال تعالى: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ (5) فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ} أي ويرمون في جهنم ويقال لهم: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ} (6) .

1 - أشار ابن عمر إلى هذا القول في قوله: احرث لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً. ومن تأولها بالعمل للآخرة فقط شاهده قول الشاعر:

مما تجمع الدهر كله رداءان تلوى فيهما وحنوط

2 -

الفساد في الأرض يكون بفعل المعاصي الجامعة لترك الفرائض وإتيان الكبائر.

3 -

وقال ابن زيد: لعلم الله تعالى بفضلي ورضاه عني أي: إني أوتيتها باستحقاقي.

4 -

أي: لا يسأل سؤال استعتاب ليتوب أما سؤال التقريع والتوبيخ فلا مانع منه، وذلك كقوله تعالى:(ولا يستعتبون) وقوله (وما هم بمعتبين) .

5 -

(سيماهم) إنهم سود الوجوه زرق العيون.

6 -

المجرمون: هم الذين أجرموا على أنفسهم أي: خبّثوها بكثرة ما يرتكبون من الجرائم كالكفر والظلم وكبائر الذنوب، كالقتل ظلماً وأكل الربا وتعاطي الخمور والزنى.

ص: 99

هداية الآيات

من هداية الآيات:

1-

المال والمنصب العالي عرضة لإفساد المرء إلا من رحم الله عز وجل وقليل ما هم.

2-

حرمة الفرح بالمال والإمارة إذا كان الفرح فرح بطر وفخر واعتزاز وكبر وخيلاء.

3-

من فضل الله على الأمة أن يوجد فيها عالمون ينصحون ويرشدون ويوجهون.

4-

من الحزم للمرء أن يطلب من المال والجاه والمنصب أعلى الدرجات في الجنة.

5-

حلّية الأكل من الطيب والشرب من الطيب واللبس والركوب والسكن من غير إسراف ولا خيلاء ولا كبر.

6-

العافية والمال وعز السلطان يصاب صاحبها بالاغترار إلا من رحم الله.

فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79)

وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)

ص: 100

شرح الكلمات:

في زينته: أي لباس الأعياد والحفلات الرسمية.

يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون: أي تمنوا لو أعطوا من المال والزينة ما أعطي قارون.

إنه لذو حظ عظيم: أي إنه لذو بخت ونصيب وهبه الله إياه في كتاب المقادير.

وقال الذين أوتوا العلم: أي أعطوا العلم الديني بمعرفة الله والدار الآخرة وموجبات السعادة والشقاء.

ويلكم: أي حضر ويلكم وهلاككم بتمنيكم المال وزخرف الدنيا.

ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا: أي ما عند الله من جزاء للمؤمنين العاملين الصالحات وهو الجنة خير من حطام الدنيا الفاني.

ولا يلقاها إلا الصابرون: أي ولا يوفق لقول هذه الكلمة وهي ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً إلا الصابرون على الإيمان والتقوى.

فخسفنا به وبداره الأرض: أي أسخنا الأرض من تحته فساخت به وبداره وكل من كان معه فيها من أهل البغي والإجرام.

تمنوا مكانه بالأمس: أي الذين قالوا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون فالمراد من المكان المكانة وما عليه قارون من الإمارة والزينة والمال والجاه.

ويكأن الله يبسط: أي أعجبُ عالما أن الله يبسط الرزق لمن يشاء.

ويقدر: أي يضيّق.

ويكأنه لا يفلح الكافرون: أي أعجب عالماً أنه لا يفلح الكافرون أي أنهم لا يفوزون بالنجاة من النار ودخول الجنان كما يفوز المؤمنون.

