المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل [في الجزية] - تحبير المختصر وهو الشرح الوسط لبهرام على مختصر خليل - جـ ٢

[بهرام الدميري]

الفصل: ‌فصل [في الجزية]

قوله: (وَهَلْ كِبَارُ الْمُسْلِمَةِ فَيْءٌ، وإِنْ قَاتَلُوا؟ تَأوِيلانِ) ليس في المدونة تخصيص ولد المسلمة بذلك، وإنما ذكر فيها صغار ولد المسلمة والذمية، ثم قال. وأما الكبار إذا بلغوا وقاتلوا فهم فيء (1)، واختلف الأشياخ هل هو على ظاهره وأنهم إذا لم يقاتلوا كالصغار، وإليه ذهب ابن أبي زيد وعبد الوهاب أو لا مفهوم له وأنهم إذا كانوا كبارًا يكونون فيئًا؛ إذ الغرض أن يكونوا على حال يمكن منهم القتال، وإليه ذهب ابن شبلون (2).

قوله: (وَوَلَدُ الأَمَةِ لِمَالِكِهَا) يريد: كان صغيرًا أو كبيرًا، وهو المشهور، وقاله في المدونة (3)، لأن الولد تابع لأمه في الرق والحرية، وقال عبد الملك: هم فيء تغليبًا للدار (4)، وقال سحنون: ما ولدته من زوج فلمالكها ومن غيره ففيء (5)، وحكي في النوادر هذا القول عن أشهب، وحكي عن سحنون كالمشهور (6).

‌فصلٌ [في الجزية]

(المتن)

فَصْل عَقْدُ الْجِزْيَةِ: إِذْنُ الإِمَامِ لِكَافِرٍ صَحَّ سِبَاؤُهُ، مُكَلَّفٍ حُرٍّ قَادِرٍ عَلَى أَدَائهَا مُخَالِطٍ، لَمْ يَعْتِقْهُ مُسْلِمٌ: بسُكْنَى غَيْرِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَاليَمَنِ. وَلَهُمُ الاجْتيازُ بِمَالٍ، لِلْعَنَوِيِّ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، أَوْ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فِي سَنَةٍ، وَالظَّاهِرُ آخِرُهَا، ونُقِصَ الْفَقِيرُ بِوُسْعِهِ، وَلَا يُزَادُ. وَلِلصُّلْحِي مَا شُرِطَ، وِإنْ أُطْلِقَ فَكَالأَوَّلِ؛ وَالظَّاهِرُ إِنْ بَذَلَ الأَوَّلَ حَرُمَ قِتَالُهُ مَعَ الإِهَانَةِ عِنْدَ أَخْذِهَا.

(الشرح)

(عَقْدُ الجْزْيَةِ إِذْنُ الإِمَامِ لِكَافِرِ) يريد أن عقد الجزية (7) هو إذن الإمام لكافر في سكنى غير مَكة والمدينة واليمن بمال إذا توفرت في الكافر الشروط (8) التي سيذكرها،

(1) انظر: المدونة: 1/ 507.

(2)

انظر: الذخيرة: 3/ 439، والتوضيح: 3/ 500.

(3)

انظر: المدونة: 1/ 507.

(4)

انظر: النوادر والزيادات: 3/ 282، والتوضيح: 3/ 500.

(5)

انظر: الذخيرة: 3/ 439، والتوضيح: 3/ 500.

(6)

قوله: (كالمشهور) يقابله في (ن): (أنه هو المشهور). وانظر: النوادر والزيادات: 3/ 282.

(7)

في (ز) و (س): (الذمة)، والمثبت من (ز 2).

(8)

قوله: (الشروط) ساقط من (ن).

ص: 505

فقوله: (لكافر) إشارة إلى أنه لا بد أن يكون ذكرًا، واحترز بذلك من المرأة، فإن الجزية لا تؤخذ منها.

قوله: (صَحَّ سِبَاؤُهُ (1)) هكذا قال في الجلاب (2)، قال الشارح (3): له؛ احترازًا من المعاهد الداخل إلينا بأمان فإنه لا يسبى بعد دخوله، وكذلك المرتد؛ لأنه لا يقر على ما هو عليه حال ردته.

قوله: (مُكَلَّفٍ) احترازًا من الصبي والمجنون المغلوب على عقله.

