الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
معرفَة من حدث وَنسي
وَإِن (روى عَن شيخ حَدِيثا) فَجحد الشَّيْخ مرويه فَإِن كَانَ جزما كَأَن يَقُول: كذب عَليّ أَو مَا رويت هَذَا أَو نَحْو ذَلِك. فَإِن وَقع مِنْهُ ذَلِك.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: قَوْله فَإِن. . إِلَى آخِره حَشْو رد ذَلِك الْخَبَر الَّذِي تكاذبا فِيهِ، وَذَلِكَ يتَنَاوَل مَا إِذا تكاذبا فِي حَدِيث بجملته وَمَا إِذا تكاذبا فِي لَفْظَة وَنَحْوهَا. لكذب وَاحِد مِنْهُمَا قطعا لَكِن لَا بِعَيْنِه فَيحْتَمل كَونه الْفَرْع فَلَا يثبت مرويه وَلَا يكون ذَلِك قادحا فِي وَاحِد مِنْهُمَا للتعارض. حَتَّى تصح شَهَادَتهمَا فِي قَضِيَّة وَاحِدَة، لِأَن كلا
مِنْهُمَا يظنّ أَنه صَادِق وَالْكذب على النَّبِي الَّذِي يؤول إِلَيْهِ الْأَمر فِي ذَلِك إِنَّمَا يسْقط الْعَدَالَة إِذا كَانَ عمدا، وَلم يتَحَقَّق الْعمد لاحْتِمَال نِسْيَان الأَصْل أَو غلط الْفَرْع بِأَن الْتبس عَلَيْهِ بشيخ آخر كَذَا قَرَّرَهُ بَعضهم.
وَقَالَ الشَّيْخ قَاسم: قَوْله لكذب أَحدهمَا. . إِلَى آخِره يَعْنِي لكذب / الأَصْل فِي قَوْله: كذب عَليّ أَو مَا رويت إِن كَانَ الْفَرْع صَادِقا فِي الْوَاقِع، أَو لكذب الْفَرْع فِي الرِّوَايَة إِن كَانَ الأَصْل صَادِقا فِي قَوْله: كذب عَليّ أَو مَا رويت إِلَّا أَن عَدَالَة الأَصْل تمنع كذبه فَيجوز النسْيَان. . على الْفَرْع، وعدالة الْفَرْع تمنع كذبه فَيجوز النسْيَان على الأَصْل، وَلم يتَبَيَّن مُطَابقَة الْوَاقِع مَعَ أَيهمَا فَلذَلِك لَا يكون قادحا. انْتهى.
وَخَالف فِي ذَلِك السَّمْعَانِيّ فَقَالَ: تَكْذِيبه لَا يسْقط الْمَرْوِيّ لاحْتِمَال نِسْيَان الاصل بعد رِوَايَته للفرع، فَلَا يكون وَاحِد مِنْهُمَا مجروحا، وَاخْتَارَهُ فِي " جمع الْجَوَامِع ".
وَهَذِه الْمَسْأَلَة من مبَاحث علم أصُول الْفِقْه. وَخرج بالجحد مَا لَو حَدثهُ ثمَّ قَالَ: منعتك من الرِّوَايَة عني، أَو لَا ترو عني، أَو رجعت عَن إخبارك فَلَا يضر إِلَّا إِن أسْندهُ إِلَى تبين خطأه أَو شكه فِي السماع فَحِينَئِذٍ يمْتَنع عَلَيْهِ الرِّوَايَة عَنهُ.
وَبِقَوْلِهِ رد الْخَبَر رِوَايَة غير الْخَبَر الَّذِي تكاذبا فِيهِ، فَتقبل رِوَايَة كل مِنْهُمَا لَهُ كَمَا جزم بِهِ جمع. أَو كَانَ جَحده احْتِمَالا وعَلى سَبِيل التَّرَدُّد كَأَن قَالَ: مَا أذكر هَذَا، أَو مَا أعرفهُ وَالْفرع جازم قبل ذَلِك الحَدِيث فِي الْأَصَح.
الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور لِأَن ذل يحمل على نِسْيَان الشَّيْخ كَمَا مر تَقْرِيره.
مِثَاله مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة ربيعَة ابْن أبي عبد الرَّحْمَن عَن سُهَيْل بن صَالح (عَن أَبِيه) عَن أبي هُرَيْرَة أَن الْمُصْطَفى عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام قضى بِالشَّاهِدِ مَعَ الْيَمين.
زَاد أَبُو دَاوُد: قَالَ عبد الْعَزِيز: فَذكرت ذَلِك لسهيل، فَقَالَ: أَخْبرنِي ربيعَة وَهُوَ عِنْدِي ثِقَة أَنِّي حدثته إِيَّاه وَلَا أحفظه.
وَقيل: لَا يقبل مرويه، لِأَن الْفَرْع تبع الأَصْل فِي إِثْبَات الحَدِيث بِحَيْثُ إِذا ثَبت أصل الحَدِيث ثَبت رِوَايَة الْفَرْع
فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن يكون فرعا عَلَيْهِ، وتبعا لَهُ فِي النَّفْي وَقِيَاسًا على نَظِيره فِي الشَّهَادَة على شَهَادَة الأَصْل وَهَذَا القَوْل متعقب أَي تعقبه الْجُمْهُور بِالرَّدِّ فَإِن عَدَالَة الْفَرْع تَقْتَضِي صَدَقَة، وَعدم علم الأَصْل لَا يُنَافِيهِ لاحْتِمَال نسيانه كَمَا مر والمثبت مقدم على النَّافِي. كَذَا قَالَ الْمُؤلف.
وَتعقبه الشَّيْخ قَاسم: بِأَن هَذَا لَيْسَ بجيد، لِأَن فِي مَسْأَلَة تَكْذِيب الأَصْل جزما، الأَصْل ناف وَالْفرع مُثبت، وَلَيْسَ الحكم فِيهَا للمثبت بل للنافي، فَالْحق أَن يَقُول: لِأَن الْمُحَقق مقدم على المظنون - كَمَا. . عَلَيْهِ فِي بعض نسخ الأفاضل) - أَو تَقول: الْجَزْم مقدم على التَّرَدُّد. وَأما قِيَاس ذَلِك بِالشَّهَادَةِ ففاسد لظُهُور الْفرق بَينهمَا لِأَن شَهَادَة الْفَرْع لَا تسمع مَعَ الْقُدْرَة قَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين: لَا يخفى مَا فِي
التَّعْبِير بِالْقُدْرَةِ على شَهَادَة الأَصْل بِخِلَاف الرِّوَايَة. كَذَا قَرَّرَهُ الْمُؤلف.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم: وَظَاهر كَلَامه أَنه جَوَاب سُؤال مُقَدّر، وَحَاصِله جَوَاب بالفارق وَهُوَ لَا يُؤثر حَتَّى يكون واردا على الْعلَّة الجامعة، وَهنا لَيْسَ كَذَلِك. انْتهى.
وَأجَاب أهل الْأُصُول: بِأَن بَاب الشَّهَادَة أضيق، لاعتبارهم فِيهِ الْحُرِّيَّة وَالْعَدَالَة والذكورة وَغَيرهمَا، وَلَو ظن الْفَرْع الرِّوَايَة وَجزم الأَصْل بنفيها أَو ظَنّه، قَالَ الإِمَام الرَّازِيّ: فِي الأول تعين الرَّد، وَفِي الثَّانِي تَعَارضا، وَالْأَصْل الْعَدَم وَالْأَشْبَه الْقبُول.
