الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَيْ: كَانَتِ الْأُمَمُ الْمَاضِيَةُ وَالْقُرُونُ السَّالِفَةُ أَشَدَّ مِنْكُمْ -أَيُّهَا الْمَبْعُوثُ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ (1) وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا، وَمَا أُوتِيتُمْ مِعْشَارَ مَا أُوتُوا، ومُكنوا فِي الدُّنْيَا تَمْكِينًا لَمْ تَبْلُغُوا إِلَيْهِ، وَعُمِّرُوا فِيهَا أَعْمَارًا طِوَالًا فَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِنْكُمْ. وَاسْتَغَلُّوهَا أَكْثَرَ مِنَ اسْتِغْلَالِكُمْ، وَمَعَ هَذَا لَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا، أَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ، وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ، وَلَا حَالَتْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَأْسِ (2) اللَّهِ، وَلَا دَفَعُوا عَنْهُمْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ فِيمَا أَحَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أَيْ: وَإِنَّمَا أُوتُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ حَيْثُ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ، واستهزؤوا بِهَا، وَمَا ذَاكَ إِلَّا بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمُ السَّالِفَةِ وَتَكْذِيبِهِمُ الْمُتَقَدِّمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ:{ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:{وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الْأَنْعَامِ:
11
0] ، وَقَوْلُهُ (3) :{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصَّفِّ: 5]، وَقَالَ:{فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} [الْمَائِدَةِ: 49] .
وَعَلَى هَذَا تَكُونُ (4) السوءى منصوبة مفعولا لأساءوا. وَقِيلَ: بَلِ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى} أي: كانت السوءى عَاقِبَتَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يستهزئون. فعلى هذا تكون السوءى مَنْصُوبَةً خَبَرَ كَانَ. هَذَا تَوْجِيهُ ابْنِ جَرِيرٍ (5) ، وَنَقَلَهُ (6) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُمَا وَعَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزاحم، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، {وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} .
(1) في ت: "صلى الله عليه وسلم".
(2)
في ت: "أمر".
(3)
في ت، ف:"وقال".
(4)
في ف: "يكون".
(5)
تفسير الطبري (21/18) .
(6)
في ت: "ومنقول".
{وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ
(16) }
.
يَقُولُ تَعَالَى: {اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أَيْ: كَمَا هُوَ قَادِرٌ عَلَى بَداءته فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِ، {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ، أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ.
ثُمَّ قَالَ: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَيْأَسُ الْمُجْرِمُونَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَفْتَضِحُ الْمُجْرِمُونَ. وَفِي رِوَايَةٍ: يَكْتَئِبُ الْمُجْرِمُونَ.
{وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ} أَيْ: مَا شَفَعَتْ فِيهِمُ الْآلِهَةُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَكَفَرُوا بِهِمْ وَخَانُوهُمْ أَحْوَجَ مَا كَانُوا إِلَيْهِمْ.