الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة ثمان وثمانمائة
استهلت والسلطان ضعيف يرمي الدم والحمى وأشيع موته ثم تعافى، وزينت البلد في الثالث عشر منه وفي ثامن عشر المحرم توجه نوروز على نيابة الشام وسار معه جمع كثير وفي الثالث والعشرين منه وصل رسول نائب الشام شيخ إلى الناصر واسمه يلبغا المنجكي في طلب الصلح والاعتذار عما جرى وكان صحبة الرسول الشيخ شهاب الدين ابن حجي والشيخ شمس الدين ابن قديدار فسمع الناصر الرسالة ولم يعد الجواب وكان نوروز حاضراً لذلك وخرج بعد قليل مسافراً إلى نيابة الشام ونزل الشيخان عند القاضي جلال الدين البلقيني والرسول عند أمير آخور.
وفي الثالث من المحرم وصل أمير الحاج وذكر أنه لم يفارقهم إلا من ينبع خوفاً من العرب الذين في الطريق بين مكة وينبع.
وفي السابع من المحرم قبض شيخ نائب الشام على سودون الظريف نائب الغيبة بدمشق وسجنه بالصبيبة وقبض على كمشبغا الرماح وغيره وألزم القضاة وكاتب السر بمال وصادرهم به وسلمهم لابن باشلي وولاه القضاء فأخذهم من بين يديه مشاة من القلعة إلى العادلية فرسم عليهم بالنورية فهربوا في أثناء الليل ثم سعوا عند النائب وبذلوا ما وقع عليه الاتفاق وأذن لهم في الحكم واستناب علاء الدين ابن أبي البقاء الشافعي ابن باشي المذكور في قضاء صيدا وبيروت واستمر نوروز متوجهاً إلى الشام واتفق أن نائبها كان توجه إلى الصبيبة فدخل نوروز إلى دمشق في ثاني عشري صفر بغير قتال.
وفي السابع من صفر تغير السلطان على بعض الأمراء وتخيل منهم إرادة الركوب عليه منهم يشبك ابن ازدمر وإينال باي ابن قجماس فأمر بإمساك يشبك بن ازدمر
وكان رأس نوبة كبيراً وأمسك معه أميران آخرين وسفرهم إلى الإسكندرية للاعتقال بها فتغيب إينال باي ابن قجماس وهو أمير آخور لما بلغه ذلك ويقال إنه طاف ليلاً على جماعة من الأمراء ليركبوا معه فأبوا فهرب وهرب معه سودون الجلب فأمر الناظر بالحوطة على دار إينال باي فأحيط على موجوده فغضب كثير من المماليك الظاهرية لذلك وظنوا أن يشبك ظهر وأنه عند السلطان وأنه هو الذي رتبه في ذلك فركبوا تحت القلعة
…
بمصر ثم عاودوا الركوب في سادس ربيع الأول وسطوا على أرغون وأرادوا قتله فهرب ولما اشتد الأمر ازداد تخوف السلطان منهم فأراد الهرب فأشير عليه بإحضار المحبوسين من الأمراء وتأمين الهاربين ففعل ذلك وكان ما سنذكره.
وفي تاسع صفر استقر فخر الدين ابن المزوق في نظر الجيش وصرف بدر الدين ابن نصر الله واستقر محمّد بن شعبان في الحسبة وصرف صدر الدين ابن العجمي ثم أعيد صدر الدين في السابع والعشرين من صفر وفي الحادي عشر منه استقر شمس الدين الأخنائي في قضاء الشافعية بالقاهرة وصرف القاضي جلال الدين البلقيني.
