المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌[صفة الوجه] لما أنهى المصنف رحمه الله الكلام على صفة العلو، - تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي

[عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر]

فهرس الكتاب

الفصل: ‌ ‌[صفة الوجه] لما أنهى المصنف رحمه الله الكلام على صفة العلو،

[صفة الوجه]

لما أنهى المصنف رحمه الله الكلام على صفة العلو، وذكر بعض أدلتها من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وذكر بعض الآثار المروية عن السلف في ذلك، انتقل إلى الكلام عن صفة أخرى من صفات الرب سبحانه وتعالى، وهي: صفة الوجه.

والوجه صفة ذاتية لله جل وعلا، ثابتة في الكتاب والسنة، وأدلتها في القرآن والسنة كثيرة جداً، وقد ذُكر الوجه في القرآن وفي السنة وأضيفت إليه صفات كثيرة، مثل النور، والسبحات، والبصر، إلى غير ذلك.

وأهل السنة رحمهم الله منهجهم في هذه الصفة هو منهجهم في جميع الصفات: يقولون: إن لله وجهاً يليق بجلاله وكماله، كما نطق بذلك كتابه، وصح عن رسوله صلى الله عليه وسلم، فهم يثبتونه لله على المعنى اللائق به، بلا تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، على حد قول الله تبارك وتعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} 1.

أما أهل الأهواء فلا يثبتونه لله تبارك وتعالى، بل يتأولونه تأويلات مختلفة ومتنوعة، فمنهم من يقول: الوجه الذات، ومنهم من يقول: الوجه الثواب، إلى غير ذلك من تأويلاتهم الباطلة 2.

والوجه في لغة العرب هو: مستقبل الشيء، ويضاف إلى الزمان وإلى المكان، وإلى الحيوان، وهو في كلِّ موطن بحسب ما أضيف إليه، على القاعدة المعروفة: الإضافة تقتضي التخصيص.

1 الآية 11 من سورة الشورى.

2 أشار ابن القيم إلى طرف منها في مختصر الصواعق " ص174 " ثم قال: " وهذه أقوال نعوذ بوجه الله العظيم من أن يجعلنا من أهلها ".

ص: 99

فإذا أضيف إلى المسألة مثلاً، فقيل: ما وجه هذه المسألة؟ يعني الذي يبدو منها، ووجه المسألة مسألة. وعندما يقال: وجه النهار يُعنَى أوله، ووجه النهار نهار. وعندما يقال: وجه الإنسان ووجه الحيوان، فهو في كل موطن بحسبه.

فإذا أضيف الوجه إلى من ليس كمثله شيء، كان الوجه ليس كمثله وجه، فلله عز وجل وجه حقيقي، يليق بجلاله وكماله، والشأن فيه كالشأن في ذات الله، فكما أنَّ لله ذاتاً لا تشبه الذوات، فله ـ كما أخبر عن نفسه، وأخبر عنه رسوله صلى الله عليه وسلم"وجه لا يشبه الوجوه.

فبدأ المصنف الكلام عن هذه الصفة بقوله: " ومن الصفات التي نطق بها القرآن، وصحت بها الأخبار: الوجه "

وهذا على قاعدة أهل السنة السابق ذكرها: إثبات ما ثبت في الكتاب والسنة. ثم أورد بعض الأدلة من القرآن ومن السنة، فيها إثبات الوجه لله تبارك وتعالى، فقال:

" قال الله عز وجل: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ} "

فأضاف سبحانه الوجه إلى نفسه، وأسند هذه الصفة إلى نفسه، فقال:" وجهه ". فالآية دالة على ثبوت الوجه صفة لله تبارك وتعالى على المعنى اللائق به وبجلاله وكماله.

كما تدل على بقائه سبحانه، إذ في ذكر بقاء الوجه وعدم هلاكه دلالة على بقاء ذاته سبحانه، فهو الباقي الآخر الذي ليس بعده شيء، وكل المخلوقات تهلك ويبقى الحي الذي لا يموت، كما قال الله تعالى:{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} 1.

