الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْمَرْفُوع
وَهُوَ إِمَّا أَن يَنْتَهِي إِلَى النَّبِي من اصل الْمَتْن وَيَقْتَضِي لَفظه إِمَّا تَصْرِيحًا أَو حكما أَن الْمَنْقُول بذلك الْإِسْنَاد من قَوْله، أَو من فعله، أَو من تَقْرِيره بِسَنَد مُتَّصِل أَو غير مُتَّصِل.
مِثَال الْمَرْفُوع من القَوْل تَصْرِيحًا: أَن يَقُول الصَّحَابِيّ سَمِعت رَسُول الله يَقُول، أَو حَدثنَا. أَو يَقُول هُوَ أَو غَيره قَالَ رَسُول الله كَذَا، أَو عَن رَسُول الله أَنه قَالَ كَذَا. (أَو نَحْو ذَلِك) .
كَذَا قَرَّرَهُ الْمُؤلف، وَقَوله أَو يَقُول هُوَ أَو غَيره أَي الصَّحَابِيّ أَو التَّابِعِيّ (وتابعيه) فَمَا أضيف إِلَى النَّبِي مَرْفُوع وَإِن كَانَ مُنْقَطِعًا بِسُقُوط الصَّحَابِيّ مِنْهُ أَو غَيره. كَمَا صرح بِهِ النَّوَوِيّ
- كَابْن الصّلاح - فِي كَلَامه.
لَكِن قَالَ الْخَطِيب: الْمَرْفُوع مَا أخبر بِهِ الصَّحَابِيّ عَن فعل الْمُصْطَفى أَو قَوْله. فَأخْرج بذلك الْمُرْسل فَلَا يُسمى مَرْفُوعا.
قَالَ الْمُؤلف: لَكِن الظَّاهِر أَن الْخَطِيب لم يشرط ذَلِك وَأَن كَلَامه خرج مخرج الْغَالِب، لِأَن غَالب مَا يُضَاف إِلَى النَّبِي إِنَّمَا يضيفه الصَّحَابِيّ.
قَالَ ابْن الصّلاح: وَمن جعل الْمَرْفُوع فِي مُقَابلَة الْمُرْسل - أَي حَيْثُ يَقُول: رَفعه فلَان أَو أرْسلهُ فلَان - فقد عَنى بالمرفوع الْمُتَّصِل.
ومثاله الْمَرْفُوع من الْفِعْل تَصْرِيحًا: أَن يَقُول الصاحبي رَأَيْت رَسُول الله فعل كَذَا.
أَو يَقُول هُوَ أَو غَيره: كَانَ رَسُول الله يفعل كَذَا.
ومثاله من التَّقْرِير أَي تَصْرِيحًا أَن يَقُول الصَّحَابِيّ فعلت بِحَضْرَة النَّبِي كَذَا.
أَو يَقُول هُوَ أَو غَيره: فعل فلَان بِحَضْرَة النَّبِي
كَذَا، أَو فعل بِحَضْرَتِهِ كَذَا وَلَا يذكر إِنْكَاره لذَلِك.
ومثاله من القَوْل حكما لَا تَصْرِيحًا: مَا (مَصْدَرِيَّة) يَقُول الصَّحَابِيّ الَّذِي لم يَأْخُذ عَن الْإسْرَائِيلِيات أَي اسْتِقْلَالا أَو بِوَاسِطَة مِمَّا لَا مجَال للِاجْتِهَاد فِيهِ، وَلَا لَهُ تعلق بِبَيَان لُغَة أَو شرح غَرِيب كالإخبار عَن الْأُمُور الْمَاضِيَة فِي بَدْء الْخلق وأخبار الْأَنْبِيَاء، أَو الْإِخْبَار عَن الْأُمُور الْمُسْتَقْبلَة بِكَسْر الْبَاء على الصَّوَاب أَو الْقيَاس الْآتِيَة كالملاحم وَهِي / الْفِتَن الْعِظَام.
فَقَوله والفتن عطف عَام على خَاص، والبعث وأحوال يَوْم الْقِيَامَة، وَكَذَا الْإِخْبَار عَمَّا يحصل بِفِعْلِهِ ثَوَاب مَخْصُوص أَو عِقَاب مَخْصُوص يَتَرَتَّب على عمل مَخْصُوص فَهَذَا كُله يحمل على السماع كَمَا صرح بِهِ الإِمَام الرَّازِيّ فِي " الْمَحْصُول ".