قوله: (حُرٍّ) احترازًا من العبد؛ إذ لا تؤخذ الجزية منه.

قوله: (قَادِرٍ عَلَى أَدَائِهَا (4)) احترازًا من الفقير.

قوله: (مُخَالِطٍ) احترازًا من رهبان الأديرة؛ إذ ليسوا مخالطين بخلاف رهبان الكنائس ولهذا أخذت منهم، واحترز بقوله:(لَمْ يُعْتِقْهُ مُسْلِمٌ) مما إذا أعتقه فإنها لا تؤخذ منه، بخلاف من أعتقه ذمي تنزيلًا للعتيق (5) منزلة معتقه، وهو المشهور، وقاله ابن القاسم في المدونة (6)، وذهب أشهب إلى أنها تسقط أيضًا عمن أعتقه الذمي (7)، واستحب ابن حبيب أخذها ممن أعتقه المسلم أيضًا (8).

قوله: (بِسُكْنَى غَيْرِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَنِ) إشارة إلى المكان الذي يجوز للإمام أن يأذن لهم في سكناه، وهو ما عدا جزيرة العرب من الأماكن التي تأخذهم أحكام الإسلام فيها، لقوله عليه السلام:"لا يبقينَّ دِينَان في جزيرة العرب"(9)، وجزيرة العرب مكة

(1) في (ن) و (ن 2) والمطبوع من مختصر خليل: (سبيه).

(2)

انظر: التفريع: 1/ 258.

(3)

في (ز) و (ز 2) و (ن 2): (الشراح).

(4)

قوله: (عَلَى أَدَائِهَا) يقابله في (س): (أي على إذائها).

(5)

في (ن 2): (للمعتق).

(6)

انظر: المدونة: 1/ 333.

(7)

انظر: النوادر والزيادات 2/ 214.

(8)

انظر: النوادر والزيادات 3/ 359.

(9)

صحيح، أخرجه مالك مرسلًا: 2/ 896، في باب ما جاء في إجلاء اليهود من المدينة، من كتاب الجامع، برقم: 1584، ووصله البيهقي في الكبرى: 6/ 115، في باب المعاملة على النخل بشطر ما يخرج منها. . .، من كتاب المساقاة، برقم: 11409، من حديث أبىِ هريرة، وأخرجه أحمد: 6/ 274، =

ص: 506

والمدينة واليمن، وهي رواية عيسى بن دينار (1)، وروى ابن حبيب: من أقصى عدن وما والاها من أرض اليمن كلها إلى ريف العراق في الطول، وأما العرض فمن جُدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام ومصر في المغرب، وفي المشرق ما بين لمرب (2) إلى منقطع السماوة (3)، وقاله ابن شاس، ثم قال: ولا يمنعون من الاجتياز بها مسافرين ولا يقيمون (4)، وإليه أشار بقوله:(وَلَهُمْ الاجْتِيَازُ) ثم أخذ في بيان مقدار المال الذي يقرهم الإمام عليه بقوله: (بِمالِ لِلْعَنَوِيِّ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، أَوْ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فِي سَنَةٍ) يريد: أن العنوي وهو واحد العنويين الذين أخذت بلدهم بالقهر والغلبة، يضرب عليه في كل سنة أربعة دنانير إن كان من أهل الذهب أو أربعون درهما إن كان من أهل الورق، واختلف هل تؤخذ منهم أول الحول، وهو مذهب أبي حنيفة، أو آخره وهو مذهب الإمام الشافعي. الباجي: ولم أرَ فيه نصًّا لأصحابنا، والذي يظهر من مقاصدهم أنها تؤخذ آخره، وهو الصحيح، لأنه حق (5) يتعلق وجوبه بالحول فوجب (6) أن يؤخذ في آخره كالزكاة (7)، وإلى هذا أشار بقوله:(وَالظَّاهِرُ آخِرَهَا) أي: آخر السنة.

قوله: (وَنُقِصَ الْفَقِيرُ بِوُسْعِهِ) يريد أن الفقير ينقص عنه منها بقدر وسعه. ابن عبد السلام: والمشهور سقوطها عن الفقير، لكن بتدريج فتؤخذ منه إذا قدر على أدائها، ولا كبير (8) إجحاف عليه، وتسقط عمن لا يقدر عليها

= برقم: 26395، والطبراني في الأوسط: 2/ 12، برقم: 1066، من حديث عائشة. قال الدارقطني: هذا حديث صحيح. انظر: العلل: 13/ 255. وانظر تفصيل الكلام على الحديث في نصب الراية، للزيلعي: 3/ 454.

