المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تجربة المجالس القضائية ومراسيمها - تاريخ الجزائر الثقافي - جـ ٤

[أبو القاسم سعد الله]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الرابع

- ‌الفصل الأولالطرق الصوفية (1)

- ‌خطة هذا الفصل والذي يليه

- ‌مصطلحات وتعاريف

- ‌الطرق الصوفية والمقاومة الشعبية

- ‌الطريقة القادرية

- ‌العمارية/ القادرية

- ‌الطريقة الشاذلية

- ‌الزروقية واليوسفية

- ‌الطريقة العيساوية

- ‌الطريقة الحنصالية

- ‌الكرزازية (الأحمدية) والزيانية

- ‌الطريقة الطيبية

- ‌الطريقة الشيخية

- ‌الطريقة الدرقاوية

- ‌الطريقة الهبرية

- ‌ الطريقة المدنية

- ‌ الطريقة العليوية

- ‌الطريقة الرحمانية

- ‌الفصل الثانيالطرق الصوفية (2)

- ‌الطريقة التجانية

- ‌أ - عموميات:

- ‌ب - فرع عين ماضي:

- ‌ج - فرعا تماسين وقمار:

- ‌تعاليم وأوراد التجانية وموقفها من فرنسا وتركيا سنة 1914

- ‌الطريقة السنوسية/ الطكوكية

- ‌الطكوكية

- ‌البوعلية

- ‌الشابية:

- ‌البكائية:

- ‌المكاحلية (الرماة):

- ‌الناصرية:

- ‌طرق أخرى:

- ‌في ميزاب ومتليلي:

- ‌تمويل الزوايا

- ‌إحصاءات الطرق والزوايا

- ‌1 - الشاذلية:

- ‌2 - القادرية:

- ‌3 - الرحمانية:

- ‌4 - التجانية:

- ‌5 - الطيبية:

- ‌6 - الحنصالية:

- ‌7 - العيساوية:

- ‌8 - العمارية:

- ‌9 - الزروقية:

- ‌10 - السنوسية:

- ‌11 - الناصرية:

- ‌12 - الدرقاوية:

- ‌13 - المدنية:

- ‌14 - الزيانية:

- ‌15 - الكرزازية:

- ‌16 - المكاحلية:

- ‌17 - الشيخية:

- ‌18 - اليوسفية:

- ‌19 - الشابية:

- ‌20 - جمعية ابن نحال:

- ‌الطرق الصوفية والسياسة

- ‌توظيف الطرق الصوفية وتدجينها

- ‌الفصل الثالثالسلك الديني والقضائي

- ‌مدخل

- ‌الهيئة الدينية

- ‌رجال الدين والسياسة

- ‌تصنيف المساجد وموظفيها

- ‌شؤون الحج

- ‌إجحاف في حق الدين ورجاله

- ‌مدخل إلى السلك القضائي

- ‌بداية التدخل في القضاء الإسلامي

- ‌تجربة المجالس القضائية ومراسيمها

- ‌المكي بن باديس والعرائض

- ‌(مؤامرة) القضاة ومسألة التجنسوالزواج المختلط

- ‌الهجوم على القضاة وبعض خصائصهم

- ‌نماذج من القضاة

- ‌قضية تدوين الفقه الإسلامي

الفصل: ‌تجربة المجالس القضائية ومراسيمها

كان يتبع وزارة الحرب، أما القضاء الفرنسي فكان يتبع وزارة العدل.

منذ 1851 كانت وزارة الحرب التي تتبعها الجزائر إداريا، تحضر لتغيير آخر يخص القضاء الإسلامي، لقد أطلقوا عليه مشروع ضبط الكفاءات والاختصاصات والاستئناف والرقابة وإدارة المحاكم الإسلامية، وكانت هناك لجنة استشارية تتولى دراسة هذا الموضوع (1). فالقضاء الإسلامي ما يزال مزغجا للسلطات الفرنسية وهو وسيلة غير آمنة إذا ما تركت في أيدي غير فرنسية، وتصادفت دراسة مشروع إعادة النظر في القضاء الإسلامي مع إنشاء المدارس الشرعية - الفرنسية الثلاث، وكذلك مع إنشاء بعض المدارس الابتدائية التي سميت بالعربية - الفرنسية، وكانت الجمهورية الثانية برئاسة لويس نابليون الذي سيقوم بالانقلاب في ديسمبر 1852، ويحول النظام من جمهوري إلى اجمبراطوري، ويصبح هو نابليون الثالث، فنحن إذن سندخل فترة الخمسينات مع مرحلة جديدة في دور القضاء الإسلامي (2).

‌تجربة المجالس القضائية ومراسيمها

ولا ندري إن كان تغيير النظام السياسي في فرنسا قد أدى إلى تأخير المشروع المشار إليه حول القضاء، ذلك أن المرسوم الخاص بذلك التغيير لم يصدر إلا سنة 1854، وفي هذه الأثناء كان الحاكم العام في الجزائر هو المارشال راندون الذي عهد إليه باستكمال (رسالة) بوجو في (التهدئة)، ففي أكتوبر من السنة المذكورة (1854). صدر مرسوم تنظيم القضاء الإسلامي، وقد نص على ما يلي: إنشاء مجلس فقهي - وقد كان موجودأمن قبل، ولكن أعيد إليه الاعتبار، ومنحه صلاحية محكمة الاستئناف، وقد كان ذلك معمولا به أيضا قبل ذلك، دون أن يحمل نفس التسمية، ولعل الجديد في الموضوع هو (استقلالية) القضاء الإسلامي بعد أن كان القضاة ملزمن بتقديم سجلاتهم

(1) السجل (طابلو)، سنة 1850 - 1852، ص 185.

(2)

عن التدخل في شؤون القضاء الإسلامي ومحاولات دمجه في القضاء الفرنسي منذ 1834، انظر آجرون (الجزائريون) 1/ 201 وهنا وهناك.

ص: 435

إلى الوكيل العام أو وكيل الجمهورية أو قاضي الصلح للتأشيرة عليها، والجديد أيضا هو إلغاء الاستئناف إلى المحكمة الفرنسية العليا، وبمقتضى ذلك المرسوم أيضا أصبحت الجزائر مقسمة إلى مناطق قضائية في كل منطقة محكمة، لها قاض ومساعدان، أما المنطقة التي ينشأ فيها (مجلس). فإن المجلس يتألف من رجال الدين والقضاء (هيئة العلماء قديما) وهم المفتيان والقاضيان (المالكي والحنفي) والمساعدان، وتنظر المحاكم الإسلامية الجديدة - وكذلك المجالس - في الشؤون المدنية والتجارية (المعاملات) وغيرها مما هو ليس خطيرا كالجنايات أو ما يدخل في مسؤوليات القضاء الفرنسي، وكان تعيين القضاة من صلاحيات الحاكم العام، وكانوا جميعا يخضعون لرقابة إدارية مشددة (1). ويرى بعض الكتاب أن هذه (الإصلاحات) سارت في طريق السرعة والمجانية، ولكنه يعترف بأنها فصلت بين النوعين من القضاء: الإسلامي والفرنسي إذ أنشأت دائرة الاستئناف الإسلامية بدل الاستئناف في المحكمة الفرنسية (2). وسنرى أن عمر هذه الإصلاحات كان قصيرا.

أنشئت إذن محاكم القضاة والمجالس القضائية، وكنموذج لأحد المجالس يحدثنا باحث فحص موضوع القضاء بدقة، عن مجلس مدينة معسكر بين 1854 - 1856، كانت هذه المدينة كغيرها من معظم المدن الجزائرية محكومة بالجهاز العسكري المعروف بالمكب العربي وتحت إشراف ضابط فرنسي، وكان عدد سكانها سنة 1855 قد بلغ 75000 نسمة، وهو رقم يدل إذا صح، على نموها السريع، بعد أن عانت من حريق كلوزيل 1835، وهجرة أهلها منها سواء إلى تاكدمت أو في الزمالة أو إلى المغرب الأقصى، وقد احتلها الفرنسيون سنة 1842، وكونوا فيها المكتب العربي لإدارتها وعينوا فيه أحد القضاة، وقد صادر الفرنسيون الأرض التي غاب عنها أهلها وعينوا على مختلف القبائل والأعراش قيادا وباشغوات تابعين لهم في

(1) بلقاسمي، رسالة ماجستير، ص 87.

(2)

جاكلين بايلي Baylè (عندما أصبحت الجزائر فرنسية). ص 46.

