الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لن يقدروا أَن يخلقوا ذباباً {وَلَوِ اجْتَمعُوا لَهُ} لَو اجْتمع العابد والمعبود مَا قدرُوا أَن يخلقوا ذباباً {وَإِن يَسْلُبْهُمُ} يَأْخُذ {الذُّبَاب} من الْآلهَة {شَيْئاً} مِمَّا لطخوا عَلَيْهَا من الْعَسَل {لَاّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ} لَا يستجيروه وَلَا يخلصوه من الذُّبَاب يَعْنِي الْآلهَة {ضَعُفَ الطَّالِب} يَعْنِي الصَّنَم {وَالْمَطْلُوب} الذُّبَاب وَيُقَال ضعف الطَّالِب العابد وَالْمَطْلُوب المعبود
{مَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ} مَا عظموا الله حق عَظمته بذلك نزلت فِي الْيَهُود لقَولهم عُزَيْر ابْن الله ولقولهم إِن الله فَقير وَنحن أَغْنِيَاء ولقولهم يَد الله مغلولة ولقولهم إِن الله استراح بعد مَا فرغ من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فَرد الله عَلَيْهِم ذَلِك وَقَالَ مَا قدرُوا الله حق قدره {إِنَّ الله لَقَوِيٌّ} على أعدائه {عَزِيزٌ} بالنقمة من الْيَهُود
{الله يَصْطَفِي} يخْتَار {مِنَ الْمَلَائِكَة رُسُلاً} بالرسالة يَعْنِي جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل وَملك الْمَوْت {وَمِنَ النَّاس} مُحَمَّد عليه الصلاة والسلام وَسَائِر النَّبِيين {إِنَّ الله سَمِيعٌ} بمقالتهم حِين قَالُوا مَا لهَذَا الرَّسُول يَأْكُل وَيَمْشي فِي الْأَسْوَاق {بَصِيرٌ} بعقوبتهم
{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} من أَمر الْآخِرَة {وَمَا خَلْفَهُمْ} من أَمر الدُّنْيَا يَعْنِي الْمَلَائِكَة {وَإِلَى الله تُرْجَعُ الْأُمُور} عواقب الْأُمُور فِي الْآخِرَة
{يَا أَيهَا الَّذين آمَنُواْ ارْكَعُوا واسجدوا} فِي الصَّلَاة {وَاعْبُدُواْ} أطِيعُوا {رَبَّكُمْ وافعلوا الْخَيْر} الْعَمَل الصَّالح {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} لكَي تنجوا من السخط وَالْعَذَاب
{وَجَاهِدُوا فِي الله حَقَّ جِهَادِهِ} وَاعْمَلُوا لله حق عمله {هُوَ اجتباكم} اختاركم لدينِهِ {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدّين} فِي أَمر الدّين {مِنْ حَرَجٍ} من ضيق يَقُول من لم يسْتَطع أَن يُصَلِّي قَائِما فَليصل قَاعِدا وَمن لم يسْتَطع أَن يصلى مُضْطَجعا يومى إِيمَاء {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ} اتبعُوا دين أبيكم {إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ} الله سَمَّاكُم {الْمُسلمين مِن قَبْلُ} من قبل هَذَا الْقُرْآن فِي كتب الْأَنْبِيَاء {وَفِي هَذَا} الْقُرْآن {ليَكُون الرَّسُول} مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم {شَهِيداً عَلَيْكُمْ} مزكياً مُصدقا لكم {وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاس} لِلنَّبِيِّينَ {فَأَقِيمُواْ الصَّلَاة} فَأتمُّوا الصَّلَوَات الْخمس بوضوئها وركوعها وسجودها وَمَا يجب فِيهَا من مواقيتها {وَآتُواْ الزَّكَاة} أعْطوا زَكَاة أَمْوَالكُم {واعتصموا بِاللَّه} تمسكوا بدين الله وَكتابه {هُوَ مَوْلَاكُمْ} حافظكم {فَنِعْمَ الْمولى} الْحَافِظ {وَنِعْمَ النصير} الْمَانِع لكم
وَمن السُّورَة الَّتِى يذكر فِيهَا الْمُؤْمِنُونَ وهى كلهَا مَكِّيَّة آياتها مائَة وتسع عشرَة وكلماتها ألف وَثَمَانمِائَة وَأَرْبَعُونَ وحروفها أَرْبَعَة آلَاف وَثَمَانمِائَة حرف
بسم الله الرحمن الرحيم
وبإسناده عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى {قَدْ أَفْلَحَ
الْمُؤْمِنُونَ}
يَقُول قد فَازَ وَنَجَا وَسعد الموحدون بتوحيد الله أُولَئِكَ هم الوارثون الْجنَّة دون الْكفَّار وَيُقَال قد فَازَ وَنَجَا الْمُؤْمِنُونَ المصدقون بإيمَانهمْ والفلاح على وَجْهَيْن نجاح
ثمَّ ذكر نعت الْمُؤمنِينَ فَقَالَ {الَّذين هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} مخبتون متواضعون لَا يلتفتون يَمِينا وَلَا شمالاً وَلَا يرفعون أَيْديهم فِي الصَّلَاة
يعفون فروجهم عَن الْحَرَام
{إِلَاّ على أَزْوَاجِهِمْ} أَربع نسْوَة {أَوْ مَا ملكت أَيْمَانهم} من الولائد بِغَيْر عدد {فَإِنَّهُم غَيْرُ مَلُومِينَ} بالحلال
{فَمَنِ ابْتغى وَرَآءَ ذَلِك} فَمن طلب سوى الْحَلَال {فَأُولَئِك هُمُ العادون} المعتدون الْحَلَال إِلَى الْحَرَام
{وَالَّذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ} لما ائتمنوا عَلَيْهِ مثل الصَّوْم وَالْوُضُوء والاغتسال من الْجَنَابَة والوديعة وَأَشْبَاه ذَلِك {وَعَهْدهمْ} فِيمَا بَينهم وَبَين الله أَو بَينهم وَبَين النَّاس {رَاعُونَ} حافظون لَهُ بِالْوَفَاءِ
{أُولَئِكَ} أهل هَذِه الصّفة {هُمُ الوارثون} النازلون
{الَّذين يَرِثُونَ} ينزلون {الفردوس} مَقْصُورَة الرَّحْمَن والفردوس هُوَ الْبُسْتَان بِلِسَان الرومية {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} فِي الْجنَّة مقيمون لَا يموتون وَلَا يخرجُون مِنْهَا
{ثُمَّ جَعَلْنَاهُ} يَعْنِي مَاء السلالة {نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} فِي مَكَان حريز رحم أمه فَيكون نُطْفَة أَرْبَعِينَ يَوْمًا