ثم أعقبها بدليل آخر من القرآن فقال: " وقال الله عز وجل: {وَيَبْقَى وَجْهُ

1 الآية 58 من سورة الفرقان.

ص: 100

رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ} " وهي بمعنى الآية السابقة، أي: الكل هالك، والباقي وجه الله.

وقد شوَّش بعض المبتدعة على الناس، فقالوا: لو أثبتنا من هذه الآية الوجه، للزم من ذلك هلاك الذات ـ تعالى الله عما يقولون ـ؛ لأنه لم يُسْتَثنَ. وهذا من أسوء الفهم وأقبحه، وليس فيه توقير لله تبارك وتعالى ولا تعظيم لكلامه سبحانه، فإنَّ الآية دالة على ثبوت الوجه صفة له، وعلى بقائه سبحانه؛ لأن الإخبار عن بقاء المذوي بالجلال والإكرام دال على بقاء ذاته.

وبعضهم يقول في الوجه هنا وفي الآية التي قبله: إنه صلة أي: زائد، فيكون المعنى: كل شيء هالك إلا هو.

وقولهم هذا باطل؛ لأنك لو تأملت لوجدت أنَّ البقاء أضيف إلى الوجه، والوجه أضيف إلى الذات، ثم نعت بـ:{ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ} ، فهو صفة للوجه، إذ لو كان صفة للرب لقال تبارك وتعالى:" ذي الجلال والإكرام ". فكيف يقال في شيء وصف في الآية بصفتين: الجلال والإكرام بأنه شيء زائد. فالوصف هنا: {ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ} وصفٌ لوجه الرب تبارك وتعالى، وقد وصف الله نفسه سبحانه في آيات أخرى بالجلال والإكرام. وفي الجلال معنى الكمال والعظمة، وفي الإكرام معنى الحسن والجمال والبهاء.

وقد اقتصر المصنف رحمه الله على ذكر هاتين الآيتين في إثبات هذه الصفة، وإلا فالآيات الدالة على ثبوتها في القرآن كثيرة.

ثم أورد المصنف رحمه الله دليلاً على إثبات صفة الوجه من السنة، فقال:" وروى أبو موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"جنات الفردوس

ص: 101

أربع، ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم عز وجل إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن"

في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه هذا ذكر جنات الفردوس، وأنَّ درجات أهل الجنة في الجنة متفاوتة، وأنَّ منازلهم متباينة، كما قال تعالى:{وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} 1 فالجنة فيها جنات، وهي متفاوتة متباينة المنازل، يقول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر:"إنَّ أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم"2. فأهل الغرف لهم منازل رفيعة في الجنة، حتى إنَّ أهل الجنة لينظرون إليهم مثل ما ننظر إلى النجم الذي في أعلى السماء؛ بحيث يحتاج الإنسان لأنَّ يرفع رأسه رفعاً شديداً حتى ينظر إلى ذاك النجم العالي.

وفي سورة الرحمن وسورة الواقعة إشارة إلى هذه الجنات التي يتحدث عنها الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، ففي سورة الرحمن قال تعالى:{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} 3 ثم ذكر أوصافهما، ثم قال:{وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} 4 ثم ذكر أوصافهما. وفي سورة الواقعة ذكر جنة المقربين، ثم ذكر جنة أصحاب اليمين مع ذكر أوصاف عديدة لهاتين الجنتين.

وهنا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في وصف جنات الفردوس الأربع: " ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما ": هاتان الجنتان أرفع من الجنتين الآتيتين، ولعلهما ـ والله تعالى أعلم ـ للمقربين، ثم ذكر بعدهما جنتين من فضة،

1 الآية 19 من سورة الأحقاف.

2 أخرجه البخاري " رقم 3256 "، ومسلم " رقم 7073 " واللفظ له.

3 الآية 46 من سورة الرحمن.

4 الآية 62 من سورة الرحمن.