ص: 436

الظاهر، وكان المرابطون ورجال الدين الذين خدموا الأمير عبد القادر وبايعوه تحت الشجرة، (شجرة الدردارة) ما تزال منهم بقايا ونفوذ، وتألف، مع المرسوم الجديد (1854). مجلس ضم قاضي المكتب العربي وفقراء المرابطين بالناحية. وكان المجلس ينظر في عدة قضايا منها الأرض، وكان الأعضاء أنفسهم يملكون الأرض، كما كان المجلس ينظر في أمور المنازعات وغيرها من القضايا المحلية. وكان المجلس أيضا يعطي رأيه حتى في الأمور السياسية.

ورأى الباحث المشار إليه أن دور المجلس أخذ يضعف بالتدرج لسيطرة المكتب العربي على مقاليد الأمور ولأن الفرنسيين كانوا هم الذين يصدرون الأحكام في القضايا الجنائية، وكانت أحكامهم تتراوح بين المقصلة والسجن، ولهم محاكمهم الخاصة بذلك وسجونهم، ومع ذلك فإن الاعتبارات المعنوية والدينية ظلت محفوظة عند أعضاء المجلس، معتبرين أنفسهم كأنهم هم الذين بايعوا الأمير سنة 1842، أو ورثتهم .. وتظهر أهمية دور المرابطين في نظر الباحث مراعاة الأنساب والألقاب عند المناداة وتسجيل الوثائق: مثلا: المشارفة، وعائلة سيدي دحو، وأولاد أحمد بن كلي، كما أن هناك ألقابا في الوثائق مثل فلان البركة، وسيدي فلان، وعبارة فلان رضي الله عنه، أما الناس العاديون فلا يضاف إليهم لقب كالذي ذكرنا. وفي دراسة لسجل المجلس المذكور بمعسكر وجد هذا الباحث أن الأحباس (الأوقاف) قليلة ولم يشر إليها السجل بالمرة، وإنما تذكر المصادر الفرنسية أنهم وجدوا حوالي 200 هكتار تابعة لزاوية القيطنة، والمعروف أن السلطات الفرنسية قد وضعت يدها على جميع الأوقاف منذ 1844 على المستوى الوطني، أما أرض الملك، والتي كانت على الشياع، فقد كانت موجودة، وهي غير قابلة للبيع والتوزيع لأنها ملك للعائلة أو القبيلة كلها، وإذا قسمت فإنها تقسم طبقا لأحكام الشريعة (1).

(1) كريستلو، (المحاكم الإسلامية)، مرجع سابق، ص 55 - 56، ذكر هذا المصدر أن الوثائق الفرنسية تذكر أنه لا توجد أراضي حبس (وقف) في وهران ولا سيدي =

ص: 437

كان رئيس مجلس معسكر الفقهي هو الشيخ الطاهر بن عمر، قاضي المكتب العربي، وهو من عائلة مرابطين من الحياينة بنواحي برج معسكر. وكانت تركيبة المجلس تضم صغار القيمة وكبارها، والصغار هنا هم الذين توظفوا لملء الفراغ وحاجة الفرنسيين إليهم، ومنهم القضاة والعدول والشهود، وهم يعملون تحت المظلة الفرنسية، فلهم نفوذ وسلطة، أما الكبار فهم أولئك الجيل من الفقهاء والمرابطين الذين سبق لهم العمل في دولة الأمير ونضجوا في المقاومة السياسية، ولكن الظروف جعلتهم يدخلون المجلس أيضا، وكانوا في الواقع يشمكلون (المعارضة) الصامتة، وكانوا بدون نفوذ، ولكن الصغار أو الجدد كانوا لا يستغنون عنهم ويستشيرونهم في مختلف القضايا، ويسمونهم بأسماء التبجيل والاحترام، ومن هؤلاء محمد بن معاشو الذي عمل مع الأمير عبد القادر، ثم دخل المجلس قاضيا في عهد الفرنسيين، ولكن هؤلاء اتهموه بالتواطؤ مع صديقه وقريبه محمد بن جلال الدرقاوي سنة 1854، ونفوه إلى جزيرة سانت مرغريت بعد تجريده من القضاء (1).

وقد عاش مجلس معسكر، كغيره من المجالس، هجوم المستوطنين (الكولون) عليه باعتباره تحت حماية العسكريين، سيما بعد حادثة (دوانو) في تلمسان سنة 1856، وكان الطاهر بن عمر من ضحايا هذا الهجوم أيضا إثر فضيحة 1858، فقد جرد من القضاء ومن عضوية المجلس، وكان ما يزال في الأربعينات من عمره، وظل اسمه مختفيا إلى سنة 1866 حين تولى القضاء ثانية ولكن لفترة قصيرة - سنة واحدة - ثم اختفى مرة أخرى ولم يعرف له خبر، وقد انتهى مجلس معسكر كغيره من المجالس سنة 1859، كما سنرى.

= بلعباس، ولا معسكر، منذ قانون 1844، ولا يوجد من أراضي الحبس إلا القليل في تلمسان ومستغانم.

(1)

نفس المصدر، ص 60.

ص: 438

وكان كاتب مجلس معسكر عندئذ هو السيد الطاهر بن محمد المحفوظي، وهو من أسرة دينية معسكرية، وكان عمه وخاله كلاهما تولى القضاء في العهد العثماني الأخير، وكان الطاهر شابا عند الاحتلال الفرنسي لأنه من مواليد 1817، ومنذ البداية هرب إلى وهران حيث كان يتمركز الفرنسيون وربط مصيره بقاضي وهران عندئذ محمد بلقايد، وكان بلقايد هذا من نخبة المخزن الذين اعتمد عليهم الفرنسيون، وليس من نخبة العلماء والمرابطين الذين اعتمد عليهم الأمير، وهكذا وجد الطاهر المحفوظي نفسه في الصف المعادي للأمير، سيما بعد تحالف الزمالة والدوائر مع الفرنسيين منذ سنة 1835، ومنذ 1842 ارتبط المحفوظي بالفرنسيين ووظائفهم، فتولى وعمره 25 سنة، الكتابة لحاكم تلمسان بعد احتلالها في السنة المذكورة (1842). وبقي كذلك إلى 1846 حين أصبح مفتيا لتلمسان، ثم تولى بعد استقالته أو إقالته، قضاء التركات في معسكر، وفي سنة 1853 أصبح المحفوظي كاتبا للمجلس بمعسكر أيضا، وهي الوظيفة التي حافظ عليها بعد تنظيم 1854، ويبدو أنه قد ربط مصيره أيضا مع القاضي محمد بلقايد، الذي كان يعتبر عدوا للأمير، فقد سافرا معا (بلقايد والمحفوظي) إلى معرض باريس الدولي سنة 1855، وفي سجل مجلس معسكر أخبار هامة عن اأحمحفوظي، وكان قد زار قسنطينة سنة 1278 (1).

(1) كريستلو (المحاكم) مرجع سابق، ص 58 - 59، وكذلك كريستلو (السلالة الشريفة والشؤون الدينية في معسكر ..) في (مجلة دراسات الشرق الأوسط) المجلد 12، الجزء 2، سبتمبر 1980، ص 144، وذكر هذا المصدر أنه توجد أخبار عن الطاهر المحفوظي في أرشيف وزارة الحربية (لأن المكاتب العربية كانت تابعة لها)، المتصرف العسكري بمرسيليا، ديسمبر 1855 (6 H 17). وكذلك في سجل المكتب العربي بمعسكر سنوات 1853 - 1856، ووثائق وهران وتلمسان (1851) 55 J 1. كما ذكر كريستلو أن الأب بارجيس Barges ترك انطباعا عن المحفوظي حوالي 1846، في رحلته إلى تلمسان المسماة (ذكريات رحلة إلى تلمسان) باريس 1859، الفصل العاشر، أما عن زيارة المحفوظي إلى قسنطينة فانظر مخطوط محمود بن الشاذلي، وقد ذكر أنه زار المدرسة الكتانية واجتمع به وسماه (العالم الأديب).

ص: 439

وبناء على المرسوم المذكور (أكتوبر 1854) أصدر وزير الحربية في 27 أبريل 1855 قرارا بإنشاء المجلس الفقهي في الجزائر ليكون هو محكمة الاستئناف الإسلامية، وقد ضم عناصر من بقايا العلماء المخضرمين، وهم:

الاسم

العضوية

ملاحظات

1 -

بلقاسم بن البزغتي (1)

رئيس المجلس

قاضي المكتب العربي بام السنام (الأصنام)

2 -

حسن بن بريهمات (2)

كاتب المجلس

قاضي المكتب العربي بالبليدة

3 -

حميدة بن العمالي

عضو

قاضي المالكية بالعاصمة (قبل توليه الفتوى)

4 -

الطاهربن غراس

عضو

مدرس بمدرسة تلمسان الشرعية - الفرنسية

5 -

أحمدبن عياد

عضو

قاضي المكتب العربي بتلمسان

6 -

محمدالعياشي بن برنو

عضو

مفتي مستغانم

7 -

الحاج أحمد بن البارك (3)

عضو

مؤلف ومدرس بمدرسة قسنطينة الشرعية - الفرنسية.

