المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الرابع

- ‌الفصل الأولالطرق الصوفية (1)

- ‌خطة هذا الفصل والذي يليه

- ‌مصطلحات وتعاريف

- ‌الطرق الصوفية والمقاومة الشعبية

- ‌الطريقة القادرية

- ‌العمارية/ القادرية

- ‌الطريقة الشاذلية

- ‌الزروقية واليوسفية

- ‌الطريقة العيساوية

- ‌الطريقة الحنصالية

- ‌الكرزازية (الأحمدية) والزيانية

- ‌الطريقة الطيبية

- ‌الطريقة الشيخية

- ‌الطريقة الدرقاوية

- ‌الطريقة الهبرية

- ‌ الطريقة المدنية

- ‌ الطريقة العليوية

- ‌الطريقة الرحمانية

- ‌الفصل الثانيالطرق الصوفية (2)

- ‌الطريقة التجانية

- ‌أ - عموميات:

- ‌ب - فرع عين ماضي:

- ‌ج - فرعا تماسين وقمار:

- ‌تعاليم وأوراد التجانية وموقفها من فرنسا وتركيا سنة 1914

- ‌الطريقة السنوسية/ الطكوكية

- ‌الطكوكية

- ‌البوعلية

- ‌الشابية:

- ‌البكائية:

- ‌المكاحلية (الرماة):

- ‌الناصرية:

- ‌طرق أخرى:

- ‌في ميزاب ومتليلي:

- ‌تمويل الزوايا

- ‌إحصاءات الطرق والزوايا

- ‌1 - الشاذلية:

- ‌2 - القادرية:

- ‌3 - الرحمانية:

- ‌4 - التجانية:

- ‌5 - الطيبية:

- ‌6 - الحنصالية:

- ‌7 - العيساوية:

- ‌8 - العمارية:

- ‌9 - الزروقية:

- ‌10 - السنوسية:

- ‌11 - الناصرية:

- ‌12 - الدرقاوية:

- ‌13 - المدنية:

- ‌14 - الزيانية:

- ‌15 - الكرزازية:

- ‌16 - المكاحلية:

- ‌17 - الشيخية:

- ‌18 - اليوسفية:

- ‌19 - الشابية:

- ‌20 - جمعية ابن نحال:

- ‌الطرق الصوفية والسياسة

- ‌توظيف الطرق الصوفية وتدجينها

- ‌الفصل الثالثالسلك الديني والقضائي

- ‌مدخل

- ‌الهيئة الدينية

- ‌رجال الدين والسياسة

- ‌تصنيف المساجد وموظفيها

- ‌شؤون الحج

- ‌إجحاف في حق الدين ورجاله

- ‌مدخل إلى السلك القضائي

- ‌بداية التدخل في القضاء الإسلامي

- ‌تجربة المجالس القضائية ومراسيمها

- ‌المكي بن باديس والعرائض

- ‌(مؤامرة) القضاة ومسألة التجنسوالزواج المختلط

- ‌الهجوم على القضاة وبعض خصائصهم

- ‌نماذج من القضاة

- ‌قضية تدوين الفقه الإسلامي

الفصل: ‌ب - فرع عين ماضي:

وحادث المشور، وحادث موسى الدرقاوي، وحادث أبي معزة، لأنها جميعا كانت أحداثا متشابهة، ولكن لحاجة ما وقع تهميش كل هذه الأحداث بينما بقي حصار عين ماضي ينسف جمره كلما جاء ذكر الأمير والتجاني والفرنسيين، أليس في ذلك سر يحير الألباب غير الواعية للتاريخ؟.

‌ب - فرع عين ماضي:

ولنتابع الآن تطور الأحداث في عين ماضي وتماسين والعلاقة مع الفرنسيين، ثم نتناول أذكار الطريقة التجانية وإحصاء أتباعها ونحو ذلك، كما فعلنا مع الطرق الأخرى، رجع محمد الصغير التجاني إلى عين ماضي بعد بضعة أشهر ورممها ونشط الزاوية من جديد، ويقول أحد المصادر: إن الأمير قد أعاد إليه الرهائن وفيهم ولده وقدم إليه هدية واعتذر إليه (1). ومحمد الصغير من الشخصيات التي عركتها الأحداث إلى جانب ثقافته الدينية والصوفية، فقد ولد 1217 هـ في المغرب الأقصى، وحفظ هناك القرآن الكريم وأخذ مجموعة من العلوم والمعارف قبل وفاة والده سنة 1230، فكان عمره عندئذ حوالي ثلاث عشرة سنة، ثم رجع به الحاج علي التماسيني، مع أخيه، إلى الجزائر، وقد عرفنا أن الحاج علي هو وارث بركة الشيخ التجاني، فأبقى الولدين في عين ماضي إلى أن كبرا، وتعلما الفروسية أيضا، وقد رأينا أيضا طمع السلطات العثمانية في إخضاع بلدتهما ورد فعلهما بالهجوم على معسكر، فالذين يقولون إن التجانية طريقة غير محاربة عليهم أن يتذكروا هذه البداية على يد ابني الشيخ التجاني نفسه، وعند وفاة الحاج علي سنة 1844 ورث عنه محمد الصغير البركة التجانية، فأصبح هو شيخ الطريقة، وفي هذه الأثناء (1844) وقع احتلال بسكرة على يد الدوق دومال،

(1) مفتاح (أضواء). مخطوط.

