المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

سليمان، فما ظنك بتلاوة القرآن الذي هو أفضل الكتب الإلهية.   ‌ ‌58 - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٨

[محمد الأمين الهرري]

الفصل: سليمان، فما ظنك بتلاوة القرآن الذي هو أفضل الكتب الإلهية.   ‌ ‌58

سليمان، فما ظنك بتلاوة القرآن الذي هو أفضل الكتب الإلهية.

‌58

- ثم أفرد سبحانه المهاجرين بالذكر، تخصيصًا لهم بمزيد الشرف، فقال:{وَالَّذِينَ هَاجَرُوا} وفارقوا أوطانهم، وتركوا عشائرهم {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وطاعته، وجهاد أعدائه، طلبًا لرضاه سبحانه.

وقال بعض المفسرين (1): هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة. وقال بعضهم: هم الذين هاجروا من الأوطان في سرية، أو عسكر، ولا يبعد حمل ذلك على الأمرين، والكل من سبيل الله. {ثُمَّ قُتِلُوا} أي: قتلهم أعداء الله في الجهاد. قرأ ابن عامر وأهل الشام {ثم قتِّلوا} بالتشديد على التكثير. وقرأ الباقون بالتخفيف. {أَوْ مَاتُوا} في حال المهاجرة في سفر، أو حضر من غير قتل. واللام في قوله:{لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا} جواب قسم محذوف، والجملة القسمية وجوابها خبر قوله:{وَالَّذِينَ هَاجَرُوا} . وفيه دليل على وقوع الجملة القسمية خبرًا للمبتدأ؛ أي: وعزتي وجلالي ليثيبنهم الله تعالى ثوابًا جزيلًا لا ينقطع أبدًا، هو نعيم الجنة، جزاء ما ناضلوا عن دينه، وأخلصوا في الذود عنه.

{وَإِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} وأفضل المعطين، وأجود الأكرمين، يعطي من يشاء بغير حساب، ويرزق الخلق كافَّةً، بارهم وفاجرهم، وكل رزق يجري على يد العباد بعضهم لبعض فهو منه سبحانه، لا رزاق سواه، ولا معطي غيره. وجملة {إن} تذييلية مقررة لما قبلها. والرزق العطاء الجاري دنيويًا كان أو أخرويًا.

‌59

- وجملة قوله: {لَيُدْخِلَنَّهُمْ} ؛ أي: ليدخلن الله سبحانه وتعالى المهاجرين. واللام فيه للقسم. {مُدْخَلًا} اسم مكان أريد به الجنة. قرأ أهل المدينة: مدخلًا بفتح الميم، والباقون بضمها. وانتصابه على أنه مفعول ثان، أو مصدر ميمي مؤكد للفعل المذكور. جملة مستأنفة، أو بدل من جملة ليرزقنهم الله؛ أي:

(1) الشوكاني.

ص: 379

وعزتي وجلالي ليدخلنهم الله سبحانه مسكنًا يحبونه لما أنهم يرون فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وذلك هو الذي يرضونه وفوق الرضا. وفي هذا من الامتنان عليهم، والتبشير لهم ما لا يقادر قدره، فإن المدخل الذي يرضونه هو الأوفق لنفوسهم، والأقرب إلى مطلبهم.

والمعنى: أي والله ليدخلن الله المقتولين في سبيله، والموتى مهاجرين في طاعة ربهم، وذودًا عن دينه جنات النعيم، ويكرمون فيها بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، لما لا ينالهم فيها مكروه، ولا أذى. كما قال:{لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26)} {وَإِنَّ اللَّهَ} سبحانه {لَعَلِيمٌ} بدرجات العالمين، ومراتب استحقاقهم {حَلِيمٌ} عن تفريط المفرطين منهم، لا يعاجلهم بالعقوبة.

والمعنى: أي وإن الله الذي عمت رحمته، وعظمت نعمته لعليم بمقاصدهم، وأعمالهم، وأعمال أعدائهم، حليم فلم يعاجل هؤلاء المكذبين بالعقوبة جزاء تكذيبهم ومقاومتهم دعوة الدين مع غاية الاقتدار.

روي: "أن إبراهيم عليه السلام، رأى عاصيًا في معصيته فدعا عليه، وقال اللهم أهلكه ثم رأى ثانيًا وثالثًا ورابعًا فدعا عليه، فقال الله تعالى: يا إبراهيم لو أهلكنا كل عبد عصى ما بقي إلا القليل، ولكن إذا عصى أمْهَلْناه فإن تاب قبلناه، وإن استغفر أخرنا العذاب عنه، لعلمنا أنه لا يخرج عن ملكنا".

الإعراب

{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)} .

{إِنَّ اللَّهَ} : ناصب واسمه {يُدَافِعُ} فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله. {عَنِ الَّذِينَ} متعلق به ومفعول يدافع محذوف، تقديره: عوادي المشركين وغوائلهم. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر {إِنَّ} . وجملة {إِنَّ} مستأنفة مسوقة لتأكيد البشرى. {آمَنُوا} فعل وفاعل صلة الموصول {إِنَّ اللَّهَ} ناصب واسمه. {لَا} نافية {يُحِبُّ} فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على {اللَّهَ} . {كُلَّ

ص: 380

خَوَّانٍ} مفعول به ومضاف إليه. {كَفُورٍ} صفة {خَوَّانٍ} . وجملة {لَا يُحِبُّ} : في محل الرفع خبر {إنَّ} . وجملة {إنَّ} مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.

{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} .