وفي العاشر من صفر حضر إينال باي بن قجماس وجاء إلى السلطان معتمداً على أمان كتبه ابن غراب عنه فعاتبه الناصر، فيقال إنه أغلظ له في الجواب فأمر بنفيه إلى دمياط بطالاً واستقر في وظيفته جرباش ثم صرف واستقر فيها سودون المحمدي واستقر باش باي رأس نوبة عوضاً عن يشبك ابن ازدمر وفي قضاء المالكية جمال الدين عبد الله ابن القاضي ناصر الدين التنسي في مستهل ربيع الأول وهو شاب صغير كان عند وفاة أبيه من أجمل أهل زمانه فاتفق أنه خدم بعض الأمراء لما كان في حبس
الإسكندرية فتعصب له فولي القضاء فقام القاضي جلال الدين البلقيني وجماعة على أهل الدولة فعزل بعد يومين وأعيد جمال الدين البساطي في ثالث ربيع الأول وفي الخامس منه أعيد القاضي جلال الدين وصرف الأخنائي وهي الخامسة للبلقيني وفي السادس منه ثارت الفتنة بين الناصر وأمرائه فتخيلوا منه وتخيل منهم واجتمع جمع كثير من المماليك عند بيبرس لرغم الناصر وتواعدوا على الركوب فهرب تغرى بردى ودمرداش.
وفي الثامن منه ظهر يشبك وأتباعه مثل تمر وجركس المصارع وقانباي العلائي وفي الخامس عشر منه أحضر الأمراء المحبوسون بالإسكندرية إلى القاهرة قطلوبغا الكركي ويلبغا الناصري وإينال حطب وسودون الحمزاوي ثم أحضر إينال باي من دمياط ثم أحضر يشبك بن أزدمر من الإسكندرية في تاسع عشر شهر ربيع الأول وفي العشرين منه قبض على كاتب السر فتح الله وتسلمه مشد الدواوين ثم صودر على خمس مائة ألف وهي قريب من أربعة آلاف دينار إذ ذاك وأطلق ولزم بيته واستقر سعد الدين ابن غراب في كتابة السر فباشرها من هذا الوقت إلى أن عاد الناصر إلى المملكة فتركها لابن المزوق وأعيد ابن نصر الله إلى نظر الجيش ولبس ابن غراب بزي الأمراء وأعطي تقدمة وفي الثاني والعشرين منه أمر الناصر يشبك ابن ازدمر أن يستقر في نيابة ملطية فامتنع
فألبس غصباً ورسم عليه وأمر الحاجب أن يخرجه من القاهرة وأمر أزبك الإبراهيمي أن يستقر في نيابة طرسوس فامتنع أيضاً ولم يحضر الخدمة وتشوش أكثر المماليك من ذلك والأمراء الجراكسة وتخيلوا من الناصر أنه يريد إبعادهم وتقديم أخواله الروم وكان ذلك يظهر منه كثيراً فكثر الهرج والمرج وإشاعة ركوب الأمراء على الناصر فغلب عليه الخيال إلى أن حمله ذلك على الهرب فتغيب يوم الأحد خامس عشر ربيع الأول وقت القيلولة وفقد فلم يعلموا له خبراً فقيل إنه خرج من باب القرافة مختفياً وركب فلم يعلم خبره لأنه نهى من اتبعه عن إتباعه فرجع عنه وليس معه إلا مملوك واحد وهو بيغوت فعادا إلى الجيزة ثم رجعا إلى بيت سعد الدين ابن غراب فاختفى عنده ولم يتحققوا أين هرب بل أشيع أنه قتل سراً وصار ابن غراب يطالعه بالأخبار يوماً بيوم ويدبر معه أمر يشبك وغيره ويعلمه بما يشتد به الحقد منه على أقاربه كبيبرس وإينال باي وغيرهما ممن يخالف هواه هوى يشبك إلى أن كان ما سنذكره فلما بلغ الأمراء غيبة الناصر اجتمعوا في آخر النهار ببيت الأمير الكبير بيبرس ثم بالاصطبل بعد أن جمعوا القضاة والخليفة وتشاوروا إلى أن استقر رأيهم على سلطنة أخيه عبد العزيز فأحضروه ولقبوه المنصور وعقدوا له البيعة في تلك الليلة واستقر بيبرس الصغير لالاة السلطان واستقر في الثامن والعشرين منه بيبرس الكبير قريب السلطان
أتابكاً وآقباي أمير سلاح وسودون الطيار أمير مجلس وسودون المحمدي أمير آخور وباش باي رأس نوبة كبيراً ورسطاي حاجب الحجاب وخلع على المباشرين المستقرين على سعد الدين ابن غراب وهو كاتب السر وعلى ابن المزوق وهو ناظر الجيش وعلى فخر الدين بن غراب وهو الوزير وعلى القضاة الأربعة وهم البلقيني وابن العديم والبساطي وسالم وكان ما سنذكره، وفي صفر عزل الصدر ابن العجمي عن الحسبة وقرر ابن شعبان ثم صرف بعد خمسة عشر يوماً وأعيد الصدر وصرف القاضي جلال الدين عن القضاء في نصف صفر وأعيد الأخنائي ثم أعيد القاضي جلال الدين في خامس ربيع الأول.