ص: 205

فأشار الحاج علي، حسب المصادر الفرنسية، على أهل تلك الجهة بعدم التعرض للفرنسيين لأن إرادة الله شاءت ذلك، وفي نفس السنة جاء الجنرال (ماري مونج M. MONGE) إلى الأغواط فخضع له أحمد بن سالم، حاكمها ومقدم التجانية فيها، بنصيحة من شيخه محمد الصغير التجاني، فعين ماري مونج ابن سالم، خليفة على الأغواط باسم فرنسا.

وفي سنة 1844 ايضا جاء الفرنسيون لاحتلال الصحراء بعد حروبهم ضد الأمير والقضاء على الزمالة، نزل الجنرال ماري في 12 ديسمبر 1844 في تجمعوت فاستقبله أحمد بن سالم الأعواطي والأعيان، ولكن محمد الصغير التجاني لم يخرج إليه واكتفى بإرسال رسالة ووفد، ولما سأل الضابط الفرنسي عن ذلك قيل له إن الشيخ لا يخرج للملوك والحكام وأنه لم يقابل حتى الأمير عبد القادر بعد حصار عين ماضي لأنه لا يعترف بأي سلطة زمنية، وبدل أن يفرض عليه الجنرال الفرنسي الخروج جرب معه طريقة أخرى ليرى ما إذا كان صادقا في دعواه الإخلاص والأمن، فأرسل إليه فرقة عسكرية صغيرة من اثني عشر ضابطا على رأسهم العقيد سانطارنو، وكان الهدف هو التعرف على المدينة أيضا، كما أرسل معهم جنودا فرنسيين و 200 من الفرسان الموالين لأحمد بن سالم، ورؤساء الأرباع، وكان من بين هذا الوفد أحمد بن سالم نفسه، ورغم أن محمد الصغير قد خاف من هذه (الحملة). فإنه أحسن استقبالها واستفسر عن الأحوال، وأقام لهم ضيفة، وحققوا هدفهم الآخر وهو التعرف على المدينة من الداخل، وأعلن الشيخ محمد الصغير لهم الخضوع ودفع إليهم ضريبة الطاعة في اليوم التالي، وقدرها 2000 بوجو (1). ولنلاحظ أن الأمير عبد القادر لم يفرض سوى دفع ثمن الحصار، وشتان بين المعاملتين!.

(1) كتب سانطارنو عدة رسائل في وصف المدينة والزاوية والشيخ والاستقبال الودي غير المتوقع، ومن الجدير بالملاحظة أن محمد الصغير كان ما يزال مقدما فقط عندئذ. لأن الحاج علي لم يتوف إلا بعد شهور من هذه الزيارة الفرنسية للزاوية.

ص: 206

وفي مناسبة أخرى استقبل الشيخ محمد الصغير في عين ماضي القائد الفرنسي عندئذ، وهو بيليسييه، كان ذلك على أثر المعركة التي دارت في الأغواط بين جيش العدو وقوات محمد بن عبد الله (شريف ورقلة) في ديسمبر 1852، وقد أحسن التجاني استقبال بيليسييه أيضا، وقيل إن ذلك كان آخر استقبال له للقادة الفرنسيين قبل وفاته بحوالي شهرين (آخر فيفري 1853). والغريب أن السلطات الفرنسية في الجزائر لم تكن تثق فيه كل الثقة، ولذلك أرسلت إليه من المدية قاضيين ليأتيا به، فوجداه جثة هامدة، إذ أدركه الموت.

وقد ترك الشيخ محمد الصغير ابنا صغير السن لا يمكن تكليفه بشؤون الزاوية، فوضع تحت وصاية المشري الريان إلى أن يبلغ، وتولى الريان تسيير شؤون الزاوية من جهة وإدارة عين ماضي من جهة أخرى بتكليف من الفرنسيين، وكان الريان محل ثقة الشيخ محمد الصغير، وهو الذي قام ببناء الزاوية وأصبح وكيل الشيخ في مختلف المسائل، وبناء على وصيته تولى الريان الإشراف على الزاوية والنواحي الروحية فيها، كما تولى القضاء في البلدة، ولكن ابن التجاني المذكور توفي بلدغة عقرب، حسب العقيد تروميلي، سنة 1857 (1).

توفي الشيخ محمد الصغير في فبراير (أو مارس) 1853، فخلفه في قيادة الزاوية والبركة التجانية الشيخ محمد العيد بن الحاج علي بتماسين، وهكذا كان التبادل على المشيخة بين الزاويتين، عين ماضي وتماسين، لكن المشيخة هذه المرة ستظل في عائلة الحاج علي إلى آخر القرن الماضي، رغم ما حدث من توتر بين الزاويتين والعائلتين، وهو التوتر الذي كاد يخرج إلى الأتباع أيضا لولا تدخل الفرنسيين في الوقت المناسب، وخلال هذه الفترة الطويلة (1853 - 1897) كانت القيادة الروحية للطريقة بيد

(1) تروميلي، المجلة الإفريقية، 1877، ص 342 - 343، ولا نعرف اسم ابن الشيخ التجاني هذا، ومن الواضح أنه ليس الابن الذي قدمه رهينة عند الأمير سنة 1838.