ص: 101

معنى الآيات:

ما زال السياق في قصص قارون الباغي قال تعالى {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ (1) } أي قارون في يوم عيد أو مناسبة خرج على قومه وهم يشاهدون موكبه {فِي زِينَتِهِ} الخاصة من الثياب والمراكب. قوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} أي من قوم موسى وهم المفتونون بالدنيا وزخرفها من أهل الغفلة عن الآخرة وما أكثرهم اليوم وقبل وبعد اليوم قالوا ما أخبر الله به عنهم: {يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ} تمنوا أن يكون لهم مثل الذي أوتي قارون من المال والزينة {إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ (2) عَظِيمٍ} أي بخت ونصيب ورزق {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} أي الشرعي (3) الديني العالمون بالدنيا والآخرة، وأسباب السعادة والشقاء في كل منهما قالوا ما أخبر الله تعالى به عنهم في قوله:{وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} ويحكم هلكتم إن كنتم تؤثرن هذا الفاني على الباقي {ثَوَابُ اللهِ} وهو الجنة خير من هذا الزخرف الفاني {لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} ولازم ذلك أنه ترك الشرك والمعاصي، وقوله تعالى:{وَلا يُلَقَّاهَا} أي (4) هذه الجملة من الكلام: {ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ} بربه {وَعَمِلَ صَالِحاً} في حياته بأداء الفرائض والنوافل وترك المحرمات والرذائل أي لا يلقى هذه الكلمة {إِلَّا الصَّابِرُونَ} من أهل الإيمان والتقوى هم الذين يلقنهم الله إياها فيقولونها الصفاء أرواحهم وزكاة أنفسهم وقوله تعالى في الآية (81){فَخَسَفْنَا بِهِ (5) وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ} يخبر تعالى أنه خسف بقارون وبداره الأرض انتقاما منه لكفره ونفاقه وبغيه وكبريائه. وقوله تعالى {فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ} أي جماعة {يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ} لما أراد الله خذلانه بخسف الأرض به وبداره ومن فيها من أعوانه الظلمة والمجرمين. {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ} أي لنفسه فنجاها مما حل بها من الخسف في باطن الأرض التي ما زال يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وقوله تعالى: {وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ} (6) يخبر تعالى

1 - لم تؤثر فيه موعظة واعظيه ولم ينتفع منها بشيء لظلمة نفسه وقساوة قلبه لما ران عليه من الذنوب فخرج مظهر الكبرياء والتحدي.

2 -

الحظ: القسم الذي يعطاه المقسوم له.

3 -

في الآية دليل قوي على أن الجهل بالله وشرائعه ووعده ووعيده هو سبب كل شر وفساد في الأرض، وأن العلم بذلك هو سبيل الإصلاح في الأرض.

4 -

(يلقاها) الضمير عائد على ما دل عليه قولهم: (ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً) وهو هذه الموعظة، ولا يلهمها وتلقى في روعه وينطق بها إلا أهل الصبر على الطاعات وعن المعاصي فتصفو لذلك نفوسهم فيلهمون مثل هذه الموعظة.

5 -

الفاء هنا: للترتيب والتعقيب فقد خسف به يوم خروجه في زينته.

6 -

أي: تمنوا منزلته بين الناس، وهي منزلة المال والترف والجاه والرفعة ومعنى: مكانه: ما كان عليه من منزلة العلو والرفعة.

ص: 102

عن الذين قالوا يوم خرج عليهم قارون في زينته يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون يخبر تعالى عنهم أنهم لما شاهدوا الخسف الذي حل بقارون وبدره قالوا ويكأن الله (1) يبسط الرزق لمن يشاء أي نعجب عالمين، أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر (2) أي على من يشاء فالبسط والقبض كله لله وبيد الله فما لنا لا نفزع إلى الله نطلب رضاه ولا نتمنى ما تمنيناه وقد أصبح ذاهباً لا يرى بعين ولا يلمس بيدين، {لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (3) } أي نعجب أيضاً عالمين بأنه لا يفلح الكافرون كقارون وهامان أي لا يفوز الكافرون لا بالنجاة من العذاب ولا بدخول الجنان.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

1-

بيان أن الفتنة أسرع إلى قلوب الماديين أبناء الدنيا والعياذ بالله تعالى.

2-

بيان موقف أهل العلم الديني وأنهم رشَّد أي حكماء يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

3-

بيان أن البغي يؤخذ به البغاة في الدنيا ويعذبون به في الآخرة.