وفي تاسع عشري ربيع الأول رجم الأستادار وشج وجهه فدخل إلى السلطان واستعفى ورجع إلى بيته فطرد الأعوان.
وفي ربيع الآخر توجه نوروز نائب الشام لقتال شيخ بالصبيبة واجتمع شيخ وجكم ومن معهما فوقع القتال بينهم فانكسر نوروز ودخل شيخ دمشق فأمر بضرب عنق جقمق الحاجب لأمر اتهمه به فقتل صبراً وذلك في حادي عشر ربيع الآخر وأحضر شيخ السليماني وكان نائب صفد ثم طرابلس ثم قبض عليه جكم لما حكم على طرابلس وسجنه وأخذ ماله فهرب إلى صهيون ثم قدم دمشق فاستقر بها أميراً عند نوروز وحضر معه الوقعة فقبض عليه وأمر جكم بقتله فقتل وغلب شيخ على دمشق وفوض القضاء لشهاب الدين الحسباني وخطب بالجامع فلم يقبل أحد من النواب القدماء عنه النيابة فاستناب جماعة من جهته منهم ابنه وصهره فيقال إنهم استأذنوا القاضي الحنفي لتصح أحكامهم وأراد الأمير جكم أن يتوجه إلى طرابلس فوصل كتاب النائب بها يلتمس المصالحة فتأخر توجه جكم ووصل نوروز إلى بحيرة حمص في ناس قليل فتوجه شيخ وجكم
ومن يتبعهما لقتاله فهرب إلى حماة فتوجه الأميران إلى جهة حماة لقصده ثم عرجا إلى طرابلس فهرب نائبها إلى حماة فدخل شيخ وجكم طرابلس فنزل جكم بدار النيابة ووقع يوم دخولهم مطر كثير جداً فلما بلغ ذلك نائب حلب توجه أيضاً إلى حماة فاجتمعوا كلهم عند نوروز ووافقهم جمع كثير من التركمان منهم ابن صاحب الباز فوقعت الوقعة بين جكم وشيخ وبين دقماق نائب حماة ومن انضم معه ظاهر حماة في أواخر رجب فانكسر دقماق وملكا حماة وقتل دقماق بين يدي جكم ونهبت حماة وكان نوروز قد توجه إلى حلب هو ومن معه لأن دمرداش كان تقدمهم وأوهمهم أنه يجمع لهم التركمان فلما وصلها غلب على حلب فوصل شاهين الحسني ومعه رسول شيخ إلى دمشق يطلب شيخ وجكم إلى القاهرة ثم بعد عودة الناصر إلى السلطنة أرسل سودون الطيار ومعه ولاية شيخ على الشام وجكم على حلب ودمرداش على حماة ودخل شيخ إلى دمشق في أواخر رجب ولبس خلعة الناصر ولم تخرج دمشق في هذه المدة عن حكمه في الصورة الحسية وكان بعد ذلك ما سنذكره، وكان دمرداش متشتتاً عند التركمان.