ص: 207

محمد العيد، من 1853 إلى 1875، ثم أخيه محمد الصغير بن الحاج علي من 1875 إلى 1892، ثم أخيهما، معمربن الحاج علي من 1892 إلى 1893، ثم محمد بن محمد العيد من 1893 - 1897، ولم ترجع بركة الطريقة إلى فرع عين ماضي إلا في عهد البشير بن محمد الصغير التجاني، ويزعم الفرنسيون أن هذا الاشتراك في القيادة الروحية بين الفرعين أدى إلى كسر الهيمنة للطريقة التجانية وتفتيت وحدتها الإدارية (المركزية)(1).

والسبب في هذا التوتر فيما يبدو، يرجع إلى وراثة الشيخ محمد الصغير التجاني، فقد توفي ابنه الكبير أثناء حياته، واختلف في عقبه الآخر من الذكور، فبعض المصادر تثبت أنه ترك عند وفاته ولدين صغيرين، أحدهما ثلاث سنوات والآخر سنة واحدة، واسمهما أحمد والبشير، وبعض المصادر تقول: إنه لم يترك عقبا وإنما جرى تدبير الأمر بطريقة غامضة على يد السلطات الفرنسية، وذلك بإدخال أمة إلى الزاوية ومعها ولدان في نفس السن وبالوصف والاسم الذي ذكرناه، ثم وقع إعلام الناس بأن ولديها كانا من نسل الشيخ، ويشير (رين) إلى ذلك بقوله: إنه قد وقع التنازع في (شرعية الولدين)(2).

والخلاصة عن وراثة الشيخ محمد الصغير التجاني في عين ماضي أن هناك عدة آراء، بعضها قال إنه لم يترك وريثا من الولد، وإنما ترك بنات تزوجن من أبناء شيخ زاوية تماسين، ولكي تبقى الوراثة مستمرة في آل الشيخ التجاني، دبر الفرنسيون خطة، وهي جلب وصيفة كان لها ابنان صغيران كما قلنا، وأدخلوهما إلى الزاوية وجرى الإعلان أنهما من أولاد الشيخ واسمهما أحمد والبشير الخ، والرأي الآخر: قال: إنه كان للشيخ ولد وهو الذي كان

(1) ديبون وكوبولاني، مرجع سابق، 422، وقد وصف (رين). مرجع سابق، 428 زاوية عين ماضي ومحتوياتها، وضريح الشيخ محمد الصغير المدفون هناك.

(2)

رين، مرجع سابق، 428 - 430، وهو يذكر أن العقيد تروميلي قد روي القصة بحذافيرها في (المجلة الإفريقية). عدد 1877، ص 343.

ص: 208

قد أعطاه رهينة للأمير عبد القادر آخر سنة 1838، ثم رجع الولد إلى والده، وعاش إلى 1857، أي بعد وفاة والده بأربع سنوات، ثم لدغته عقرب فمات، وبذلك انتهت أسرة التجاني وانقطع نسله حسب تعبير العقيد تروميلي، وكان هذا الابن الذي لا نعرف اسمه، قد وضع تحت وصاية المشري الريان الذي كان يقوم بشؤون الزاوية العامة، وعزا تروميلي الدور الرئيسي بعد ذلك إلى الريان الذي لم يقبل بهذا الوضع، فقد كان في حاجة إلى سمعة الزاوية والى نقود الزائرين، وكان يعرف أن انقطاع نسل الشيخ يعني موت الزاوية في عين ماضي، كما يعني توجه الأتباع نحو زاوية تماسين فقط، وإذن فلا بد من البحث عمن يكون (ابنا) للشيخ التجاني لتستمر به الزاوية، وقد أطال تروميلي في إيراد قصة البحث عن (أحمد) الوريث المزعوم للشيخ، واشغرق في روايتها أكثر من عشر صفحات، ونحن نلخصها فقط فيما يلي:

تذكر المشري الريان أن شيخه محمد الصغير قد ضاجع وصيفة بين 1840 - 1845، وبدأ البحث عن هذه الزنجية التي قد يكون عندها الوريث المطلوب، ولكن الذي اشتراها غير معروف، قال بعض الأتباع: إنها في تونس، وقال آخر: إنها في طرابلس، وثالث: إنها جهة الأوراس، لقد اختفت مع ابنيها منذ عام دون أن يعلم أحد وجهتها، وذات يوم جاء زاوية عين ماضي أحد الفرسان وأخبر الريان أنه وجد الوصيفة والطفلين، وعلامات ذلك هو الشبه، وحصل الفارس، واسمه أبو حفص بن عبد الرحمن (من أولاد ابن قانة). على الجائزة المرصودة، وذهب مع ثلاثة اختارهم الريان، إلى باتنة حيث كانت الأم وولداها، وقد وصلوا إلى المكان فوجدوا الأم والابن الصغير، أما الكبير، وهو أحمد، فلم يأت إلا عند المغرب، وكان يدفع أمامه حمارين، وكان عمره عندئذ بين 15 - 16 سنة، فأخذوا أحمد إلى عين ماضي ونصبوه على أنه الوريث، أما أمه وأخوه الصغير (البشير؟) فقد بقيا في باتنة، وفي سنة 1864 كتب تروميلي هذه القصة وقال: إن أحمد (التجاني) عندئذ كان بين 20 و 25