ص: 102

ولعلهما ـ والله تعالى أعلم ـ لأصحاب اليمين، كما في التقسيم الوارد في سورتي الرحمن والواقعة.

وفي الحديث إثبات الرؤية، وأنَّ الله عز وجل يُرى يوم القيامة، يراه المؤمنون عياناً بأبصارهم حقيقة، وهي أكمل وأعظم نعيم يحظون به في الجنة.

وفيه ـ أيضاً ـ: إثبات صفة الكبرياء لله عز وجل، كما في الحديث الآخر:"الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري"1.

والشاهد منه هو قوله: " على وجهه " ففيه إثبات الوجه صفة لله عز وجل.

ومن أدعية النبي صلى الله عليه وسلم:"وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة"2.

" وروى أبو موسى قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع، فقال: إنَّ الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يَخفِض القسطَ ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النار، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره. ثم قرأ: {أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا} رواه مسلم "

" قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع " أي بذكر أربع كلمات.

بدأها بقوله: " إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام " فذكر صفة من الصفات التي ينزه الله تبارك وتعالى عنها، وهي النوم، وقد سبق بيان أن

1 أخرجه أبو داود " رقم 4090 "، وابن ماجه " رقم 4174 "، وأحمد " 2/248 "، وابن حبان " رقم 328 "، والحاكم " 1/129 وقال: صحيح على شرط مسلم ".

2 أخرجه النسائي " رقم 1305 "، والبزار " رقم 1393 "، وابن حبان " رقم 1971 " وصححه الألباني في صحيح الجامع " رقم 1301 " وانظر شرحاً لطيفاً لهذا الدعاء في كتاب:" شرح حديث لبيك اللهم لبيك " لابن رجب " ص95 "

ص: 103

منهج أهل السنة: إثبات ما ثبت في الكتاب والسنة، ونفي ما نُفِي فيهما.

فقد نفى الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث النوم عن ربه، فقال:" لا ينام "، وهو نظير قوله جل وعلا:{اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} 1، فهو سبحانه منزه عن النوم لكمال حياته وقيوميته.

ولأهل السنة قاعدة معروفة في الصفات المنفية، مثل النوم والسِنة والولد واللغوب والظلم ونحو ذلك"، وهي: أنَّ النفي الوارد في صفات الله ليس نفياً صِِرفاً، وإنما هو نفي متضمن إثبات كمال ضد المنفي لله جل وعلا 2، فالنفي الصِرف ـ الذي لا يتضمن معنى ثبوتياً ـ ليس مدحاً، فقد يُنفى الشيء عن الإنسان لعجزه عنه، أو لعدم قابليته له.

فقد ينفى الظلم والاعتداء ـ مثلاً ـ عن شخص لا لعدله، وإنما لعجزه وضعفه، كما قال رجل يذم قبيلته:

قُبَيِّلةٌ لا يغدرون بذمة

ولا يظلمون الناس حبة خردل

فنفى عن قبيلته الظلم، لكن لمَّا كان هذا النفي نفياً صرفاً غير متضمن لمعنى ثبوتي كان ذماً لها، فهو أراد أن يعبر عن ضعف قبيلته، وأنها ليس عندها قدرة ولا قوة على حمل السلاح ومقاومة الناس، فقال: قُبيلة تصغيراً لهم، ونفى عنهم الظلم لعجزهم عنه، لا لكمال عدلهم. فقول النبي صلى الله عليه وسلم:" لا ينام " ليس نفياً صِرفاً، بل هو متضمن لإثبات كمال الضد، وهو كمال الحياة والقيومية كما قال تعالى:{اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} ، كما أنَّ في نفي الظلم إثبات كمال العدل، وفي نفي اللغوب ـ وهو التعب ـ إثبات كمال القوة والقدرة، وفي نفي العجز إثبات كمال القوة

1 الآية 255 من سورة البقرة.