{ثمَّ خلقنَا} ثمَّ حولنا {النُّطْفَة علقَة} دِمَاء عبيطاً فَتكون علقَة أَرْبَعِينَ يَوْمًا {فَخَلَقْنَا} فحولنا {الْعلقَة مُضْغَةً} لَحْمًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا {فَخَلَقْنَا} فحولنا {المضغة عِظَاماً} بِلَا لحم {فَكَسَوْنَا الْعِظَام لَحْماً} أوصالاً وعروقاً وَغير ذَلِك {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} جعلنَا فِيهِ الرّوح {فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} أحكم المحولين
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ} سبع سموات بَعْضهَا فَوق بعض مثل الْقبَّة {وَمَا كُنَّا عَنِ الْخلق غَافِلِينَ} تاركين لَهُم بِلَا أَمر وَلَا نهى
{وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً} مَطَرا {بِقَدَرٍ} من الْمَعيشَة وَقيل بِمِقْدَار مَا يكفيكم {فَأَسْكَنَّاهُ} فأدخلناه {فِي الأَرْض} فَجعلنَا مِنْهُ الركي والعيون والأنهار والغدران {وَإِنَّا على ذَهَابٍ بِهِ} على غور المَاء فِي الأَرْض {لَقَادِرُونَ}
{فَأَنشَأْنَا لَكُمْ} خلقنَا لكم وَيُقَال أنبتنا لكم {بِهِ} بِالْمَاءِ {جَنَّاتٍ} بساتين {مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} كروم {لَّكُمْ فِيهَا} فِي الْبَسَاتِين {فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ} ألوان فواكه كَثِيرَة {وَمِنْهَا} من ألوان الثِّمَار {تَأْكُلُونَ}
{وَشَجَرَةً} تنْبت بالمطر شَجَرَة وَهِي شَجَرَة الزَّيْتُون {تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ} من جبل مشجر وَالطور هُوَ الْجَبَل بِلِسَان النبط والسيناء هُوَ الْجَبَل المشجر بِلِسَان الْحَبَشَة {تَنبُتُ بالدهن} تخرج الدّهن {وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ} وَمَا يصطبغ بِهِ الْآكِل
{وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَام} فِي الْإِبِل {لَعِبْرَةً} لعلامة {نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا} من أَلْبَانهَا تخرج من بَين فرث وَدم لَبَنًا خَالِصا {وَلَكُمْ فيِهَا} فِي ركُوبهَا وَحملهَا {مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا} من لحومها وَأَلْبَانهَا وَأَوْلَادهَا {تَأْكُلُونَ}
{وَعَلَيْهَا} على الْإِبِل يَعْنِي فِي الْبر {وَعَلَى الْفلك}
على السفن فِي الْبَحْر {تُحْمَلُونَ} تسافرون
{وَلَقَدْ أرسلنَا نوحًا إِلَى قومه فَقَالَ} لِقَوْمِهِ {يَا قوم اعبدوا الله} وحدوا الله {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَه غَيره} غير الَّذِي أَمركُم أَن تؤمنوا بِهِ {أَفَلَا تَتَّقُونَ} عبَادَة غير الله
{فَقَالَ الْمَلأ} الرؤساء {الَّذين كفرُوا من قومه مَا هَذَا} يعنون نوحًا {إِلَاّ بَشَرٌ} آدَمِيّ {مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} بالرسالة والنبوة {وَلَوْ شَآءَ الله} أَن يُرْسل إِلَيْنَا رَسُولا {لأَنزَلَ مَلَائِكَةً} أَي ملكا من الْمَلَائِكَة {مَّا سمعنَا بِهَذَا} الَّذِي يَقُول نوح {فِي} زمن {آبَآئِنَا الْأَوَّلين}
{إِنْ هُوَ} مَا هُوَ يعنون نوحًا {إِلَاّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} جُنُون {فَتَرَبَّصُواْ} فانتظروا {بِهِ حَتَّى حِينٍ} إِلَى حِين يَمُوت
{قَالَ} نوح {رَبِّ انصرني} أَعنِي بِالْعَذَابِ {بِمَا كذبون} بالرسالة
{فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ} أرسلنَا إِلَيْهِ جِبْرِيل {أَنِ اصْنَع الْفلك} أَن خُذ فِي علاج السَّفِينَة {بِأَعْيُنِنَا} بمنظر منا {وَوَحْيِنَا} بوحينا إِلَيْك {فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا} وَقت عذابنا {وَفَارَ التَّنور} نبع المَاء من التَّنور وَيُقَال طلع الْفجْر {فاسلك فِيهَا} فاحمل فِي السَّفِينَة {مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} صنفين اثْنَيْنِ ذكر وَأُنْثَى {وَأَهْلَكَ} واحمل أهلك يَعْنِي من آمن بك {إِلَاّ مَن سَبَقَ} وَجب {عَلَيْهِ القَوْل} بِالْعَذَابِ {مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي} وَلَا تراجعني بِالدُّعَاءِ {فِي الَّذين ظلمُوا} فِي نجاة الَّذين كفرُوا من قَوْمك {إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} بالطوفان
{فَإِذَا استويت أَنتَ} إِذا ركبت أَنْت {وَمَن مَّعَكَ} من الْمُؤمنِينَ {عَلَى الْفلك} على السَّفِينَة {فَقُلِ الْحَمد لِلَّهِ} الشُّكْر لله {الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْم الظَّالِمين} الْكَافرين
{وَقُل} حِين تنزل من السَّفِينَة {رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً} بِالْمَاءِ وَالشَّجر {وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين} فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
{إِن فِي ذَلِك} فِيمَا فعلنَا بهم {لآيَات} لعلامات وعبرات لأهل مَكَّة لكَي يقتدوا بهم {وَإِن كُنَّا} وَقد كُنَّا {لَمُبْتَلِينَ} بالبلايا وَيُقَال مختبرين بالعقوبة
{فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ} إِلَيْهِم {رَسُولاً مِّنْهُمْ} من نسبهم {أَنِ اعبدوا الله} وحدوا الله {مَا لَكُمْ من إِلَه غَيره} غير الَّذِي أَمركُم أَن تؤمنوا بِهِ {أَفَلَا تَتَّقُونَ} عبَادَة غير الله
{وَقَالَ الْمَلأ} الرؤساء {مِن قَوْمِهِ} من قوم الرَّسُول {الَّذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الْآخِرَة} بِالْبَعْثِ بعد الْمَوْت {وَأَتْرَفْنَاهُمْ} أنعمناهم بِالْمَالِ وَالْولد {فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا مَا هَذَا} يعنون الرَّسُول {إِلَاّ بَشَرٌ} آدَمِيّ {مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ} كَمَا تَأْكُلُونَ مِنْهُ {وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} كَمَا تشربون
{وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً} آدَمِيًّا {مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} جاهلون مغبونون
{أَيَعِدُكُمْ} هَذَا الرَّسُول {أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ} صرتم {تُرَاباً} بعد الْمَوْت {وَعِظاماً} بالية {أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ} محيون بعد الْمَوْت
{هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ} بَعيدا بَعيدا {لِمَا تُوعَدُونَ} لَا يكون هَذَا
{إِنْ هِيَ} مَا هِيَ {إِلَاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} فِي الدُّنْيَا {نَمُوتُ وَنَحْيَا} يَمُوت الْآبَاء ويحيا الْأَبْنَاء {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} للبعث بعد الْمَوْت
{إِنْ هُوَ} مَا هُوَ يعنون الرَّسُول {إِلَاّ رَجُلٌ افترى} اختلق {على الله كَذِباً} بِمَا يَقُول {وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ} بمصدقين لَهُ بِمَا يَقُول
{قَالَ} الرَّسُول {رَبِّ انصرني} أَعنِي بِالْعَذَابِ {بِمَا كذبون} بالرسالة
{قَالَ} الله {عَمَّا قَلِيلٍ} عَن قَلِيل {لَّيُصْبِحُنَّ} ليصيرن {نَادِمِينَ} بالتكذيب عِنْد الْعقُوبَة
{فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَة بِالْحَقِّ} يَعْنِي صَوت جِبْرِيل بِالْعَذَابِ {فَجَعَلْنَاهُمْ} بعد الْهَلَاك {غُثَآءً} يَابسا {فَبُعْداً} فسحقاً وخيبة من رَحْمَة الله {لِّلْقَوْمِ الظَّالِمين} للْكَافِرِينَ
{ثُمَّ أَنشَأْنَا} خلقنَا {مِن بَعْدِهِمْ} من بعد هلاكهم {قرونا آخَرين} قرنا بعد قرن من قرن إِلَى قرن ثَمَان عشرَة سنة والقرن ثَمَانُون سنة
{مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ} مَا تهْلك من أمة {أَجَلَهَا} قبل أجلهَا {وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} عَن الْأَجَل
{ثمَّ أرسلنَا رسلنَا تترا} متتابعاَ بَعْضهَا على أثر بعض {كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا} إِلَى أمة رَسُول {كَذَّبُوهُ} كذبُوا ذَلِك الرَّسُول {فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً} بِالْهَلَاكِ {وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} فِي دهرهم يحدث عَنْهُم {فَبُعْداً} فسحقاً من رَحْمَة الله {لِّقَوْمٍ لَاّ يُؤْمِنُونَ} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن
{ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا} التسع {وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} حجَّة بَيِّنَة
{إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} قومه {فاستكبروا} عَن الْإِيمَان بمُوسَى والآيات {وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ} مخالفين لمُوسَى مستكبرين عَن الْإِيمَان
{فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ} لآدميين يعنون مُوسَى وَهَارُون {مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} مطيعون
{وَلَقَد آتَيْنَا} أعطينا {مُوسَى الْكتاب} يعْنى التوارة {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} لكَي يهتدوا بهَا من الضَّلَالَة
{وَجَعَلْنَا ابْن مَرْيَمَ} يَعْنِي عِيسَى {وَأُمَّهُ آيَةً} عَلامَة وعبرة ولدا بِلَا أَب وولادة بِلَا لمس {وَآوَيْنَاهُمَآ} رجعناهما {إِلَى رَبْوَةٍ} إِلَى مَكَان مُرْتَفع {ذَاتِ قَرَارٍ} مستو ذَات نعيم {وَمَعِينٍ} مَاء ظَاهر جَار وَهُوَ دمشق
{يَا أَيهَا الرُّسُل} يَعْنِي مُحَمَّدًا {كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَات} كلوا من الْحَلَال {وَاعْمَلُوا صَالِحاً} اعْمَلْ صَالحا فِيمَا بَيْنك وَبَين رَبك
{وَإِنَّ هَذِه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} ملتكم مِلَّة وَاحِدَة ودينكم دينا وَاحِدًا مُخْتَارًا {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ} رب وَاحِد أكرمتكم بذلك {فاتقون} فأطيعون
{فتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} فَتَفَرَّقُوا فِيمَا بَينهم فِي دينهم {زُبُراً} فرقا فرقا الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكين وَالْمَجُوس {كُلُّ حِزْبٍ} كل أهل دين وَفرْقَة {بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} معجبون
{فَذَرْهُمْ} اتركهم يَا مُحَمَّد {فِي غَمْرَتِهِمْ} فِي جهلهم {حَتَّى حِينٍ} إِلَى حِين الْعَذَاب يَوْم بدر
{أَيَحْسَبُونَ} أيظن أهل الْفرق {أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ} لأنما نعطيهم فِي الدُّنْيَا {مِن مَّالٍ وَبَنِينَ}
{نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخيرَات} مسارعة لَهُم منا فِي الْخيرَات فِي الدُّنْيَا وَيُقَال فِي الْآخِرَة {بَل لَاّ يَشْعُرُونَ} أَنا مكرمون لَهُم فِي الدُّنْيَا ومهينون لَهُم فِي الْآخِرَة
ثمَّ بيَّن لمن المسارعة فِي الْخيرَات فِي الدُّنْيَا فَقَالَ {إِنَّ الَّذين هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ} من عَذَاب رَبهم {مُّشْفِقُونَ} خائفون لَهُم منا مسارعة فِي الْخيرَات