مِثَاله: قَول ابْن مَسْعُود: من أَتَى ساحرا أَو عرافا فقد كفر بِمَا
أنزل على مُحَمَّد. لِأَن مثله لَا يَقُوله الصَّحَابِيّ إِلَّا بتوقيف. وَمن ثمَّ قَالَ الْمُؤلف: وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ حكم الْمَرْفُوع لِأَن إخْبَاره بذلك يَقْتَضِي (مخبرا) ، وَمَا لَا مجَال للِاجْتِهَاد فِيهِ يَقْتَضِي موقفا للقائل بِهِ، وَلَا موقف للصحابي إِلَّا النَّبِي، أَو بعض من يخبر عَن الْكتب الْقَدِيمَة.
وَالْغَرَض أَنه لم يَأْخُذ عَن أَهلهَا، قَالَ الْحَاكِم: وَمِنْه تَفْسِير
الصَّحَابِيّ الَّذِي يشْهد الْوَحْي والتنزيل. وَخَصه النَّوَوِيّ - كَابْن الصّلاح -: بِمَا فِيهِ سَبَب النُّزُول. وَاسْتحْسن بَعضهم مَا اقْتَضَاهُ قَول ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ - مَوْقُوفا وَمَرْفُوعًا: التَّفْسِير على أَرْبَعَة أوجه:
1 -
تَفْسِير تعرفه الْعَرَب من كَلَامهَا.
2 -
وَتَفْسِير لَا يعْذر أحد بجهله.
3 -
وَتَفْسِير تعلمه الْعلمَاء.
4 -
وَتَفْسِير لَا يُعلمهُ إِلَّا الله.
فَمَا كَانَ عَن الصَّحَابَة مِمَّا هُوَ فِي الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلين غير مَرْفُوع، لأَنهم أَخَذُوهُ عَن معرفتهم بِلِسَان الْعَرَب، وَمَا كَانَ من الْوَجْه الثَّالِث فمرفوع / إِذْ لم يَكُونُوا يَقُولُونَ كالقرءآن بِالرَّأْيِ، وَالْمرَاد بالرابع: الْمُتَشَابه.
قَالَ الْمُؤلف: وَمَا ذَكرُوهُ من أَن سَبَب النُّزُول مَرْفُوع يُعَكر على
إِطْلَاقهم مَا إِذا استنبط الرَّاوِي السَّبَب كَمَا فِي حَدِيث زيد بن ثَابت: أَن الصَّلَاة الْوُسْطَى هِيَ الظّهْر.
وَبِهَذَا وَقع الِاحْتِرَاز عَن الْقسم الثَّانِي قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وهم بعض من يخبر عَن الْكتب الْقَدِيمَة، وَوَقع الِاحْتِرَاز عَنهُ بقوله - فِيمَا تقدم - مَا يَقُول الصَّحَابِيّ الَّذِي لم يَأْخُذ عَن الْإسْرَائِيلِيات. لِأَن من كَانَ من بني إِسْرَائِيل كَعبد الله بن سَلام، وَمِمَّنْ نظر فِي كَلَامهم كَعبد لله بن عَمْرو بن الْعَاصِ فَإِنَّهُ حصل لَهُ فِي وقْعَة اليرموك كتبا كَثِيرَة من كتب أهل الْكتاب، لَا يحمل ذَلِك مِنْهُ على الرّفْع لاحْتِمَال أَن يكون نَقله عَن ذَلِك.
وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلهُ حكم. . مَا لَو قَالَ: قَالَ رَسُول الله فَهُوَ مَرْفُوع على الْأَصَح سَوَاء كَانَ سَمعه مِنْهُ أَو عَنهُ بِوَاسِطَة. لِأَن الصَّحَابَة لَا يبْحَث عَن عدالتهم - كَمَا تقدم.
لَكِن قَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون أخبر بِهِ شخص بِحَضْرَة رَسُول الله وَأقرهُ، فنقله بعض من سمع من الصَّحَابَة كَذَلِك، فَيكون من الْمَرْفُوع تقريرا.
