المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الرابع

- ‌الفصل الأولالطرق الصوفية (1)

- ‌خطة هذا الفصل والذي يليه

- ‌مصطلحات وتعاريف

- ‌الطرق الصوفية والمقاومة الشعبية

- ‌الطريقة القادرية

- ‌العمارية/ القادرية

- ‌الطريقة الشاذلية

- ‌الزروقية واليوسفية

- ‌الطريقة العيساوية

- ‌الطريقة الحنصالية

- ‌الكرزازية (الأحمدية) والزيانية

- ‌الطريقة الطيبية

- ‌الطريقة الشيخية

- ‌الطريقة الدرقاوية

- ‌الطريقة الهبرية

- ‌ الطريقة المدنية

- ‌ الطريقة العليوية

- ‌الطريقة الرحمانية

- ‌الفصل الثانيالطرق الصوفية (2)

- ‌الطريقة التجانية

- ‌أ - عموميات:

- ‌ب - فرع عين ماضي:

- ‌ج - فرعا تماسين وقمار:

- ‌تعاليم وأوراد التجانية وموقفها من فرنسا وتركيا سنة 1914

- ‌الطريقة السنوسية/ الطكوكية

- ‌الطكوكية

- ‌البوعلية

- ‌الشابية:

- ‌البكائية:

- ‌المكاحلية (الرماة):

- ‌الناصرية:

- ‌طرق أخرى:

- ‌في ميزاب ومتليلي:

- ‌تمويل الزوايا

- ‌إحصاءات الطرق والزوايا

- ‌1 - الشاذلية:

- ‌2 - القادرية:

- ‌3 - الرحمانية:

- ‌4 - التجانية:

- ‌5 - الطيبية:

- ‌6 - الحنصالية:

- ‌7 - العيساوية:

- ‌8 - العمارية:

- ‌9 - الزروقية:

- ‌10 - السنوسية:

- ‌11 - الناصرية:

- ‌12 - الدرقاوية:

- ‌13 - المدنية:

- ‌14 - الزيانية:

- ‌15 - الكرزازية:

- ‌16 - المكاحلية:

- ‌17 - الشيخية:

- ‌18 - اليوسفية:

- ‌19 - الشابية:

- ‌20 - جمعية ابن نحال:

- ‌الطرق الصوفية والسياسة

- ‌توظيف الطرق الصوفية وتدجينها

- ‌الفصل الثالثالسلك الديني والقضائي

- ‌مدخل

- ‌الهيئة الدينية

- ‌رجال الدين والسياسة

- ‌تصنيف المساجد وموظفيها

- ‌شؤون الحج

- ‌إجحاف في حق الدين ورجاله

- ‌مدخل إلى السلك القضائي

- ‌بداية التدخل في القضاء الإسلامي

- ‌تجربة المجالس القضائية ومراسيمها

- ‌المكي بن باديس والعرائض

- ‌(مؤامرة) القضاة ومسألة التجنسوالزواج المختلط

- ‌الهجوم على القضاة وبعض خصائصهم

- ‌نماذج من القضاة

- ‌قضية تدوين الفقه الإسلامي

الفصل: ‌أ - عموميات:

‌الطريقة التجانية

‌أ - عموميات:

تعرضنا لتأسيس الطريقة التجانية في الجزء الأول من هذا الكتاب، وتناولنا حياة الشيخ أحمد التجاني إلى أن وافاه الأجل في فاس بالمغرب الأقصى سنة 1814 (1230). وكانت عندئذ تعوزنا بعض المصادر الأساسية للطريقة، ولا نريد اليوم أن ندرس حياة الشيخ من جديد، ولكن نريد أن نذكر بعض المصادر التي يرجع إليها تقريبا كل دارس لهذه الطريقة، أولها الكتاب المعروف بالكناش، وهو الأم لكل الكتب التي جاءت بعده، وسنرجع إلى تناوله، ثم كتاب (جواهر المعاني) للحاج علي حرازم، وكتاب (الجامع) لمحمد بن المشري، و (الرماح) لعمار الغوثي السوداني، و (الياقوتة) لمحمد بن العربي، و (كشف الحجاب) لأحمد سكيرج، و (الإفادة الأحمدية) للطيب السفياني، إضافة إلى كتاب (أضواء) الذي ألفه عبد الباقي بن أحمد مفتاح، وما يزال مخطوطا (1).

(1) اطلعنا عليه لإبداء الرأي فيه، وهو مجهود ضخم وفيه معلومات مفيدة، ولكن بعضها يحتاج إلى توثيق كالقول إن محمد الصغير التجاني قد ساعد الأمير عبد القادر في حربه، أو أن أحمد بن محمد الصغير كان يخطط لثورة ضد فرنسا قبل أخذه إلى بوردو وزواجه من أوريلي، الخ، ولكن الفصل الذي تضمن حياة الشيخ أحمد التجاني (المؤسس) واف، وهو الثامن في الكتاب، فقد ضمنه أبرز مراحل حياته من ولادته 1150 إلى وفاته 1230، دراسته، وحجه وأخذه الطريقة، وتدريسه، وتنقلاته بين تلمسان وعين ماضي، ثم هجرته إلى المغرب الأقصى.