وَلَو لم يَقع إِنْكَار الحَدِيث إِلَّا من أَصْحَاب الشَّيْخ الَّذِي زعم الرَّاوِي أَنه حَدثهُ فَإِن كَانَ الرَّاوِي من مشاهير أَصْحَابه لم يُؤثر الْإِنْكَار، وَإِلَّا
فَنقل ابْن برهَان عَن أَصْحَابنَا أَنه يرد، كَمَا ردوا حَدِيث أبي خَالِد الدالاني لَيْسَ الْوضُوء على من نَام قَائِما أَو قَاعِدا أَو رَاكِعا أَو سَاجِدا وَإِنَّمَا الْوضُوء على من نَام مُضْطَجعا، لقَوْل أَحْمد: إِن الدالاني يزاحم أَصْحَاب قَتَادَة وَلَيْسَ مِنْهُم.
قَالَ ابْن برهَان: وَمَا تخيلوه لَا يَصح، لِأَن الْغَرَض أَن النَّاقِل ثِقَة
عدل فَكيف يرد، وَغَايَة ذَلِك زِيَادَة ثِقَة، فاللائق بمذهبنا الرَّد.
وَفِيه - أَي فِي هَذَا النَّوْع - صنف الدَّارَقُطْنِيّ كتاب من حدث ونسى. وَفِيه مَا يدل على تَقْوِيَة الْمَذْهَب الصَّحِيح لكَون كثير مِنْهُم حدثوا بِأَحَادِيث فَلَمَّا عرضت عَلَيْهِم لم يتذكروها لكَوْنهم لاعتمادهم على الروَاة عَنْهُم صَارُوا يرونها عَن الَّذِي رَوَاهَا عَنْهُم عَن أنفسهم، كَحَدِيث سُهَيْل بن أبي صَالح عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا الَّذِي أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه عَنهُ فِي قصَّة الشَّاهِد واليمن أَي / فِي أَنه قضى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين. قَالَ عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد الدَّرَاورْدِي بِفَتْح أَوله وَالرَّاء وَالْوَاو وَسُكُون الرَّاء الثَّانِيَة
(وَكسر الدَّال) الْمُهْملَة حَدثنِي بِهِ ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن عَن سُهَيْل بن أبي صَالح قَالَ فَلَقِيت بعد ذَلِك سهيلا، فَسَأَلته عَنهُ فَلم يعرفهُ، فَقلت: إِن ربيعَة حَدثنِي عَنْك بِكَذَا، فَكَانَ سُهَيْل بعد ذَلِك يَقُول: حَدثنِي ربيعَة عَنى أَنِّي حدثته عَن أبي بِهِ. كَذَا حَكَاهُ المُصَنّف.
قَالَ الشَّيْخ قَاسم الْحَنَفِيّ: إِن كَانَ هَذَا لفظ الْقِصَّة من غير تصرف فَكَانَ حق سُهَيْل أَن يَقُول حَدثنِي الدَّرَاورْدِي عَن ربيعَة عني أَنِّي حدثته عَن أبي.
ونظائره كَثِيرَة. وَمن أَطْرَاف ذَلِك رِوَايَة الْخَطِيب عَن
مُعْتَمر بن سُلَيْمَان قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ حَدَّثتنِي أَنْت عني عَن أَيُّوب عَن الْحسن قَالَ: وَيْح كلمة رَحْمَة. قَالَ النَّوَوِيّ - كَابْن الصّلاح - هَذَا مِثَال ظريف يجمع أنواعا مِنْهَا:
1 -
رِوَايَة الْأَب عَن أبنه.
2 -
وَرِوَايَة الْأَكْبَر عَن الْأَصْغَر.
3 -
وَرِوَايَة التَّابِعِيّ عَن تابعيه.
4 -
وَرِوَايَة ثَلَاثَة تابعين بَعضهم عَن بعض.
5 -
وَأَنه حدث عَن وَاحِد عَن نَفسه.
قَالَا: وَهَذَا فِي غَايَة الْحسن والغرابة، وَيبعد أَن يُوجد ذَلِك فِي حَدِيث آخر.