2 انظر: بدائع الفوائد " 1/161 "

ص: 104

والقدرة وهكذا، فكلُّ نفي في القرآن والسنة يتعلق بصفات الله جل وعلا ليس نفياً صِرفاً، وإنما هو متضمن إثبات كمال الضد.

والكلمة الثانية: " يخفض القسط ويرفعه " والقسط: الميزان الذي توزن به الأعمال والأقوال والصحائف، وسمي الميزان قسطاً لأنَّه به يكون القسط ـ الذي هو العدل ـ، ووزن الأمور بدقة وسوية وإنصاف.

" يخفض القسط ويرفعه " أي بيده تبارك وتعالى الميزان، وبيده تبارك وتعالى العدل. وفي الحديث الآخر، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إنَّ يمين الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنَّه لم ينقص ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض"1.

وفي هذا الحديث: إبطال لكلِّ تأويل قيل في يد الله تبارك وتعالى؛ لأنه ذكر اليمين وأنها ملأى لا يغيضها نفقة، ثم ذكر اليد الأخرى. فهل يقال: قدرته الأخرى أو قوته الأخرى!!

الكلمة الثالثة قال: " يُرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل " وهذا بمعنى الحديث الآخر المتفق عليه 2، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم:"يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ـ وهو أعلم بهم ـ: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون".

1 أخرجه البخاري " رقم 7419 "، ومسلم " رقم 2306 "، وفي لفظ عند البخاري " رقم 7411 ":" وبيده الأخرى: الميزان يخفض ويرفع ".

2 أخرجه البخاري " رقم 555 "، ومسلم " رقم 1430 "

ص: 105

وهذان الحديثان: من أنواع أدلة العلو، فقوله عزوجل:" يعرجون إليه "، و"يرفع إليه " دالان على علو الله سبحانه؛ لأن الرفع والعروج والصعود إنما يكون إلى أعلى.

ونظير هذا قول الله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} 1، وقوله:{بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} 2.

" يُرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل " عمل الليل قبل النهار أي: في صلاة الفجر. وعمل النهار قبل الليل أي: في صلاة العصر. والله جل وعلا وكَّل بهذه المهمة ملائكة يتعاقبون في الناس، تنزل جماعة وتصعد أخرى، يتعاقبون ويتناوبون، ويأخذ كلُّ واحد العقبى من الآخر في هذه المهمة.

ولا شك أنَّ الإيمان بهذا يحرك في الإنسان حب العمل، والإقبال على الله تبارك وتعالى. ولو تأمل العبد في هذا التعاقب واستحضره ما نام عن صلاة الفجر، بل يقبل على الطاعات ويجتهد فيها حتى ترفع أعماله إلى الله عز وجل وقد كُتب فيها عنه خير، فكيف يليق بمسلم يعلم أن الملائكة يعرجون إلى الله ويخبرونه بحاله ـ وهو أعلم به ولكن اقتضت حكمته ذلك ـ أن ينام عن صلاة الفجر، ثم تصعد الملائكة وتخبر عنه بهذه الحال: تفريط وتضييع لما أمر الله تبارك وتعالى به وأوجبه عليه.

فعلى طالب العلم أن يراعي هذا الجانب عند دراسة العقيدة، وعليه أن يجتهد في أن تحرك قلبه ويعالج بها تقصيره، فإنَّه إذا أحسن تأملها واستحضارها كان لها ـ بإذن الله تعالى ـ أثر عليه وعلى سلوكه وعمله وإقباله على طاعة ربه تبارك وتعالى.

1 الآية 10 من سورة فاطر.

2 الآية 158 من سورة النساء.