ص: 209

سنة، وأنه زنجي (1)

هذه هي رواية تروميلي، وهناك رواية أخرى ذكرها العقيد كوان Coyne تختلف إلى حد ما عن سابقتها ولكنها تتفق معها في النتيجة، ويبدو لنا أن قصة الوراثة في زاوية عين ماضي بعد وفاة الشيخ محمد الصغير تحتمل الصدق والكذب، وفيها خيال كثير ومغامرات تصلح للأدب أكثر مما تصلح للتاريخ، ولا بد أن يكون للطريقة نفسها مصادرها في ذلك، ولعل الأرشيف الفرنسي يضم أيضا معلومات هامة عن الموضوع، ومهما كان الأمر فإن أحمد المذكور هو الذي تزوج من الفرنسية أوريلي بيكار، وتوفي في زاوية قمار سنة 1897 وجرى تأبينه تابينا رسميا في العاصمة تحت رعاية السلطات الفرنسية وبحضور الحاكم العام جول كامبون نفسه.

ويقول رين أيضا: إن هناك وثيقة غير مسلم بصحتها (Très Discutable) تعطي الولدين للمشري الريان، قائد عين ماضي ووكيل الزاوية، كي يرعاهما، ولذلك فإن ما سيحدث للولدين وما سيصدر عنهما من تصرفات تنسبه السلطات الفرنسية إلى سوء تربية المشري الريان لهما، أو بالأحرى إهمال تربيتهما التربية المطلوبة لتولي قيادة الزاوية وحمل البركة الصوفية، كما تحمله (المشري) السلطات مسؤولية ترك الأمور تتوتر بين الزاويتين حتى وقعتا في التنافس، نتيجة الزيارات والطمع في المال، وأنه قد جر معه الولدين في ذلك النزل، فقد كان الريان يريد أن توجه العطاءات والجبايات إلى عين ماضي بدل تماسين، وحاول أن يحصل على دعم مقدمي التجانية في الجهة الغربية، وذهب، حسب الفرنسيين، إلى حد إثارة الشك في المرابطية والشرف في الطريقة التجانية عن طريق إشاعات مغرضة، وكان في الواقع يحضر لفصل الزاويتين، دون مراعاة مصالح الطريقة التجانية نفسها.

(1) العقيد تروميلي، (المجلة الإفريقية). 1877، ص 393 - 404، ويذكر تروميلي أنه كتب بحثه سنة 1864 ولم ينشره إلا سنة 1877، وهو يتحدث بلسان المتكلم، فيقول: دخلنا عين ماضي، واستقبلنا الريان والسيد أحمد، وأقاما لنا ضيفة على شرف الجنرال (اللقيط) يوسف.

ص: 210

ولذلك خرج الفتى أحمد (التجاني) عن المشري الريان منذ بلغ خمس عشرة سنة وتحرر من الوصاية عليه، ولا شك أن ذلك لم يأت تلقائيا، فالأمور كانت تجري على مرأى ومسمع من المكاتب العربية التي لا تنام لها عين، فقد ولى الفرنسيون الفتى أحمد قيادة عين ماضي منذ 1865، بدل الريان، وفي هذه السنة، كانت ثورة أولاد سيدي الشيخ على أشدها، وهم جيران عين ماضي، وقد اشترك فيها الإخوان (الأحباب) التجانيون دون الرجوع إلى طريقتهم، بغريزة الجهاد التي كانت تدفع الجزائري إلى الثورة ضد العدو بقطع النظر عن الطريقة الصوفية، ولكي يفصل الفرنسيون التجانيين عن ثوار أولاد سيدي الشيخ وأتباعهم، عينوا أحمد التجاني قائدا على عين ماضي وكذلك مقدمأ للتجانية، ليلعب هذا الدور، فأكد لهم، كما يقولون، ولاءه، رغم أن ذلك يضر بسمعته بين المسلمين في الناحية الغربية، لأن الطرق الأخرى هناك - القادرية، والطيبية والدرقاوية - تراقبه وتحكم عليه وتحاسبه، وكذلك الكرزازية والزيانية، لأن الجميع لهم مصالح في المغرب والصحراء، ولا يريدون للتجانية التوسع، ولم يكن أحمد ولا أخوه (12 سنة)(1) في مستوى ما يحاك حولهما من ظروف وتحالفات دينية وسياسية، وقد لاحظ الفرنسيون أن ذلك سرى أيضا إلى الزعامات الأهلية (أهل السيف والحكم) التي كانت متولية لفرنسا، إذ أصبحوا تحت تأثير الطرق المعادية للتجانية، ويقول (رين): إن هذا العداء للولدين، أحمد والبشير، قد ظهر حتى في بعض الأوساط الفرنسية الرسمية القيادية (2).