(1)

انظر: المنتقى: 9/ 255.

(2)

كذا في كل النسخ، وفي عقد الجواهر، ولكن ما وقفت عليه في صحيح مسلم عن أبي عبيد عن الأصمعي:(بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة) 3/ 1257 برقم: 1637، وانظر: إكمال المعلم: 8/ 440، وكذلك في التمهيد: 1/ 172 (يبرين).

(3)

انظر: المنتقى: 9/ 255.

(4)

انظر: عقد الجواهر: 1/ 327.

(5)

في (ن 2): (حين).

(6)

قوله: (فوجب) ساقط من (ز).

(7)

انظر: المنتقى: 3/ 282.

(8)

قوله: (لا كبير) يقابله في (ن 2): (لكنه).

ص: 507

ولا على (1) شيء منها، ولا يطلب بها بعد (2) غنائه، وتخفف عمن حاله بين هذين على حسب نظر الإمام في ذلك (3). انتهى.

وقال ابن حبيب: لا تؤخذ من الفقير، واستحسنه اللخمي (4).

ابن القصار: ولا حد لأقلها، وقيل: أقلها دينار أو عشرة دراهم (5). فعلى الأول لو لم يقدر إلا على حمل (6) درهم أخذ منه.

قال في الكافي: وإليه رجع مالك (7)، وفي المقدمات: إن ضعف عن حمل جملتها سقطت، قال: وهو الظاهر من مذهبنا، وقيل: يحمل منها بقدرته (8).

قوله: (وَلا يُزَادُ) أي: على أربعة دنانير أو أربعين درهمًا، ولو كان قادرًا على أكثر من ذلك لكثرة غنائه وهو المشهور، وفي الكافي قول (9): أنه يزاد على من قوي على ذلك (10).

قوله: (وَللصُّلْحِيِّ مَا شُرِطَ) يريد أن الصلحي -وهو من كان من أهل الصلح الذين صولحوا على شيء يعطونه من أموالهم- لا حدَّ لما (11) يؤخذ منه إلا بحسب ما يقدر عليه من كثير أو قليل، وهو مراده بـ (ما شرط)، وقاله ابن حبيب وغيره (12).

قال في المقدمات: وفيه نظر، والصحيح أنه لا حد لأكثرها، وأقلها ما فرض عمر رضي الله عنه (13)؛ يريد: أربعة دنانير أو أربعون درهمًا، هذا إذا صالحوا على شيء معين وأما

(1) قوله: (على) ساقط من (س).

(2)

في (ن 2): (عند).

(3)

انظر: التوضيح: 3/ 446.

(4)

انظر: التبصرة، للخمي، ص:1453.

(5)

انظر: المنتقى: 3/ 278.

(6)

قوله: (حمل) ساقط من (ن 2).

(7)

انظر: الكافي: 1/ 479.

(8)

انظر: المقدمات الممهدات: 1/ 187.

(9)

قوله: (قول) زيادة من (ن 2).

(10)

انظر: الكافي: 1/ 479.

(11)

قوله: (لا حدَّ لما) يقابله في (ز): (لأخذه لا).

(12)

انظر: النوادر والزيادات 3/ 358.

(13)

انظر: المقدمات الممهدات: 1/ 186.

ص: 508

إن لم يشترط فعلى أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعون درهما.

قوله (1): (وَإِنْ أُطْلِقَ، فكَالأَوَّلِ) أي: فإن لم يشترط عليه شيء مقدر فهو كالعنوي، وهو المراد بالأول فيؤخذ منه أربعة دنانير أو أربعون درهمًا.

قوله: (وَالظَّاهِرُ إِنْ بَذَلَ الأَوَّلُ حَرُمَ قِتَالُهُ) يريد أن الظاهر حرمة قتال العنوي إذا بذل الجزية. ابن شاس: وتؤخذ منه الجزية على وجه الإهانة والصغار امتثالًا لأمر الله سبحانه (2)، وإليه أشار بقوله:(مَعَ الإِهَانَةِ عِنْدَ أَخْذِهَا).