ونلاحظ من جهة أخرى أن ترجمة الشيخ التجاني كلها تقريبا جاءت من قبل =

ص: 191

وقد تناول الأجانب أيضا الطريقة التجانية مثل دو فيرييه ورين وديبون وكوبولاني، كما صدرت ردود عليها متهمة إياها بالانحراف الديني والصوفي وبالزندقة وحتى بالكفر، بالإضافة إلى دراسات جامعية عن دور هذه الطريقة في السينيغال وغرب إفريقية، وهكذا ترى أنه ليس من السهل دراسة التجانية لأنها ليست طريقة ساكنة مت عبد، مثل بعض الطرق الروحية المجردة، وليست من الطرق المتحركة التي تواجه الانتصارات والهزائم، ولكنها من الطرق الساكنة والمتحركة في نفس الوقت والعاملة ضمن مساحة جغرافية عريضة، يهمنا منها نحن هنا مساحة الجزائر فقط.

ونحب أن نبين نقطتين قبل المضي في الحديث عن التجانية وتطوراتها، الأولى صوفية، والثانية عسكرية، ونعني بالنقطة الصوفية أن الشيخ المؤسس قد أخذ عدة طرق قبل أن يستقل بطريقته، فقد أخذ القادرية عن مقدمها في فاس الشيخ محمد بن حسن، والطيبية عن مؤسسها مولاي الطيب نفسه، والرحمانية عن مؤسسها أيضا الشيخ محمد بن عبد الرحمن الأزهري في آيت إسماعيل، والناصرية عن الشيخ محمد بن عبد الله التزاني، والحبيبية عن المقدم أحمد الحبيب الصديقي، كما أخذ المدنية عن محمد بن عبد الكريم السمان، في المدينة المنورة، والخلوتية عن محمود الكردي العراقي في القاهرة، وأخذ عن شيوخ اخرين طريقتهم مثل أحمد الطواشي بتازة، وعبد الصمد البوجوري بتونس، وأحمد بن عبد الله الهندي بمكة المكرمة، ولعله أخذ أيضا عن شيوخ الشاذلية، ونلاحظ أن بين الرحمانية

= تلاميذه في الطريقة وزملائه والمعجبين به، مثل علي حرازم، وقد أخذ عنهم كتاب التراجم اللاحقون سيرته مثل:(الإعلام) لعباس بن إبراهيم، و (شجرة النور) لمحمد مخلوف، و (حلية البشر) للبيطار، و (سلوة الأنفاس) لمحمد جعفر الكتاني، ومن المراجع التي لم نطلع عليها كتاب (تاريخ) أبي الحسن علي بن أبي القاسم الرزقي، مقدم التجانية بتونس العاصمة، وقد اعتنى بجمعه ابنه محمد الطاهر في أوائل القرن الرابع عشر، وهو موجود في زاوية تماسين ومخطوط في عدة مجلدات، ذكره صاحب (أضواء). وترجم له أيضا صاحب (تعريف الخلف). 2/ 38 - 42.

ص: 192

والتجانية سلسلة واحدة تبدأ من الخلوتية عن طريق الشيخ محمود الكردي، وقد ذكرها الشيخ التجاني نفسه، وتبنى هذه السلسلة التي تصله بالإمام علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل، مرورا بالحسن البصري وحبيب العجمي وأبي القاسم الجنيد، والحفني المصري، ثم محمود الكردي، ولكن مصادر التجانية تذهب إلى أن الشيخ قد تخلى عن جميع الطرق بعد أن ظهر له الفتح الكبير (رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم) في بوسمغون، وهو الذي أمره، كما يقولون، بترك جميع الطرق، لأنه هو الذي سيقوده ويتوسط له عند الله ويكون المساعد الاحتياطي له، ومن ثمة أخذ التجاني يعلم أتباعه قواعد طريقة جديدة، ومنها الذكر الخاص بها والذي يقولون إن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي علمه إياه، وقد فرض التجاني على أتباعه شرطا لم يكن موجودا في الطرق الأخرى من قبل وهو عدم الانضمام لأية طريقة أخرى، وإذا فعلوا ذلك فإنه ينالهم الطرد من حضرة الله واللعنة منه، وسنعمد لنوعية الذكر الذي يردده التجانيون.

أما النقطة الثانية والتي قلنا إنها عسكرية فترجع إلى علاقة التجانية بالنظام العثماني السياسي وقت انتشارها وإلى حدود سنة 1830، وقد عرفنا أن علاقة هذا النظام بالطرق الصوفية عموما لم تكن على ما يرام في الثلاثين سنة الأخيرة قبل الاحتلال الفرنسي، فقد هاجر أحمد التجاني نفسه إلى المغرب بعد أن أحس بالمضايقات في الجزائر من جانب بايات الغرب، وقد وجد تكريما خاصا من سلطان المغرب، المولى سليمان، وعرفنا أن محمد بن عبد الرحمن الأزهري قد اتهم بالزندقة، ونصب له مجلس لمناظرته على يد المفتي علي بن عبد القادر بن الأمين الأزهري، ثم ترك في حال سبيله، وثارت الطريقة الدرقاوية ثورتها المشهورة في غرب البلاد وحتى في شرقها، حتى قال بعض الباحثين إن اسم (الدرقاوة) كان يعني الثورة والتمرد، كما تعني ربما كلمة (فلاقة) في العهد الفرنسي، واخر ما نشير إليه هو ما تعرض له شيخ القادرية (محيي الدين) وولده عبد القادر على يد الباي حسن بوهران، حين عزما على الحج، ومن ضحايا العثمانيين في هذه الظروف أيضا