8 -

الكي البليدي (4)(كذا)

عضو

مدرس بمدرسة قسنطينة الشرعية - الفرنسية.

ونلاحظ أن أغلبية الأعضاء من قضاة المكاتب العربية وهم أربعة، ويأتي بعدهم المدرسون في المدارس الشرعية - الفرنسية، سيما تلمسان وقسنطينة، وهم ثلاثة، ثم مفتيان، ونلاحظ غياب المدرسين من مدرسة الجزائر، عدا ابن بريهمات، ومن الغريب عدم وجود اسم الشيخ محمد الشاذلي ضمن التشكياة، فقد سبق له أن كان قاضيا في المكتب العربي بقسنطينة عدة سنوات، ثم أصبح مديرا لمدرسة هذه المدينة منذ إنشائها، وكان يجمع بين القضاء والتدريس والإدارة.

كان المقر الرسمي للمجلس الفقهي هو، الجامع الكبير بالعاصمة، وقد

(1) أصله من العاصمة، وانتقل إلى مجاجة، ربما في عهد الأمير، ويكتب أبو القاسم، وقد خلفه ابنه مصطفى، انظر لاحقا.

(2)

انظر ترجمتنا له لاحقا.

(3)

انظر ترجمتنا له، في فصل التاريخ.

(4)

كذا وجدناه، وهو ربما الشيخ المكي البوطالبي.

ص: 440

عقد أول دوراته في 25 غشت 1855 (1). وكانت صلاحيات هذا المجلس تنحصر في مراقبة سير المجالس المحلية المشابهة وقضايا محاكم القضاة في مختلف الدوائر.

لم يلبث الفرنسيون أن تراجعوا عن تجربة المجالس القضائية والمحاكم الإسلامية والمجلس الفقهي الاستئنافي، فقد تبينوا أن ذلك كان خطأ منهم، وأنه لا يخدم مصالحهم التي تقتضي جعل كل شيء في الجزائر تابعا لهم وليس مستقلا عنهم، فقد تبينوا أن التجربة ترجع بالقضاء الإسلامي إلى استقلاليته الأولى، واستقلال القضاء يعني الكثير، سيما وأن معظم القضاة كانوا من المتعلمين ذوي الأصول المرابطية والعلمية المتنفذة في البلاد، وبعضهم كان قد تولى القضاء في دولة الأمير وله تكوين سياسي واضح، وقد شن المستوطنون حملة ضد المجالس واستقلال القضاء الإسلامي ونافى وا بضرورة وضعه تحت القضاء الفرنسي، ونددوا بالعسكريين الذين كانوا في نظرهم يحمون القضاة المسلمين، وكان للتجربة الإدارية والجديدة أيضا دخل في هذا التغيير في المحاكم والمجالس الإسلامية، فقد ألغيت وظيفة الحاكم العام في الجزائر لأول مرة سنة 1858، وأنشئت في فرنسا وزارة الجزائر والمستعمرات، ودامت هذه التجربة سنتين فقط، ثم عادت وظيفة الحاكم العام، وخلال ذلك التغيير قدم الوزير شاسلو - لوبا تقريرا سنة 1859 انتقد فيه بشدة إنشاء المجلس الاستئنافي الإسلامي والمجالس القضائية الإسلامية، وكان ذلك صدى لنقد المستوطنين الذي ذكرناه، كما وقعت عدة (فضائح) بين 1856 - 1858 ينسبها المدنيون إلى المكاتب العربية العسكرية التي كانت تتعامل مع القضاة المسلمين.

وهكذا اجتمعت كل العناصر على إلغاء تجربة المجلس الفقهي الاستئنافي وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل تنظيم 1854 بشأن القضاء الإسلامي، فقد أصبحت المجالس لا تقرر شيئا وإنما تعطي رأيها فقط، فهي

(1) رسالة الباحث إبراهيم الونيسي.

ص: 441

مجالس استشارية، وكان على المسلمين أن يستأنفوا أحكامهم أمام المحاكم الفرنسية، وأن يخضعوا لما يخضع إليه الفرنسيون من إجراءات وتدقيق وترجمة وحقوق الدفاع وتولية المحامين، رغم بطء هذه المحاكم وتعقيداتها وغلاء تكاليفها مما لم يتعود عليه المسلمون، وكان يكلفهم مالا ووقتا للانتظار، وكثيرا ما ضاعت حقوقهم في تلاعب المترجمين والمحامين والقضاة الفرنسيين، وقد صدر بذلك مرسوم في 31 ديسمبر 1859 (1) تصادف أيضا مع استرجاع منصب الحاكم العام في الجزائر الذي تولاه المارشال ببليسييه سنة 1860.

ورغم إلغاء مرسوم 1859 تحت ضغط الكولون، فإن زيارة نابليون للجزائر، ولا سيما الزيارة الثانية سنة 1865، قد كشفت له أن القضاء الإسلامي قد جرد من محتواه وأن التقاضي أمام المحاكم الفرنسية كان مكلفا للجزائريين، ووصلت شكاوى كثيرة وتذمرات إلى المكاتب العربية من القضاة وغيرهم، ومن تلك الشكاوى أن القضاة الفرنسيين لا يعرفون العربية، وأنهم يجبرون المرأة المسلمة على الظهور أمامهم سافرة، فكان الاتجاه نحو إنشاء اللجنة المعروفة باسم (لجنة قاستنبيد) سنة 1865، كان رئيسها يوجين قاستنبيد، عضوا في مجلس الدولة ومستشارا في محكمة الاستئناف بباريس، ومن أعضاء اللجنة بيري، الذي كان قد صاغ مرسوم 1859، وهو رئيس محكمة الاستئناف بالجزائر، ومنهم أيضا دي كليري المدعى العام، بالإضافة إلى إسماعيل عربان (توماس أوربان) الذي كان عندئذ مستشارا للمحاكم في الشؤون الأهلية، والعقيد قريزلي رئيس المكتب السياسي، وكان سابقا من رجال المكاتب العربية.

(1) ترجم مرسوم 1859 إلى العربية من قبل لجنة عينتها السلطة الفرنسية وتتألف من رجال الدين والعلماء الآتية أسماؤهم: حسن بن بريهمات، وحميدة العمالي، وأحمد المدوي، ومحمد بن مصطفى، وابن الحاج موسى، وانتهى ذلك في 21 مارس 1860 ونشرته (المبشر) في عدد 15 يونيو/ جوان 1860، انظر أيضا: آجرون (الجزائريون) 1/ 204 - 205.

ص: 442

ومن الجزائريين الذين شاركوا في هذه اللجنة: حسن بن بريهمات، والمكي بن باديس، وحمزة بن رحال، والطيب بن المختار، ومحمد السعيد بن علي الشريف، والعياشي بن بورنو، وسليمان بن صيام، ومحمد بن زغودة، ومحمد بن الحاج محمد، ومن هؤلاء رجال علم وقضاء، أمثال بريهمات وابن باديس وابن بورنو وابن زغودة وابن الحاج محمد وابن المختار، ومنهم رجال سياسة وتصوف وسلطان، مثل: ابن رحال وابن علي الشريف وابن صيام، وكان ابن المختار من أقرباء الأمير، وابن علي الشريف اعتبره الفرنسيون من المنافسين للشيخ الحداد زعيم الطريقة الرحمانية، وقد غاب عن هذه اللجنة الحاج محمد المقراني من الشخصيات المعتبرة عندئذ، ولكن كريستلو يقول إن المقارني كان ممثلا من قبل قريبين له، وهما ابن زغودة وابن الحاج محمد.

وقد دار النقاش في اللجنة حول المجالس القضائية، فكان المسلمون يطالبون بإعادة الاعتبار إليها كما كانت قبل 1853، لأنها في نظرهم تضمن حقوق القاضي وتوفر للمتخاصمين شروط التقاضي طبقا للشريعة الإسلامية، وتوقع السيد كريستلو، في غياب محضر اللجنة، أن المكي بن باديس قد تولى الدفاع عن المجالس القضائية بقوة، كما توقع أن يكون بيري قد عارضها لأنها ضد مبدأ الاندماج الذي قام عليه الاحتلال، وكانت النتيجة هي صدور توصيات اللجنة التي تضمنها مرسوم 12/ 1866.

والتوصيات هي التالية:

1 -

تعيين مجالس استشارية فقط، بدل المجالس ذات السيادة التي طالب بها الأعضاء المسلمون.

2 -

إنشاء غرف خاصة بالمسلمين في كل محكمة (فرنسية).

3 -

منح المعاونين (أساسور) المسلمين صوتا تداوليا فقط، رغم أن عددهم أقل من عدد القضاة الفرنسيين.