{أُذِنَ} : فعل ماض مغير الصيغة. {لِلَّذِينَ} : جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل، والمأذون فيه محذوف لعلمه؛ أي: في القتال، والجملة الفعلية مستأنفة، مسوقة لبيان الإذن في قتال المشركين. {يُقَاتَلُونَ}: فعل ونائب فاعل صلة الموصول. {بِأَنَّهُمْ} الباء: حرف جر وسبب. {أنهم} ناصب واسمه. {ظُلِمُوا} فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الرفع خبر {إن} ، وجملة {إن} في تأويل مصدر مجرور بالباء؛ أي: بسبب ظلمهم، الجار والمجرور متعلق بـ {أُذِنَ} {وَإِنَّ اللَّهَ} الواو: استئنافية، {إن الله} ناصب واسمه. {عَلَى نَصْرِهِمْ}: جار ومجرور متعلق بـ {قدير} {لَقَدِيرٌ} اللام: حرف ابتداء {قدير} خبر {إن} ، وجملة {إن} مستأنفة مسوقة للوعد لهم بالنصر، على طريق الرمز والكناية. {الَّذِينَ} اسم موصول للجمع المذكر في محل الجر نعت، أو بدل من {الذين يقاتلون} ، أو في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف. {أُخْرِجُوا}: فعل ونائب فاعل صلة الموصول. {مِنْ دِيَارِهِمْ} متعلق بأخرجوا. {بِغَيْرِ حَقٍّ} جار ومجرور ومضاف إليه حال من واو {أُخْرِجُوا} ؛ أي: حالة كون إخراجهم ملتبسًا بغير حق، {إِلَّا} أداة استثناء منقطع {أَنْ يَقُولُوا} ناصب وفعل وفاعل {رَبُّنَا اللَّهُ} مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول لـ {يَقُولُوا} ، وجملة {يَقُولُوا} في تأويل مصدر منصوب على الاستثناء، ولكنه على تقدير حرف الجر، كما في المستثنى منه؛ أي: ما أخرجوا بشيء من الأشياء إلا بقولهم ربنا الله. واختار الزمخشري وغيره: أن يكون الاستثناء مفرغًا لوجود النفي بغير، فـ {إِلَّا} أداة حصر. و {أَنْ يَقُولُوا} في محل جر على الإبدال من {حَقٍّ}؛ أي: بغير موجب سوى التوحيد، الذي ينبغي أن يكون موجب الإقرار والتمكين، لا موجب الإخراج والتسيير. {وَلَوْلَا}:{الواو} : استئنافية. {لولا} حرف امتناع لوجود متضمن

ص: 381

معنى الشرط. {دَفْعُ اللَّهِ} مبتدأ خبره محذوف وجوبًا لقيام جواب {لولا} مقامه، تقديره موجود. وهو مصدر مضاف إلى الفاعل. {النَّاسَ} مفعول به لـ {دَفْعُ} ؛ لأن المعنى ولولا أن دفع الله الناس. {بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} بعضهم بدل بعض من الناس. {بِبَعْضٍ} متعلق بدفع.

{لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} .

{لَهُدِّمَتْ} : {اللام} : رابطة لجواب {لولا} . {هُدِّمَتْ صَوَامِعُ} فعل مغير ونائب فاعل. {وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ} معطوفات على {صَوَامِعُ} . والجملة الفعلية جواب {لولا} ، لا محل لها من الإعراب. وجملة {لولا} مستأنفة. {يُذْكَرُ} فعل مضارع مغير الصيغة. {فِيهَا} متعلق به. {اسْمُ اللَّهِ} نائب فاعل لـ {يُذْكَرُ}. {كَثِيرًا} صفة لمصدر محذوف؛ أي: ذكرا كثيرًا، أو صفة لظرف محذوف؛ أي: وقتا كثيرًا. والجملة الفعلية في محل الرفع صفة للمواضع المذكورة. {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ} الواو استئنافية. واللام: موطئة للقسم. {ينصرن} فعل مضارع في محل الرفع، لتجرده عن الناصب والجازم. في محل الرفع مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة. {اللَّهُ} فاعل {مَنْ} اسم موصول في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية جواب لقسم محذوف. وجملة القسم مستأنفة. {يَنْصُرُهُ}: فعل ومفعول به وفاعله ضمير يعود على {مَنْ} . والجملة الفعلية صلة الموصول. {إِنَّ اللَّهَ} : ناصب واسمه. {لَقَوِيٌّ} اللام حرف ابتداء، {قوي} خبر أول لأن. {عَزِيزٌ} خبر ثان لها وجملة إن مستأنفة مسوقة لتعليل النصر.

{الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)} .

{الَّذِينَ} : بدل من {الَّذِينَ} قبلها، أو نعت ثان لـ {الَّذِينَ} الأولى، أو خبر لمبتدأ محذوف، أو بدل من {مَنْ} الموصولة في قوله:{مَنْ يَنْصُرُهُ} ؛ أي:

ص: 382

لينصرن الله، الذي هم إن مكناهم. ذكر هذا الوجه الزجاج. {إن}. حرف شرط. {مَكَّنَّاهُمْ}: فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بـ {إِنْ} ، على كونه فعل شرط لها. {فِي الْأَرْضِ}: متعلق بـ {مَكَّنَّاهُمْ} . {أَقَامُوا الصَّلَاةَ} : فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بـ {إِنْ} على كونه جواب شرط لها، وجملة {إِنْ} الشرطية صلة الموصول، لا محل لها من الإعراب. {وَآتَوُا الزَّكَاةَ}: فعل وفاعل ومفعول معطوف على {أَقَامُوا} . {وَأَمَرُوا} : فعل وفاعل معطوف على {أَقَامُوا} أيضًا. {بِالْمَعْرُوفِ} : متعلق بـ {أمروا} . {وَنَهَوْا} : فعل وفاعل معطوف على {أَقَامُوا} . {عَنِ الْمُنْكَرِ} : متعلق بـ {نهوا} . {وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} : الواو استئنافية {لله} خبر مقدم. {عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} : مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة.

{وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ} .

{وَإِنْ} : {الواو} : استئنافية. {إن} : حرف شرط. {يُكَذِّبُوكَ} : فعل وفاعل ومفعول مجزوم بـ {إن} الشرطية على كونه فعل شرط لها، وعلامة جزمه حذف النون. {فَقَدْ}: الفاء: رابطة لجواب {إن} الشرطية وجوبًا، لكون الجواب مقرونًا بقد. {قد} حرف تحقيق. {كَذَّبَتْ}: فعل ماض في محل الجزم بـ {إن} الشرطية على كونه جوابًا لها. {قَبْلَهُمْ} متعلق به. {قَوْمُ نُوحٍ} : فاعل ومضاف إليه {وَعَادٌ} معطوف على {قَوْمُ نُوحٍ} . {وَثَمُودُ} معطوف عليه أيضًا. وجملة {إن} الشرطية مستأنفة. {وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ} معطوف على {قَوْمُ نُوحٍ} . وكذا قوله: {وَقَوْمُ لُوطٍ} {وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ} . معطوفان عليه. و {مَدْيَنَ} : ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي كزينب.

{وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} .

{وَكُذِّبَ مُوسَى} : {الواو} : عاطفة. {كُذِّب موسى} : فعل ونائب فاعل. والجملة في محل الجزم معطوفة على جملة قوله: {فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ} . {فَأَمْلَيْتُ} : الفاء: عاطفة. {أمليت} : فعل وفاعل في محل الجزم معطوف على

ص: 383

جملة الجواب. {لِلْكَافِرِينَ} : متعلق به. {ثُمَّ} : حرف عطف وتراخ. {أَخَذْتُهُمْ} : فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم معطوف على {أمليت} . {فَكَيْفَ} : الفاء، عاطفة. {كيف}: اسم استفهام للاستفهام التقريري التعجبي. في محل النصب خبر {كَانَ} مقدم عليها وجوبًا. {كَانَ} : فعل ماض ناقص محل الجزم معطوف على {أَخَذْتُهُمْ} . {نَكِيرِ} : اسمها مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، اجتزاء عنها بالكسرة الممنوعة بسكون الوقف. {نَكِيرِ}: مضاف وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بالكسرة في محل الجر مضاف إليه.

{فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45)} .

{فَكَأَيِّنْ} : {الفاء} : استئنافية. {كأين} خبرية بمعنى عدد كثير في محل الرفع، مبتدأ مبني على السكون لشبهها بالحرف، شبها معنويًا لتضمنه معنى رب التكثيرية. {مِنْ قَرْيَةٍ} تمييز لـ {كأين} مجرور بـ {مِنْ} الزائدة. {أَهْلَكْنَاهَا} فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر {كأين} . والجملة الاسمية مستأنفة، ويجوز نصب {كأين} على الاشتغال بفعل محذوف يفسره {أَهْلَكْنَاهَا} ، فتكون جملة {أَهْلَكْنَاهَا} مفسرة، {وَهِيَ ظَالِمَةٌ}: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من مفعول {أَهْلَكْنَاهَا}. {فَهِيَ} الفاء: عاطفة. {هي خاوية} مبتدأ وخبر. والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة {أَهْلَكْنَاهَا} . {عَلَى عُرُوشِهَا} : جار ومجرور متعلق بـ {خَاوِيَةٌ} . {وَبِئْرٍ} معطوف على {قَرْيَةٍ} . {مُعَطَّلَةٍ} صفة لـ {بئر} . {وَقَصْرٍ} معطوف أيضًا على {قَرْيَةٍ} . {مَشِيدٍ} صفة {قصر} .

{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} .

{أَفَلَمْ} : {الهمزة} : للاستفهام التوبيخي المضمن للإنكار داخلة على محذوف. والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف والتقدير: أغفل أهل مكة فلم يسيروا في الأرض. {لم} حرف نفي وجزم. {يَسِيرُوا} فعل وفاعل مجزوم بـ

ص: 384

{لم} . {فِي الْأَرْضِ} متعلق به. والجملة الفعلية معطوفة على الجملة المحذوفة. والجملة المحذوفة مستأنفة. {فَتَكُونَ} الفاء: عاطفة سببية {تكون} فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة وجوبًا، بعد الفاء السببية الواقعة في جواب الاستفهام، أو النفي. {لَهُمْ} جار ومجرور مقدم لـ {تكون} . {قُلُوبٌ} . اسمها. {يَعْقِلُونَ} فعل وفاعل. {بِهَا} متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع صفة لـ {قُلُوبٌ} ، والتقدير: فتكون قلوب عاقلون بها كائنة لهم. وجملة {تكون} صلة إن المضمرة، {إن} مع صلتها في تأويل مصدر. معطوف على مصدر متصل من الجملة التي قبلها، من غير سابكٍ لإصلاح المعنى. تقديره: هل يكون سيرهم في الأرض، فكون قلوب عاقلة لهم. أو لم يكن سيرهم في الأرض. فكون قلوب عاقلة لهم. {أَوْ آذَانٌ}: معطوف على {قُلُوبٌ} {يَسْمَعُونَ} فعل وفاعل صفة لـ {آذَانٌ} {بِهَا} جار ومجرور متعلق بـ {يَسْمَعُونَ} .

{فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} .

{فَإِنَّهَا} : {الفاء} : تعليلية {إنَّ} حرف نصب. الهاء: ضمير القصة في محل النصب اسمها {لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ} فعل وفاعل. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر {إن} مفسرة لضمير الشأن. وجملة {إن} مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. {وَلَكِنْ} الواو عاطفة. {لكن} حرف استدراك. {تَعْمَى الْقُلُوبُ} فعل وفاعل. والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على جملة {لَا تَعْمَى} على كونها خبرًا {لأن} {الَّتِي} صفة لـ {الْقُلُوبُ} . {فِي الصُّدُورِ} : جار ومجرور صلة الموصول.

{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47)} .

{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ} : {الواو} : استئنافية. {يستعجلونك} فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة {بِالْعَذَابِ}: متعلق به. {وَلَنْ يُخْلِفَ} الواو: حالية {لن} حرف نفي ونصب. {يُخْلِفَ اللَّهُ} : فعل وفاعل منصوب بـ {لن} . {وَعْدَهُ} مفعول به. والجملة في محل النصب حال من فاعل {يستعجلونك} ، والرابط محذوف،

ص: 385

تقديره ويستعجلونك بالعذاب، حالة كونهم، لن يخلف الله وعدهم. {وَإِنَّ} الواو عاطفة، أو استئنافية. {إن يومًا}: ناصب واسمه. {عِنْدَ رَبِّكَ} : صفة لـ {يَوْمًا} . {كَأَلْفِ سَنَةٍ} جار ومجرور ومضاف إليه خبر {إن} . {مِمَّا} جار ومجرور صفة {سَنَةٍ} ، وجملة:{تَعُدُّونَ} صلة لـ {ما} أو صفة لها. والعائد، أو الرابط محذوف، تقديره: مما تعدونه. وجملة {إن} في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها، على كونها حالًا من فاعل {يستعجلون} ، والتقدير: ويستعجلونك بالعذاب، حالة كونهم، لن يخلف الله وعدهم، وحالة كون يوم مما وعدهم ربهم، كألف سنة مما تعدون، أو جملة {إن} مستأنفة.

{وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48)} .