4-

بيان أن وجود الإيمان خير من عدمه وإن قل وأن ذا الإيمان أقر على التوبة ممن لا إيمان له.

تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)

مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (84)

1 - (ويكأن الله) قيل: ويكأن: مركبة من وي وهو اسم فعل بمعنى أعجب وكاف الخطاب وأن الناصبة، ومعنى الكلام: أعجب يا هذا من بسط الرزق لمن شاء، قال عنترة، والشاهد في قوله: ويك، قال:

ولقد سقا نفسي وأبرأ سُقمها

قيل الفوارس ويك عنتر أقدم.

وذهب بعض إلى أن أصل ويك: ويلك اعلم أنه كذا فحذفت اللام والفعل، فصارت ويك.

2 -

أي: يضيق الرزق ولا يوسعه.

3 -

أي: لولا أن من الله فعافانا مما ابتلى قارون به من المال والظلم والطغيان لحل بنا ما حل به من الخسف والخسران.

ص: 103

شرح الكلمات:

تلك الدار الآخرة: أي الجنة، دار الأبرار.

لا يريدون علواً في الأرض: أي بغيا ولا استطالة على الناس.

ولا فساداً: أي ولا يريدون فساداً بعمل المعاصي.

والعاقبة: أي المحمودة في الدنيا والآخرة.

للمتقين: الذين يتقون مساخط الله فلا يعتقدون ولا يقولون ولا يعملون ما لا يرضى به الله تعالى.

من جاء بالحسنة: أي يوم القيامة والحسنة: أثر طاعة الله تعالى يجزى به المؤمن.

فله خير منها: أي تضاعف له عشرة أضعاف.

ومن جاء بالسيئة: السيئة أثر معصية الله تعالى يعاقب به العبد إذا لم يعف الله تعالى عنه.

معنى الآيات:

لقد تقدم في السياق أن ثواب الله وهو الجنة خير لمن آمن وعمل صالحاً فأشار إليه تعالى بقوله {تِلْكَ (1) الدَّارُ الْآخِرَةُ} التي هي الجنة آخر دار يسكنها المتقون فلا يخرجون منها. نجعلها، هذا هو الخبر عن قوله تلك الدار الآخرة فأخبر تعالى أنه يجعلها مأوى ومسكناً للذين لا يريدون علوّاً (2) في الأرض ولا فساداً، لا يريدون استطالة على الناس وتعاليا وتكبراً عليهم وبغيا، ولا فساداً بارتكاب المعاصي كالقتل والزنا والسرقة وشرب الخمر، وقوله تعالى:{وَالْعَاقِبَةُ (3) لِلْمُتَّقِينَ} أي والعاقبة المحمودة في الدارين لأهل الإيمان والتقوى وهم المؤمنون الذين يتقون مساخط الله عز وجل، وذلك بفعل المأمورات واجتناب المنهيات. وقوله تعالى:{مَنْ جَاءَ} أي يوم القيامة {بِالْحَسَنَةِ} وهي الطاعات لله ورسوله {فَلَهُ} جزاء مضاعفا الحسنة بعشر أمثالها وقد تُضاعف إلى أكثر بشرط أن لا تكون حسنة أعطيت له من حسنات ظالم في الدنيا فهذه لا تتضاعف. إذ تضاعف الحسنة التي باشرها، كما

1 - الجملة ابتدائية وهو بدء مشوق، قرأ الفضل بن عياض هذه الآية ثم قال: ذهبت الأماني ها هنا أي: أماني الذين يزعمون أنه لا يضر مع الإيمان شيء وأن المؤمنين كلهم ناجون من العقاب.

2 -

روى سفيان بن عيينة أن عليا بن الحسين وهو راكب مرَّ على مساكين يأكلون كسرا لهم فسلم عليهم فدعوه إلى طعامهم فتلا هذه الآية: (تلك الدار الآخرة..) إلى (فساداَ) ثم نزل وأكل معهم.

3 -

الجملة تذييلية تقرر حقيقة أخرى وهي الإشارة بالتقوى والعاقبة المحمودة في الدارين لأهل التقوى.

ص: 104