4 -

إنشاء (مجلس أعلى للفقه الإسلامي) مهمته إعطاء الرأي في

ص: 443

المسائل العويصة التي تعرض على محكمة الاستئناف الفرنسية والمحاكم الفرنسية عموما، ورأي هذا المجلس استشاري فقط.

5 -

تصنيف القضاة المسلمين إلى ثلاث طبقات وتحديد أجور كل طبقة.

6 -

تخفيض عدد الدوائر القضائية للتخلص من القضاة القدماء والسماح للقضاة الأكفاء بالدخول في هيئة القضاء.

7 -

اختيار القضاة عن طريق الامتحان (المسابقة)(1).

هذه هي التوصيات التي توصلت إليها لجنة قاستنبيد، وخلاصتها واضحة، وهي تجريد القاضي المسلم من صلاحياته، وتجريد المجالس القضائية (الفقهية) من سيادتها، ودمج القضاء الإسلامي في القضاء الفرنسي، والتخلص من إطار القضاة القدماء الذين لهم صلة بالمقاومة، وإدخال عناصر جديدة نشأت في عهد الاحتلال (والسلام) الفرنسي، وتخفيض عدد الدوائر القضائية أي التقليل من عدد القضاة المسلمين والتوسع في نشر المحاكم الفرنسية، ويمكن أن نضيف إلى ذلك، التوجه نحو نزع استقلالية القضاة وجعلهم يدخلون في تيار البروقراطية الإدارية الفرنسية عن طريق الأجور والامتحان والطبقية، بالإضافة إلى جعلهم تابعين للقضاء الفرنسي، في ثوب مستشارين ومعاونين.

ولعل ما يلفت النظر في قرارات اللجنة هو إجراء المسابقة لاختيار القضاة والسماح لرجال الزوايا بالترشح إليها، وقد لمحان اختيار القضاة من قبل يتم غالبا عن طريق التعيين من بين خريجي المدارس الشرعية الفرنسية، وقد أظهرت التجربة الجديدة أن رجال الزوايا كانوا أقوى تكوينا من رجال المدارس الثلاث. وسنكر بعض الإحصاءات، ويذهب السيد كريستلو إلى أن المكي بن باديس هو الذي كان وراء الاقتراح بإجراء المسابقة وترشح رجال الزوايا لها، وكان ابن باديس لا يرتاح لرجال المدارس الفرنسية، ربما لسيطرة

(1) كريستلو (المحاكم). ص 185، وآجرون (الجزائريون) 1/ 205.

ص: 444

التأثير الفرنسي عليها أو لضعف معلميها، ومع ذلك فإن مشاركة رجال الزوايا لم تدم سوى حوالي عقد من الزمان ثم ألغيت عند إصلاح نظام المدارس الثلاث في آخر السبعينات من القرن الماضي، وقد يكون ذلك راجعا إلى الخوف من تأثير الزوايا والطرق الصوفية التي بدأ اتهامها على نطاق واسع بأنها متآمرة مع الخارج، كما أن الإصلاح المذكور يعني وضع المدارس الثلاث تحت إدارة المستشرقين الفرنسيين وإدخال الثقافة الفرنسية فيها بشكل مكثف.

أول امتحان (مسابقة) جرى في نوفمبر سنة 1869، ورغم صعوبة المواصلات فقد جاء المترشحون من كل صوب، وكانت التجربة جديدة على المتعلمين الجزائريين، وكان عليهم أن يعتمدوا على الجدارة فقط دون تدخل الأصدقاء الفرنسيين والأعيان الجزائريين، وأن يلتقوا في مراكز محددة، وأن يظهروا علمهم وأدبهم، وأن يخوضوا في حديث الدين والسياسة والأدب واللغة في فرصة لم تتح لهم من قبل، وكان المترشحون، كما قلنا من أبناء المدارس الثلاث ومن أبناء الزوايا، وكانت المراكز هي: وهران والعاصمة وقسنطينة، وكان عدد المترشحين قد بلغ 252 لكل الوظائف، وهي القاضي، والباش عدل والعدل، وقد نجح منهم مائة، وكانت لجان الامتحان تتألف من مسلمين وفرنسيين، وكان التنافس على أشده، ولذلك كانت النتيجة ملفتة للنظر، فقد حصلت الزوايا على ثلاثة أرباع الوظائف، وعلى نصف وظائف الباش عدل والعدل، وكان الناجحون، حسب الجدول الذي نشرته جريدة المبشر، كمايلي:

1 -

الناجحون في وظيف القاضي:

ولاية الجزائر

7 كلهم من الزوايا

ولاية وهران

18 منهم 14 من الزوايا (4 من المدرسة الشرعية - الفرنسية)

ولاية قسنطينة

17 منهم 11 من الزوايا (6 من المدرسة الشرعية - الفرنسية)

الجملة: 42 قاضيا منهم 15 فقط من المدرسة.

2 -

الناجحون في وظيف الباش عدل والعدل:

ولاية الجزائر

11 منهم 5 من الزوايا و 6 من المدرسة

ص: 445

ولاية وهران

16 منهم 8 من الزوايا و 8 من المدرسة

ولاية قسنطينة

31 منهم 15 من الزوايا و 16 من المدرسة (1)

الجملة: 58 باش عدل وعدل.

وكان الامتحان يجري سنويا في مكان ووقت تحددهما لجنة الامتحان التي هي لجنة ثمانية في كل ولاية من الولايات الثلاث، ورئيس كل لجنة يجب أن يكون فرنسيا وكذلك نائبه ثم المقرر للجنة، أما الأعضاء فهم كما يلي: مدرسون فرنسيون من مدرسة اللغة العربية (2). ورؤساء المكاتب العربية، وترجمان، بالإضافة إلى ثلاثة فقهاء من المسلمين، أي أن الأعضاء المسلمين كانوا يمثلون ثلاثة من ثمانية في كل لجنة، وعلى مدراء المدارس الشرعية - الفرنسية الحضور عند اللجان ليشهدوا ما إذا كان المترشحون قد درسوا عندهم (3).

والامتحان كتابي وشفوي، وإذا رسب المترشح في الأول فلا يسمح له بدخول الثاني، وعلى كل لجنة أن تسأل المترشح إذا كان يعرف الفرنسية أو يكتب بها، والامتحان الكتابي يتمثل في كتابة إنشاء حول أصحاب الشريعة الإسلامية، والشفوي أسئلة في مسائل الفقه المالية والبدنية وترتيب المحاكم الشرعية، ثم القراءة من كتاب مطبوع أو مخطوط، وإعراب بعض الكلمات، وكذلك أسئلة في الحساب والجغرافية وغيرها من المعارف العامة، ومما يذكر أنه يحق للمترشح أن يكون من الدارسين في الزوايا أيضا، واشترط في المترشح لوظيف القضاء ألا يقل عمره عن 27 سنة، ولوظيف باش عدل عن 25 سنة، ولوظيف عدل عن 22 سنة.

(1) المبشر 17 مارس، 1870، وكذلك كريستلو (المحاكم). ص 188.

(2)

إلى ذلك الحين كانت المدارس الرسمية الثلاث لا تخضع مباشرة لإدارة فرنسية، ولكن تلقى فيها دروس باللغة الفرنسية والتاريخ والجغرافية الفرنسية، كما كانت مدرسة عربية - فرنسية أخرى تسمى (الكوليج) في العاصمة وقسنطينة، ولا ندري المقصود من النص (مدرسة اللغة العربيقا الوارد في شان أعضاء اللجان.

(3)

كان مدراء المدارس الثلاث إلى ذلك الحين عربا.

ص: 446

وتقول (المبشر) وهي الجريدة الرسمية، ان مرسوم نابليون سنة 1866 قد عدل من مواد مرسوم 1859 أيضا وأبطل عددا منها وعوضها بمواد أخرى معدلة، من ذلك أن الشريعة الإسلامية تبقى معمولا بها في أنحاء القطر سواء بين المسلمين أو بينهم وبين الأجانب، في جميع المعاملات وغيرها، ولكن إذا أراد المتنازعان بالتراضي رفع القضية إلى المحاكم الفرنسية فإن الحكم سيصدر طبقا للشريعة الإسلامية، لأن المعاون المسلم هو الذي سينفذ الحكم الذي يصدره قاضي الصلح الفرنسي (جوج دي بي). أما إجراءات الاستئناف فتخضع للقوانين الفرنسية، وتكون محكمة الاستئناف أيضا مختلطة، تمشيأ مع سياسة الاندماج.