وفيها كائنة عبد الوهاب بن الجباس المصري وكان يحترف في حانوت عطار فسعى أن يكون سمساراً فأهين ومنع فخدم عند بدر الدين الكلستاني كاتب السر فسعى له
حتى صار شاهداً ثم سعى إلى أن ولي الحسبة بمصر ثم بالقاهرة ثم لما ولي جمال الدين التنسي قضاء المالكية وهو شاب طمع هذا فسعى في قضاء الشافعية عند ابن غراب وكان ابن غراب قد غضب من الشافعي في شيء فنوه بذكر ابن الجباس وكان في غاية الجهل الثغ زرئ الهيئة فقام في ذلك الشيخ زين الدين الفارسكوري وادعى عليه عند ابن العديم بقضايا وآخر أمره كتبت عليه قسامة أن لا يلبس طيلساناً ولا يركب بزي القضاة وأهين وعزر وحبس ثم شفع فيه فأطلق وذلك في ربيع الأول من هذه السنة.
وفي أوائل رجب استقر ابن خطيب نقرين في ولاية قضاء الشام وكان قد سافر مع جكم وتقرب له برواية أحاديث الملاحم المكذوبة وبشره بأنه يلي السلطنة وبأنه ينتصر على أعدائه فلما غلب على حماة سأل نائب الشام أن يقرره في قضاء دمشق فكتب له توقيع بذلك قال ابن حجي: وكان ابن خطيب نقرين آية في الكذب والزور مشهوراً بذلك مع الشهرة التامة بعدم الدين حتى أن جكم أرسله رسولاً إلى نائب الشام في أواخر هذه السنة فخلع عليه خلعة حرير بطراز ذهب فلبسها وخرج وهو فرحان وقد تطيلس فوقها، ثم كبس بيته فوجد فيه أمور منكرة فختم عليها، ثم بعد وصول نائب الشام شيخ إلى دمشق كاتب يشفع في ابن الحسباني، فوصل توقيعه بذلك في شعبان، فباشر القضاء وصرف ابن الخطيب.
وفي السادس من جمادى الآخرة ظهر الناصر وصعد إلى القلعة ضحوة النهار فكانت مدة غيبته سبعين يوماً إلا يوماً، وكان يشبك وجماعة اتفقوا مع الناصر وهو في بيت
ابن غراب فأركبوه إلى بيت سودون الحمزاوي بالباطلية، فلما أصبحوا ركبوا ولا علم عند بيبرس وأتباعه بظهور الناصر بل ظن أن الأمراء البطالين مثل يشبك ومن معه قد ركبوا عليه فركب هو أيضاً بالرميلة، فخرج الناصر ومن معه من المماليك فحملوا على بيبرس ومن معه وطلبوا باب القلعة ففتح لهم واليها الباب، فطلع الناصر القصر وانخذلت طائفة بيبرس فهرب سودون المارداني واختفى وخرج بيبرس إلى ظاهر المدينة فأرسل إليه سودون الطيار فأحضره وأرسله مقيداً إلى الإسكندرية، واستقر يشبك في الأتابكية عوضه في ثامن جمادى الآخرة، واستقر سودون الحمزاوي دويداراً عوضاً عن سودون المارداني واستقر جركس المصارع أمير آخور عوضاً عن سودون المحمدي ثم أمسك الناصر جماعة من الأمراء الذين كانوا مع بيبرس وتأمروا وحكموا في دولة أخيه المنصور وسجنهم واستقر سودون من زاده في نيابة غزة عوضاً عن سلامش.
وفي نصف جمادى الآخرة استقر شرف الدين يعقوب التباني في نظر الكسوة ووكالة بيت المال عوضاً عن ولي الدين الدمياطي موقع بيبرس، ثم صرف عن ذلك بعد أيام، واستقر ابن البرجي في ثامن عشري جمادى الآخرة، ثم أعيد ابن التباني في رابع رجب لذلك بعناية قطلوبغا الكركي، وفي أواخر جمادى الآخرة استقر تمراز الناصري نائب السلطنة بعد شغورها مدة طويلة.