وَقيل: لَا يحْتَج بِهِ لاحْتِمَال أَن يكون سَمعه من تَابِعِيّ، وَعَلِيهِ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق، وَعَلِيهِ جرى القَاضِي فِي " التَّقْرِيب " وَمِمَّنْ حكى الْخلاف ابْن برهَان / فِي " الْأَوْسَط " والآمدي وَغَيرهمَا.
وَمثل قَول الصَّحَابِيّ قَالَ قَوْله عَن، فَالْأَصَحّ أَن لَهُ حكم الْمَرْفُوع، وَقيل لَا لظُهُوره فِي الْوَاسِطَة، وَيحْتَمل كَونه تابعيا.
وَمِثَال الْمَرْفُوع من الْفِعْل حكما: أَن يفعل الصَّحَابِيّ مَا لَا مجَال للِاجْتِهَاد فِيهِ فَينزل على أَن ذَلِك الْفِعْل عِنْده عَن النَّبِي.
قَالَ بعض من لقيناه: يحْتَمل أَن يكون عَن قَوْله
لَا عَن فعله بِأَن اخبر بِالْجَوَازِ. كَمَا قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي فِي صَلَاة عَليّ - رضى الله عَنهُ - فِي الْكُسُوف فِي كل رَكْعَة أَكثر من ركوعين.
كَذَا مثل الْمُؤلف، وَخَالفهُ الشمني فَأنْكر ذَلِك وَقَالَ: لَا يَتَأَتَّى فعل مَرْفُوع حكما. قَالَ: وَلَا يلْزم من كَونه عِنْده عَن النَّبِي أَن يكون عِنْده من فعله، لجَوَاز أَن يكون عِنْده من قَوْله. انْتهى /
وَقَالَ البقاعي: أَظن قَول الْمُؤلف فِي الْكُسُوف وهما، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الزلزلة، فقد روى الْبَيْهَقِيّ فِي " السّنَن " و " الْمعرفَة " عَن الإِمَام
الشَّافِعِي فِيمَا بلغَة عَن عباد عَن الْأَحول عَن قزعة عَن عَليّ كرم الله وَجهه أَنه صلى سِتّ رَكْعَات فِي أَربع سَجدَات. . قَالَ الإِمَام الشَّافِعِي: وَلَو ثَبت هَذَا عَن عَليّ خص بِهِ وهم يثبتونه.
وَأما الْكُسُوف: فقد رُوِيَ أَن فِي كل رَكْعَة أَكثر من ركوعين عَن فعل النَّبِي - أَيْضا - فِي عدَّة طرق، فَلَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى التَّمَسُّك بِفعل عَليّ /. انْتهى
وَمِثَال الْمَرْفُوع من التَّقْرِير حكما: أَن يخبر الصَّحَابِيّ أَنهم كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي زمَان النَّبِي كَذَا أَو يَقُول كُنَّا نَفْعل كَذَا، أَو نرى كَذَا، أَو كُنَّا معاشر النَّاس نَفْعل فِي عَهده كَذَا فَإِنَّهُ يكون لَهُ حكم الرّفْع على الاصح، خلافًا للإسماعيلي وَغَيره من جِهَة أَن الظَّاهِر هُوَ اطِّلَاعه على ذَلِك، وَإِقْرَاره عَلَيْهِ لتوفر دواعيهم على سُؤَاله عَن أُمُور دينهم، وَلِأَن ذَلِك الزَّمَان زمَان نزُول الْوَحْي فَلَا يَقع من الصَّحَابَة فعل شَيْء ويستمرون عَلَيْهِ إِلَّا وَهُوَ (غير) مَمْنُوع الْفِعْل، وَقد اسْتدلَّ جَابر وَأَبُو سعيد على جَوَاز الْعَزْل (بِعَين مُهْملَة بعْدهَا زَاي وَهُوَ منع الْإِنْزَال فِي فرج الْأُنْثَى) بِأَنَّهُم كَانُوا يَفْعَلُونَهُ والقرءان ينزل، وَلَو كَانَ مِمَّا ينْهَى عَنهُ لنهى عَنهُ القرءان. كَذَا أخرجه الشَّيْخَانِ عَن جَابر.