{وَكَأَيِّنْ} : {الواو} : عاطفة {كأين} : خبرية في محل الرفع مبتدأ. {مِنْ قَرْيَةٍ} : تمييز لها في محل النصب مجرور بـ {مِنْ} . {أَمْلَيْتُ} فعل وفاعل. والجملة في محل الرفع خبر {كأين} . والجملة الاسمية معطوفة على جملة {يستعجلونك} . {لَهَا} جار ومجرور متعلق بـ {أَمْلَيْتُ} . {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} مبتدأ وخبر. والجملة في محل النصب حال من ضمير لها. {ثُمَّ أَخَذْتُهَا} فعل وفعل ومفعول معطوف على {أَمْلَيْتُ} . {وَإِلَيَّ} خبر مقدم. {الْمَصِيرُ} مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة، أو حال من ضمير {أَخَذْتُهَا}؛ أي: ثم أخذتها حال، كون مصيرها إلى، لا إلى غيري.

{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49)} .

{قُلْ} : فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد. والجملة مستأنفة. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} إلى آخر الآية مقول محكي. وإن شئت قلت:{يَا} : حرف نداء. {أَيُّ} : منادى نكرة مقصودة. {ها} حرف تنبيه {النَّاسُ} : بدل لـ {أي} . وجملة النداء في محل النصب مقول {قُلْ} . {إِنَّمَا} أداة حصر. {أَنَا} مبتدأ. {لَكُمْ} : متعلق بما بعده {نَذِيرٌ} خبر المبتدأ {مُبِينٌ} صفة له، والجملة الاسمية في محل النصب، مقول {قُلْ} على كونها جواب النداء.

ص: 386

{فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50)} .

{فَالَّذِينَ} : {الفاء} : فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا قلت لهم: يا أيها الناس، إنما أنا لكم بشير ونذير، وأردت بيان مآلهم .. فأقول لك: الذين آمنوا. {الذين} مبتدأ أول. {آمَنُوا} : فعل وفاعل صلة الموصول. {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} فعل وفاعل ومفعول معطوف على {آمَنُوا} {لَهُمْ} : خبر مقدم. {مَغْفِرَةٌ} مبتدأ ثان مؤخر. {وَرِزْقٌ} معطوف على {مَغْفِرَةٌ} . {كَرِيمٌ} صفة لـ {رزق} ، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره. في محل الرفع خبر للأول، وجملة الأول مع خبره في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.

{وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (51)} .

{وَالَّذِينَ} : {الواو} : عاطفة {الذين} : مبتدأ أول. {سَعَوْا} فعل وفعل صلة الموصول. {فِي آيَاتِنَا} جار ومجرور متعلق بـ {سَعَوْا} . {مُعَاجِزِينَ} : حال من فاعل {سَعَوْا} {أُولَئِكَ} مبتدأ ثان {أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} خبره. والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر للأول، وجملة الأول مع خبره في محل النصب معطوفة على جملة قوله:{فَالَّذِينَ آمَنُوا} على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة.

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52)} .

{وَمَا} : {الواو} : استئنافية: {ما} : نافية. {أَرْسَلْنَا} فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. {مِنْ قَبْلِكَ} جار ومجرور متعلق بـ {أرسلنا}. {مِنْ}: زائدة. {رَسُولٍ} مفعول به لـ {أَرْسَلْنَا} . {وَلَا نَبِيٍّ} معطوف على الرسول. {إِلَّا} : أداة استثناء من عام الأوقات {إِذَا} ظرف لما يستقبل من الزمان. {تَمَنَّى} : فعل ماض وفاعله ضمير يعود على رسول أو نبي، والجملة الفعلية في محل الجر بإضافة إذا إليها، على كونها فعل شرط لها. {أَلْقَى الشَّيْطَانُ} فعل وفاعل. {فِي أُمْنِيَّتِهِ}: متعلق به، والجملة الفعلية جواب إذا لا محل لها من الإعراب. وجملة إذا من فعل شرطها وجوابها في محل النصب على الاستثناء من

ص: 387

أعم الأوقات، والتقدير: وما أرسلنا من قبلك من رسول، ولا نبي في وقت من الأوقات، إلا وقت القاء الشيطان في أمنيته وقت تمنيه وقراءته. {فَيَنْسَخُ اللَّهُ} الفاء: عاطفة {ينسخ الله ما} : فعل وفاعل ومفعول معطوف على {أَلْقَى} {يُلْقِي الشَّيْطَانُ} : فعل وفاعل صلة لما أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: ما يلقيه {الشَّيْطَانُ} . {ثُمَّ} : حرف عطف وتراخ. {يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ} فعل وفاعل ومفعول معطوف على {ينسخ} . {وَاللَّهُ} مبتدأ. {عَلِيمٌ} خبر أول {حَكِيمٌ} خبر ثان، والجملة الاسمية جملة معترضة، لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين الجار ومتعلقه.

{لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53)} .

{لِيَجْعَلَ} : {اللام} : حرف جر وتعليل. {يجعل} : منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الله. {مَا} في محل النصب مفعول أول لـ {جعل} . {يُلْقِي الشَّيْطَانُ} فعل وفاعل صلة لما، أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: ما يلقيه الشيطان. {فِتْنَةً} مفعول ثان لـ {جعل} ، وجملة يجعل مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لجعل الله ما يلقي الشيطان فتنة، للذين في قلوبهم مرضٌ. الجار والمجرور متعلق بـ {يُحْكِمُ}. وفي "الفتوحات" قوله:{لِيَجْعَلَ} في متعلق هذه اللام ثلاثة أوجه:

أظهرها: أنها متعلق بـ {يُحْكِمُ} .

والثاني: أنها متعلق بـ {ينسخ} ، وهذا الوجه ظاهر أيضًا.

والثالث: أنها متعلق بـ {أَلْقَى} ، وليس بظاهر، انتهى. {لِلَّذِينَ}: جار ومجرور صفة لـ {فِتْنَةً} ، أو متعلق به. {فِي قُلُوبِهِمْ} خبر مقدم. {مَرَضٌ} مبتدأ مؤخر، والجملة صلة الموصول. {وَالْقَاسِيَةِ} معطوف على الذين. {قُلُوبُهُمْ} فاعل القاسية. {وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} الواو حالية، أو استئنافية. {إن الظالمين}: ناصب واسمه. {لَفِي} اللام حرف ابتداء. {في شقاق} جار ومجرور خبر {إن} . {بَعِيدٍ} صفة {شِقَاقٍ} ، وجملة {إن} في محل النصب

ص: 388

حال، من الموصول وما عطف عليه، والرابط إعادة صاحب الحال بمعناه، والتقدير: حالة كون الذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم كائنين في شقاق بعيد، أو جملة {إن} مستأنفة.