{وَالَّذين هم بآيَات رَبهم} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {يُؤْمِنُونَ} يصدقون لَهُم منا مسارعة فِي الْخيرَات
{وَالَّذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ} يُعْطون مَا أعْطوا من الصَّدَقَة وينفقون مَا أتفقوا من المَال فِي سَبِيل الله وَيُقَال يعْملُونَ مَا عمِلُوا من الْخيرَات {وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} خائفة {أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} فِي الْآخِرَة فَلَا يقبل مِنْهُم
{أُولَئِكَ} أهل هَذِه الصّفة {يُسَارِعُونَ فِي الْخيرَات} يبادرون فِي الْأَعْمَال الصَّالِحَة {وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} وهم سَابِقُونَ بالخيرات
{وَلَا تكلّف نفس} من الْعَمَل {إِلَاّ وُسْعَهَا} طاقتها {وَلَدَيْنَا} عندنَا {كِتَابٌ يَنطِقُ} وَهُوَ ديوَان الْحفظَة مَكْتُوب فِيهِ حسناتهم وسيئاتهم ينْطق {بِالْحَقِّ} يشْهد عَلَيْهِم بِالصّدقِ وَالْعدْل {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} لَا ينقص من حسناتهم وَلَا يُزَاد على سيئاتهم
{بَلْ قُلُوبُهُمْ} قُلُوب أهل مَكَّة يَعْنِي أَبَا جهل وَأَصْحَابه {فِي غَمْرَةٍ} فِي جهلة وغفلة {مِّنْ هَذَا} الْكتاب وَيُقَال من هَذَا الْقُرْآن {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ} مَقْدُور مَكْتُوب عَلَيْهِم {مِّن دُونِ ذَلِك} من دون مَا تَأْمُرهُمْ سوى الْخَيْر {هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} فِي الدُّنْيَا حَتَّى أَجلهم يَا مُحَمَّد
{حَتَّى إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ} جبابرتهم ورؤساءهم يَعْنِي أَبَا جهل بن هِشَام والوليد ابْن الْمُغيرَة المَخْزُومِي وَالْعَاص بن وَائِل السَّهْمِي وَعتبَة وَشَيْبَة أَصْحَابهم {بِالْعَذَابِ} بِالْجُوعِ سبع سِنِين {إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} يَتَضَرَّعُونَ قل لَهُم يَا مُحَمَّد
{لَا تَجْأَرُواْ} لَا تتضرعوا {الْيَوْم} من عذابنا {إِنَّكُمْ مِّنَّا} من عذابنا {لَا تُنصَرُونَ} لَا تمْنَعُونَ
{قَدْ كَانَتْ آيَاتِي} الْقُرْآن {تتلى} تقْرَأ وَتعرض {عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ على أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ} إِلَى دينكُمْ الأول تميلون ترجعون
{مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} متعظمين بِالْبَيْتِ تَقولُونَ نَحن أَهله {سَامِراً} تَقولُونَ السمر حوله {تَهْجُرُونَ} تسبون مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه وَالْقُرْآن
{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القَوْل} أفلم يتفكروا فِي الْقُرْآن وَمَا فِيهِ من الْوَعيد {أَمْ جَآءَهُمْ} من الْأَمْن والبراءة يَعْنِي أهل مَكَّة {مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ الْأَوَّلين}
{أَمْ يَقُولُونَ} بل يَقُولُونَ {بِهِ جِنَّةٌ} جُنُون {بل جَاءَهُم بِالْحَقِّ} جَاءَهُم مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم بِالْقُرْآنِ والتوحيد والرسالة {وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ} لِلْقُرْآنِ {كَارِهُونَ} جاحدون
{وَلَوِ اتبع الْحق أَهْوَآءَهُمْ} لَو كَانَ الْإِلَه بهواهم فِي السَّمَاء إِلَه وَفِي الأَرْض إِلَه {لَفَسَدَتِ السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَن فِيهِنَّ} من الْخلق {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ} أنزلنَا جِبْرِيل إِلَى نَبِيّهم بِالْقُرْآنِ فِيهِ عزهم وشرفهم {فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ} عَن شرفهم وعزهم {مُّعْرِضُونَ} مكذبون
{أَمْ تَسْأَلُهُمْ} يَا مُحَمَّد أهل مَكَّة {خَرْجاً} جعلا فَلذَلِك لَا يجيبونك {فَخَرَاجُ رَبِّكَ} فثواب رَبك فِي الْجنَّة {خَيْرٌ} أفضل مِمَّا لَهُم فِي الدُّنْيَا {وَهُوَ خَيْرُ الرازقين} أفضل المعطين فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
{وَإِنَّكَ} يَا مُحَمَّد {لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} دين قَائِم يرضاه وَهُوَ الْإِسْلَام
{وَأَن الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة} بِالْبَعْثِ بعد الْمَوْت {عَنِ الصِّرَاط} عَن دين الله {لَنَاكِبُونَ} مائلون
{وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ} يَعْنِي أهل مَكَّة {وَكَشَفْنَا} رفعنَا {مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ} من جوع {لَّلَجُّواْ} لتمادوا {فِي طُغْيَانِهِمْ} فِي كفرهم وضلالتهم {يَعْمَهُونَ} يمضون عمهة لَا يبصرون الْحق وَالْهدى
{وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ} بِالْجُوعِ والقحط {فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ} فَمَا خضعوا لرَبهم بِالتَّوْحِيدِ {وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} لَا يُؤمنُونَ
{حَتَّى} أَجلهم يَا مُحَمَّد {إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ} يَعْنِي الْجُوع {إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} آيسون من كل خير
{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ} خلق لكم يَا أهل مَكَّة {السّمع} تَسْمَعُونَ بِهِ {والأبصار} تبصرون بهَا {والأفئدة} يَعْنِي الْقُلُوب تعقلون بهَا {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} فشكركم فِيمَا صنع إِلَيْكُم قَلِيل يَا أهل مَكَّة
{وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ} خَلقكُم {فِي الأَرْض وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} بعد الْمَوْت فيجزيكم بأعمالكم
{وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي} للبعث {وَيُمِيتُ} فِي الدُّنْيَا {وَلَهُ اخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار} تقليب اللَّيْل وَالنَّهَار وذهابهما ومجيئهما وزيادتهما ونقصانهما وظلمة اللَّيْل وضوء النَّهَار كل هَذَا آيَة لكم بِأَن الله يحيي الْمَوْتَى {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أَفلا تصدقُونَ بِالْبَعْثِ بعد الْمَوْت
{بَلْ قَالُواْ} كذبُوا بِالْبَعْثِ بعد الْمَوْت يَعْنِي كفار مَكَّة {مِثْلَ مَا قَالَ الْأَولونَ} مثل مَا كذب الْأَولونَ بِالْبَعْثِ بعد الْمَوْت
{قَالُوا أئذا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً} صرنا تُرَابا رميماً {وَعِظَاماً} بالية {أئنا لَمَبْعُوثُونَ} لمحيون بعد الْمَوْت
{لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَذَا} الَّذِي تعدنا يَا مُحَمَّد {مِن قَبْلُ} من قبل مَا وعدتنا {إِن هَذَا} مَا هَذَا الَّذِي تَقول يَا مُحَمَّد {إِلَاّ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلين} أَحَادِيث الْأَوَّلين فِي دهرهم وكذبهم
{قُل} لكفار مَكَّة يَا مُحَمَّد {لِّمَنِ الأَرْض وَمَن فِيهَآ} من الْخلق أجِيبُوا {إِن كُنتُمْ تعلمُونَ}
{قُلْ} لَهُم أَيْضا يَا مُحَمَّد {مَن رَّبُّ} خَالق {السَّمَاوَات السَّبع وَرَبُّ الْعَرْش الْعَظِيم} السرير الْكَرِيم {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} الله خلقهَا
{قُلْ} لَهُم يَا مُحَمَّد {أَفَلَا تَتَّقُونَ} عبَادَة غير الله
{قُلْ} لَهُم أَيْضا يَا مُحَمَّد {مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} خَزَائِن كل شَيْء {وَهُوَ يُجْيِرُ} يقْضِي {وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ} لَا يقْضى عَلَيْهِ وَيُقَال هُوَ يجير الْخلق من عَذَابه وَلَا يجار عَلَيْهِ لَا يجير أحد أحدا من عَذَابه أجِيبُوا {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}
{سيقولون لله} بيد الله بقارة الله ذَلِك كُله {قُلْ} لَهُم يَا مُحَمَّد {فَأنى تُسْحَرُونَ} من أَيْن تكذبون على الله وَيُقَال انْظُر يَا مُحَمَّد كَيفَ يصرفون بِالْكَذِبِ إِن قَرَأت بِضَم التَّاء
{بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ} أرسلنَا جِبْرِيل إِلَى نَبِيّهم بِالْقُرْآنِ فِيهِ أَن لَيْسَ لله ولد وَلَا شريك {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} فِي قَوْلهم إِن الْمَلَائِكَة بَنَات الله
{مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ} من بني آدم وَلَا بَنَات من الْمَلَائِكَة {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} من شريك {إِذاً} لَو كَانَ كَمَا يَقُولُونَ {لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَه بِمَا خَلَقَ} إِلَى نَفسه فاستولى كل إِلَه على مَا خلق {وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ} لغلب بَعضهم على بعض {سُبْحَانَ الله} نزه نَفسه وَيُقَال ارْتَفع وتبرأ {عَمَّا يَصِفُونَ} يَقُولُونَ من الْكَذِب
{عَالِمِ الْغَيْب} مَا غَابَ عَن الْعباد وَيُقَال مَا يكون {وَالشَّهَادَة} أعلمهُ الْعباد وَيُقَال مَا كَانَ {فتعالى} فتبرأ {عَمَّا يُشْرِكُونَ} بِهِ من الْأَوْثَان
{رَبِّ} يَا رب {فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْم الظَّالِمين} مَعَ الْقَوْم الْكَافرين يَوْم بدر
{وَإِنَّا على أَن نُّرِيَكَ} يَا مُحَمَّد {مَا نَعِدُهُمْ} من الْعَذَاب يَوْم بدر {لَقَادِرُونَ}
{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيئَة} يَقُول ادْفَعْ بِلَا إِلَه إِلَّا الله كلمة الشّرك عَن أبي جهل وَأَصْحَابه وَيُقَال السَّلَام الْقَبِيح عَن نَفسك {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} من الْكَذِب
{وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ} أَعْتَصِم بك {مِنْ همزات} نزعات {الشَّيَاطِين} الَّتِي يصرع بهَا الرجل
{وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ} من أَن يحضروني يَعْنِي الشَّيَاطِين فِي الصَّلَاة وَعند الْقِرَاءَة وَعند الْمَوْت
{حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ} يَعْنِي كفار مَكَّة {الْمَوْت} يَعْنِي ملك الْمَوْت وأعوانه لقبض روحهم {قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} إِلَى الدُّنْيَا
{لعَلي أعمل صَالحا} وأومن بك {فِيمَا تَرَكْتُ} فِي الَّذِي تركت فِي الدُّنْيَا وكذبت بِهِ {كَلَاّ} حَقًا يرد إِلَى الدُّنْيَا {إِنَّهَا} يَعْنِي الرّجْعَة {كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا} يتَكَلَّم بهَا صَاحبهَا وَلَا تَنْفَعهُ {وَمِن وَرَآئِهِمْ} قدامهم {بَرْزَخٌ} يَعْنِي الْقَبْر {إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} من الْقُبُور
{فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّور} نفخة الْبَعْث {فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ} فَلَا نفع بَينهم بِالنّسَبِ {يَوْمَئِذٍ} يَوْم الْقِيَامَة {وَلَا يَتَسَآءَلُونَ} عَن ذَلِك
{فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} مِيزَانه من الْحَسَنَات {فَأُولَئِك هم المفلحون} الناجون من السخط وَالْعَذَاب
{وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} مِيزَانه من الْحَسَنَات {فَأُولَئِك الَّذين خسروا} غبنوا {أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} مقيمون دائمون لَا يموتون وَلَا يخرجُون مِنْهَا
{تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّار} تضرب وُجُوههم وَتحرق عظامهم وتأكل لحومهم النَّار {وَهُمْ فِيهَا} فِي النَّار {كَالِحُونَ} وكلحهم سَواد وُجُوههم وزرقة أَعينهم
{أَلَمْ تَكُنْ} يَقُول الله لَهُم ألم تكن {آيَاتِي} الْقُرْآن {تتلى عَلَيْكُمْ} فِي الدُّنْيَا {فَكُنْتُمْ بِهَا} بِالْآيَاتِ {تُكَذِّبُونَ} تجحدون
{قَالُواْ} الْكفَّار وهم فِي النَّار {رَبَّنَا} يَا رَبنَا {غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} الَّتِي كتبت علينا فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ فَلم نؤمن
{رَبَّنَآ} يَا رَبنَا {أَخْرِجْنَا مِنْهَا} من النَّار {فَإِنْ عُدْنَا} إِلَى الْكفْر {فَإِنَّا ظَالِمُونَ} على أَنْفُسنَا
{قَالَ} الله لَهُم {اخسؤوا فِيهَا} اصغروا فِي النَّار {وَلَا تُكَلِّمُونِ} وَلَا تسألونى فى الْخُرُوج من النَّار
{إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ} طَائِفَة {مِّنْ عِبَادِي} الْمُؤمنِينَ {يَقُولُونَ رَبَّنَآ} يَا رَبنَا {آمَنَّا} بك وبكتابك وَرَسُولك {فَاغْفِر لَنَا} ذنوبنا {وارحمنا} فَلَا تعذبنا {وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} أَنْت أرْحم علينا من الْوَالِدين
{فاتخذتموهم سِخْرِيّاً} استهزاء {حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي} حَتَّى شغلكم ذَلِك عَن توحيدي وطاعتي {وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ} عَلَيْهِم تستهزئون
{إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْم} الْجنَّة {بِمَا صَبَرُوا} على طَاعَتي وعَلى أذاكم {أَنَّهُمْ هُمُ الفآئزون} فازوا بِالْجنَّةِ ونجوا من النَّار نزلت هَذِه الْآيَة فِي أبي جهل وَأَصْحَابه لاستهزائهم على سلمَان وَأَصْحَابه
{قَالَ} الله لَهُم {كَمْ لَبِثْتُمْ} مكثتم {فِي الأَرْض} فِي الْقُبُور {عَدَدَ سِنِينَ} الشُّهُور وَالْأَيَّام
{قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً} ثمَّ شكوا فِي ذَلِك فَقَالُوا {أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} ثمَّ قَالُوا لَا ندرى ذَلِك {فاسأل العآدين} الْحفظَة وَيُقَال ملك الْمَوْت وأعوانه
{قَالَ} الله لَهُم {إِن لَّبِثْتُمْ} مَا مكثتم فِي الْقُبُور {إِلَاّ قَلِيلاً} عِنْد مكثكم فِي النَّار {لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} ذَلِك يَقُول إِن كُنْتُم تصدقُونَ قولي وَيُقَال يَقُول الله لَهُم لَو أَنكُمْ إِن كُنْتُم فِي الدُّنْيَا تعلمُونَ تصدقُونَ أنبيائي إِذا لعلمتم إِن لبثتم مَا مكثتم فِي الْقُبُور إِلَّا قَلِيلا مقدم ومؤخر
{أَفَحَسِبْتُمْ} أفظننتم يَا أهل مَكَّة {أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} هملاً بِلَا أَمر وَلَا نهي وَلَا ثَوَاب وَلَا عِقَاب {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} بعد الْمَوْت
{فَتَعَالَى الله} ارْتَفع وتبرأ عَن الْوَلَد وَالشَّرِيك {الْملك الْحق لَا إِلَه إِلَاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْش الْكَرِيم} السرير الْحسن
{وَمَن يَدْعُ} يعبد {مَعَ الله إِلَهاً آخَرَ} من الْأَوْثَان {لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} لَا حجَّة لَهُ مِمَّا يعبد من دون الله {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ} عَذَابه {عِندَ رَبِّهِ} فِي الْآخِرَة {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ} لَا يَأْمَن وَلَا ينجو {الْكَافِرُونَ} من عَذَاب الله
{وَقُل} يَا مُحَمَّد {رَّبِّ اغْفِر} تجَاوز عَن أمتِي {وَارْحَمْ} أمتِي فَلَا تُعَذبهُمْ {وَأنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} أرْحم الرَّاحِمِينَ
وَمن السُّورَة الَّتِى يذكر فِيهَا النُّور وهى كلهَا مَدَنِيَّة وآياتها أَربع وَسِتُّونَ آيَة وكلماتها ألف وثلاثمائة وَسِتَّة عشر وحروفها خَمْسَة آلَاف وَتِسْعمِائَة وَثَمَانُونَ
بسم الله الرحمن الرحيم
وبإسناده عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا} يَقُول أنزلنَا جِبْرِيل بهَا برد الْهَاء إِلَيْهَا {وَفَرَضْنَاهَا} بيّنا فِيهَا الْحَلَال وَالْحرَام {وَأَنزَلْنَا فِيهَآ} بيَّنا فِيهَا {آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} بِالْأَمر وَالنَّهْي والفرائض وَالْحُدُود {لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} لكَي تتعظوا بِالْأَمر وَالنَّهْي فَلَا تعطلوا الْحُدُود