ص: 106

الكلمة الرابعة: " حجابه النار "، وفي بعض ألفاظ الحديث:" حجابه النور "، ولعله تردد من بعض الرواة. قال ابن القيم رحمه الله:" النور الذي احتجب به سمي نوراً وناراً، كما وقع التردد في لفظه في الحديث الصحيح: حديث أبي موسى الأشعري وهو قوله: " حجابه النور أو النار "، فإنَّ هذه النار هي نور، وهي التي كلَّم الله كليمه موسى فيها، وهي نار صافية لها إشراق بلا إحراق. فالأقسام ثلاثة: إشراق بلا إحراق، كنور القمر. وإحراق بلا إشراق، وهي نار جهنم فهي سوداء محرقة لا تضيء. وإشراق بإحراق، وهي هذه النار المضيئة، وكذلك نور الشمس له الإشراق والإحراق، فهذا في الأنوار المشهودة المخلوقة. وحجاب الرب تبارك وتعالى نور وهو نار"1.

فحجابه النور أو النار كلاهما يؤدي إلى معنى واحد.

" لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كلَّ شيء أدركه بصره " سبحات جمع سبحة، وهي البهاء والحسن والجمال، أي: جمال وجهه وحسنه وبهاؤه تبارك وتعالى.

فوصف النبي صلى الله عليه وسلم وجه الله عز وجل بأنَّ له سبحات، وأيضاً أضاف إليه البصر فقال:" أدركه بصره "، ومعلوم أنَّ بصر الله تعالى ينتهي إلى رؤية كلِّ المبصرات وجميع المرئيات، فهو تبارك وتعالى يرى كلَّ شيء، ولا يغيب عن بصره شيء، دقيق الأمور وجليلها، صغيرها وكبيرها، يرى تبارك وتعالى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في ظلمة الليل، ويرى جريان الدم في عروقها، ويرى كلَّ جزء من أجزائها.

1 مختصر الصواعق " 2/194 ـ 195 "، وانظر: مجموع الفتاوى " 6/387 "

ص: 107

فهل يمكن أن يخطر بقلب مؤمن يقرأ هذا الحديث ويفهمه ويتأمله أن هذا الوجه العظيم كوجه الإنسان؟! هل هناك عاقل عنده شيء من العقل، يقرأ هذا الحديث ثم يقول بكلِّ حماقة ووقاحة وتفاهة لو أثبتنا لله وجهاً حقيقياً للزم من ذلك أن يكون كوجه الإنسان؟! سبحان الله عما يصفون.

فهذا يبين تفاهة عقول المعطلة ومرض صدورهم، فالذي يصل إلى هذا المستوى فما أجهله، ولا أضل عقلاً منه، ولا أضل عن سواء السبيل.

نظير ذلك في اليد، يقولون: لو أثبتنا لله يداً حقيقة للزم أن تكون مثل أيدينا، فمن يقرأ قول الله تعالى:{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} 1، كيف يخطر بباله هذه اليد؟ أعني يد المخلوق إلا إذا كان أجهل الناس، وأذهبهم عقلاً، وأقلهم بصيرة، وأضلهم عن سواء السبيل.

وسبب التأويل هو هذا الفهم، فالمعطلة والمؤولة عندما يقرءون هذه الأحاديث لا يفهمون منها إلا هذا الذي في الشاهد، فمثلاً هنا " سبحات وجهه " يقولون: نحن لا نعقل وجهاً إلا ما نراه في الشاهد، فيقيسون وجه الله العظيم بوجه الإنسان، ثم يبنون عليه تعطيل صفة الوجه أو تأويلها أو تفويض معناها لله.

وامتن الله عز وجل على أهل السنة وأكرمهم بأن سلِموا من هذا التشبيه فسلِم لهم معتقدهم. وكلُّ من خالف أهل السنة فهو واقع في التشبيه لا محالة، بل إنَّ التشبيه هو سبب البلاء المنتشر والضلال الواقع في الأسماء والصفات، فإنَّه لما قام في نفوسهم، وظنوا أنَّه هو مدلول النص، انتقلوا إما إلى التفويض أو التعطيل أو التأويل، كلٌّ بحسب معتقده، كما قال صاحب الجوهرة:

1 الآية 67 من سورة الزمر.