ص: 193

الشيخ محمد بلقندوز الذي اغتيل للاشتباه فيه، فأين التجانية من كل ذلك؟، الواقع أن هذه الطريقة كانت مطاردة، حتى بعد وفاة شيخها في المغرب وخلافة الحاج علي الينبوعي له بتماسين، ولم يكن بعين ماضي عندئذ 1826 - 1827 سوى ابني الشيخ التجاني اللذين جاء بهما الحاج علي من فاس (1). وهما: محمد الكبير ومحمد الصغير، وقد وقعت عدة أحداث وهجومات بين باي وهران والتجانيين بعين ماضي من جهة وبين باي التيطري وعين ماضي من جهة أخرى، ثم هاجم محمد الكبير التجاني مدينة معسكر وكاد يحتلها لولا أنه قتل خلال ذلك، وكان أخوه محمد الصغير في بوسمغون فلم يحضر هذا المصير، فرجع إلى عين ماضي وأخذ قيادة الطريقة والسياسة، ولكنه كان أميل إلى الهدوء من أخيه، وتحالف مع أحمد بن سالم زعيم أحد الصفوف بالأغواط، ولكن بركة الطريقة الحقيقية كانت في يد الحاج علي بتماسين، ولا ندري موقفه إزاء الهجومات التي قام بها التجانيون ضد بايات وهران، وتقول المصادر الفرنسية إن قيادته الحكيمة للطريقة هي التي فرضت على محمد الكبير (الذي قتل في معسكر) الخط الذي سار عليه هو في الجانب الشرقي من الجزائر وفي تونس، إننا نذكر هذه الأحداث السياسية - العسكرية وعلاقة التجانية بها لنفهم بعد ذلك ما قيل عن رفض انضمام التجانية للمقاومة ضد الفرنسيين من أنه رفض يقوم على أساس مبدئي وهو تفضيل التصوف والسكون على الجهاد والحركة، وقد استغل الفرنسيون هذا الموقف أقصى حدود الاستغلال، رغم أنه لم يكن منسجما مع موقف التجانية من النظام العثماني، ولا مع مواقفها في غرب إفريقية.

انتشرت الطريقة التجانية في التل وفي الجنوب عن طريق القوافل التجارية بالخصوص. وكثر مقدموها وأتباعها وزواياها، وأصبحت قوة ينشد

(1) تذهب المصادر إلى أن أحمد التجاني قد أوصى بولديه (محمد الكبير ومحمد الصغير) إلى محمد بن أحمد التونسي، أما شؤون الزاوية فقد أوصى بها إلى الحاج علي التماسيني، ولكن محمد التونسي توفي بعد قليل من وفاة التجاني، ولذلك جاء الحاج علي إلى المغرب وأخذ الولدين لرعايتهما في الجزائر.

ص: 194

تحالفها الراغبون في التحالف سواء من العناصر الإسلامية أو من الأجانب، كانت القوافل التجارية تعبر شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، نحو فاس وتلمسان وتوات والهقار وفوتا والسينيغال، الخ، كلما كثر الأتباع والمقدمون كلما جاءت الزيارات والأمداد والنفوذ، وقد أصبحت عين ماضي وتماسين مركزين ثريين بالمال عن طريق التجارة وعمارة الأسواق، وكانت الزاوية هنا وهناك هي المحرك لهذه الشبكة من القوافل التي تحمل الذهب والعبيد والتبر ومختلف البضائع المتبادلة بين المغرب العربي وإفريقية في ذلك العهد، وهذه الظاهرة لم تكن تخفى على الفرنسيين ولا على الإنكليز ولا حتى الألمان عندئذ، فقد كان الفرنسيون في السينيغال يرقبون تحرك التجانية وارتباطاتها بالأمراء وقوة زواياها، وكانت مخابراتهم في الجزائر وفي السينيغال نشطة في ربط الاتصالات ومنافسة الإنكليز والاستفادة من هذه القوة (الدينية المحلية).

ويجب أن نذكر أن هذه هي فترة الحاج عمر في غرب إفريقية، وكان الحاج عمر هذا قد تأثر بالوهابيين، وتحول من القادرية إلى التجانية، وكان يحارب الفرنسيين بدون هوادة إلى أن هلك، وقمعت حركته رغم أن ابنه قد واصل جهاده، فكيف تكون التجانية محاربة لفرنسا في غرب إفريقية وموالية لها في الجزائر؟ وكيف تكون القادرية محاربة لفرنسا في الجزائر بسيف الأمير عبد القادر وساكنة في نواحي شنقيط وتمبكتو وغيرهما على يد أحمد البكاي القادري (1)؟ هل هي حالة الإسلام والمسلمين عندئذ كما هي حالة الاسلام والمسلمين اليوم بدون منطق ولا رابطة ولا رأس؟.