{الزَّانِيَة وَالزَّانِي} وهما بكران زَنَيَا {فاجلدوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا} بِالزِّنَا {مائَة جَلْدَةٍ} سَوط {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا} بِإِقَامَة الْحَد عَلَيْهِمَا {رَأْفَةٌ} رقة {فِي دِينِ الله} فِي تَنْفِيذ حكم الله عَلَيْهِمَا {إِن كُنتُمْ} إِذْ كُنْتُم {تُؤْمِنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر} بِالْبَعْثِ بعد الْمَوْت {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا} وليحضر عِنْد إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِمَا {طَآئِفَةٌ مِّنَ الْمُؤمنِينَ} رجلا أَو رجلَانِ فَصَاعِدا لكَي يحفظوا الْحَد
{الزَّانِي} من أهل الْكتاب الْمُعْلن بِهِ {لَا يَنكِحُ} لَا يتَزَوَّج {إِلَاّ زَانِيَةً} من ولائد أهل الْكتاب {أَوْ مُشْرِكَةً} من ولائد مُشْركي الْعَرَب {والزانية} من ولائد أهل الْكتاب أَو من ولائد الْمُشْركين {لَا يَنكِحُهَآ} لَا يَتَزَوَّجهَا {إِلَاّ زَانٍ} من أهل الْكتاب {أَوْ مُشْرِكٌ} من مُشْركي الْعَرَب {وَحُرِّمَ ذَلِك} التَّزْوِيج يَعْنِي تَزْوِيج ولائد أهل الْكتاب وولائد أَحْرَار الْمُشْركين {عَلَى الْمُؤمنِينَ} نزلت هَذِه الْآيَة فِي قوم من أَصْحَاب النبى صلى الله عليه وسلم أَرَادوا أَن يتزوجوا ولائد أهل الْكتاب وولائد أَحْرَار الْمُشْركين كن بِالْمَدِينَةِ زناة معلنات بِالزِّنَا رَغْبَة فِي كَسْبهنَّ فَلَمَّا نزلت هَذِه الْآيَة تركُوا ذَلِك وَيُقَال الزَّانِي من أهل الْقبْلَة أَو من أهل الْكتاب لَا ينْكح لَا يَزْنِي إِلَّا زَانِيَة إِلَّا بزانية مثله أَو من أهل الْكتاب أَو مُشركَة من مُشْركي الْعَرَب والزانية من أهل الْقبْلَة أَو من أهل الْكتاب أَو من مُشْركي الْعَرَب لَا ينْكِحهَا لَا يَزْنِي بهَا إِلَّا زَان من أهل الْقبْلَة أَو من أهل الْكتاب أَو مُشْرك من مُشْركي الْعَرَب وَحرم ذَلِك الزِّنَا على الْمُؤمنِينَ
{وَالَّذين يَرْمُونَ الْمُحْصنَات} يقذفون الْحَرَائِر المسلمات العفائف بالفرية {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} أَحْرَار عدُول مُسلمين {فَاجْلِدُوهُمْ} بالفرية {ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} العاصون بالفرية
{إِلَاّ الَّذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِك} من بعد الْفِرْيَة {وَأَصْلَحُواْ} فِيمَا بَينهم وَبَين رَبهم {فَإِنَّ الله غَفُورٌ} لمن تَابَ {رَّحِيمٌ} لمن مَاتَ على التَّوْبَة نزلت هَذِه الْآيَة من أَولهَا إِلَى هَهُنَا فِي شَأْن عبد الله بن أبي وَأَصْحَابه
{وَالَّذين يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} نِسَاءَهُمْ بالفرية {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ} على مَا قَالُوا {إِلَاّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّه} فَيحلف الرجل أَربع مَرَّات بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ {إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقين} فِي قَوْله على الْمَرْأَة
{وَالْخَامِسَة أَنَّ لَعْنَةَ الله عَلَيْهِ} وَفِي الْمرة الْخَامِسَة يَقُول لعنة الله على الرجل {إِن كَانَ من الْكَاذِبين} فِيمَا قَالَ عَلَيْهَا
{ويدرأ} يَعْنِي يدْفع الْحَاكِم {عَنْهَا الْعَذَاب} عَن الْمَرْأَة الْعَذَاب بِالرَّجمِ {أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّه} إِذا حَلَفت الْمَرْأَة أَربع مَرَّات بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ {إِنَّهُ} يَعْنِي زَوجهَا {لَمِنَ الْكَاذِبين} فِيمَا قَالَ عَلَيْهَا
{وَالْخَامِسَة أَنَّ غَضَبَ الله عَلَيْهَآ} على الْمَرْأَة {إِن كَانَ} زَوجهَا {مِنَ الصَّادِقين} فِيمَا يَقُول عَلَيْهَا
{وَلَوْلَا فضل الله} من الله {عَلَيْكُم وَرَحمته} لبيَّن الْكَاذِب مِنْكُم {وَأَنَّ الله تَوَّابٌ} متجاوز لمن تَابَ {حَكِيمٌ} حكم للعان بَين الرجل وَالْمَرْأَة بالفرية نزلت هَذِه الْآيَة فِي عَاصِم بن عدي الْأنْصَارِيّ ابتلى بِهَذَا
{إِن الَّذين جاؤوا بالإفك} تكلمُوا بِالْكَذِبِ {عُصْبَةٌ} جمَاعَة {مِّنْكُمْ} نزلت فِي عبد الله بن أبي ابْن سلول الْمُنَافِق وَحسان بن ثَابت الْأنْصَارِيّ ومسطح بن أَثَاثَة بن خَالَة أبي بكر الصّديق وَعباد بن عبد الْمطلب وَحمْنَة بنت جحش الأَسدِية فِيمَا قَالُوا على عَائِشَة وَصَفوَان بن الْمُعَطل من الْفِرْيَة {لَا تَحْسَبُوهُ} يَعْنِي الْقَذْف لعَائِشَة وَصَفوَان {شَرّاً لَّكُمْ} فِي الْآخِرَة {بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} فى الثَّوَاب {لكل امْرِئ مِّنْهُمْ} مِمَّن خَاضَ فِي أَمر عَائِشَة وَصَفوَان بن الْمُعَطل {مَّا اكْتسب مِنَ الْإِثْم} على قدر مَا خَاضَ فِيهِ {وَالَّذِي تولى كِبْرَهُ} أشاع وَأعظم الْمقَالة فِيهِ وَهُوَ عبد الله بن أبي {مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} فِي الدُّنْيَا بِالْحَدِّ وَفِي الْآخِرَة بالنَّار
{لَوْلَا} هلا {إِذْ سَمِعْتُمُوهُ} قذف عَائِشَة وَصَفوَان
{ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَات بِأَنْفُسِهِمْ} بأمهاتهم {خَيْراً} يَقُول هلا ظننتم بعائشة أم الْمُؤمنِينَ كَمَا تظنون بِأُمَّهَاتِكُمْ {وَقَالُوا} هلا قُلْتُمْ {هَذَا} الْقَذْف {إفْك مُبين} كذب بَين
{لَوْلَا جاؤوا عَلَيْهِ} هلا جَاءُوا على مَا قَالُوا {بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} عدُول فيصدقونهم بذلك {فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ} بأَرْبعَة شُهَدَاء {فَأُولَئِك عِندَ الله هُمُ الْكَاذِبُونَ} ثمَّ نزل فِي شَأْن الَّذين لم يقذفوا عَائِشَة وَصَفوَان بن الْمُعَطل وَلَكِن خَاضُوا فِيهِ