ومن جهة أخرى، نص تنظيم 1866 على اختلاط غرف الاستئناف أمام المحاكم الفرنسية، وكان الجزائريون في المناطق المدنية مخيرين بين الاستئناف وعد [

] ام المحاكم الفرنسية، ذلك أن القانون الجديد قد نص، كما ذكرنا، على إنشاء غرفة خاصة في كل محكمة استئناف، تضم قضاة فرنسيين ومعاونين مسلمين للنظر في القضايا المستأنفة، وهذه الطريقة جعلت من القضاة المسلمين تابعين لقضاة الصلح الفرنسيين ومنفذين لأحكامهم، كما ذكرنا، وأصبح الاستئناف ممكنا في الولايات الثلاث بعد إنشاء محكمة فرعية له في كل من وهران وقسنطينة، بالإضافة إلى المحكمة العليا بالعاصمة، وكانت المبشر تسمى هذه (بالمحكمة السلطانية). ترجمة لعبارة المحكمة الامبريالية.

ولكي تتم الحلقة أنشأ المرسوم الجديد (1866) مجلسا إسلاميا جديدا، يضم خمسة أشخاص، ولكن مهمتهم استشارية فقط، وقد سمي (بالمجلس الأعلى للفقه الإسلامي). وهو اسم ضخم ولكن بدون فعالية، ومكان هذا المجلس هو محكمة الاستئناف وليس الجامع الكبير، مما يدل على انتقال السيادة الدينية والقضائية إلى المحاكم الفرنسية، وكان المجلس الجديد ينظر في القضايا الشرعية المحولة عليه من القضاة الفرنسيين. وإذا

ص: 447

أصدر رأيه فإنه يصبح نافذا، فهو مجلس، في الواقع، للفتوى الجماعية، وترى السيدة جاكلين بايلي أن هذا المجلس كان محكمة عليا حقيقية موازية للقضاء الفرنسي، ولكن الوضع في الحقيقة غير ذلك.

وفي مرسوم 1866 بنود تتعلق برواتب القضاة المسلمين سنويا، وهي على ثلاثة أصناف، كما نص على أن الحاكم العام هو الذي يعين القاضي ونائبه، وأن كل محكمة يكون فيها قاض ونائب أو نائب وعدل، وكان على القاضي المسلم أن يحلف اليمين التالية:(أقسم بالله أمام عباده، ووثوقا بأمانة نفسي وصدقها، أن أحفظ عهد سلطان فرنسا (نابليون). وأقوم بحقوق وظيفي قيام ذوي العدل والإنصاف) (1). وهي صيغة من الواضح أنها مترجمة عن الفرنسية.

وبناء على المرسوم المذكور صدرت تسمية أعضاء المجلس الأعلى الفقهي الجديد الذي تسميه المبشر (المجمع الفقهي). ونظرأ لمكانة هذا المجلس، رغم أنه استشاري، فإن تسمية أعضائه قد صدرت بمرسوم أيضا، وكل أعضاء المجلس جدد إلا حسن بن بريهمات، وهذه هي القائمة:

الاسم

الوظيفة المشغولة

ملاحظات

1 -

حسن بن بريهمات

مدير مدرسة الجزائر الشرعية - الفرنسية

سبق أن كان كاتبا في المجلس الذي أنشئ سنة 1854، وهومن العاصمة.

2 -

الشيخ ابن الدين

رئيس مجلس الأغواط سابقا

غير مشهور

3 -

الحاج محمد بن عبد الله الزقاي

مدرس بمدرسة تلمسان الشرعية - الفرنسية

من خريجي الأزهر

4 -

الصديق بن عربية

رئيس مجلس مليانة

من عائلة تولت القضاء

5 -

محمد الخبزاوي

(دون ذكر وظيفة له)

شغل وظيفة قاضي في سيدي بلعباس

6 -

يوسف بن عربية

عدل بالمجلس (مليانة؟)

من عائلة الصديق بن عربية

(1) المبشر، 18 ابريل 1867، ويحتوي هذا العدد على نصوص المرسوم كاملة - وكذلك انظر بلقاسمي، رسالة ماجستير، ص 87، والمدني، (كتاب الجزائر). وبايلي (عندما أصبحت ..) مرجع سابق، ص 47.

ص: 448

ونلاحظ عدم وجود أي عضو في هذا المجلس من قسنطينة، وفيه عضوان من عائلة واحدة - ابن عربية - كما يدل اللقب، ولا نعرف الكثير عن مؤهلات ابن الدين (1).

ومن جهة أخرى، صدرت في المبشر قائمة بأسماء القضاة المتبقين واخرين جدد، في مختلف نواحي الجزائر: العاصمة، وتلمسان، وقسنطينة، وعنابة، وسطيف، وسكيكدة، ووهران، وقالمة، ومستغانم، الخ. لقد كان الفرنسيون في حاجة إلى هذا الإطار الديني - القضائي لتمرير أحكامهم في الجزائر أكثر من حاجتهم إلى الأئمة والمدرسين، ومن هؤلاء القضاة من كان صاحب سمعة عائلية وماض شريف، ومنهم الموظفون الجدد خريجو المدرسة الشرعية - الفرنسية أو الذين يحاولون التسلق على أكتاف الفرنسيين، ومن الذين ذكرتهم (المبشر):

1 -

الشيخ أحمد بو قندورة، الذي ثبت في منصبه كمساعد (أساسور Assesseur) بالمحكمة العليا الفرنسية بالعاصمة، وقد تولى بوقندورة وظائف عديدة ولعب أدوارا ملونة ووصل إلى الفتوى وطال عهده فيها، وهو الذي لقيه الشيخ محمد بيرم حوالي سنة 1877 ودخل منزله (القصر)(2). وقد تولى ابنه الفتوى من بعده، وهي وظيفة شرفية كما عرفنا، يمنحها الفرنسيون لمن يرضون عنه من القضاة والأئمة.

2 -

الحاج أحمد بن المبارك المعروف بالعطار، وقد كان عضوا في المجلس الفقهي لسنة 1854، ومدرسا بمدرسة قسنطينة، وكان صديقا لشيربونو، ولعب أيضا أدوارا ملونة في الإدارة الفرنسية، وسماه المرسوم

(1) لا ندري إن كان هو صاحب الرحلة التي ترجمناها في كتابنا (أبحاث وآراء) ج 2، والظاهر أنه أحد أفراد عائلته لتقادم السنين، وأسرة ابن الدين معروفة في ناحية الأغواط والونشريس، وقد تولت وظائف رسمية للفرنسيين، ونفس الاسم موجود في أولاد سيدي الشيخ، وتولى أحدهم باسم ابن الدين، اغا جبل عمور، وكان متزوجا من فرنسية.

(2)

انظر عنه أيضا فصل التعليم في المدارس القرآنية.

ص: 449

الجديد عضوا في محكمة قسنطينية الفرنسية الاستئنافية الجديدة.

3 -

الشيخ الحبيب بن البخاري الذي سمي بمحكمة وهران الاستئنافية الجديدة، وقد ذكرت الجريدة أن الشيخ الحبيب هذا كان طالبا (مدرسا) في تلمسان، وطال عهده في القضاء إذ وجدناه سنة 1894 ما يزال متوليا وظيفة معاون (أساسور) في نفس محكمة وهران، كما ذكره ألفريد بيل سنة 1905 بأنه عين مدرسا في جامع وهران الكبير وعمره اذاك 75 سنة، ثم ذكره في تقريره عن المدرسين سنة 1908، واقترح عزله وتعويضه في التدريس والاكتفاء براتبه من وظيفة المعاون في المحكمة التي ظل يحتفظ بها (1).

4 -

مصطفى بن أحمد غياطو، قاضي المالكية في الوقت، وكذلك محمد بن مصطفى القاضي الحنفي، كلاهما سمي في محكمة الجزائر التي أصبحت كغيرها محكمة مختلطة.

وكان أول اجتماع للمجلس الفقهي الجديد هو يوم الاثنين 14 أكتوبر، 1867 وأثناءه قدم المترجم العسكري (بليستروس) صيغة حلف اليمين للأعضاء فأدوها كما هي، وهي نفس الصيغة التي ذكرناها من قبل (2). وبعد سنتين وجدنا اسما جديدا أضيف إلى قائمة المجلس الفقهي، وهو الشيخ محمد الشريف الصفصافي (3).

وقد وقع التوسع في توظيف القضاة، بل ظهرت الحاجة إلى المزيد من التوظيف منهم رغم طمس دورهم في الواقع، وهكذا فإن جملة القضاة أصبحت 184، سنة 1867، ولا يمكن ذكر أسمائهم جميعا هنا، فقد وزعوا على مختلف المحاكم في الولايات الثلاث (باستثناء الجنوب وزواوة

(1) انظر (فصل التعليم في المدارس القرآنية).

(2)

عن المرسوم الجديد والأعضاء واليمين انظر: المبشر، 29 غشت، 1867، وعدد 24 أكتوبر، 1867 أيضا، انظر كذلك أعداد 27 يونيو، و 11 يوليو، 1867.

(3)

المبشر، 4 ما رس، 1869.