(المتن)

وَسَقَطَتَا بِالإِسْلَامِ كَأَرْزَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإضَافَةِ الْمُجْتَازِ ثَلَاثًا لِلظُّلْمِ، وَالْعَنوِيُّ حُرٌّ، وَإنْ مَاتَ أَوْ أَسْلَمَ فَالأَرْضُ فَقَطْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَفِي الصُّلحِ إِنْ أُجْمِلَت فَلَهُمْ أَرْضُهُمْ، وَالْوَصِيَةُ بِمَالِهِمْ، وَوَرِثُوهَا. وِإنْ فُرِّقَتْ عَلَى الرِّقَابِ فهِيَ لَهُمْ؛ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ بِلَا وَارِثٍ فَلِلْمُسْلِمِينَ. وَوَصِيَّتُهُمْ فِي الثُّلُثِ، وَإِنْ فُرِّقَتْ عَلَيْهَا أَوْ عَلَيْهِمَا فَلَهُمْ بَيْعُهَا، وَخَرَاجُهَا عَلَى الْبَائِعِ،

(الشرح)

قوله: (وَسَقَطتَا بالإسْلَام) أي: الجزية العنوية والصلحية، وهو وأضح.

قوله: (كَأَرْزَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِضَافَةِ الْمُجْتَازِ ثَلَاثًا لِلظُّلْمِ) يريد: أرزاق المسلمين التي جعلها عمر رضي الله عنه عليهم وضيافة المجتازين عليهم تسقط عنهم أيضًا، قال مالك: أرى أن يوضع عنهم ذلك لما أحدث عليهم من الجور (3). ابن رشد: ومعنى ذلك أنه لا يسوغ لأحد ممن مر بهم أن يأخذ ضيافتهم، إذا علم أنه لم يوف لهم بالعهد (4).

الباجي: وقول مالك يدل على أن ذلك لازم مع الوفاء بما عوهدوا عليه (5)، وهذا مفهوم من قوله هنا (للظلم)؛ أي: إنما سقط ذلك عنهم لأجل الظلم، فإن لم يكن ظلم فلا يسقط عنهم شيء.

ابن شاس -ونحوه للخمي عن مالك-: والذي قدره عليهم عمر (6) مع الدنانير

(1) في (ن): (وإليه أشار بقوله).

(2)

انظر: عقد الجواهر: 1/ 328.

(3)

انظر: النوادر والزيادات: 3/ 358.

(4)

انظر: المقدمات الممهدات: 1/ 187.

(5)

انظر: المنتقى: 3/ 279.

(6)

قوله: (عمر) ساقط من (ز).

ص: 509

أرزاق المسلمين مدين من حنطة على كل نفس في الشهر، وثلاثة أقساط زيتًا ممن بالشام والجزيرة (1)، وممن بمصر أردبًا من حنطة في الشهر، قال: ولا أدري كم من الودك والعسل، وعليهم أن يضيفوا من مرَّ بهم من المسلمين ثلاثة أيام، وعلى كل رجل من أهل العراق خمسة عشر صاعًا في الشهر وكسوة معروفة كان عمر يكسوها الناس، قال: ولا أدري ما قدرها، ثم ذكر (2) عن مالك ما تقدم (3).

قوله: (وَالْعَنَوِيُّ حُرٌّ) اختلف في أهل العنوة إذا أُقرت (4) أرضهم بأيديهم، فقيل: هم عبيد للمسلمين، وقيل: أحرار، والأول لابن القاسم (5)، والثاني حكاه الباجي وغيره عن ابن حبيب (6)، وهو الذي يأتي على المشهور في ماله؛ ولهذا اقتصر عليه هنا.

قوله: (فَإِنْ مَاتَ أَوْ أَسْلَمَ، فَالأَرْضُ فَقَطْ لِلْمُسْلِمِينَ) أي: فإن مات العنوي أو أسلم فالأرض للمسلمين؛ يريد: لأنها لم تقر بيده إلا ليعمل فيها وتكون إعانة له على أداء الجزية، وإذا مات أو أسلم ذهب ذلك، وأشار بقوله:(فقط) إلى أن غير الأرض من الرقيق والحيوان والعروض لا يكون للمسلمين بإسلامه أو موته بل له أو لورثته، وشهره ابن الحاجب (7)، وقيل: هو للمسلمين، وقيل: إنه يملك ما اكتسبه بعد الفتح لا قبله، قاله محمد (8)، ابن رشد: وهو استحسان على غير قياس (9).