{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54)} .

{وَلِيَعْلَمَ} : {الواو} : عاطفة. و {اللام} : حرف جر وتعليل {يعلم الذين} فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، الجار والمجرور معطوف على الجال والمجرور في قوله:{لِيَجْعَلَ} ، وقد تقدم لك بيان متعلقه. {أُوتُوا الْعِلْمَ} فعل ونائب فاعل ومفعول ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول. {أَنَّهُ الْحَقُّ} ناصب واسمه وخبره {مِنْ رَبِّكَ} جار ومجرور حال من {الْحَقُّ} ، وجملة {إن} في تأويل مصدر ساد مسد مفعول {يعلم}؛ أي: كونه الحق من ربهم. {فَيُؤْمِنُوا} : الفاء عاطفة. {يؤمنوا} ، فعل وفاعل مطعوف على {ليعلم} منصوب بأن مضمرة. {بِهِ} متعلق بـ {يؤمنوا}. {فَتُخْبِتَ} الفاء: عاطفة. {تخبت} فعل مضارع معطوف على {يؤمنوا} ، منصوب بأن مضمرة. {لَهُ}: جار ومجرور متعلق بـ {تخبت} . {قُلُوبُهُمْ} فاعل لـ {تخبت} . {وَإِنَّ اللَّهَ} الواو: استئنافية. {إن الله} : ناصب واسمه. {لَهَادِ} اللام: حرف ابتداء {هاد} : خبر {إن} مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة، للتخلص من التقاء الساكنين؛ لأنه اسم منقوص وحذفت خطًّا تبعًا للفظ. {الَّذِينَ} اسم موصول في محل النصب مفعول {هاد} ؛ لأنه اسم فاعل، ويجوز فيه الإضافة، وجملة {إن} مستأنفة. {آمَنُوا} فعل وفعل صلة الموصول. {إِلَى صِرَاطٍ} متعلق بـ {هاد}. {مُسْتَقِيمٍ}: صفة صراط.

{وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} .

{وَلَا} : {الواو} : عاطفة {لا} : نافية. {يَزَالُ} : فعل مضارع ناقص من أخوات كان. {الَّذِينَ} : في محل الرفع اسمها {كَفَرُوا} فعل وفاعل صلة

ص: 389

الموصول. {فِي مِرْيَةٍ} : جار ومجرور خبر {يَزَالُ} . {مِنْهُ} : جار ومجرور صفة لـ {مِرْيَةٍ} ، أو متعلق به، وجملة {لا يزال} من اسمها وخبرها معطوفة على جملة قوله:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ} ليستكمل شرح حال الكافرين ويستوفيها {حَتَّى} : حرف جر وغاية. {تَأْتِيَهُمُ} : فعل ومفعول منصوب بأن مضمرة وجوبًا. بعد حتى بمعنى إلى {السَّاعَةُ} : فاعل، والجملة الفعلية مع أن المضمرة، في تأويل مصدر مجرور بـ {حَتَّى} بمعنى إلى، تقديره إلى إتيان الساعة إياهم، الجار والمجرور متعلق بـ {يَزَالُ} . {بَغْتَةً} حال {أَوْ يَأْتِيَهُمْ} فعل ومفعول معطوف على {تَأْتِيَهُمُ} . {عَذَابُ يَوْمٍ} فاعل ومضاف إليه. {عَقِيمٍ} صفة لـ {يَوْمٍ} .

{الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (57)} .

{الْمُلْكُ} : مبتدأ. {يَوْمَئِذٍ} : ظرف مضاف إلى مثله، متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر. {لِلَّهِ} جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. {يَحْكُمُ} فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية مستأنفة استئنافًا بيانيًا، كأنه قيل: إذا كان الملك لله سبحانه، فماذا يصنع بهم. {بَيْنَهُمْ} ظرف متعلق بـ {يَحْكُمُ}. {فَالَّذِينَ} الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنه يحكم بينهم، وأردت بيان كيفية الحكم بينهم .. فأقول لك:{الذين} مبتدأ {آمَنُوا} فعل وفاعل صلة الموصول. {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} : فعل وفاعل ومفعول معطوف على {آمَنُوا} . {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} : جار ومجرور ومضاف إليه، خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. {وَالَّذِينَ} مبتدأ أول. {كَفَرُوا} فعل وفاعل صلة الموصول. {وَكَذَّبُوا} فعل وفاعل معطوف على كفروا. {بِآيَاتِنَا} جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بكذبوا. {فَأُولَئِكَ} الفاء: رابطة الخبر بالمبتدأ، لما في المبتدأ من رائحة الشرط. {أولئك} مبتدأ ثان. {لَهُمْ} خبر مقدم {عَذَابٌ} مبتدأ ثالث مؤخر. {مُهِينٌ}

ص: 390

صفة لـ {عَذَابٌ} ، وجملة الثالث خبر للمبتدأ الثاني، وجملة الثاني خبر للأول، وجملة الأول في محل النصب، معطوفة على جملة قوله:{فَالَّذِينَ آمَنُوا} .

{وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58)} .

{وَالَّذِينَ} : {الواو} : استئنافية. {الذين} مبتدأ. {هَاجَرُوا} : فعل وفاعل صلة الموصول. {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} متعلق به. {ثُمَّ قُتِلُوا} : فعل ونائب فاعل معطوف على {هَاجَرُوا} {أَوْ مَاتُوا} فعل وفاعل معطوف على {قُتِلُوا} . {لَيَرْزُقَنَّهُمُ} اللام، موطئة للقسم. {يرزقنهم}: فعل ومفعول في محل الرفع، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد. {اللَّهُ} فاعل. {رِزْقًا} مفعول مطلق. {حَسَنًا} صفة له، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم مع جوابه، في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. {وَإِنَّ اللَّهَ} ناصب واسمه {لَهُوَ} اللام، حرف ابتداء. {هو} ضمير فصل. {خَيْرُ الرَّازِقِينَ} خبر {إن} ، وجملة {إن} مستأنفة مسوقة لتأكيد ما قبلها.

{لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59)} .

{لَيُدْخِلَنَّهُمْ} : {اللام} : موطئة للقسم. {يدخلنهم} : فعل مضارع ومفعول به. في محل الرفع، مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية جوابا القسم، وجملة القسم بدل من قوله:{لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ} ، أو مستأنفة. {مُدْخَلًا} منصوب على المفعولية المطلقة. {يَرْضَوْنَهُ}: فعل وفاعل ومفعول صفة لمدخلًا. {وَإِنَّ اللَّهَ} ناصب واسمه. {لَعَلِيمٌ} : اللام: حرف ابتداء. {عليم} : خبر أول لأن. {حَلِيمٌ} خبر ثان لها، وجملة {إن} معطوفة على جملة القسم أو مستأنفة.

التصريف ومفردات اللغة

{يُدَافِعُ} ؛ أي: يدفع فالمبالغة ليست على بابها. قال الراغب: الدفع إذا عدى بإلى اقتضى معنى الإنالة، نحو قوله تعالى:{فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} . وإذا

ص: 391

عدى بعن، اقتضى معنى الحماية: نحو قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} ؛ أي: يبالغ في دفع ضرر المشركين عن المؤمنين، ويحميهم أشد الحماية من أذاهم. {خَوَّانٍ} بليغ الخيانة في أمانة الله، أمرًا كان، أو نهيًا، أو غيرهما من الأمانات. {كَفُورٍ} بليغ الكفران لنعمته، فلا يرضى فعلهم ولا ينصرهم. والكفران في جحود النعمة أكثر استعمالًا، والكفر في الدين أكثر، والكفور فيهما جميعًا. وصيغة المبالغة فيهما لبيان أنهم كانوا كذلك، لا لتقييد البعض بغاية الخيانة والكفر، فإن نفي الحب كناية عن البغض.

{الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} والمراد بديارهم: مكة المكرمة. وتسمى البلاد الديار؛ لأنه يدار فيها للتصرف. يقال: ديار بكر لبلادهم، وتقول العرب: الذي حوالي مكة، نحن من عرب الدار، يريدون من عرب البلد. قال الراغب:"الدار المنزل اعتبارًا بدورانها الذي لها بالحائط". وقيل: دارة وجمعها ديار، ثم تسمى البلدة دارًا. اهـ. "روح البيان".

{لَهُدِّمَتْ} الدم: إسقاط البناء، والتهديم للتكثير؛ أي: لخربت باستيلاء المشركين عليها. {صَوَامِعُ} جمع صومعة وصومع، وهو جبل أو مكان مرتفع يسكنه الراهب، أو المتعبد قصد الإنفراد. ثم أطلقت الكلمة على الدير والصومعة أيضًا العقاب والبرنس وأعلى كل جبل، إذا كان منتدق الرأس. وفي "السمين" الصومعة: البناء المرتفع المحدب الأعلى. ووزنها فوعلة، كدحرجة. وهي متعبد الرهبان. وقيل: متعبد الصابئين.

{بيع} جمع بيعة بكسر الباء، المعبد للنصارى واليهود، والجمع بيه بكسر الباء وفتح الياء، وبيعات بكسر الباء وسكون الياء. {وَصَلَوَاتٌ}: بفتح الصاد واللام، جمع صلاة. وسميت الكنيسة صلاة، لأنه يصلي فيها. وقيل: هي كلمة معربه، أصلها بالعبرانية: صلوثا بفتح الصاد والثاء المثلثة، كما في "الخفاجي على البيضاوي"، وبه قرىء في الشواذ.

ومعناه في لغتهم: المصلى فلا يكون مجازًا. {وَمَسَاجِدُ} جمع مسجد، وهو معبد المسلمين.

ص: 392

{وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ} قال الراغب المعروف: اسمٌ لكل فعل يعرف بالعقل، والشرع حسنه و {الْمُنْكَرِ}: ما ينكر بهما.

{فَأَمْلَيْتُ} أمهلتهم إلى أجلهم {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} قال الراغب: الأخذ: وضع الشيء وتحصيله، وذلك تارة بالتناول. نحو {مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ} وتارة بالقهر ومنه الآية. {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} والنكير: مصدر بمعنى الإنكار، كالنذير بمعنى الإنذار، فالمراد بالإنكار: التغييير بالضد بأن غير حياتهم بإهلاكهم وموتهم، وعمارتهم بالخراب. وليس بمعنى الإنكار اللساني والقلبي، اهـ. شيخنا. وفي "المراغي"، والنكير والإنكار على الشيء: أن تفعل فعلًا به يزجر المنكر عليه على ما فعل. {فَهِيَ خَاوِيَةٌ} ؛ أي: ساقطة. {عَلَى عُرُوشِهَا} ؛ أي: سقوفها.

{وَبِئْرٍ} البئر في الأصل: حفيرٌ يستر رأسها لئلا يقع فيها من مر عليها. وفي "المختار" بأر يبأر بأرًا بهمزة بعد الباء إذا حفرها، وبابه قطع، وقد تبدل همزته ياء والبئر فعلٌ بمعنى مفعول، كالذبح بمعنى المذبوح، حفرة في الأرض عظيمة، يستقى منها الماء، والجمع آبار وأبائر، وبئار وأبؤر، وهي مؤنثة. وفي "الأساس" الفاسق من ابتأر، والفويسق من ابتهر، يقال ابترت الجارية إذا قال: فعلت بها وهو صادق، وابتهرتها إذا قال: ذلك وهو كاذبٌ، ومنه التأبير، وهو شق كيزان طلع الإناث، وذر طلع المذكور فيه.

{مُعَطَّلَةٍ} ؛ أي: متروكة بموت أهلها، معطلة عن منافعها، مع أنها عامرة فيها الماء، ومعها آلات الاستقاء. {وَقَصْرٍ} يقال: قصرت كذا ضممت بعضه إلى بعض، ومنه سمي القصر. قال في "القاموس": القصر خلاف الطول وخلاف المد والمنزل، وكل بيت من حجر. {مَشِيدٍ}؛ أي؛ مبني بالشيد وهو الجص. وقيل: مشيد؛ أي: مطول مرفوع البنيان وفي "القاموس" شاد الحائط يشيده إذا طلاه بالشيد، وهو ما طلي به حائط من جصٍّ ونحوه. والمشيد المعمول به، وكمؤيد المطول انتهى.

{وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} والكريم من كل نوع: ما يجمع فضائله، ويحوز كمالاته.

ص: 393

اهـ. "بيضاوي". {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} وأصل السعي: الإسراع في المشي، ثم استعمل في الإصلاح والإفساد. يقال سعى في أمر فلان، إذا أصلحه أو أفسده بسعيه فيه؛ أي: سعوا واجتهدوا في إبطال آياتنا حيث قالوا: القرآن شعر، أو سحر، أو أساطير الأولين. {مُعَاجِزِينَ}؛ أي: مسابقين المؤمنين ومعارضين لهم، فكلما طلبوا إظهار الحق، طلب هؤلاء إبطاله. وأصله من قولهم عاجزه فأعجزه إذا سابقه فسبقه.

و {أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} الجحيم: النار الموقدة، وقيل: اسم دركة من دركاتها {إِلَّا إِذَا تَمَنَّى} ؛ أي: قرأ، قال في "القاموس": تمنَّى الكتاب، قرأه، والحديث اخترعه وافتعله. اهـ.

وقال الراغب: التمني تقدير شيء في النفس وتصويره فيها، والأمنية الصورة الحاصلة في النفس من تمني الشيء. وقوله تعالى:{وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} .

معناه إلا تلاوةً مجردة عن المعرفة، من حيث إن التلاوة بلا معرفة المعنى: تجري عند صاحبها مجرى أمنية تمناها على التخمين، اهـ. "روح البيان".

وإنما سميت القراءة أُمنيةً؛ لأن القارىء إذا انتهى إلى آية رحمة، تمنى حصولها، وإذا انتهى إلى آية عذاب، تمنى أن لا يبتلى به، اهـ من الرازي. وفي "المختار" والأمنية، واحد الأماني، تقول منه تمنى الكتاب إذا قرأه، اهـ.

{فَيَنْسَخُ اللَّهُ} ؛ أي: يزيل ويبطل، فالمراد بالنسخ هو النسخ اللغوي، لا النسخ الشرعي المستعمل في الأحكام. {وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} من القسوة وهو غلظ القلب، وأصله من حجر قاس، والمقاساة معالجة ذلك. وأل في القاسية موصولة، والصفة صلتها، وقلوبهم فاعل بها، والضمير المضاف إليه هو عائد الموصول. وأنث الصلة لأن مرفوعها مؤنث مجازي، ولو وضع فعل موضعها لجاز تأنيثه. والقاسية عطف على الذين، كما سبق في مبحث الإعراب؛ أي: فتنة للذين في قلوبهم مرض، وفتنة للقاسية قلوبهم، اهـ. "سمين" - والمراد بهم الكفار المجاهرون بالكفر.

ص: 394

{شِقَاقٍ بَعِيدٍ} ؛ أي: عداوة شديدة. {فَتُخْبِتَ} ؛ أي: تذل وتخضع. {فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ} ؛ أي: شكٍ وريبٍ وجدال من القرآن. والمرية بالكسر والضم لغتان مشهورتان، وظاهر كلام أبي البقاء أنهما قراءتان ولا أحفظ الضم هنا، اهـ. "سمين". قال الراغب: المرية التردد في الأمر، هي أخص من الشك.

{بَغْتَةً} فجأة. {السَّاعَةُ} ؛ أي: القيامة أو الموت. {يَوْمٍ عَقِيمٍ} ؛ أي: منفرد عن سائر الأيام، لا مثيل له في شدته. والمراد الحرب الضروس. وأصل العقم اليبس المانع من قبول الأثر والعقيم من النساء التي لا تقبل ماء الفحل.

{فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} قال الراغب: النعيم، النعمة الكثيرة، اهـ. {خَيْرُ الرَّازِقِينَ}؛ أي: أفضل المعطين، فأفعل التفضيل على بابه، ومعلوم أن كل الرزق من عنده تعالى، فالتفاوت إنما كان بسبب أنه تعالى مختص، بأن يرزق لما لا يقدر عليه غيره. وقيل: إن غيره إذا رزق فإنما يرزق لانتفاعه، إما لأجل خروجه عن الواجب، أو لأجل أن يستحق به حمداً أو ثناء، أو لأجل الرقة الجنسية، وأما الحق سبحانه وتعالى، فإن كماله صفة ذاتية له، فلا يستفيد من شيء كمالًا زائدًا، فالرزق الصادر منه لمحض "الإحسان" اهـ. كرخي.

{ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا} والقتل: إزاة الروح عن الجسد، لكن إذا اعتبر بفعل المتولي لذلك يقال له قتل، وإذا اعتبر بفوت الحياة يقال له موتٌ.

{مُدْخَلًا} بضم الميم من أدخل يدخل مدخلًا؛ أي: إدخالًا فيكون مدخلًا اسمًا لمصدر الفعل الذي قبله، فيكون المفعول به محذوفًا؛ أي: ليدخلنهم الجنة إدخالًا يرضونه، وقراءة نافع بفتحها موضع الدخول، فيكون المدخل مصدر، دخل يدخل دخولًا ومدخلًا فيكون مفعولًا للفعل قبله، ليدخلنهم مكانًا يرضونه، اهـ. كرخي.

البلاغة

وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة، وضروبًا من الفصاحة والبيان والبديع:

ص: 395

فمنها: المبالغة في قوله: {خَوَّانٍ كَفُورٍ} لأن فعالًا وفعولًا من أوزان المبالغة.

ومنها: حذف مفعول يدافع اختصارًا لدلالة المقام على تعيينه؛ أي: غوائل المشركين. قال أبو حيان: لم يذكر الله ما يدفعه عنهم ليكون أفخم وأعظم وأعم.

ومنها: حذف مفعول: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ} لدلالة السياق عليه؛ أي: أذن لهم في القتال بعد الهجرة.

ومنها: التعبير عن الماضي بلفظ المضارع في قوله: {إِلَّا أَنْ يَقُولُوا} ؛ أي: بسبب قولهم إشارة إلى استمرار ذلك القول. ودوامه لهم.

ومنها: تأكيد المدح بما يشبه الذم في قوله: {إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} .

ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} زيادة في التشنيع عليهم. وللنداء عليهم بصفة الكفر، وحق العبارة أن يقال: فأمليت لهم.