ص: 450

ميزاب). وونلاحظ أن كل قاض كان معه باش عدل وعدل، وأحيانا أربعة عدول، ونحن هنا لا يعنينا إلا القضاة رغم أن القاعدة تقول إنه إذا غاب القاضي ناب عنه الباش عدل، أو النائب:

الجزائر: مصطفى بن غياطو، ومحمد بن مصطفى، القاضي المالكي والحنفي على التوالي.

متيجة (الفحص): الحاج محمد بن زغودة.

سور الغزلان: محمد بن الحاج حسن.

دلس: أحمد بن محمد بن جعدون، من عائلة القاضي أحمد بن جعدون الذي تولى 1834 القضاء بالعاصمة، وكان الباش عدل في دلس هو علي بن عبد الرحمن (1).

تنس: إبراهيم بن ملزي، من عائلة تولت القضاء للأمير عبد القادر في شرشال.

مليانة: علي بن الحاج موسى، من عائلة علمية ودينية في العاصمة.

وقد تخلى بعد ذلك عن القضاء واشتغل بوكالة ضريح الشيخ الثعالبي، وله مؤلفات سنعرض إليها.

البليدة: محمد بن محمد الشريف، قد يكون من عائلة الشريف الزهار، صاحب زاوية الشرفة بالعاصمة.

القليعة: عبد الرحمن بن شعوة.

شرشال: محمد بن عاشور.

المدية: محمد بن ميلود.

وقد أضيف إلى مدينة الجزائر أيضا حمام ملوان، وبوزقزة، وأبو كرام.

وبنو وطاس، ومجموع قضاة ولاية الجزائر (66) ستة وستون قاضيا، بخلاف الباش عدول والعدول، بينما مجموع قضاة ولاية وهران (47) قاضيا

(1) قد يكون هو علي بن عبد الرحمن الذي أصبح مفتيا في وهران مدة طويلة، وكان من شيوخ التجانية، انظر عنه فصل التعليم بالمدارس القرآنية. وقد يكون شخصا آخر.

ص: 451

دون الباش عدول والعدول، ونذكر منهم في:

وهران: محمد بن مصطفى باشا، ولا ندري ما علاقته بعائلة الداي مصطفى باشا، وفي أوائل هذا القرن كان أحد المدرسين بهذا الاسم في العاصمة (انظر فصل التعليم).

مستغانم: ابن عودة بن عبد الحليم.

معسكر: محمد بوراس، وهو حفيد الشيخ بوراس المؤرخ.

تلمسان: أحمد بن العنتري (أضيف إليه أبي إزار الكبير؟). وعائلة ابن العنتري من مليانة. وهي غير عائلة العنتري القسنطينية.

أما جملة قضاة ولاية قسنطينة فحوالي (71) واحد وسبعون، وهم موزعون على مختلف المدن والمراكز، ومنهم في:

قسنطينة: محمد بن عزوز، وقد ذكر معه المكي بن باديس (الجد الأعلى للشيخ عبد الحميد) على أنه قاضي الفحص بوادي العثمانية.

عنابة: قدور بن تركية.

سكيكدة: محمد بن الحاج محمد.

جيجل: عبد الله بوجمعة (1).

وأعمال المجلس غير واضحة، ويمكن أن نقول إنها تافهة، فهو فقط يجيب على ما يطلب منه من قبل المحاكم، وقلما تطلب هي ذلك إذ أصبحت هي المتولية الفعلية لمحاكمة المسلمين في مختلف النوازل، مثلا في 1869 وجدنا فتوى أصدرها المجلس بعدم شرعية حمل امرأة من زوجها الأول المتوفى، لأنها ادعت بعده أنها حامل، ثم بعد ستة أشهر ادعت أنها كاذبة، ثم وضعت حملا بعد تسعة أشهر، وقد اعتمدت المحكمة على رأي المجلس، مثل هذه القضايا كان يكفي فيها حكم القاضي المسلم دون الرجوع إلى تعاريج المحاكم الفرنسية وفتوى المجلمس الفقهي، ولكن الفرنسيين كانوا يريدون تاكيد سيادتهم على الشريعة الإسلامية، عن طريق دمج القوانين

(1) عن المبشر أعداد 11، 18، 25 يوليو، 1867.

ص: 452

واختلاط القضاة، ونحو ذلك من الإجراءات التعسفية (1).

وقد بدأ الحديث منذ الستينات عن توحيد المصطلحات القضائية أيضا. فقد ذكرنا أن لجنة من العلماء المسلمين قد ترجمت إلى العربية مرسوم 1859، وانتهت منه سنة 1860، وقد نشر في المبشر، وبعد أن أصبح القضاء مندمجا ومختلطا احتيج إلى توحيد المصطلحات، فظهرت وثيقة تسمى (تحرير الأصول، وتيسير الوصول، فيما على القضاة والعدول). ولا شك أن الترجمة هنا كانت من الفرنسية إلى العربية أيضا، فمهمة القضاة المسلمين هي تطبيق المصطلحات الفرنسية المعربة عند تنفيذ أحكامهم، ولم يكن العكس صحيحا إلا في بعض الحالات مثل ترجمة مختصر الشيخ خليل إلى الفرنسية في الخمسينات على يد الدكتور (بيرون). وقد احتاجه القضاة الفرنسيون بعد أن أصبحوا يحكمون في القضايا الإسلامية أيضا، ولكنهم اشتكوا من صعوبة عباراته.

وكان قد شرع في محاولة توحيد المصطلحات القضائية منذ 1865. فقد أنشأ الحاكم العام، ماكماهون، لجنة لدراسة توحيد مصطلحات التوثيق في المحاكم، وتولى لوتورنو (2) رئاسة هذه الهيئة، وكان أيضا هو رئيس المحكمة العليا بالجزائر، وفي اللجنة فرنسيون مطلعون على الشريعة الإسلامية بالإضافة إلى أعضاء المجلس الفقهي المذكورين، وقد توصلت اللجنة إلى مجموعة من المصطلحات اتفق على بداية تنفيذها منذ يناير 1870 بالنسبة لجميع القضاة، وهذه المصطلحات هي التي أطلق عليها عنوان (تحرير الأصول

) كما ذكرنا، ومن أبواب هذا العمل:

1 -

في المتداعين والوكلاء.

2 -

أسباب الحكم.

3 -

صيغة الحكم.

(1) المبشر، 4 ما رس، 1869.

(2)

هو الذي اشترك مع هانوتو في كتاب (بلاد القبائل). في ثلاثة أجزاء.

ص: 453

4 -

في المقال والجواب.

5 -

في الرسوم المحتج بها.

6 -

في اليمين.

7 -

خروج القاضي والعدول للوقوف على المتنازع فيه.

8 -

البينات (وهو فصل طويل).

9 -

خاتمة.

ومما ورد في الخاتمة (يتعين على القضاة والعدول العمل بمقتضى هذه الأصول (القواعد) مع صور الأحكام الموجهة إليهم التي هي في الحقيقة أمثلة لهذه الأصول، وكذا العمل بصور الرسوم التي اشتمل عليها كتاب - جامع الرسوم - المطبوع بتاريخ 15 يناير، 1865، الواصل إليهم قبل هذا .. وحسب الواقف منهم عليها (أي الرسوم أو الأصول) أن يعمل بها ولا يتعداها، ومن خالف يوشك أن تحل به العقوبة الشديدة) (1).

وكان يحلو للفرنسيين إيجاد الفوارق الاصطناعية بين السكان، وهم لا يستطيعون العيش بدون خلق الاختلافات بين الناس، وميدان القضاء، كميدان التعليم والإدارة والدين الخ، من الميادين التي برع فيها الفرنسيون في التفريق بين منطقة وأخرى في الجزائر رغم أن الإسلام واحد فيها جميعا، فقد قسموا البلاد أولا إلى مناطق مدنية وأخرى عسكرية، وهذا تقسيم إداري قسوه على حجمهم هم، أي حيث يكونون بكثرة أو قلة أو غير موجودين أصلا. ومع أن زواوة (القبائل) تقع ضمن ما سمي بالنظام المدني، فقد اعتبرت منطقة خاصة في إجراءات القضاء، فكان الحكم فيها للعرف لا لمحاكم الشريعة الإسلامية، وبقيت (الجماعة) فيها هي التي تسير شؤون كل قرية أو دشرة تحت نفوذ الإدارة الفرنسية، وقد دام ذلك من احتلال زواوة سنة 1857 إلى ثورة 1871.

(1) المبشر أول ابريل 1869، وهذه التوصيات (الأصول) منشورة في عددين متواليين من الجريدة وبحروف صغيرة، وأما كتاب (جامع الرسوم) فلم نطلع عليه، ويبدو أنه كان قد وزع على القضاة ليهتدوا به قبل (تحرير الأصول).