هز الاحتلال الفرنسي الجزائر كلها ولكن ليس في وقت واحد، لقد أسقط الاحتلال النظام المركزي ولكن أسلوب الحكم السابق جعل ردود الفعل ليست على درجة واحدة، فقد شعر البعض بالانهيار بينما شعر آخرون بالتحرر، وهم لم يعرفوا بعد معاملة الفرنسيين لهم ولا نواياهم في البقاء والاستيطان، كما أنه لم تظهر قيادة ناضجة موحدة ومسموعة الكلمة غداة الاحتلال، وكان على هذه القيادة أن تعركها التجارب ويصهرها الزمن قبل أن تصبح

(1) عن أحمد البكاي والحاج عمر انظر لاحقا - الطريقة البكائية.

ص: 195

معروقة ومسموعة الكلمة، ولكن عندما وقع ذلك كانت السلطة الفرنسية بدورها قد تجذرت وجلبت خيلها ورجلها وعزمت على استخدام كل الوسائل للهجوم والبقاء، وقد احتلت الجزائر بالمراحل، حسب درجة المقاومة، وآخر جزء من شمالها احتل سنة 1857، أما الصحراء الشمالية فقد احتلت خلال الأربعينات والخمسينات، وكان دخول الفرنسيين عين ماضي سنة 1844 حين داسها العقيد سانطارنو ومن معه بنعالهم وفرضوا على أهلها الضرائب الحربية، وبعد عشر سنوات (1854) وقع احتلال تماسين، وبين 1830 - 1844 كانت الطريقة التجانية تعيش أحلامها، كانت تظن أنه في الإمكان البقاء على الحياد في معركة جند لها العدو كل سلاحه، وفي وقت فقدت فيه البلاد كل القيادات (1) عدا قيادة المرابطين والطرق الصوفية، حاملة البركة ووارثة الأشراف والأنبياء، أما الباقون فمخازنية يخدمون من يدفع أكثر ويهتمون ببطونهم قبل دينهم ووطنهم، أو حضريون دجنتهم المدينة وبطرهم العيش الرخي ففقدوا الشهامة والغيرة وأخلدوا إلى الراحة والسكون.

يجد الفرنسيون مبررا لكل حركة معادية للوحدة الوطنية، فقد قالوا. كما رأينا، عن الدرقاوية - الشاذلية إن موسى الدرقاوي قد خرج عن تعاليمها برفعه السلاح وإعلانه الجهاد، وأن شيخها العربي بن عطية قد نصحه بالرجوع إلى تعاليم الطريقة والتزام الحياد، وقالوا عن الرحمانيين الذين لم يؤيدوا ثورة 1871 إنهم استمعوا إلى (نصيحة) التجانية بأن الوقت لم يحن لطرد الفرنسيين وأن الله (قدر) تغلبهم على المسلمين هذه الساعة، وقالوا عن أحمد بن سالم الأغواطي إنه أجاب موسى الدرقاوي حين دعاه للجهاد، بأنه (ابن سالم) تجاني الطريقة، وأن الشيخ التجاني قد وضع التمر في فمه فأصبح بذلك ملتزما بعدم الحرب، ولكنه لا يمنع من يرغب في الانضمام إليه (الدرقاوي). ونصل الآن إلى موقف التجانية من حركة الأمير، لقد استغل الفرنسيون موقف التجانية أشنع استغلال في كل حديث لهم عن هذه الطريقة

(1) لسنا غافلين هنا عن قيادة الحاج أحمد باي، وهو ليس من المرابطين ولا الصوفيين ولا العلماء.

ص: 196

وفي كل الظروف، فكلما ذكروا التجانية مجدوها في دعواهم، بأنها صاحبة الموقف المعادي للأمير والمؤيد لفرنسا، وهو الموقف الذي بقي ثابتا لا يتغير إلا نادرا، فانسحب موقف التجانية من الأمير في نظر الفرنسيين، على موقفها من كل الحركة الوطنية، ولعل هذا هو أسوأ أنواع الاستغلال لحدث من الأحداث.

لا شك أن الأمير قد جس نبض التجانية منذ توليه الإمارة سنة 1832. فقد اتصل بطرق صوفية أخرى وبشخصيات لعلها دون التجانية في المنزلة والأهمية، وقد عين خلفاءه ووزراءه ونحوهم من مختلف المرابطين ورجال الطرق الصوفية، ومن موظفي الدولة السابقة ومن العلماء، ولم يميز بين طريقة وطريقة أو بين فئة وفئة إلا بالعلم والكفاءة والالتزام للجهاد، فعين من الرحمانيين والدرقاويين والقادريين والشاذليين وراسل الشيخية، كما عرفنا، وراسل العربي بن عطية زعيم الشاذلية - الدرقاوية، ورسائل الأمير إلى هذا الشيخ تدل على احترام وتقدير كبير له، رغم تحفظ ابن عطية من الحرب، وقبل الأمير عذر الشيخية، فهل يكون قد أغفل الاتصال بالشيخ محمد الصغير التجاني في عين ماضي والحاج علي الينبوعي في تماسين؟ لا نظن ذلك (1). يقول رين: إن الأمير حاول أن يجلب التجانية إلى قيادته، منذ 1836 (وربما قبل ذلك). ولكنه فشل، ويؤكد بيان الأمير ورسائله أنه أجرى اتصالات مع محمد الصغير التجاني قبل هجوم 1838، وأنه لم يقم بذلك إلا عندما ثبت له خطر الاتصالات بين التجاني والفرنسيين (2). والرسالة نفسها تشير إلى تقدير الأمير للتجاني وظنه الخير فيه لأنه من أهل الدين