وَقَالَ الْحَاكِم والخطيب: هُوَ لَيْسَ بمرفوع ولجواز أَن لَا يعلم النَّبِي عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام بِهِ. وَمن ذَلِك مَا لَو قَالَ: كَانَ النَّاس يَفْعَلُونَ فِي عَهده كَذَا فَلهُ حكم الرّفْع، وَكَانُوا لَا يقطعون فِي الشَّيْء التافه قالته عَائِشَة - رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا - لظُهُور ذَلِك فِي جَمِيع النَّاس الَّذِي هُوَ إِجْمَاع.
وَقيل: لَا لجَوَاز إِرَادَة نَاس مخصوصين وَمن أَمْثِلَة ذَلِك - ايضا قَول جَابر: كُنَّا نَأْكُل لُحُوم الْخَيل على عهد رَسُول الله رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه.
وَكَذَا قَول الصَّحَابِيّ كُنَّا لَا نرى بَأْسا بِكَذَا فِي حَيَاة / الْمُصْطَفى عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَو وَهُوَ فِينَا، أَو بَين أظهرنَا، أَو كَانُوا يَقُولُونَ، أَو يَفْعَلُونَ أَو لَا يرَوْنَ بِهِ بَأْسا فِي حَيَاته.
أما إِذا لم يضفه إِلَى زمن النَّبِي فَهُوَ مَوْقُوف. على مَا جرى عَلَيْهِ النَّوَوِيّ فِي " التَّقْرِيب " تبعا لِابْنِ الصّلاح التَّابِع للخطيب، وَحَكَاهُ النَّوَوِيّ - أَيْضا - فِي " شرح مُسلم " عَن جُمْهُور الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء وَأهل الْأُصُول.
وَأطلق الإِمَام الرَّازِيّ، والآمدي، وَالْحَاكِم أَنه مَرْفُوع وَقَالَ
ابْن الصّباغ: إِنَّه الظَّاهِر، وَمثل لَهُ بقول عَائِشَة: كَانَت الْيَد لَا تقطع فِي الشَّيْء التافه. وَحَكَاهُ فِي " الْمَجْمُوع " وَقَالَ: هُوَ قوي من حَيْثُ الْمَعْنى. وَصَححهُ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ ثمَّ الْمُؤلف قَالَ: لكنه أنزل رُتْبَة من الأول لتردده بَين أَن يُرِيد الْإِجْمَاع أَو تَقْرِير الشَّارِع.
وَمن أمثلته: مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ عَن جَابر قَالَ: كُنَّا إِذا صعدنا كبرنا وَإِذا نزلنَا سبحنا.
وَمن التَّقْرِير الْحكمِي: قَول الْمُغيرَة بن شُعْبَة كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله يقرعون بَابه بالأظافير. لاستلزامه اطلَاع الْمُصْطَفى على ذَلِك وإقرارهم عَلَيْهِ.
ويلتحق بِقَوْلِي حكما مَا ورد بِصِيغَة الْكِنَايَة (بالنُّون وَالْيَاء
التَّحْتِيَّة) فِي مَوضِع الصِّيَغ الصَّرِيحَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ فِي قَول التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ يرفع الحَدِيث أَو يرويهِ أَو ينميه أَو يبلغ بِهِ النَّبِي عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام أَو رِوَايَة أَو رَوَاهُ. كَقَوْل ابْن عَبَّاس - رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: الشِّفَاء فِي ثَلَاثَة: شربة عسل، وَشَرطه محجم، وكية نَار، وَآيَة من كتاب الله عز وجل. رفع الحَدِيث. رَوَاهُ الْحَاكِم.
وكحديث الْأَعْرَج عَن ابي هُرَيْرَة رضي الله عنه يبلغ بِهِ: النَّاس تبع لقريش. أخرجه الشَّيْخَانِ.
فَكل هَذَا كيرويه وَرَوَاهُ بِلَفْظ الْمَاضِي مَرْفُوع. قَالَ الْمُؤلف: وَلم يذكرُوا مَا حكم ذَلِك لَو قيل عَن النَّبِي قَالَ: ظَفرت لذَلِك بمثال فِي " مُسْند الْبَزَّار " عَن رَسُول الله " يرويهِ - أَي عَن ربه عز وجل فَهُوَ حِينَئِذٍ من الْأَحَادِيث القدسية.