ص: 454

ومن جهة أخركما، فإن الفرنسيين قد أطلقوا عبارة النظام العسكري على المناطق الجنوبية، وهي تسمية فضفاضة لأن ما كان عسكريا في الجنوب أصبح مدنيا بالتدرج وتابعا للشمال مع تقدم السنوات وتوسع الحكم المدني الخاضع لمنطق الفرنسيين الإداري، وهكذا فإن أجزاء كثيرة من التل والهضاب العليا كان يطلق عليها مناطق عسكرية ثم أدمجت في الإدارة المدنية، سيما بعد 1871، وكانت منطقة ميزاب ضمن الجنوب ومع ذلك اعتبرها الفرنسيون وحدة قضائية لأنها، تتبع المذهب الإباضي، كما أن بني ميزاب كانوا (محمية) فرنسية من 1853 إلى 1882. وكان اتفاق الحماية قد اعترف لهم بإجراء الشريعة الإسلامية على ما كانوا عليه وعلى اتباع تقاليدهم ومجالسهم المحلية، ولكن الأمر لم يبق كذلك بعد احتلال المنطقة سنة 1882، ومع ذلك بقي القضاء هناك تبعا للمذهب الإباضي.

وقد أصبح أنموذج (تحرير الأصول) الذي حررته لجنة لوتورنو المذكورة، هو المتبع في المدارس والامتحانات، إنه محاولة لتوحيد المصطلحات، كما قلنا، وقد أوصت تلك اللجنة بالابتعاد في الفقه عن كل ما يتعلق بالعبادات والرق، لأن ذلك غير موافق (لشرائعنا) أي القوانين الفرنسية، كما أوصت بالابتعاد عن الحدود التي حجرت على القضاة، وأنواع الغرامات، ومن ثمة فالذي سيكون محل اهتمام المدرسين والمترشحين في مسائل الفقه هو المسائل المالية والبدنية، وهي ميدان اشتغال القضاة في أحكامهم، وتذكر المبشر أن اللجنة التزمت، مع ذلك، بأبواب الفقه كما وردت في مختصر الشيخ خليل حتى لا يقع إشكال على المدرسين في التعليم لو تغيرت قواعده (1).

ولكن كثيرا من التغير حدث في ميدان القضاء الإسلامي بعد سقوط نابليون الثالث وبداية عهد الجمهورية الثالثة، وحدوث ثورة 1871.

(1) المبشر، 19 غشت، 1869.

ص: 455

فقد كان ذلك مرحلة أخرى من مراحل العلاقات الجزائرية - الفرنسية في القضاء وفي التعليم وفي الأرض وغيرها، وإذا كانت الأربعين سنة السابقة قد تميزت بالاحتلال العسكري والعنف المادي والمواجهات، فإن المرحلة الجديدة قد تميزت بالاحتلال المدني وفرض القوانين الفرنسية والدمج القسري لشؤون الجزائر في مختلف المرافق الفرنسية، ومن ذلك القضاء الإسلامي، وسنسوق هنا بعض ما حدث من تغيير في هذا المجال، رغم أن عهد الستينات كان أيضا عهد الاستحواذ الذكي على صلاحيات القضاة المسلمين، كما رأينا:

1 -

افتتحت الجمهورية الثالثة، المدنية، بقيادة الحاكم العام ديقيدون، عهدها بمصادرة الأرض الواقعة في منطقة ثورة 1871 ونصب المحاكم العسكرية، وفتح السجون أمام الثوار، وكانت المحاكمات تجري في مدينة قسنطينة، ولكن المستوطنين قد نصبوا محاكمهم الخاصة، وقد صدرت أحكام الإعدام والنفي والمصادرة والتغريم والسجن بالآلاف (1).

2 -

منذ 29 غشت 1874 تغيرت السياسة القضائية في زواوة، فلم يعد القضاة هم الذين يصدرون الأحكام بين الأهالي هناك، ولا الجماعة ولا المرابطون (المصلحون)، بل أصبح قضاة الصلح (جوج دي بي) الفرنسيون هم الذين يقومون بذلك، وتماديأ في المس بالدين الإسلامي ترك الفرنسيون الحرية للمتقاضي، إما أن يختار الحكم حسب العرف القبلي أو حسب الشريعة الإسلامية، ولكن هذا الاختيار كان مؤقتا فقط، إذ أن قرار 17 ابريل سنة 1889 قد أجبر أهل زواوة على التحاكم أمام المحاكم الفرنسية فقط ولو كانوا خارج منطقتهم، فأحوالهم المدنية من زواج وطلاق وتركات كلها يجب أن تجري أمام قاضي الصلح الفرنسي، وقد قاوم الأهالي ذلك وتمسكوا بالشريعة الإسلامية، رغم بقاء العرف سائدأ في عدم توريث المرأة.

(1) انظر لويس رين، (تمرد 1871). وكذلك يحيى بوعزيز (دور عائلتي المقراني والحداد في ثورة 1871).

ص: 456

3 -

أدخلت الجمهورية الثالثة أيضا نظام المحلفين بمرسوم 28 أكتوبر 1870، وهو نظام غير مألوف في القضاء الإسلامي، وكان المحلفون في الجزائر يتألفون من المستوطنين الفرنسيين الحاقدين على الجزائريين لمقاومتهم العنيدة للاحتلال ومصادرة الأرض، فوجد المستوطنون الفرصة للانتقام عن طريق نظام المحدفين الجديد، ولا سيما فيما يتعلق بانتزاع ما بقي من الأراضي وقمع الثورات، وبعد تجنسهم بالجنسية الفرنسية أصبح اليهود أيضا من المحلفين، ولذلك نظر الجزائريون إلى نظام المحلفين على أنه يعني حكم المستوطنين فيهم وسيطرتهم على مقاليد البلاد بدل الحكومة الفرنسية، وقد أكثر المحلفون من إصدار الأحكام ضد الأهالي، ففي سنة 1872 أصدروا الحكم ضد 620 شخصا، والحكم بالإعدام على 71 نتيجة حرائق الغابات، ويقول آجرون: إن الكولون (وفيهم اليهود) أرادوا أن يكونوا هم القضاة، وكانوا يحكمون حتى على الرؤساء الأهالي، وكانت فظاعة هذه الأحكام هي التي أدت إلى عنف المقاومة (1).

4 -

وكان قانون الأرض لسنة 1873 الذي سارع بإنجاز قانون 1863 الخاص بإنشاء الملكية الفردية في الأرض، قد أدى إلى تقليص مسؤولية القاضي المسلم في الأحكام الخاصة بالأرض، فقد ألغى قانون 1873 حق القضاة المسلمين في النظر في مسائل الملكية (2). إضافة إلى قانون سنة 1874 الخاص بزواوة والذي يكرس القضاء في يد القاضي الفرنسي فقط، وزاد الطين بلة صدور قانون 1875 الذي ألغي مجالس القضاء التي أنشئت سنة 1866، والتي اعتبرت من مخلفات عهد المملكة العربية (عهد نابليون الثالث) كما ألغي بنفس القانون (المجلس الفقهي). رغم أنه مجلس استشاري فقط، كما رأينا، وهكذا ظهرت الجمهورية الثالثة وهي تضرب بعنف كل رمز من رموز الهوية الجزائرية، ومنها القضاء الإسلامي (3). ومن

(1) بلقاسمي، رسالة ماجستير، وكذلك آجرون (تاريخ الجزائر المعاصر) 2/ 34.

(2)

المدني (كتاب الجزائر).

(3)

في نفس الفترة ألغيت المدرسة العربية - الفرنسية (الكوليج) في كل من العاصمة =

ص: 457

جهة أخرى نقص عدد القضاة نقصا كبيرا بعد أن أعطيت صلاحياتهم للقضاة الفرنسيين ولم تعد هناك حاجة لتوظيفهم.

5 -

أنشأ الفرنسيون قانون الأهالي الاستثنائي البغيض (كود دو لاندجينا) سنة 1871 وظلوا يدعمونه بقوانين إضافية إلى أن وصلت مواده إلى أكثر من 25 مادة، ومن ذلك محاكم الردع والسجن بدون محاكمة، والاعتقال بالشبهة، وإخفاء مكان السجين أو المعتقل، وتشمل مواده أيضا الضرب والتغريم والنفي والسجن وغيرها دون اللجوء إلى المحاكم والقضاة، فهو قانون استثنائي ولا يخضع إلى القانون الفرنسي ولا للشريعة الإسلامية، وقد وجد القضاة المسلمون أنفسهم وسط مأزق، من جهة كانوا يمثلون السلطة المتعسفة، ومن جهة أخرى كانوا يمثلون في أعين المواطنين سلطة القانون والشريعة، وبهذا الصدد أصدر الحاكم العام سنة 1879 قرارا بسجن (المشبوهين) الجزائريين في السجون العسكرية، وكانوا يعاملون فيها معاملة المجرمين، وعبارة (المشبوهين) مطاطة، فكل من لا ترضى عنه السلطات الفرنسية أو دارت حوله شبهة يمكن اعتقاله وسجنه، وقد صنف الأهالي إلى أصناف، حسب بطاقة معينة، فهم:

1 -

العائلات السياسية الكبيرة.