قوله: (وَفِي الصُّلْح إِنْ أُجْمِلَتْ، فَلَهُمْ أَرْضُهُمْ، وَالْوَصِيَّةُ بِمَالِهِمْ، وَوَرِثُوهَا) أشار بهذا الكلام وما بعده إلى أَن الجزية الصلحية على ثلاثة أوجه: الأول: هو المراد بقوله: (إن أجملت فَلَهُمْ أَرْضُهُمْ، وَالْوَصِيَّةُ بِمَالِهِمْ، وَوَرِثُوهَا (10) إلى آخره)، ومعناه أنها إذا وقعت

(1) في (ن 2): (الجزية).

(2)

في (س): (ذكرا).

(3)

انظر: التبصرة، للخمي، ص: 1453 و 1454.

(4)

في (ز): (قرت).

(5)

انظر: النوادر والزيادات 3/ 363.

(6)

انظر: المنتقى: 4/ 447.

(7)

في (ن): (ابن الجلاب). وانظر: الجامع بين الأمهات: 1/ 361.

(8)

انظر: النوادر والزيادات 3/ 363.

(9)

البيان والتحصيل: 4/ 188.

(10)

قوله: (فَلَهُمْ أرْضُهُمْ، وَالْوَصِيَّةُ بِمَالِهِمْ، وَوَرِثُوهَا) زيادة من (ن 2).

ص: 510

مجملة" أي: وقع الصلح مجملًا عَلى البلد بما حوت من أرض ورقاب من غير تفصيل بما ينوب كل شخص، ونص ابن القاسم فيه على أن أرضهم كمالِهم يبيعونها ويورثونها ويقسمونها وتكون لهم إن أسلموا عليها، ومن مات منهم من غير وارث فنصيبه من الأرض والمال لأهل مؤدَّاه (1)، ولا يمنعون من الوصية ولو أحاطت بجميع مالِهم، وهو مراده بقوله:(وَالْوَصِيَّةُ بِمَالِهِمْ) أي: جميعه، وذهب ابن حبيب إلى أن الأرض توقف ولا تقسم ولا تباع ولا تكون لمن أسلم (2)، ومن مات فماله لورثته (3) من أهل دينه، إلا أن لا يكون له وارث، الوجه الثاني: أن تكون الجزية مفرقة على الجماجم، ولا خلاف فيه أن لهم أرضهم وما لهم ويبيعون (4) ويورثون وتكون (5) لهم إن أسلموا عليها، ومن مات منهم من غير وارث فماله وأرضه للمسلمين. ولا تجوز وصيته إلا في الثلث، وإلى هذا الوجه (6) أشار بقوله:(وَإِنْ فرِّقَتْ عَلَى الرِّقَاب فَهِيَ لَهُمْ، إِلا أَنْ يَمُوتَ بلا وَارِثٍ فَلِلْمُسْلِمِينَ).

قوله: (وَوَصِيَّتُهمْ فِي الثُّلُثِ) أي: لا غير، وأما قوله:(وَإِنْ فُرِّقَتْ عَلَيْهَا أوْ عَلَيْهِما فَلَهُمْ بَيْعُهَا، وَخَرَاجُهَا عَلَى الْبَائِع) إشارة إلى الوجه الثالث وهي أن تكون الجزية مفرقة على الأرض فقط أو عليها وعلى (7) الرقاب معًا، وإليهما يعود ضمير التثنية، ومذهب ابن القاسم في المدونة ما ذكره هنا أن لهم بيع الأرض ويكون الخراج على البائع (8)، وروى ابن نافع عن مالك أن بيعها لا يجوز (9)، ولأشهب في المدونة: أن لهم البيع

(1) في (س): (مواده)، وفي (ن):(ملته)، وفي (ن 2) و (ز 2):(سواده)، ولعله الموافق لما في المدونة، ونَصُّ ابن القاسم فيها:(لجميع أهل الإسلام). انظر: المدونة، دار صادر: 10/ 272.

(2)

انظر: النوادر والزيادات 3/ 363.