وفي نصف رمضان استقر القاضي ولي الدين ابن خلدون في قضاء المالكية عوضاً عن البساطي، ثم لم ينشب ابن خلدون أن مات في خامس عشريه، واستقر جمال الدين ابن التنسي بعناية قطلوبغا الكركي، ثم صرف في سادس عشر شوال وأعيد البساطي.
وفي شوال استقر كاتبه في درس الحديث بالشيخونية عوضاً عن شمس الدين المدني والقاضي الحنفي كمال الدين ابن العديم في مشيختها عوضاً عن الشيخ زاده الخرزباني.
وفيها رجع منكلى بغا من بلاد الشرق وكان توجه رسولاً إلى تمرلنك في العام الماضي.
وفي رمضان أفرج نائب الشام عن جماعة ممن كانوا مسجونين بقلعة الصبيبة، ومنهم سودون الظريف واستقر أميراً كبيراً بدمشق، ثم قبض عليه لأمر صدر منه، واستقر عوضه بكتمر الساقي وسجن سودون المذكور.
وفيه رجع نوروز وعلاّن إلى حلب بموافقة جكم على ذلك. وأرسل جكم إلى نائب الشام بذلك فوافق عليه، واستمر دمرداش عند التركمان يستحثهم ويجمعهم على قصد جكم ومن معه بحلب، ووصل إليه تقليد حماة فقوي بذلك؛ وفي رمضان اشتد الغلاء بدمشق وبلغت الغرارة من ستمائة إلى سبعمائة، فنادى النائب في الفقراء بالاجتماع فاجتمعوا بالميدان، ففرقهم على الأغنياء ما بين الأمراء والقضاة والتجار، فقل سؤالهم وخف صياحهم وسكتوا.
وفيه استولى التركمان على كثير من البلاد الشمالية وكان رأسهم إلياس ويقال اسمه فارس ابن صاحب الباز، ثم وصلوا إلى حماة فغلب عليها، وكان دمرداش قد وصل إليها لما جاءه تقليد النيابة بها فهجم عليه ابن صاحب الباز، فهزمه إلى أن وصل إلى دمشق مكسوراً، فوصل إلى حمص فاستأذن له نائبها نائب الشام في دخوله دمشق فأذن، فدخلها وعظم الأمر من التركمان فجمع النائب القضاة وتشاوروا في مال يجمعونه بسبب طرد التركمان، فطال النزاع إلى أن اتفقوا على أخذ أجرة شهر من كل بستان
ودار وحانوت وغير ذلك، فشرعوا في جبايتها، ثم بطل ذلك ونودي بالرد على من أخذ منه شيء، ولما بلغ جكم أن دمرداش عند نائب الشام شيخ تغيظ عليه، لأنه كان عدوه وكان كتب قبل ذلك إلى شيخ يستنجده على التركمان، فتقاعد عليه فغضب أيضاً.
وفي شوال وصل إلى جكم قاصد السلطان يطلب منه إرسال نوروز وغيره من الأمراء المنسحبين، فحماهم جكم وشتم القاصد ورده بغير جواب.