وَقد يقتصرون على القَوْل مَعَ حذف الْقَائِل ويريدون بِهِ النَّبِي
كَقَوْل ابْن سِيرِين عَن أَبى هُرَيْرَة قَالَ: تقاتلون قوما صغَار الْأَعْين. . الحَدِيث. أخرجه الشَّيْخَانِ.
وكقول ابْن سِيرِين - أَيْضا - عَن أَبى هُرَيْرَة قَالَ، قَالَ: أسلم وغفار وَشَيْء من مزينة. . الحَدِيث. وَفِي كَلَام الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ أَنه اصْطِلَاح خَاص بِأَهْل الْبَصْرَة لَكِن روى عَن ابْن سِيرِين أَنه قَالَ: كل شَيْء حدثت بِهِ عَن أبي هُرَيْرَة فَهُوَ مَرْفُوع.
وَمن الصِّيَغ المحتملة قَول الصَّحَابِيّ أَو التَّابِعِيّ: من السّنة كَذَا، فالأكثر على أَن ذَلِك مَرْفُوع. لِأَن الظَّاهِر أَنهم لَا يُرِيدُونَ بِالسنةِ عِنْد الْإِطْلَاق إِلَّا سنة النَّبِي عليه السلام كَقَوْل عَليّ: من / السّنة وضع الْكَفّ على الْكَفّ فِي الصَّلَاة تَحت السُّرَّة. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، فَهُوَ مَرْفُوع قَالَ فِي " التَّقْرِيب " - كَأَصْلِهِ: على الصَّحِيح الَّذِي قَالَه الْجُمْهُور.
قَالَ المُصَنّف: وَمِمَّا يرجح أَنَّهَا من سنة النَّبِي كبر الصَّحَابِيّ كَأبي بكر مثلا، فَإِنَّهُ لم يكن قبله سنة غير سنة رَسُول الله. وَكَذَلِكَ إِذا أوردهُ مقَام الِاحْتِجَاج
على صحابة مجتهدين أَو فيهم مُجْتَهد.
وَاحْتِمَال أَن يُرِيد سنة غير النَّبِي كَسنة الْبَلَد بعيد، مَعَ أَن الأَصْل خِلَافه وَنقل ابْن عبد الْبر عَن الْعلمَاء فِيهِ الِاتِّفَاق قَالَ: وَإِذا قَالَهَا غير الصَّحَابِيّ فَكَذَلِك مَا لم يضفها إِلَى صَاحبهَا كَسنة العمرين قَالَ الشَّيْخ قَاسم: فبذلك يظْهر أَن هَذَا من التَّنْبِيه بالأدنى على الْأَعْلَى، فَإِذا قَالَهَا التَّابِعِيّ فَهُوَ كَذَلِك بِالْأولَى.
وَفِي نقل الِاتِّفَاق نظر، فَعَن الإِمَام الشَّافِعِي فِي أصل الْمَسْأَلَة قَولَانِ، وَذهب إِلَى أَنه غير مَرْفُوع الصَّيْرَفِي من الشَّافِعِيَّة، وَأَبُو بكر الرَّازِيّ من الْحَنَفِيَّة، وَابْن حزم من الظَّاهِرِيَّة، وَاحْتَجُّوا بِأَن السّنة تَتَرَدَّد بَين النَّبِي وَبَين غَيره. وأجيبوا: بِأَن احْتِمَال غير النَّبِي بعيد. وَقد روى البُخَارِيّ فِي " صَحِيحه " فِي حَدِيث ابْن شهَاب عَن سَالم بن عبد الله بن
عمر عَن أَبِيه. . فِي قصَّته مَعَ الْحجَّاج حِين قَالَ لَهُ: إِن كنت تُرِيدُ السّنة فَهجر بِالصَّلَاةِ. قَالَ ابْن / شهَاب: فَقلت لسالم: أَفعلهُ رَسُول الله: فَقَالَ سَالم وَهل يعنون بذلك إِلَّا سنته. فَنقل سَالم وَهُوَ أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة من أهل الْمَدِينَة، وَأحد الْحفاظ من التَّابِعين عَن الصَّحَابَة أَنهم إِذا أطْلقُوا السّنة لَا يُرِيدُونَ إِلَّا سنة النَّبِي، وَأما قَول بَعضهم يعْنى ابْن حزم كَمَا أَفَادَهُ المُصَنّف فِي غير هَذَا الْكتاب إِن كَانَ
مَرْفُوعا فَلم لَا يَقُولُونَ فِيهِ: قَالَ رَسُول الله؟ فَجَوَابه: إِنَّهُم تركُوا الْجَزْم تورعا واحتياطا، وَمِنْه قَول أبي قلَابَة (بِكَسْر الْقَاف) عَن أنس: من السّنة إِذا تزوج الْبكر على الثّيّب أَقَامَ عِنْدهَا سبعا. أخرجه الشَّيْخَانِ قَالَ أَبُو قلَابَة: لَو شِئْت لَقلت: إِن أنسا رَفعه إِلَى النَّبِي - أَي لَو قلت لم أكذب - لِأَن قَوْله من السّنة هَذَا مَعْنَاهُ لَكِن إِيرَاده بالصيغة الَّتِي أوردهَا الصَّحَابِيّ أولى. وَخص بَعضهم الْخلاف بِغَيْر الصّديق، أما هُوَ إِن قَالَه فمرفوع اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ لَيْسَ قبله سنة غير سنة النَّبِي.