(3)

قوله: (لورثته) يقابله في (ن): (لأهل مودته).

(4)

في (ز): (ويبيعونه).

(5)

في (ن 2): (يردون).

(6)

قوله: (الوجه) ساقط من (س).

(7)

في (س): (أو على).

(8)

انظر: المدونة، دار صادر: 10/ 272 و 273.

(9)

انظر: المدونة، دار صادر: 10/ 273، والبيان والتحصيل: 4/ 188.

ص: 511

ويكون الخراج على المشتري (1).

(المتن)

وَلِلْعَنَوِيِّ إِحْدَاثُ كَنِيسَةٍ، إِنْ شُرِطَ وَإلَّا فَلَا، كَرَمِّ الْمُنْهَدِمِ. وَلِلصُّلْحِيّ الإِحْدَاثُ، وَبَيْعُ عَرْصَتِهَا أَوْ حَائِطٍ؛ لَا بِبَلَدِ الإِسْلَامِ إِلَّا لِمَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ،

(الشرح)

يريد أن العنوي إذا شرط عند ضرب الجزية عليه أنه (2) إن شاء إحداث (3) كنيسة فعل لا يمنع منه، وإن لم يشترط (4) فليس له ذلك، ويمنع كما يمنع من رم المنهدم من كنائسهم، وأما الصلحي فله أيضًا الإحداث وبيع العرصة التي لها وكذلك بيع الحائط، وكل هذا في غير بلد الإسلام، وأما فيها فلا يمكنون (5) من ذلك، فإن كان يحصل من ذلك مفسدة أعظم ارتكب أخف المفسدتين، وفي الجواهر: أن العنوي لا يترك له عند ضرب الجزية كنيسة إلا هدمت ولا يمكن من إحداثها بعد وإن كان منعزلًا (6) عن بلاد الإسلام، قال: ولو باع الأسقف (7) عرصة من الكنيسة أو حائطًا جاز إن كان البلد صلحًا، ولم يجز إن كان عنوة (8).

(المتن)

وَمُنِعَ رُكُوبُ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالسُّرُوجِ، وَجَادَّةِ الطَّرِيقِ، وَأُلْزِمَ بلُبْسٍ يُمَيزُ بِهِ، وَعُزِّرَ لِتَرْكِ الزُّنَّارِ، وَظُهُورِ السُّكْرِ، وَمُعْتَقَدِهِ، وَبَسْطِ لِسَانِهِ، وَأريقَتِ الْخَمْرُ، وَكُسِرَ النَّاقُوسُ. وَيَنْتَقِضُ بِقِتَالٍ، وَمَنْعِ جِزْيَةٍ، وَتَمَرُّدٍ عَلَى الأَحْكَامِ، وَغَصْبِ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ، وَغُرُورِهَا، وَتَطَلُّعِهِ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَسَبّ نَبِيِّ بمَا لَمْ يَكْفُرْ بِهِ، قَالُوا كَلَيْسَ بِنَبِيّ، أَوْ لَمْ يُرْسَلْ، أَوْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قُرْآنٌ، أَوْ تَقَوَّلَهُ، أَوْ عِيسَى خَلَقَ مُحَمَّدًا، أَو مِسكِينٌ محَمَّدٌ يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ بِالْجَنَّةِ مَالَهُ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسَهُ حِينَ أَكَلَتْه الْكِلَابُ، وَقُتِلَ إِنْ لَمْ يُسْلِمْ.

(الشرح)

(1) انظر: المدونة، دار صادر: 10/ 273.

(2)

قوله: (عليه أنه) ساقط من (ن 1).

(3)

في (س) و (ن 1) و (ن 2): (أحدث).

(4)

في (س): (يشترطه).

(5)

في (ن 1): (يمكنهم الإمام).

(6)

في (س): (منعولًا).

(7)

في (ن 1): (الأساقفة).

(8)

انظر: عقد الجواهر: 1/ 330 و 331.

ص: 512

قوله: (وَمُنِعَ رُكُوبَ الْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالسُّرُوجِ، وَجَادَّةِ الطَّرِيقِ) أي: وكذلك يمنع الكافر من ركوب الخيل والبغال. ابن شاس: أي من النفيسة ولا يمنعون من الحمار (1)، ولا يركبون السروج بل يركبون (2) الأكف عرضًا ويمنعون من جادة الطريق، ابن شاس: ويضطرون إلى المضيق إذا لم يكن الطريق خاليًا، وروى ابن حبيب أنه عليه السلام قال:"إذا لقيتموهم في طريق فألجئوهم إلى أضيقها (3) "(4).