وفي ضوء ذلك جرى اعتقال الأخوين سنة 1859، فلماذا وكيف؟ بعض الروايات تذهب إلى أن الاعتقال راجع إلى تهاون أحمد التجاني قائد عين ماضي في غلق أبواب البلدة في وجه الثوار، كما فعل سلفه، حسب

(1) مسألة سن الولدين، أحمد والبشير، مسألة خلافية، ويتوقف أمرها على نسبتهما إلى محمد الصغير التجاني (الذي علمنا أن وفاته كانت سنة 1854).

(2)

رين، مرجع سابق، 431، ولعل القصة التي رواها العقيد تروميلي تدخل في هذا (العداء الفرنسي) للولدين.

ص: 211

تعبيرهم، مع الأمير ومع العثمانيين، وبعضها يذهب إلى أن الاعتقال كان لشبهة الانضمام للثورة، كما شاع بين الناس، وأخيرا هناك من يقول إن الاعتقال كان تخويفا للتابعين، وإليك بعض التفصيل، كان أولاد زياد (بجيرفيل) التجانيون يعيشون وسط أولاد سيدي الشيخ الثائرين، فحاربوا إلى جانبهم، وقد طلبوا، ربما بإيعاز من الفرنسيين، من أحمد التجاني التفاوض مع لمحيادة أولاد سيدي الشيخ، لفصلهم عن الثورة وعودتهم إلى منطقتهم، فقام أحمد بالمفاوضات لصالحهم، وجاء أولاد زياد إلى الأغواط، وجاء معهم البعض من أولاد سيدي الشيخ، حسب التقاليد العربية، ودخلوا عين ماضي، فخرجت الإشاعات على أن ولدي التجاني قد انضما إلى الثوار، ومنعا لهذا الاحتمال، كما يقول رين، قام العقيد (دي سونيس) باعتقال أحمد وأخيه البشير، في أول فيفري 1869، وبعثهما إلى مدينة الجزائر حيث سجنا، وبعد بضعة أشهر استسلم التجانيون من أولاد زياد (1).

لكن قصة الأخوين التجانيين لم تنته بعد، فقد كان أحمد بين 25 - 30 سنة، حسب ملاحظة العقيد تروميلي، وظل في العاصمة حوالي سنة، فإذا بفرنسا تدخل في الحرب مع ألمانيا، وكان على الرؤساء (الأهالي) أن يرسلوا عرائض التأييد لفرنسا جبرا أو نفاقا، فكان من بين الموقعين على العريضة الصادرة من أهل العاصمة، أحمد التجاني، وخلافا لما يقال إن السلطات الفرنسية هي التي (نفته) إلى بوردو، تقول رواية أخرى إنه هو الذي تطوع لحمل عريضة أعيان العاصمة إلى حكومة بوردو (2). ولكي تؤكد فرنسا براءتها، أشاعوا بأن أحمد التجاني قد أرسل قبل سفره منشورا إلى أتباع

(1) أنت ترى كيف تتلاعب السلطات الفرنسية بالولدين (أحمد حوالي 19 سنة، البشير 17 سنة، حسب بعض الروايات) لخدمة أغراضها، مستغلة جهل العوام واسم الطريقة التجانية.

(2)

بعد احتلال باريس من قبل الجيش الألماني، سنة 1870، انتقلت الحكومة الفرنسية، وكانت تسمى (حكومة بوردو). إلى مدينة بوردو، إلى أن رجعت إلى باريس بعد دفع التعويضات الحربية وجلاء الجيش الألماني عن باريس.

ص: 212

التجانية في الغرب يخبرهم أنه ذاهب إلى فرنسا من تلقاء نفسه، وعليهم بالطاعة والخضوع، ثم سافر مع حاشيته يوم 16 غشت 1870 وحل بباريس، ثم التحق به أخوه البشير، ويقول رين: إن الفرنسيين حملوا الأخوين من باريس إلى بوردو في 4 سبتمبر 1870، اتخاذا للحيطة (؟). وهناك استقبلهما الجنرال دوماس، وأسقف المدينة ورئيس محكمة الاستئناف، وفي 17 أكتوبر حضر أحمد مع حاشيته حفلة لصالح المجاريح بالمسرح فاستقبل أثناءها بالموسيقى الرسمية، ثم تزوج هناك بأوريلي ابنة الضابط المتقاعد، ثم طلق زوجاته الأخريات بعد رجوعه إلى الجزائر سنة 1872 (1).