(1) نعرف أن الأمير قد أرسل كاتبه محمد الخروبي في مهمة إلى تقرت، وقد رافقه في رحلته ليون روش الفرنسي، ولا ندري هل شملت تماسين أيضا، انظر عن ذلك كتاب ليون روش (اثنان وثلاثون سنة في الإسلام).

(2)

انظر رسالة الأمير إلى ممثله في المغرب الحاج الطالب بن جلون، نصها وترجمتها، نشرها جورج ايفير تحت عنوان:(عبد القادر والمغرب) في (المجلة الإفريقية). 1919، ص 93 - 98.

ص: 197

والذين هم محل احترام عند الأمير.

ويذكر موجان في كتابه (تاريخ الأغواط) أن محمد الصغير التجاني كان قد بعث بخيول الطاعة إلى خليفة الأمير، الحاج العربي بن عيسى، وكذلك فعل الآغا جلول قائد جبل عمور، ويبدو أن الخليفة الحاج العربي بن عيسى هو الذي لم يحسن استغلال الفرصة، ولعله قد اكتشف ما يجعله يتصرف ذلك التصرف، فقد كان المعارض الحقيقي له هو أحمد بن سالم قائد الأغواط الذي رفض أن يفعل ما فعله الشيخ التجاني والآغا جلول، وكانت بين الحاج العربي وابن سالم خلافات محلية، ولما اقترب الخليفة الحاج العربي من الأغواط ومعه قطعة من الجيش النظامي، انضم إليه سكان الأغواط بكل صفوفهم، وكذلك أهل الأرباع الذين كان قائدهم هو ناصر بن شهرة، ولكن أحمد بن سالم قد هرب إلى صهره ابن شهرة، ثم خشي العاقبة فابتعد إلى بني يسقن في وادي ميزاب، ولو نجح الخليفة الحاج العربي في التعامل مع القادة المحليين، بمن فيهم شيخ عين ماضي، لقضى على سوء التفاهم الذي حصل بين الأمير وهذا الشيخ.

ومحتوى رسالة الأمير إلى ممثله بالمغرب أنه بعد أن أعاد تنظيم الأوضاع في الولايات الشرقية (حمزة ومجانة وسطيف

) وأصلح حالها وعين عليها الخلفاء والقواد، عزم على تنظيم الأوضاع في الجهة الجنوبية أيضا، ولما بلغ ذلك محمد الصغير التجاني كاتب الأمير طالبا منه عدم القدوم إلى (قصور الصحراء) وأن لا ينفذ رأيه في ذلك، وفي نفس الوقت شرع التجاني في الاستعداد للحرب، فجمع الخلفاء من مختلف النواحي وأدخلهم داخل بلدة عين ماضي، وفي رأي الأمير أن ذلك يعد تشويشا لأهالي الصحراء ومبادرة بالقتال من جانب التجاني، ومن جهة أخرى قالت رسالة الأمير أن مخابراته اكتشفت رسائل من التجاني إلى الحاكم العام الفرنسي (المارشال فاليه). وهذه الرسائل كانت بخط التجاني نفسه، وهو يقول فيها للقائد الفرنسي: اشغل أنت الأمير من جهة البحر وأنا سأشغله من جهة الصحراء، وقد كاتب التجاني أيضا أهل الأغواط، وادعى لهم، حسب

ص: 198

رسالة الأمير، أنه خليفة الله في أرضه، وكان الأمير قد خاب ظنه في التجاني بعد الاطلاع على رسائله وتصريحاته، فقد كان يعتبره من المرابطين، ويعامله معاملة أهل الخير (وأحد أعيان الوطن).

ويعتقد جورج ايفير Yver أن الأمير قد لجأ إلى هذا الأسلوب لكي يقنع السلطان عبد الرحمن بن هشام بخطأ موقف التجاني، ولكي يستعطف تعاون المغاربة معه، سيما إرسال الأسلحة والمعدات الحربية التي ذكرها الأمير في رسالته إلى ممثله ابن جلون، ومن المفيد أن نلاحظ أن الأمير كان يخطط للحرب ضد الفرنسيين بعد ذلك، فقد كشف في رسالته المذكورة أن هؤلاء كانوا يستعدون لاستئناف الحرب معه بعد أن احتلوا قسنطينة، وكان الصلح معه من أجل قضاء مآربهم، وكان الأمير مسرعا في تنظيم البلاد وتوحيدها قبل استئناف الحرب مع الفرنسيين، وقد قال عن العدو:(وما أخرنا عن عداوته (أي حربه) إلا جمع الحرج (الآلة العسكرية) والإقامة (المؤونة)) (1). وبناء على هذه الرؤية فإن إخضاع التجاني كان يدخل في توحيد البلاد والحصول على اعتراف الجميع بسلطة مركزية واحدة (2).