ص: 108

وكلُّ نص أوهم التشبيه

أوله أو فوض ورم تنزيهاً

فكلُّ من خالف أهل السنة في الصفات فهو مريض، وأمراضهم متنوعة، لكنَّ جرثومة المرض عند الجميع واحدة، وهي التشبيه، فولَّدت عند بعضهم تفويضاً، وعند البعض تعطيلاً، وعند البعض تأويلاً.

ولهذا فإنَّ المؤول والمعطل والمفوض كلهم مشبهة، وسبب ما وقعوا فيه من تفويض أو تأويل أو تعطيل هو التشبيه الذي وقعوا فيه أولاً.

والشاهد من الحديث: قوله: " سبحات وجهه "، ففيه إثبات الوجه صفة لله تبارك وتعالى على ما يليق بجلاله وكماله وعظمته.

" ثم قرأ: {أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا} رواه مسلم " الآية في سورة النمل: {نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أي نودي موسى عليه السلام، والذي ناداه هو الله تبارك وتعالى.

" ثم قرأ ": مَنْ يقرأ هذا السياق الذي ذكره المصنف لا يخطر بباله إلا أنَّ الذي قرأ هذه الآية هو الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنْ في هذا السياق خطئان:"

الأول: نسبة هذه الزيادة لمسلم، وهي ليست موجودة فيه، فقد أخرج مسلم الحديث في صحيحه من ثلاثة طرق، وانتهى الحديث عنده عند الكلمات الأربعة بدون " ثم قرأ " 1، وإنما وقعت في بعض مصادر التخريج الأخرى 2.

الثاني: أن قارئ الآية ـ كما في مصادر التخريج ـ ليس هو النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود راوي الحديث عن أبي موسى الأشعري، فأبو عبيدة لما روى الحديث قرأ هذه الآية كاملة؛ لما فيها من شاهد عليه. وهذا يكثر

1 الصحيح " رقم 444 ـ 446 "

2 انظر: سنن ابن ماجه " رقم 196 "، ومسند أحمد " 4/400 "، ومسند الطيالسي " رقم 941 "، ومسند أبي يعلى " رقم 7262 "، ومسند الروياني " رقم 584 " وقد نسبت الزيادة في جميعها لأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود.

ص: 109

عند الصحابة والتابعين عقب الحديث، يقولون: واقرءوا إن شئتم، فيذكرون آية فيها شاهد لمعنى من المعاني الواردة في الحديث.

ولعل هذا الخطأ من النساخ والله أعلم.

ثم ختم المصنف رحمه الله الكلام عن هذه الصفة بقوله: " فهذه صفة ثابتة بنص الكتاب وخبر الصادق الأمين، فيجب الإقرار بها والتسليم، كسائر الصفات الثابتة بواضح الدلالات "

" فهذه صفة " الإشارة إلى صفة الوجه التي مر بعض أدلتها.

" ثابتة بنص الكتاب " كما سبق بعض الأدلة من الكتاب على ذلك.

" وخبر الصادق الأمين " كما مرت بعض الأحاديث الدالة على ذلك.

" فيجب الإقرار بها والتسليم " أي يجب على كلِّ مسلم أن يقر بمدلول هذه الآيات والأحاديث، وهو أنَّ لله تعالى وجهاً يليق بجلاله وكماله.

" كسائر الصفات الثابتة " هذا الكلام فيه إشارة واضحة إلى قاعدة معروفة عند أهل السنة في باب الصفات، ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية 1 وغير واحد من أهل العلم قبله، منهم الإمام الحافظ عبد الغني في سياقه هذا، وهي: أنَّ باب الصفات واحد، والقول فيها واحد، والقول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، فالقول في الوجه كالقول في سائر الصفات.

" بواضح الدلالات " إذا ثبتت الصفة بدليل واضح، فليس أمام المسلم إلا التسليم والإقرار، هذا هو منهج أهل السنة في هذه الصفة، وفي جميع صفات الله تبارك وتعالى.

1 انظر: التدمرية " ص 31 ـ 43 "

ص: 110