قوله: (وَأُلْزِمَ بِلُبْسٍ يُمَيَّزُ بِهِ) ابن شاس: يلزم بلبس الغيار ولا يتشبه بالمسلمين في الزي (5).

قوله: (وَعُزِّرَ لِتَرْكِ الزُّنَّارِ) هكذا قال في الجواهر (6).

قوله: (وَظُهُورِ السُّكْرِ، وَمُعْتَقَدِهِ وَبَسْطِ لِسَانِهِ) أي: وكذلك يعزر إذا أظهر السكر على نفسه، أو أظهر معتقده في المسيح أو بسط لسانه بحضرة المسلمين، قال في الجواهر: ولا يمنع أهل الصلح من إظهار الخمر والناقوس ونحو ذلك داخل كنائسهم وليس لهم إظهار ذلك خارجها، ولا حمل خمر من قرية إلى قرية من قرى المسلمين (7)، ونكسرها إن ظهرنا عليهم، وإن أظهروا ناقوسًا كسرناه (8)، وإليه أشار بقوله:(وَأُرِيقَتِ الخَمْرُ، وَكُسِرَ النَّاقُوسُ) ثم أشار إلى ما يكون من فعلهم نقضًا للعهد فقال: (وَيُنْتَقَضُ بِقِتَالٍ وَمَنْعِ جِزْيَةٍ وَتَمرُّدٍ عَلَى الأَحْكَامِ (9)) ولا إشكال فيه لأنه منافٍ للأمان والتأمين

(1) في (ن) و (ن 2): (الجمال).

(2)

في (ن 2): (يكف).

(3)

أخرجه مسلم: 4/ 1707، في باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم، من كتاب السلام، برقم: 2167، وأبو داود: 2/ 773، في باب في السلام على أهل الذمة، من كتاب الأدب، برقم: 5205، والترمذي: 4/ 154، في باب التسليم على أهل الكتاب، من كتاب السير، برقم:1602.

(4)

انظر: عقد الجواهر: 1/ 332.

(5)

انظر: عقد الجواهر: 1/ 332.

(6)

انظر: عقد الجواهر: 1/ 332.

(7)

في (ز) و (ن): (الإسلام).

(8)

انظر: عقد الجواهر: 1/ 331.

(9)

قوله: (وَمَنْعِ جِزْيَةٍ وَتَمَرُّدٍ عَلَى الأَحْكَامِ) زيادة من (ن 2).

ص: 513

وهما مقصود عقد الذمة، فإذا برز الذمي للمسلمين بذلك سقط ما كان له عليهم من الحماية والذب ونحو ذلك.

قوله: (وَمَنْع جِزْيَةٍ) لأنها عوض عن تأمينهم وحقن دمائهم.

قوله: (وَتَمَرُّدٍ عَلَى الأَحْكَامِ) لأن ذلك منافٍ للإهانة والصَّغار الذي جعله الله عليهم.

قوله: (وَغَصْبِ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ) أي: على الزنى، فلو طاوعته لم يكن نقضًا عند مالك خلافًا لابن وهب، واحترز بـ (الحرة) من الأمة فإنه لا يكون بإكراهها على الزنى ناقضًا، قاله محمد، وفيه خلاف (1).

قوله: (وَغُرُورِهَا) أي: غر (2) الحرة بأنه مسلم فتزوجها. اللخمي: وهو نقض عند ابن نافع (3).

قوله: (وَتَطَلُّعِ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ) أي: ومما يكون نقضًا للعهد (4) التطلع على عورات المسلمين، وهو ظاهر.

قوله: (وَسَبِّ نَبِيٍّ بِما لَمْ يَكْفُرْ بِهِ) واحترز به مما إذا سبه بما كفر به كقوله له (5): لم يرسل إلينا وإنما بعث للعرب، فإنه لا ينتقض عهده بذلك، فإن سبه بما لم يكفر به؛ قتل، إلا أن يسلم.