وفيها في شوال كانت الوقعة العظمى بين جكم والتركمان ورئيسهم فارس ويدعى إلياس ابن صاحب الباز صاحب أنطاكية وغيرها، وكان قد غلب على أكثر البلاد الشمالية ودخل حماة فملكها، وكان عسكره يزيد على ثلاثة آلاف فارس غير الرجالة، فواقعه جكم بمن معه فكسره كسرة فاحشة، وعظم قدر جكم بذلك وطار صيته ووقع رعبه في قلوب التركمان وغيرهم؛ ثم إنه بعد ذلك واقع نعيراً ومن معه من العرب فكسره، ثم توجه جكم إلى أنطاكية وأوقع بالتركمان، فسألوه الأمان وأن يمكنهم من الخروج إلى الجبال وإلى مواطنهم القديمة وسلموا إليه جميع القلاع التي بأيديهم، فتقرر الحال على ذلك وأرسل إلى كل قلعة واحداً من جهته، ودخل إلى حلب مؤيداً منصوراً، فسلم فارس ابن صاحب الباز الغازي ابن أوزون التركماني، وكانت بينهما عداوة فقتله وقتل ولده وجملة من جماعته، وكان أميراً كبيراً شجاعاً بطلاً، استجد بأنطاكية مدرسة بجوار تربة حبيب النجار، وكان قد استولى على معظم معاملة حلب ومعاملة طرابلس، فصار في حكمه أنطاكية والقصير والشغر وبغراس وحارم وصهيون واللاذقية وجبلة وغير ذلك، فلما أحيط به تسلم جكم البلاد ورجعت معاملة كل بلد إليها على ما كانت أولاً، وكاتب جكم نائب الشام يطلب منه إرسال دمرداش ويعاتبه على تأخره عن نصره مرة بعد مرة، فاستشعر دمرداش، أن نائب الشام يقبض عليه ويرسله إلى جكم فهرب دمرداش، وأعاد نائب الشام إلى جكم الجواب بذلك فلم يعجبه وعزم على قصد دمشق ومحاربة النائب، فبرز في شوال والتقى مع ابن صاحب الباز
وجمعهم من التركمان فكسرهم كسرة ثانية وضرب أعناق كثير منهم صبراً وقتل نعيراً وأرسل برأسه إلى القاهرة، ولما وصل دمرداش من هروبه إلى الرملة جاءه توقيع من الناصر بولاية طرابلس فرجع لذلك، واستمر قصد جكم إلى جهة دمشق فوصل إلى سلمية وأرسل جرباش إلى حمص، فاستعد نائب الشام لقتاله ووصل توقيع دمرداش بنيابة حلب عوضاً عن جكم من القاهرة فتجهز صحبة نائب الشام، ثم وصل إليهم العجل بن نعير طالباً بثأر أبيه وكذلك ابن صاحب الباز طالب ثأر أبيه وأخيه وكان معهم من العرب والتركمان خلق كثير وتوجهوا بعد عيد الأضحى إلى جهة حلب، ووصل توقيع العجل بن نعير بإمرة أبيه، ووصل نائب الشام ومن معه إلى حمص في نصف هذا الشهر وتكاتبوا مع جكم في الصلح، فلما كان في الثالث والعشرين من ذي الحجة وقعت الوقعة بينهم فانكسر عسكر أهل الشام، ووصل شيخ ودمرداش إلى دمشق منهزمين، وكانت الوقعة بالرستن، وذلك أن نائب الشام ومن معه كانوا في الميمنة وأن العرب كانوا في الميسرة فحمل جكم ومن معه على الميمنة فحطمها ثم حمل على الميسرة فثبتوا ساعة ثم انهزموا، ورحل نائب الشام ومن معه من دمشق بعد أن أخذ منها خيولاً وبغالاً وتوجه إلى جهة مصر، ودخل جماعة من جهة نوروز بعده إلى دمشق وهرب ابن الحسباني وعلاء الدين نقيب الأشراف، وتأخر البقية من القضاة والمباشرين فلاقوا نوروز وسلموا عليه فدخل دمشق في أواخر ذي الحجة، وقتل علان بين يدي جكم صبراً وكذلك طولو، ثم دخل جكم بعد يوم وبالغ جكم في الزجر عن الظلم وعاقب على شرب الخمر فأفحش حتى لم يتظاهر به أحد وكانت قد فشت بين الناس، ونادى في دمشق أن لا يظلم أحد على أحد ومن أساء على الحكم أو الحسبة فعل به وفعل به، وانسلخت السنة وهم على ذلك،