ومنها: الاستفهام التقريري التعجبي في قوله: {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} .

ومنها: المجاز المرسل في قوله: {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} من إسناد ما للحال إلى المحل؛ لأن الظلم من وصف أهلها، لا من وصف القرية.

ومنها: تأنيث ضمير الشأن في قوله: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ} وحسن التأنيث في الضمير، كونه وليه فعل بعلامة تأنيث، ولو ذكر في الكلام فقيل: فإنه لجاز، وهي قراءة مروية عن عبد الله، والتذكير باعتبار الأمر والشأن، والتأنيث باعتبار القصة، اهـ. "سمين".

ومنها: التشبيه في قوله: {كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} .

ومنها: التكرير في قوله: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ} .

ومنها: الاكتفاء في قوله: {إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} بدليل التعميم المذكور

ص: 396

فيما بعد، وكان القياس أن يقال: إنما أنا لكم بشير ونذير لذكر الفريقين بعده.

ومنها: المقابلة اللطيفة بين قوله: {فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} وقوله: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} .

ومنها: جناس الاشتقاق، في قوله:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ} .

ومنها: الطباق بين {ينسخ ثم يحكم} .

ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر، تسجيلًا عليهم ونداءً باسم الظلم، في قوله:{وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} .

ومنها: الاستعارة بالكناية في قوله: {يَوْمٍ عَقِيمٍ} بأن شبه ما لا خير فيه من الزمان بالنساء العقيم، كما شبهت الريح التي لا تحمل السحاب، ولا تلقح الأشجار بهن، تشبيهًا مضمرًا في النفس، وإثبات العقم تخيل، فإن الأيام بعضها نتائج لبعض، فكل يوم يلد مثله، اهـ. من "الشهاب". أو لأن يوم الحرب يقتل فيه أولاد النساء فيصرن كأنهن عقم لم يلدن.

ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.

والله سبحانه وتعالى أعلم

* * *

ص: 397

قال الله سبحانه جلَّ وعلا:

{ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (61) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (66) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (67) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (71) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72) يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (76) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)}

ص: 398

المناسبة

قوله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ

} مناسبة هذه الآيات لما قبلها واضحة، وهو أنه تعالى لما ذكر ثواب من هاجر وقتل ومات في سبيل الله أخبر أنه لا يدع نصرتهم في الدنيا على من بغى عليهم وهو قديرٌ على ذلك إذ من قدر على إدخال الليل في النهار وإدخال النهار في الليل بأن يزيد من أحدهما ما ينقصه من الآخر .. يقدر على نصره وهو الثابت الإلهية وحده إذ لا يصلح لها إلا من كان كامل القدرة كامل الحلم وأن ما سواه باطل لا يقدر على شيء.

قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه وتعالى لمّا ذكر (1) ما دلّ على قدرته الباهرة، من إيلاج الليل في النهار والنهار في الليل، وهما أمران مشاهدان بمجيء الظلمة والنور، ذكر أيضًا ما هو مشاهد من العالم العلوي والعالم السفلي، وهو نزول المطر وإنبات الأرض، وإنزال المطر واخضرار الأرض مرئيّان.

قوله تعالى: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما قدّم (2) ذكر نعمه، وأنه رؤوف بعباده رحيم بهم، وأنّ الإنسان كفور بطبعه، ومن ثمّ جحد الخالق لهذه النعم، أتبعه بزجر معاصريه صلى الله عليه وسلم من أهل الأديان السماوية، عن منازعته بذكر خطأهم فيما تمسكوا به من الشرائع، وبيان أنّ لكل أمة شريعة خاصّة. ثمّ أمره بالثبات على ما هو عليه من الحقّ، وأنه لا يضره عناد الجاحدين، فالله هو الحكم بينهم وبينه يوم القيامة. وفي "الفتوحات": مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن هذه مشتملة على النعم التكليفية، والتي قبلها مشتملة على نعم غير تكليفية، اهـ. انتهت.

قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ

} الآيات،

(1) البحر المحيط.

(2)

المراغي.

ص: 399

مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّه سبحانه وتعالى لمّا ذكر (1) الفصل بين الكفار والمؤمنين يوم القيامة، أعقب تعالى ذلك بأنّه عالم بجميع ما في السماء والأرض، فلا تخفى عليه أعمالكم، وأن ذلك في كتاب.

وعبارة المراغي هنا: مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه لمّا ذكر أنّه يحكم بين عباده يوم القيامة، ويجازي كلاًّ من المسيء والمحسن بما هو له أهل .. أعقب هذا ببيان أنّه العليم بما يستحقّه كلًّا منهم، فيقع حكمه بينهم بالعدل.

ثمّ أرشد إلى أنّه على وضوح الدلائل وعظيم النعم عليهم عبدوا غيره مما لم يقم الدليل على وجوده، وأنّهم مع جهلهم إذا نبّهوا إلى الحقّ، وعرضت عليهم المعجزة، وتلي عليهم الكتاب الكريم، ظهر في وجوههم الغيظ والغضب، وهمّوا أن يبطشوا بمن يذكّرهم بآيته إنكارًا منهم لما خوطبوا به. ثمّ أبان لهم أنّ ما ينالهم من النار التي يقتحمونها بأفعالهم وأقوالهم، أعظم مما ينالهم من الغمّ والغيظ حين تلاوة هذه الآيات.

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لمّا ذكر أنّ الكفار يعبدون ما لا دليل على عبادته، لا من سمع ولا من عقل، ويتركون عبادة من خلقهم .. ذكر ما عليه معبوداتهم من انتفاء القدرة على خلق أقلّ الأشياء، بل على ردّ ما أخذه ذلك الأقلّ منه، وفي ذلك تجهيل عظيم لهم، حيث عبدوا من هذه صفته.

مناسبة (2) هذه الآيات لما قبلها واضحة: وهو أنه تعالى لما ذكر ثواب من هاجر وقتل، أو مات في سبيل الله، أخبر أنه لا يدع نصرتهم في الدنيا، على من بغى عليهم، وهو قادر على ذلك، إذ من (3) قدر على إدخال الليل في النهار، وإدخال النهار في الليل، بأن يزيد في أحدهما ما ينقصه من الآخر يقدر على

(1) البحر المحيط.

(2)

البحر المحيط.

(3)

المراغي.

ص: 400