وكذلك يؤكد كلام (رين) إصرار التجاني والحاج علي التماسيني على عدم الانضمام إلى حركة الأمير، عن منطق وقناعة، إذ يقول إنهما كانا على يقين من أن الأمير سيفشل لا محالة في حربه ضد فرنسا وأنهما لن يجنيا شيئا منه حتى ولو نجح، لأن التل يقع بين يدي طرق صوفية أخرى أقدم من

(1) جورج ايفير، رسالة الأمير إلى ممثله بفاس، مرجع سابق، ص 98، وقد أرسل الأمير الرسالة بتاريخ 8 غشت 1838 أثناء حصاره لبلدة عين ماضي، وعن حلول الأمير بالناحية الشرقية (الونوغة) انظر بيربروجر (رحلة إلى معسكر الأمير). باريس.

(2)

يجب أن نتذكر بأن محمد الصغير التجاني قد فضل السلم على الحرب ضد العثمانيين قبل الاحتلال، خلافا لأخيه محمد الكبير الذي قتل في معسكر، وتذهب الروايات إلى أنه شخصية تفضل السلم على الحرب، ومما يثبت ذلك أنه لم يقد القتال بنفسه خلال حصار عين ماضي.

ص: 199

التجانية وأكثر تجذرا بين السكان، ورأيا أن التبعية للأمير غير مناسبة لهما، ولذلك رفضا الانضمام إليه رفضا رسميا (1). ولكن هذا التفسير يلقي الأضواء على رأي الفرنسيين عندئذ في العلاقات بين الطرق الصوفية أكثر مما رأى التجاني في سياسة الأمير.

ونفهم من كلام رين أن الرفض كان بسبب الهجوم على عين ماضي من قبل الأمير، ونحن لا نظن ذلك، لأسباب منها أنه لو التزم كل منهما (التجاني والتماسيني) الحياد الفعلي لما هاجم الأمير ربما، مقر التجانية، فقد سبق لطرق أخرى أن أعلنت الحياد، كالشيخية (وهي أكثر أهمية من حيث العدد والموقع من التجانية) والدرقاوية، ومع ذلك لم يهاجمهما الأمير، ومن جهة أخرى، نعلم أن مشيخة الطريقة التجانية عندئذ كانت في تماسين (الحاج علي) وليس في عين ماضي (محمد الصغير) الذي لم يأخذ هذه المشيخة إلا بعد وفاة الحاج علي سنة 1844، وكانت تبعية إخوان التجانية بالتالي لتماسين وليس لعين ماضي، فكان الأولى بالأمير والحالة هذه أن يهاجم تماسين، وكان يمكن لخليفته في الزيبان أن يقوم بذلك لو أصدر له الأمر، ولكن ذلك لم يحدث، فلم يبق إلا الموقف الذي أشرنا إليه وهو الاتصالات التي جرت بين الشيخ محمد الصغير التجاني والسلطات الفرنسية والتي تشير رسالة الأمير إلى أنه اكتشفها عن طريق مخابراته، وقد أكدت ذلك المراسلة التي دارت بين المارشال فاليه ومحمد الصغير التجاني.

ومع ذلك فمن حق الباحث أن يسأل: ماذا لو أن الأمير لم يهاجم عين ماضي، وهي بعيدة إلى ذلك الحين عن مراكزه وعن مراكز الفرنسيين معا ولم يكن قد انتقل بعد إلى تاكدمت أو اضطر إلى ترك المدن الداخلية كتلمسان ومعسكر ومليانة الخ؟ وكان الجزائريون ينضمون لحركة الجهاد بالغريزة وبالمجاورة وتبعا للمصالح المشتركة، فكيف نتصور أن (أحباب) التجانية في مناطق الأمير لم ينضموا إلى حركة الجهاد؟ وهل في استطاعة أي قائد،

(1) رين، مرجع سابق، ص 423 - 427.

ص: 200

روحي أو غيره، أن يمنع الناس من الجهاد عندئذ، حتى ولو كان محمد الصغير التجاني؟ إننا نعتقد أن حركة الجهاد الأولى قد ساهم فيها تقريبا كل الجزائريين، بقطع النظر عن رؤساء الطرق الصوفية أو الزعامات الأخرى، حقيقة أن الفرنسيين أخذوا ينوهون بالقيادات التجانية منذئذ، لأنها رفعت شعارا مثبطا لحركة الجهاد، وهو قولها: إن الله قد حكم وقدر للجزائر الآن أن تكون بيد الفرنسيين، وأن تحريرها متوقف على عامل الوقت، وهذا الوقت لم يحن بعد، ولن يحين ما دام الفرنسيون أقوياء، وبمعنى آخر إنهم (التجانية) رفعوا الشعار الآتي، وهو أن الاحتلال مكتوب ومقدر ولا فائدة من محاولة التخلص من المكتوب والمقدور ولأن ذلك ضد إرادة الله (1).