ولما ظهر الناصر واستقر في السلطنة ثانياً جهز إلى شيخ التقليد بنيابة الشام وإلى نوروز التقليد بنيابة حلب، وتوجه شيخ مع نوروز ليساعده على من يخالفه وكان دقماق نائب حماة وعلان نائب حلب، وبكتمر جلق نائب طرابلس قد اتفقوا على منع نوروز من ذلك، فالتقى الفريقان فكسرهم شيخ وهجم على حماة من نهر العاصي وغلب عليها، وقتل دقماق في هذه الوقعة وفر بقية الأمراء إلى جهة حلب، فتبعهم شيخ فنازلهم فتركوها وتوجهوا نحو المشرق، وتسلم حلب وسلمها لجكم ورجع إلى الشام؛ وقد بسط العينتابي في تاريخه هذه الوقعة وأظهر التعصب فيها لجكم، لأنه كان ينتمي إليه فقال في حوادث ذي الحجة سنة ثمان:
وفيها كانت وقعة عظيمة بين جكم وشيخ بالرستن بين حماة وحمص، فانكسر نائب الشام شيخ كسرة شنيعة وانهزم إلى أن وصل إلى الرملة، وقد كان شيخ وجكم صديقين، لكن شيخ لما رأى ما اتفق لجكم من النصر على ابن صاحب الباز كبير التركمان وعلى نعير كبير العرب وقتلهما على يده بعد أن عجز فيهما الظاهر برقوق وغيره حسده وخشي أن تستمر هذه السعادة إلى أن يتسلطن فكاتب فيه إلى الناصر انه عاصي، وكل ذلك بدسائس يشبك لأن شيخاً كان من جهته وكان يشبك يروم السلطنة فكان يعادي كل من يستشعر منه أنه يروم مثل يروم، فكان يحرض اتباعه على جكم. قال: وقد قتل في هذه الوقعة من أتباع يشبك جماعة منهم طولو وعلان، وتفرق شمل شيخ إلى الغاية حتى لم يبق معه ممن كان اجتمع له من العساكر وهم نحو عشرة آلاف مائة نفس. قال: وكان جكم في هذه الوقعة في دون الألفين لكن النصر يؤتيه الله لمن يشاء.
وفيها قدم ركب العراق بعد أن كان له تسع سنين قد انقطع.
وفيها حاصر العرب المعروفون بالحجافلة مدينة عدن حتى عز الماء بها جداً وبلغت الراوية وهي قدر قربة الكتف المصرية خمسين درهماً، فخرج إليهم العفيف عبد الله بن الوجيه عبد الرحمن العلوي وأخوه في عسكر، فقتل العفيف في المعركة وكان شاباً حسناً كثير الفضل للغرباء أحسن الله جزاءه قتل في رابع صفر وله ثلاثون سنة.
وفي شعبان استقر جمال الدين ابن القطب في قضاء الحنفية بدمشق والقاضي عز الدين ابن المنجا في قضاء الحنابلة بها عوضاً عن ابن عبادة، وفيه استقر صدر الدين ابن الأدمي في كتابة السر عوضاً عن الشريف علاء الدين، وفي رمضان وصل أبو العباس الحمصي قاضياً على الشام عوضاً عن علاء الدين ابن أبي البقاء، ثم استقر بعد ثلاثة أيام من سفر أبي العباس من حمص شهاب الدين الحسباني، وكان نائب الشام قد استقر فيها بغير توقيع فباشر إلى أن وصل توقيعه كما قدمنا ذكره، فلما سمع أبو العباس بذلك دخل الشام مختفياً ثم رجع إلى مصر هارباً، ثم كتب النائب يشفع في علاء الدين ابن أبي البقاء أن يعود، ثم وصل أبو العباس متولياً في ذي القعدة فسلم على النائب فلكمه في عمامته، ثم وصل توقيع ابن الحسباني بعد ثلاثة أيام فاستمر.
وفي رمضان ظهر سودون المارداني من الاختفاء فأودع سجن الإسكندرية.