2 -

والأعيان الدينيون، مرابطون وغيرهم.

3 -

أناس لهم أهمية محلية.

4 -

من صدرت أحكام سابقة ضدهم.

5 -

المشبوهون، وهم الذين لا يدخلون في أي صنف من الأصناف الأربعة الأخرى.

لقد شهدت عشرية السبعينات والثمانينات قمعا وحشيا للحريات

= وقسنطينة، وألغيت المدارس الابتدائية المسماة بالعربية - الفرنسية، وعددها 36 مدرسة، وأعيد تنظيم المدارس الشرعية الثلاث بجعلها تحت السيطرة الفرنسية المباشرة وتغيير برنامجها، الخ.

ص: 458

والآراء الشخصية والمدنية، وكانت الإدارة تدعم هجمة المستوطنين في إلغاء رغبات الجزائريين ودفعهم إلى الهجرة أو إلى الصحراء والكبت الرهيب، وكانت وسيلتهم في ذلك هي المحاكم التي تولاها القضاة الفرنسيون فقط، ولم يبق فيها صوت للقضاة المسلمين، وكان هدف القضاة الفرنسيين الذين كانوا من المستوطنين أنفسهم، هو نزع الأسلحة من الجزائريين وتجريدهم من الأرض وقمعهم وإرهابهم بدعوى أنهم لصوص ومجرمون لا يفكرون إلا في النهب والثورة، ولذلك سنت المحاكم أيضا المسؤولية الجماعية في الدواوير، فالفرد وحده لا يعنيهم إذا ارتكبت جريمة أو وقع حريق، بل كل سكان المكان كلهم مسؤولون، وقد تضاعفت وسائل الضغط باستعمال كلمات خاصة ضد الجزائريين في المحاكم والصحف، مثل اللصوص، والقتلة والفلاقة، ولذلك زيد في عدد الشرطة والدرك والأعوان من هذا النوع كالجواسيس (1). وأمام ذلك وجد القضاة المسلمون أنفسهم عاجزين، وقد اعتدى الفرنسيون على اختصاصاتهم، كما نقص عددهم وانحطت قيمتهم. ولذلك ظهرت حركة احتجاج واسعة سنذكرها.

6 -

من اختراعات هذه الفترة أيضا تغيير الحالة المدنية، كان الجزائريون قبل عقد الثمانينات يدعون بأسماء آبائهم وأجدادهم، وينسب الإنسان إلى قبيلته أو عائلته أو عرشه، فيقال فلان بن فلان من أولاد كذا أو من بني فلان، والمرأة هي فلانة بنت فلان، الخ .. وفي هذا النظام تحافظ العائلات على أنسابها وتواصل أعقابها، وتعرف كل قبيلة مكانها وأصلها، ولو تفرقت فروعها وتباعدت، وتعرف كل طبقة مكانتها في المجتمع، فهناك الحضر والبرانية وأهل البادية أو العرب، وهناك أهل الصنائع والحرف والعلم والتجارة، أما الريف ففيه الأجواد (أو الذواودة في بعض المناطق). والمرابطون، والفلاحون، والجبالة، والبدو، والرحالة، وداخل هذا النسيج الاجتماعي هناك الأغنياء والفقراء والمتوسطون، وبين الجميع علاقات محددة تحفظ للمجتمع قيمه وأصوله وخصائصه.

(1) بلقاسمي، رسالة ماجستير، ص 90 - 93.

ص: 459

ولكن هذا النسيج قد تغير بعدة عوامل، من بينها المساس بالحالة المدنية والألقاب، فقد فرض الفرنسيون على كل عائلة أن تختار لقبا خاصا بها يحمله الأبناء والأحفاد على الطريقة الأوربية، ولم يكن الجزائريون واعين بأهمية وخلفية هذا التغيير إلا القليل منهم، فاختاروا لأنفسبهم وأولادهم ألقابا تبعدهم عن أصولهم وتنسيهم ماضيهم وانتماءهم وتفصلهم عن أقاربهم في الدم والنسب، وكان هدف الفرنسيين البعيد هو اقتلاع جذور المجتمع وقطع العلاقات مع الماضي العربي الإسلامي، وتحضير المجتمع للدمج في الغير، وهم الفرنسيون، وقد ذكر شارل روبير آجرون نمموذجا للمسخ الذي حدث بفرنسة الأسماء والأعلام في الجزائر: فهذه مريم بنت علي بن محمد بن موسى قد أصبحت ماري موسات (1) Mari Moussat، وقد كان على القضاة أن يسجلوا ذلك في السجلات وأن ينادوا الناس بالألقاب الجديدة الممسوخة، ولا حول لهم ولا قوة في القول إن ذلك مخالف لأصول المجتمع وقواعد الدين، وقد قاوم الجزائريون ذلك وظلوا ينادون بعضهم بأسمائهم الإسلامية في أغلب الأحيان.

7 -

وقد دخلت بعد ذلك مصطلحات جديدة في القضاء والمحاكم، وكلها تقريبا مصطلحات مترجمة عن الفرنسية ولا عهد للشريعة الإسلامية بها، فأصبح هناك: محاكم الجنايات، ومحاكم العرف، والمحاكم الابتدائية، ومحكمة النقض والإبرام، ومحكمة الجرائم، ومحكمة (دائرة) الاستئناف، والمجالس التأديبية، وغرفة الاتهام، والتشريع الكمي، والأحكام المستعجلة، ثم المحلفون، وأعوان الشرع، والمحامون، والمختصون في تقديم القضايا، وشهود المعاملات، والمترجمون الشرعيون، والمترجمون المحلفون، ثم التغريم المشترك أو الجماعي، وحجر الأملاك، بالإضافة إلى المحاكم العسكرية أو المجالس الحربية.

وبعد قرن (1930) من الاستعمار، كان عدد المحاكم الجنائية 4،

(1) بلقاسمي، رسالة ماجستير، ص 93 عن آجرون.

ص: 460

والمحاكم الابتدائية 17، ومحاكم قضاء الصلح العادية 17، ومحاكم قضاء الصلح ذات السلطات الواسعة 96، والمجالس العسكرية 14، ومحاكم تجارية 4، أما محكمة الاستئناف فواحدة بالعاصمة فقط، بالإضافة إلى مجالس عرفية عددها 15، وهي خاصة بأهل الحرف والصنائع، والإجرام على نوعين عند الفرنسيين، إذا كان المجرم أوربيا فيحاكم أمام محكمة الجنايات، وإذا كان جزائريا فإنه يحاكم أمام محكمة الجرائم (كريمينال). والمحاكم التجارية خاصة بالأوربيين فقط، أما بقية المحاكم فللجميع، لكن نلاحظ أنها محاكم فرنسية يتولاها قضاة فرنسيون ولا دخل فيها للقضاة المسلمين (1).

8 -

إن الضغط والهجوم على القضاء الإسلامي من قبل الفرنسيين جعل القضاة الجزائريين يتحركون، وسنتحدث هنا عن تحرك بعض الأفراد، ثم التحرك الجماعي أي المطالبة بتغيير الأوضاع، فالفرنسيون كانوا ينظرون إلى القضاء الإسلامي على أنه استمرار للذاتية (الهوية) العربية - الإسلامية للجزائر، لذلك كانوا يطالبون بإلغاء دور القضاة المسلمين الذين يعتبرونهم يمثلون النخبة التقليدية المرتبطة بالدين واللغة والعادات، كما كانوا ينظرون إليهم على أنهم عقبة في وجه تطبيق القوانين الفرنسية ودمج الجزائر في البوتقة الفرنسية.

قاوم الجزائريون ذلك بشتى الوسائل، وقد ظهر فيهم رجال من أمثال المكي بن باديس وابنه حميدة بن باديس، ومحمد بن رحال، ومحمد بن الحاج حمو، والسعيد بن شتاح، وأحمد بن الفاسي، وعلاوة بن ساسي، وصالح بن بوشناق.

إن هؤلاء وأمثالهم قد لعبوا دورا بارزا في رفض الدور الثانوي للقضاة المسلمين وفي رفض مسخ المجتمع عن طريق التجنس وتطبيق الحالة المدنية، وقد تعرض بعضهم للاضطهاد الشديد.

(1) المدني (كتاب الجزائر). والحديث هنا عن المصطلحات وأنواع المحاكم، كما أصبحت سنة 1930، وكلها تقريبا من اختراعات عهد الجمهورية الثالثة.

ص: 461