جرى إذن حصار الأمير لعين ماضي سنة 1838 أيام الهدنة بينه وبين الفرنسيين (معاهدة التافنة). وكان حصارا غير موفق، فبعد المسافة وحرارة الصيف، وانقطاع المؤونة، ومقاومة المحاصرين العنيدة، كلها أدت إلى النتيجة غير المتوقعة، وهي فرض الطاعة على الشيخ محمد الصغير التجاني وقطع الصلة بينه وبين الفرنسيين حتى لا يكون وسيلة للالتفاف على حركة الجهاد بعد ذلك، وكانت معاهدة التافنة تسمح للأمير بشراء السلاح من الفرنسيين ومن غيرهم، وزاد الطين بلة وجود الجاسوس ليون روش الذي كان يلعب دور المورط بين الأمير وشيخ عين ماضي، فالفرنسيون سيكونون هم الرابحين على كل حال، لأن فاليه كان يريد إغراء الأمير بتغيير بعض بنود معاهدة التافنة المتعلقة بالحدود الشرقية (وقد فتح المفاوضات فيما بعد مع المولود بن عراش في الجزائر أثناء رجوع ابن عراش من مقابلة الملك الفرنسي في باريس)(2). ولو ربح محمد الصغير التجاني المعركة لكانت

(1) نجد ذلك في كل تحرك فرنسي، إذ يستعملون النفوذ التجاني، مثل احتلال بسكرة والأغواط وتقرت ووادي سوف، ثم الهقار وغدامس، وغير ذلك.

(2)

انظر التحفظات التي كتبها فاليه ووقعها ابن عراش، دون موافقة الأمير، في عدة مصادر، منها حياة الأمير عبد القادر لتشرشل، ترجمة سعد الله، و (عبد القادر والجزائريون) لرفائيل دنزقر.

ص: 201

فرنسا قد كسبت أيضا لأن حركة الجهاد ستتصدع بوجود زعيم آخر منافس للأمير، وكانت نتيجة حصار عين ماضي معروفة، وهو الحصار الذي دام حوالي ثمانية أشهر وقد انتهى بالمفاوضة وليس بالسلاح، فقد أرسل الأمير صهره وخليفته مصطفى بن التهامي، وهو من رجال الدين والعلم والأدب، أرسله إلى محمد الصغير التجاني وعرض عليه إنهاء الحرب بالصلح.

رغم الحصار الطويل فإن نهايته كانت مثالا على المعاملة الطيبة في حالة الحرب، ودرسا في الاحترام اللازم للطرفين، فلم يكن هناك انتقام ولا تمثيل أو قتل أو حرق، لا ضرورة له، كما فعل الفرنسيون مع القرى والأشخاص المقاومين، فقد عامل الأمير (المرابط) التجاني وعائلته معاملة تليق به وأعطاه الوقت الكافي ليجمع شؤونه، وكذلك أعطاه لوازم الحمل والركوب، وأخذ كل ما يريد أخذه معه، ثم أمر الأمير بانسحاب الجيش من عين ماضي استجابة لطلب التجاني، وعندما أعلن التجاني عن نيته في التوجه إلى الأغواط طلب الأمير من أهلها إعداد منزل لائق للتجاني وعائلته، ومن جهة أخرى، أهداه محمد الصغير التجانى ما قيمته 30 ألف ريال (خمسة وخمسون ألف فرنك عندئذ) وملابس وعبيد وخيول، وربما كان هذا المبلغ نوعا من الضريبة الحربية، وأرسل التجاني ابنه إلى الأمير رهينة على رأس وفد من الأعيان، وهي عادة عربية قديمة في مثل هذه الظروف، وقد قبل الأمير شرط التجاني بالانسحاب إلى الأغواط مع أخذ عائلته معه وكل ما يريد، فأخذ التجاني، كما قيل، قافلة كاملة من الحاجات، وكذلك سمح له الأمير بعدة أيام جمع فيها أموره استعدادا للرحيل ووفر له ولعائلته وسائل النقل، مضيفا إليه بغلين وحصانين مجهزين غاية التجهيز، أحدهما، ليركبه الشيخ التجاني، وبطلب من التجاني ابتعد جيش الأمير إلى سيدي بوزيد شمال عين ماضي، وعندما خرج التجاني من أحد أبواب البلدة دخلها الأمير من باب آخر، وبقي فيها حوالي أسبوع، وتلقى فيها مبايعة أهلها وأهل النواحي الصحراوية، طبقا للعادة، وفي يوم 26 يناير 1839 رجع

ص: 202

الأمير إلى تاكدامت، وبعد عدة شهور رجع التجاني إلى عين ماضي (1).