وفي العشرين منه مات ابن غراب سعد الدين إبراهيم بن عبد الرزاق ابن غراب، وكان جده غراب أول من أسلم من آبائه وباشر بها أي بالإسكندرية إلى أن اتهم بأنه كان ممن دل الفرنج لما هجموا الإسكندرية على عورات المسلمين، فقتله ابن عرام سنة سبع وستين وسبعمائة، ونشأ ابنه عبد الرزاق إلى أن ولي نظر الإسكندرية ومات في نحو الثمانين، وخلف ولدين صغيرين أكبرهما يسمى ماجداً وأصغرهما إبراهيم، فلما تمكن محمود من الظاهر دخل الإسكندرية فآوى إليه إبراهيم وهو يومئذٍ يكتب في العرصة تحت كنف أخيه ماجد الذي يلقب بعد ذلك فخر الدين ويسمى محمّداً، فقربه محمود ودربه وخرجه إلى أن مهر بسرعة وجادت كتابته وحمد محمود ذهنه وسيرته فاختص به، وتمكن منه بحيث صار يدري بجميع أموره وتعلم لسان الترك حتى حذق فيه، فاتفق أنه عثر عليه بخيانة، فخاف ابن غراب من سطوته بل استدرك نفسه وانضوى على ابن الطبلاوي وهو يومئذ قد قرب من قلب
الظاهر في ولاية القاهرة، فلم يزالا به حتى بطش بمحمود وآل أمره إلى استنقاذ أمواله ومؤنه بحبس أولى الجرائم، وتقلب ابن غراب في ماله فيما يستحيى من ذكره لكثرته، ولازم خدمة ابن الطبلاوي إلى أن رقاه فولي نظر الخاص، ثم ناطح ابن الطبلاوي إلى أن قبض عليه بإذن الظاهر، ثم كان من أوصياء الظاهر، ثم اختص بيشبك فكان معه ظهيراً له في تلك الحروب والتقلبات حتى ذهب إيتمش وتنم وغيرهما من أكابر الظاهرية. ثم تشتت شمل أكثر الباقين، وتمكن ابن غراب حتى استحضر أخاه فخر الدين فقرره وزيراً، ثم استقر في كتابة السر ونظر الجيش، وأضاف إليه نظر الخاص، ثم لبس الأستادارية، ثم تزيا بزي الجند وضرب على بابه الطبول، وعظم جداً حتى أنه لما مرض كان الأمراء الكبار يعودونه قياماً على أرجلهم، وكان هو السبب في فرار الناصر وتركه المملكة وإقامته عنده تلك المدة مختفياً حتى تمكن مما أراد من إبعاد من يود الناصر وتقريب من يبغضه، فلما تكامل له جميع ما أراد لحظته عين الكمال بالنقص، فمرض مدة طويلة بالقولنج إلى أن مات، فلما عاد الناصر إلى المملكة بتدبير ابن غراب ألقى إليه بالمقاليد، فصار يكثر الامتنان على جميع الأمراء بأنه أبقى لهم مهجهم وأعاد إليهم ما سلبوه من ملكهم وأمدهم بماله عند فاقتهم، وكان يصرح بأنه أزال دولة وأقام أخرى، ثم أعاد الأولى من غير حاجة إلى ذلك، وأنه لو شاء أخذ الملك لنفسه من غير مانع، وأهان كاتب السر فتح الله وصادره ولبس مكانه، ثم ترفع عن كتابة السر فولاها كاتباً عنده يقال له الفخر ابن المزوق، وكانت جنازته مشهودة، فمات ضحوة نهار الخميس ليلة التاسع عشر من رمضان وبات في قبره ليلة الجمعة وتعجب الناس لذلك، ولا عجب فيه فقد مات الحجاج ليلة سبع وعشرين من رمضان، ولكن كان ابن غراب محبوباً إلى العامة لما قام فيه في الغلاء والفناء من إطعامه للفقراء وتكفينه الموتى من ماله،