ودون أن يكون المرء تجانيا أو غير تجاني، فالتجارب الإنسانية وحدها تخبرنا أن شابا في سن أحمد التجاني كان بين أيدي الفرنسيين ومترجمي المكاتب العربية ومخططات السلطة الفرنسية للزوايا عموما والتجانية خصوصا، كل ذلك يجعل العبء صعبا على أمثال أحمد التجاني وأخيه البشير حتى ولو اجتهد المشري الريان في تربيتهما تربية علمية وصوفية وأخلاقية تليق برجال الزوايا والمرابطين، فما بالك بشابين تثبت مصادر الوقت أنهما وقعا ضحية الإهمال التعليمي والاجتماعي، لقد تزوج أحمد، وهو في بوردو، فتاة فرنسية اسمها أوريلي بيكار، وكان والدها ضابطا في الدرك (الجندرمة). ومن الأكيد أنه لو شاء الفرنسيون عدم زواجه منها لمنعوه أو منعوها، كما فعلوا مع غيره، فقد كان قاضي قسنطينة، محمد الشاذلي، ذات مرة يرغب في الزواج من فرنسية أيضا في باريس، ولكن السلطات في الجزائر سارعت إلى التدخل لمنع هذا الزواج (2). حرصا على مصالحها

(1) رين، مرجع سابق، ص 431 - 433، والغريب أن رين يقول: إن أحمد الذي كان في التاسع عشرة من عمره، حسب بعض الروايات، طلق زوجاته - هكذا بالجمع - فمتى تزوجهن؟ وهل كن مع الحاشية التي يتحدث عنها؟ لعله فقط خيال المتخيلين لكي يثبتوا أن المرأة الفرنسية لا تبقى مع ضرة مسلمة.

(2)

انظر القصة في كتابنا (القاضي الأديب، محمد الشاذلي القسنطيني). ط، 2، 1985.

ص: 213

وليس على مصالحه الأنه كان قاضيا عند فرنسا). ونحسب أن مقام أحمد التجاني أكبر من مقام محمد الشاذلي في نظر الأتباع ونظر السلطات الفرنسية أيضا، ولكن ما دام هذا الزواج سيخدم المخططات البعيدة لهذه السلطات فقد وافقت عليه وباركته كنيسة بوردو، وكذلك باركه الكاردينال لافيجري في الجزائر، وقد كتب الكثير عن (ملكة الرمال، أريلي التجاني)(1) ودورها في حياة الزاوية التجانية، فقد غيرت حياة الزاوية تماما، وبنى لها أو بنت لنفسها، قصر كوردان على بعد قليل (حوالي عشر كلم) من عين ماضي، وأصبح القصر نواة للحضارة الفرنسية في الصحراء، حسب تعبيرهم، وكان الضيوف الفرنسيون ينزلون فيه كما ينزلون في أي قصر أوربي، من حيث الأثاث والمأكل والمشرب والمنتزهات، مضافا إليه الملمح العربي والروحانية الإسلامية (؟) وهناك فرق بين ما يكتبه الفرنسيون عن هذا القصر في كتبهم وبين ما يكتبونه في مذكراتهم ورسائلهم، ويذهب الجاهلون من الجزائريين إلى أن الشيخ أحمد قد تزوج أوريلي على سنة الله ورسوله، وأنه طلق نساءه الأخريات، وأن المفتي الحنفي هو الذي حرر العقد بعد رجوع الزوجين (1872) من فرنسا، وأشهر الزواج، فهل كان الزواج قبل ذلك زواجا سريا أو غير شرعي، وما دروا أن الاستعمار إذا أراد شيئا قال له كن فيكون (2). وما أكثر الجاهلين فينا بالأمس واليوم!.

وخلال السبعينات والثمانينات عاشت الجزائر أحداثا جساما، عسكرية وسياسية واجتماعية، من ثورة 1871 إلى ثورة 1881، ومن قرارات كريميو إلى قرار إنشاء الحالة المدنية، ومن مصادرة ما بقي من الأراضي لإعطائه إلى لاجيء الألزاس واللورين إلى قانون الأهالي - كود دو الأندجينا - البغيض، وقد عرفنا أن بركة الطريقة التجانية ما تزال خلال هذا العهد، في أولاد الحاج

(1) هذا هو عنواد الكتاب La Reine De Sables

(2)

قالت مجلة (إفريقية الفرنسية) إن أحمد التجاني قد تزوج أوريلي الفرنسية لأنه أراد (أن يمحو ما قد يكون علق في أذهان الحكام الفرنسيين من انحرافه). انظر كراسة تأبينه، ط، فونتانة، الجزائر 1897.

ص: 214

علي التماسيني، وكان أولاد محمد الصغير التجاني، ينظرون بعين السخط إلى هذا الوضع حتى كادت الزاويتان تنفصلان، كما أشرنا، ويبدو أن الفرنسيين لم يقرروا ما إذا كان الجو مناسبا لإعلان أحمد التجاني، على ما هو عليه، شيخا للطريقة، ولذلك اكتفوا به مقدما، وسمحوا له فقط باستقبال الزيارات، وبقيت أوريلي التجاني - التي لم نعرف أنها غيرت اسمها رسميا إلى اسم إسلامي خلافا للعادة - هي عين الفرنسيين التي ينظرون بها إلى الزاوية والطريقة عموما، ويبدو أن أحمد التجاني كان يشعر بالحرمان من حق البركة، ولذلك لجأ إلى حلول أخرى يلجأ إليها كل محروم، ولكنها بقيت في طي الكتمان، وكذلك أخوه البشير، ولم يظهر من هذه الحلول إلا بعض الدخان، وفي إحدى المرات ذهب أحمد إلى تماسين لمحاولة رأب الصدع وإيجاد حل لقضية الوراثة والجبايات، ولكنه توفي في الزاوية التجانية في قمار سنة 1897، كما ذكرنا آنفا.