وَمن ذَلِك: قَول الصَّحَابِيّ أمرنَا بِكَذَا أَو نهينَا عَن كَذَا وَأوجب أَو حرم أَو رخص بِبِنَاء الْجَمِيع للْمَفْعُول فِي الْأَظْهر. فمثال قَوْله
أمرنَا: قَول أم عَطِيَّة: أمرنَا أَن نخرج فِي الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِق وَذَوَات الخذور / وَأمر الْحيض أَن يعتزلن مصلى الْمُسلمين. أخرجه الشَّيْخَانِ.
وَمِثَال قَوْله نهينَا: قَوْلهَا - أَيْضا: نهينَا عَن اتِّبَاع الْجَنَائِز وَلم يعزم علينا. أخرجه الشَّيْخَانِ أَيْضا.
فَالْخِلَاف فِيهِ كالخلاف فِي الَّذِي قبله والتصحيح فِيهِ كالتصحيح فِي الَّذِي قبله فَإِن مُطلق ذَلِك إِنَّمَا ينْصَرف بِظَاهِرِهِ إِلَى من لَهُ الْأَمر وَالنَّهْي وَمن يجب اتِّبَاع سنته وَهُوَ الرَّسُول وَلِأَن مَقْصُود الصَّحَابِيّ بَيَان الشَّرْع لَا اللُّغَة وَلَا الْعَادة، وَالشَّرْع يتلَقَّى من السّنة وَالْكتاب وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس، وَلَا يَصح أَن يُرِيد أَمر الْكتاب لكَون مَا فِي الْكتاب مَشْهُورا يعرفهُ النَّاس، وَلَا الْإِجْمَاع لِأَن الْمُتَكَلّم.
بِهَذَا من أهل الْإِجْمَاع، ويستحيل أمره نَفسه، وَلَا الْقيَاس إِذْ لَا أَمر فِيهِ، فَتعين كَون المُرَاد أَمر الرَّسُول فَلذَلِك قَالَ المُصَنّف: وَخَالف فِي ذَلِك طَائِفَة تمسكوا بِاحْتِمَال أَن يكون المُرَاد غَيره، كأمر القرءان أَو الْإِجْمَاع أَو بعض الْخُلَفَاء أَو بعض الْوُلَاة أَو الاستنباط قَائِله من قَائِله للْإِيجَاب أَو التَّحْرِيم أَو الترخيص.
واجيبوا: بَان الأَصْل هُوَ الأول، وَمَا وَمَا عداهُ مُحْتَمل لكنه بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ مَرْجُوح. وَأَيْضًا فَمن كَانَ فِي طَاعَة رَئِيس إِذا قَالَ أمرت لَا يفهم عَنهُ أَن أمره إِلَّا رئيسه. قَالَ بَعضهم: هَذَا لَا يخرج / احْتِمَال القرءان وَلَا أَمر الْخُلَفَاء.
وَأما قَول من قَالَ: يحْتَمل أَن يظنّ مَا لَيْسَ بِأَمْر أمرا فَلَا اخْتِصَاص لَهُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة، بل هُوَ مَذْكُور فِيمَا لَو صرح فَقَالَ: أمرنَا رَسُول الله بِكَذَا وَهُوَ احْتِمَال ضَعِيف، لِأَن الصَّحَابِيّ عدل، عَارِف بِاللِّسَانِ فَمَا يُطلق ذَلِك إِلَّا بعد التحقق.