قال في الشفاء: روى عيسى عن ابن القاسم في ذمي قال: إن محمدًا ليس بنبي، أولم يرسل، أو لم ينزل عليه قرآن وإنما هو شيء تقوَّله؛ أنه يقتل، وإليه أشار بقوله:(قَالُوا كَلَيْسَ بِنَبِيٍّ، أَوْ لَمْ يُرْسَلْ، أَوْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قُرْآنٌ، أو تَقَوَّلَهُ)(6)، وإنما ذكر هذا بقوله:(قالوا) كالمتبرئ؛ لأنه أيضًا مما كفر به، وفيه نظر، ومعنى (تقوَّله): اختلقه من تلقاء نفسه كقوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ} [الطور: 33].

(1) انظر: المنتقى: 7/ 299.

(2)

في (ن 2): (غرور).

(3)

انظر: التبصرة، للخمي، ص:2108.

(4)

قوله: (للعهد) زيادة من (ن 2).

(5)

قوله: (له): زيادة من (ز).

(6)

قوله: (أنه يقتل، وإليه أشار. . . عَلَيْهِ قُرْآنٌ، أو تَقَوَّلَهُ) ساقط من (ز).

ص: 514

قوله: (أَوْ عِيسَى خَلَقَ مُحَمَّدًا) القاضي: وسئل أبو مصعب عن نصراني قال: عيسى خلق محمدًا، قال: يقتل، وقال ابن القاسم: سألنا مالكًا عن نصراني بمصر شهد عليه أنَّه قال: مسكين محمَّد يخبركم أنَّه في الجنة، ما له لم ينفع نفسه إذ كانت الكلاب تأكل ساقيه (1)، لو قتلوه استراح منه الناس، قال مالك: أرى أن تضرب عنقه (2)، وإليه أشار بقوله:(أَوْ مِسْكِينٌ مُحَمَّدٌ يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ بِالجَنَّةِ مَا لَهُ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسَهُ حِينَ أَكَلَتْهُ الْكِلابُ) والباء في (بالجنة) للظرفية (3) كما تقدم.

قوله: (وَقُتِلَ إِنْ لَمْ يُسْلِمْ) أي: فإن حصل منه شيء من الأمور التي يكون بها ناقضًا للعهد قتل إلا أن يسلم، ونحوه في الجواهر (4) وغيرها، وقد ذكرنا شيئًا من ذلك في الكبير.

(المتن)

وَإِنْ خَرَجَ لِدَارِ الْحَرْبِ وَأُخِذَ اسْتُرِقَّ إِنْ لَمْ يُظْلَمْ، وَإِلَّا فَلا، كَمُحَارَبَتِه. وَإن ارْتَدَّ جَمَاعَةٌ وَحَارَبُوا فَكَالْمُرْتَدِّينَ

(الشرح)

.

قوله: (وَإِنْ خَرَجَ لِدَارِ الحَرْبِ وَأُخِذَ اسْتُرِقَّ) يريد أن الذميَّ إذا خرج ناقضًا (5) للعهد طالبًا السكنى بدار الحرب ثمَّ أُخِذ فإنَّه يسترق، وهو المشهور، وقاله مالك وابن القاسم، وقال أشهب: لا يسترق (6).

قوله: (إِنْ لَمْ يُظْلَمْ) يريد أن الحكم المذكور مقيد بما إذا لم يكن الذمي قد خرج لظلم لحقه؛ أي: وأمَّا إن خرج لذلك فإنَّه لا يسترق، وهو المشهور، وقوله في المدونة (7) خلافًا للداودي، وإليه أشار بقوله:(وَإِلا فَلا (أ) أي: فلا استرقاق، وأشار بقوله:(كَمُحَارَبَتِهِ) إلى أنَّه إذا حارب لا يسترق، قال في المدونة: ويحكم فيه بحكم المسلم إذا

(1) قوله: (ساقيه) يقابله في (ن): (تأكل شيئًا فيه).

(2)

انظر: النوادر والزيادات 14/ 526.

(3)

قوله: (للظرفية) ساقط من (س).

(4)

انظر: عقد الجواهر: 1/ 333.

(5)

قوله: (ناقضًا) ساقط من (س).

(6)

انظر: النوادر والزيادات: 3/ 347.

(7)

انظر: المدونة: 1/ 509.

ص: 515