وبمناسبة وفاته أقيم لأحمد التجاني حفل تأبين في الجامع الجديد بالعاصمة، وهو حفل رسمي جدا، الغرض منه ليس خدمة المرحوم ولكن خدمة الأحياء من الفرنسيين وغيرهم، وقد طبع محضر الحفل على نفقة الحكومة العامة في الجزائر في نفس السنة (1). حضر الحفل المدنيون والعسكريون الفرنسيون يتقدمهم الحاكم العام نفسه، جول كامبون، كما حضر السلك الديني من المسلمين وعلى رأسهم المفتون والقضاة ورؤساء الطرق الصوفية، بالإضافة إلى أعيان المسلمين من أغوات ونحوهم، وكانت الحفلة مناسبة لذكر خصائل المرحوم ومحاسن أبيه وفضل التجانية على فرنسا، مع ذكر كل حادثة جديرة بالتنويه.

ونعود إلى البداية ونسوق لغة الفرنسيين، فمحمد الصغير (الذي يسمى هنا الحبيب) قاوم حصار الأمير ثمانية أشهر وامتنع من ملاقاة عدو فرنسا

(1) ط، فونتانة، 1314/ 1897، موجود بحذافيره في زوزو (نصوص). مرجع سابق، 251 - 257، انظر أيضا عنه (إفريقية الفرنسية)(ابريل، 1897). وكذلك ديبون وكوبولاني، مرجع سابق، ص 426 - 430.

ص: 215

(الأمير). ثم مساعدة التجانية في تماسين للدوق دومال D'Aumale على احتلال بسكرة سنة 1844، وكان أحمد التجاني قد (انحرف) عن الخط سنة 1869 (1). فإنه ذهب إلى فرنسا سنة 1870 لتهنئة الجنود المسلمين الذين حاربوا مع فرنسا ضد ألمانيا (2). وكان زواجه من الفرنسية (البكر) الحرة، المصونة أوريلي بيكاردا تكفيرا عما يكون قد بقي في خاطر الحكام الفرنسيين ضده من (انحرافه). السابق، وكانت بيكار هي السبب في تحويل كوردان من زاوية صحراوية إلى قصر هجين يسر الناظرين (3).

واستمر أحمد التجاني محل شك لدى السلطات الفرنسية التي كانت لا تصدق براءته، فبعد ثورة بوعمامة سنة 1881 ظهرت إشاعات جديدة مفادها أن أحمد قد تورط فيها أو أنه لم يمنع توريط أتباعه من الانضمام إليها، وحامت حوله الشكوك لاعتقاله، وبدل أن تنفيه السلطات هذه المرة أيضا اكتفت (بدعوته) إلى الجزائر للإقامة بها بعض الوقت، ومن هناك وتحت إشراف الفرنسيين، كتب الرسائل إلى إخوانه ومقدميه يحذرهم من مشايعة الثورة، ولكي يبرهن على براءته، حسب دعواهم، طلب من هذه السلطات إرسال ضابط إلى عين ماضي ليطلع على الأمور، وقد فعلت، كما طلب منها إرسال معلم فرنسي إلى هناك أيضا (1882).

وفي سنة 1881 توجه أحد مقدمي التجانية وهو عبد القادر بن حميدة، صحبة العقيد (فلاترز) دليلا لبعثته، وقد قتل فلاترز ومات معه ابن حميدة، وأرسل أحمد التجاني الرسائل إلى توات وعين صالح وبورنو وسقوطو رغيرها لتقديم المساعدات للنفوذ الفرنسي، ونفس الشيء قامت به زاوية

(1) اتهامه بأنه أيد ثورة أولاد سيدي الشيخ، وهو الاتهام الذي أدى إلى اعتقاله في الجزائر، انظر سابقا.

(2)

لم يشر هنا إلى كونه (تطوع) لحمل رسالة أو عريضة أعيان الجزائر إلى حكومة بوردو، وهي رواية رين الذي يذكر أيضا وضعه أثناء ثوره بوعمامة، ص 434.

(3)

المقصود أن القصر صار يجمع بين الميزات العربية الإسلامية وبين مظاهر الحضارة الأوربية.

ص: 216

تماسين أيضا، وتقديرا لهذا الدور حضر الحاكم العام شخصيا حفلة التأبين المذكورة، وألقى كلمة نوه فيها بدور الطريقة ودور أحمد التجاني ودور أوريلي بيكار في كوردان أيضا، ومما ذكره الحاكم العام أن أحمد التجاني كان عازما على إحداث مستشفى لزائري زاويته تكون إدارته في يد الآباء البيض، كدليل على تحرره وتقبله المدنية وخدمة الحضارة.