ويمكن القول إن هجوم عين ماضي قد أضر بسمعة الأمير أيضا لأن طول الحصار قد بدا للناس وكأنه عجز عسكري من جانبه، كما أن طول غيابه عن شؤون الدولة الفتية، التي كان يريد تأسيسها في عهد الصلح مع الفرنسيين، قد جعل الأمور تسير ببطء، وهو ما لم يكن في الحسبان، فقد كان الأمير في سباق مع الزمن، لأنه كان متأكدا أن الفرنسيين سيعودون إلى حربه بعد الاستيلاء على قسنطينة (1837). فكان حصار عين ماضي مضيعة للوقت والجهد والسمعة، ولعل الفرنسيين هم الذين افتعلوا العداوة بين الأمير والتجاني ليستفيدوا منها في وقت لاحق، وهو ما حدث فعلا.

قلنا إن الفرنسيين استغلوا هذا الحادث لتوسيع الهوة بين التجانية وحركة الجهاد ليس فقط في عهد الأمير ولكن خلال عهد الاحتلال كله، وقلنا أيضا إن الفرنسيين سيكونون هم الرابحين من حصار عين ماضي لأنهم سيظهرون كأصدقاء للمنتصرين والمنهزمين معا، وإذا كان صلحهم مع الأمير قد انتهى بإعلان الحرب من جديد سنة 1839 فإن صداقتهم للتجانية في دعواهم قد دامت طيلة الاحتلال تقريبا، وقد كان الفرنسيون يعرفون أن التجانية لن يرتموا في أحضانهم كمسيحيين، بعد أن حاربوا العثمانيين ورفضوا طاعة الأمير، ولو فعلوا ذلك علنا، كما فعلت فئات وطرق أخرى، لانكشف سر الطريقة وانتهى نفوذها بين الناس، فكانت المعاملة حذرة من كلا الطرفين، فلا الطريقة التجانية تستطيع أن تجاهر بحبها لفرنسا ولا هذه

(1) انظر العقيد تروميلي، المجلة الإفريقية، 1877، ص 336 - 338، و (تحفة الزائر). ج 1/ 196، وليون روش (اثنان وثلاثون سنة

) 1/ 327، وقد تضمن الاتفاق أن يدفع التجاني تكاليف الحصار، ولكن له الحق في نقل منقولاته جميعا والبقاء أربعين يوما، ويتحدث روش عن كون المدافع التي وصلت للأمير كانت من السلطان عبد الرحمن (سلطان المغرب) وليس من المارشال فاليه، أما هذا فقد كان وعد الأمير لإرسال 400 قذيفة، بناء على معاهدة التافنة.

ص: 203

تريد منها أن تفعل ذلك، خشية العذال والشامتين والحاسدين، إنه الغزل العذري فقط وليس الزواج!.

يقول (رين): لا يمكن لمحمد الصغير التجاني ولا الحاج علي أن يكونا نصيرين للمسيحيين بعد الأتراك، لكنهما تابعا الاحتلال الفرنسي بانتباه، وعرفا أن المسلمين عليهم أن يقبلوا الاحتلال إلى أن يأتي وقت آخر، ما دام الفرنسيون يتركونهم ي عبد ون ربهم ويعتمدون على العدالة والمساواة الفرنسيتين، لقد كانا ينظران إلى مؤسساتنا نظرة تعاطف، وقد اتخذنا نحن منهما موقفا واضحا منذ 1840 (أي منذ إعلان الحرب الطاحنة ضد حركة الجهاد بقيادة الأمير علي يد فاليه ثم بوجو). ذلك أن محمد الصغير التجاني قد عرض على فاليه دعمه الروحي والمادي ضد الأمير (1). من هنا بدأت (1840) الصلة بين التجانية والفرنسيين، وهذه اللغة التي يعلن عنها (رين) ستتكرر في الوثائق الفرنسية، سنجدها عند كل من عالج موضوع الطرق الصوفية ومواقفها من الاحتلال، وعند السياسيين أيضا أمثال جول كامبون، الحاكم العام في تأبينه (سنة 1897) للشيخ أحمد التجاني نجل محمد الصغير، وأمثال روجي ليونار R. Leonard الحاكم العام الآخر سنة 1952، كما سنرى، ولذلك قلنا إن هذه الصلة قد استغلت عن حق أو عن باطل، أبشع استغلال، وإذا كان قادة التجانية يعلمون ذلك، فإن الأتباع كانوا يجهلون هذه الصلة التي اتصلت منذ 1840 والتي كان من الممكن أن تنقطع لو أعلن أحد الطرفين الهجران والتخلص من هذا (الغزل)(2).

ولعلنا أطلنا في هذا المدخل عن علاقة التجانية بأحداث البلاد منذ الاحتلال إلى حوالي 1840، فقد كان من الممكن أن يدخل حصار عين ماضي التاريخ ويهمش كما دخل التاريخ وهمش حادث الدوائر والزمالة،

(1) رين، مرجع سابق، ص 427، توجد رسائل التجاني إلى المارشال فاليه في (مراسلات فاليه). خمسة أجزاء، الجزائر.

(2)

وقد نوه عدد آخر من الكتاب والعسكريين بدور محمد العيد التماسيني، مثل هنري دو فيرييه، وبدور محمد العروسي، مثل الضابط فورو.

ص: 204