وَمن ذَلِك: قَوْله كُنَّا نَفْعل كَذَا فَلهُ حكم الْمَرْفُوع كَمَا تقدم.
وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي الْبيُوع من البُخَارِيّ: أَن أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ اسْتَأْذن على عمر. . فَذكره إِلَى أَن قَالَ: فَكُنَّا نؤمر بذلك. فَقَالَ عمر: تَأتِينِي بِالْبَيِّنَةِ على ذَلِك. فالتعبير بِهِ يدل على مساواته للفظ الَّذِي ورد مُصَرحًا بِإِسْنَاد الْأَمر إِلَى النَّبِي سَوَاء كَانَ من قَول أبي مُوسَى أَو غَيره من الروَاة الْعَالمين بمدلولات الْأَلْفَاظ وَلَا فرق بَين قَوْله - أَي الصَّحَابِيّ - مَا تقدم فِي حَيَاة النَّبِي أَو بعده.
وَمن ذَلِك: أَن يحكم الصَّحَابِيّ على فعل من الْأَفْعَال بِأَنَّهُ طَاعَة لله أَو لرَسُوله، أَو مَعْصِيَته كَقَوْل عمار بن
يَاسر من صَامَ الْيَوْم الَّذِي يشك بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول فِيهِ فقد عصى أَبَا الْقَاسِم. فَلهَذَا حكم الرّفْع - أَيْضا - لِأَن الظَّاهِر أَن ذَلِك مِمَّا تَلقاهُ عَنهُ. كَمَا جزم بِهِ الزَّرْكَشِيّ فِي " مُخْتَصره " نقلا عَن ابْن عبد الْبر وَغَيره. لَكِن خَالف فِي ذَلِك البُلْقِينِيّ فَقَالَ فِي / " محَاسِن الِاصْطِلَاح ": الْأَقْرَب أَنه لَيْسَ بمرفوع لجَوَاز إِحَالَة الْإِثْم على مَا ظهر من الْقَوَاعِد. اه. وَسَبقه إِلَيْهِ أَبُو الْقَاسِم الْجَوْهَرِي وَغَيره.
قَالَ المُصَنّف: وَقَوله كُنَّا نَفْعل كَذَا أحط رُتْبَة من قَوْلهم كُنَّا نَفْعل فِي عهد النَّبِي، لَان هَذَا وَإِن أوردهُ محتجا بِهِ
يحْتَمل أَن يُرِيد الاجماع، أَو تَقْرِير النَّبِي، فالاحتجاج الصَّحِيح وَفِي كَونه من التَّقْرِير التَّرَدُّد.
أَو تَنْتَهِي غَايَة الْإِسْنَاد إِلَى الصَّحَابِيّ كَذَلِك - أَي مثل مَا تقدم - فِي كَون اللَّفْظ يَقْتَضِي التَّصْرِيح بِأَن الْمَنْقُول هُوَ من قَول الصَّحَابِيّ أَو من فعله أَو من تَقْرِيره، وَلَا يجِئ فِيهِ جَمِيع مَا تقدم بل معظمه، والتشبيه لما يشْتَرط فِيهِ الْمُسَاوَاة من كل جِهَة. بل يَكْتَفِي من بعض الْوُجُوه، وَجزم ابْن الصّباغ فِي كتاب " الْعدة ": بِأَن التَّابِعِيّ إِذا قَالَ ذَلِك فَهُوَ مُرْسل، ثمَّ حكى فِيهِ إِذا قَالَه ابْن الْمسيب وَجْهَيْن: هَل يكون حجَّة أَو لَا؟ وللغزالي فِيهِ احْتِمَالَانِ بِلَا تَرْجِيح: هَل يكون مَوْقُوفا أَو مَرْفُوعا مُرْسلا؟ وَقَالَ: قَوْله من السّنة فِيهِ وَجْهَان حَكَاهُمَا النَّوَوِيّ فِي " شرح مُسلم " وَغَيره، وَصحح وَقفه. وَحكى الداوودي الرّفْع عَن الْقَدِيم.