ومن خطباء هذه المناسبة الرسمية جدا والتي لا يستطيع المدعوون إليها رفض حضورها، المفتي الحنفي أحمد بوقندورة، والمفتي المالكي محمد بن زاكور، والمفتي الأول هو الذي ألقى كلمة رجال الدين الموظفين، أما كلمة رجال الطرق الصوفية فقد ألقاها محمد بن الحاج محمد بن بلقاسم الهاملي نيابة عن عمه الذي حضر رغم مرضه (1). أما الأهالي فقد ألقى كلمتهم الآغا الأخضر حاكم الأرباع.

وقد ظلت شمائل الشيخ أحمد التجاني تتردد على أفواه الحكام الفرنسيين إلى 1952، ففي افتتاح (متحف برازا) بالجزائر عرج الحاكم العام، روجي ليونار، على ذكريات برازا BRAZZA في إفريقية، فقال: كيف ننسى بهذه المناسبة ذكرى الشيخ أحمد التجاني رئيس الطريقة التجانية القوية وزوج تلك (المرأة) الفرنسية من اللورين، التي دخلت الأسطورة بالاسم الجميل وهو (أميرة الرمال)؟ إن أحمد التجاني هذا هو الذي أعطى إلى برازا الرسائل الثمينة لتقديمه إلى زعماء الكونغو من أعضاء طريقته، وهو الذي استجاب لدعوة برازا لتسهيل مهمة (فور - لامي FORT-LAMY) نحو تشاد (2).

(1) توفي بعد ذلك بقليل، كما ذكرنا، انظر عن زاوية الهامل حديثنا عن الرحمانية، (توفي في 2 جوان 1897). أي بعد أربعين يوما من التأبين (التأبين 2/ 4/ 1897).

(2)

(مجلة البحر الأبيض) عدد 2، مجلد 12، 1952، مما يذكر أنه كان للشيخ أحمد التجاني ختم مربع مكتوب فيه:(يا عالم الخفايا، يا رازق البرايا، من فضلك العطايا، اغفر لنا الخطايا) وفي وسطه: (عبده أحمد بن مولاي محمد التجاني، 1879). انظر ديبون وكوبولاني، مرجع سابق، ص 426، وفي هذا المصدر صور أيضا لزاوية تماسين وزاوية قمار، وقصر كوردان، وضريح الحاج علي بتماسين.

ص: 217

بعد وفاة الشيخ أحمد، كانت البركة ما تزال في الشيخ محمد بن محمد العيد التماسيني، ورأت فرنسا أنه آن الأوان أن تفعل عدة أمور محافظة على مصالحها في الصحراء وإفريقية عن طريق التجانية، وبإشارة من الحاكم العام، جول كامبون، تزوج البشير التجاني من أرملة أخيه، أوريلي بيكار، وهكذا بقي قصر كوردان (عامرا). وكان أحمد قد ترك ولدين من هذه المرأة، الأمر الثاني الذي فعله الفرنسيون هو إعادة البركة إلى زاوية عين ماضي في شخص الشيخ البشير هذه المرة، رغم أن الشيخ محمد بن محمد العيد كان يحملها منذ 1893، ولكن يبدو أن فرنسا كانت غير مرتاحة له، وكانت تفضل عليه الشيخ محمد العروسي، شيخ زاوية قمار، لاعتبارات سنذكرها، الأمر الثالث هو المحافظة على وحدة الزاوية وعدم ظهور التصدع عليها، ولذلك قال ديبون وكوبولاني: إنه رغم الشقاق بين الزاويتين فإن الخط السياسي لهما ظل هو هو مع الفرنسيين، وقد اعترف الأتباع في الأغواط والمناطق المجاورة بالشيخ البشير كزعيم روحي للطريقة، وتوقع ديبون وكوبولاني أن ينمو نفوذه بالتدرج، وبعد إقامة العلاقات المتماسكة مع زاويتي تماسين وقمار من جهة وأتباع الطريقة في تونس وغيرها أيضا على عهده (أي البشير) من جهة أخرى.

ومن أخبار الشيخ البشير التجاني (وقد سبق الحديث عن نشأته الغامضة) أنه استمر في مشيخة الزاوية بعين ماضي وحمل البركة التجانية إلى وفاته في قمار أيضا سنة 1912، وكان قد جاء من عين ماضي لتفقد زوايا التجانية بقسنطينة والصحراء الشرقية، وبهذه المناسبة ذكر أنه كان أول من ركب العربة (الكليش) التي يقودها حصانان، قادمأ من تقرت إلى قمار، وقد جاء أتباعه لاستقباله، وكانوا يضعون برانيسهم تحت عجلات العربة ليمنعوها من المرور وليحظوا برؤيته، ثم أصبحت كأنها محمولة من دفع وتدافع هؤلاء الأتباع (1). وأما أرملته (أوريلي) فقد عاشت إلى منتصف الثلاثينات.

(1) كوفيه (رئيس المكتب العربي في سوف) مقالة بعنوان: (ملاحظات عن سوف =

ص: 218