{وَلَوْلَا فضل الله} من الله {عَلَيْكُم وَرَحمته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لمسكم} لأصابكم {فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ} خضتم فِي شَأْن عَائِشَة وَصَفوَان {عَذَابٌ عَظِيمٌ} شَدِيد فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
{إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ} إِذْ يرويهِ بَعْضكُم عَن بعض {وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ} بألسنتكم {مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} حجَّة وَبَيَان {وَتَحْسَبُونَهُ} يَعْنِي قذف عَائِشَة وَصَفوَان {هَيِّناً} ذَنبا هيناً {وَهُوَ عِندَ الله عَظِيمٌ} فِي الْعقُوبَة
{وَلَوْلَا} هلا {إِذْ سَمِعْتُمُوهُ} قذف عَائِشَة وَصَفوَان {قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ} مَا يجوز لنا {أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا} الْكَذِب {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} كذب عَظِيم
{يَعِظُكُمُ الله} يخوفكم الله وينهاكم {أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ} أَن لَا تعودوا إِلَى مثله {أَبَداً إِن كُنتُمْ} إِذْ كُنْتُم {مُّؤْمِنِينَ} مُصدقين
{وَيُبَيِّنُ الله لَكُمُ الْآيَات} بِالْأَمر وَالنَّهْي {وَالله عَلِيمٌ} بمقالتكم {حَكِيمٌ} فِيمَا حكم عَلَيْكُم من الْحَد
{إِن الَّذين يحبونَ} يعْنى عبد الله ابْن أبي وَأَصْحَابه {أَن تَشِيعَ} أَن تظهر {الْفَاحِشَة فِي الَّذين آمَنُواْ} عَائِشَة وَصَفوَان {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} بِالضَّرْبِ {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة} بالنَّار لعبد الله بن أبي خَاصَّة {وَالله يَعْلَمُ} أَن عَائِشَة وَصَفوَان لم يزنيا {وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ذَلِك
{وَلَوْلَا فضل الله} من الله {عَلَيْكُم وَرَحمته} على من لم يقذف عَائِشَة وَصَفوَان {وَأَنَّ الله رؤوف رَحِيم} بِالْمُؤْمِنِينَ
ثمَّ نَهَاهُم عَن مُتَابعَة الشَّيْطَان فَقَالَ {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَان} تَزْيِين الشَّيْطَان ووسوسته {وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَان} تَزْيِين الشَّيْطَان ووسوسته {فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بالفحشآء} بالقبيح من الْعَمَل وَالْقَوْل {وَالْمُنكر} مَالا يعرف فِي شَرِيعَة وَلَا فِي سنة {وَلَوْلَا فَضْلُ الله} من الله {عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} بالعصمة والتوفيق {مَا زكا} مَا وحد وَصلح {مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِن الله يُزَكِّي} يوفق وَيصْلح {مَن يَشَآءُ} من كَانَ أَهلا لذَلِك {وَالله سَمِيعٌ} لمقالتكم {عَلِيمٌ} بكم وبأعمالكم
ثمَّ نزل فِي شَأْن أبي بكر حِين حلف أَنه لَا ينْفق على ذَوي قرَابَته لقبل مَا خَاضُوا فِي أَمر عَائِشَة يَعْنِي مسطحًا وَأَصْحَابه فَقَالَ {وَلَا يَأْتَلِ} لَا يَنْبَغِي أَن يحلف {أُوْلُواْ الْفضل مِنكُمْ} بالبذل {وَالسعَة} بِالْمَالِ {أَن يؤتوا أُوْلِي الْقُرْبَى} أَن لَا يؤتوا أَي لَا يُعْطوا أَو لَا ينفقوا على ذَوي الْقَرَابَة وَكَانَ مسطح ابْن خَالَته {وَالْمَسَاكِين} وَكَانَ مِسْكينا
{والمهاجرين فِي سَبِيلِ الله} فِي طَاعَة الله وَكَانَ مهاجرياً {وَلْيَعْفُواْ} يتْركُوا {وليصفحوا} يتجاوزوا {أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ} أَلا تحب يَا أَبَا بكر أَن يغْفر الله لَك {وَالله غَفُورٌ} متجاوز {رَّحِيمٌ} لمن تَابَ فَقَالَ أَبُو بكر بلَى أحب يَا رب فألطف بقرابته وَأحسن إِلَيْهِ بعد مَا نزلت هَذِه الْآيَة
ثمَّ نزل فِي شَأْن عبد الله بن أبي وَأَصْحَابه الَّذين خَاضُوا فِي أَمر عَائِشَة وَصَفوَان فَقَالَ {إِنَّ الَّذين يَرْمُونَ} بِالزِّنَا {الْمُحْصنَات} الْحَرَائِر {الْغَافِلَات} عَن الزِّنَا العفائف {الْمُؤْمِنَات} المصدقات بتوحيد الله يَعْنِي عَائِشَة {لُعِنُواْ} عذبُوا {فِي الدُّنْيَا} بِالْجلدِ {وَالْآخِرَة} بالنَّار يَعْنِي عبد الله بن أبي {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} شَدِيد أَشد مِمَّا يكون فِي الدُّنْيَا يَعْنِي عبد الله بن أبي وَأَصْحَابه
{يَوْمَ} وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة {تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ} على عبد الله بن أبي وَأَصْحَابه {أَلْسِنَتُهُمْ} بِمَا قَالُوا {وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} فِي الدُّنْيَا
{يَوْمَئِذٍ} يَوْم الْقِيَامَة {يُوَفِّيهِمُ الله دِينَهُمُ الْحق} يوفيهم الله جَزَاء أَعْمَالهم بِالْعَدْلِ {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله} يَعْنِي أَن مَا قَالَ الله فِي الدُّنْيَا {هُوَ الْحق الْمُبين}
وَنزل فيهم أَيْضا {الخبيثات} من القَوْل وَالْفِعْل {لِلْخَبِيثِينَ} من الرِّجَال وَالنِّسَاء وَيُقَال بهم تلِيق {والخبيثون} من الرِّجَال وَالنِّسَاء {لِلْخَبِيثَاتِ} من القَوْل وَالْفِعْل يتبعُون وَيُقَال بهم تلِيق وَيُقَال الخبيثات من النِّسَاء حمْنَة بنت جحش الأَسدِية الَّتِي خاضت فِي أَمر عَائِشَة للخبيثين من الرِّجَال عبد الله بن أبي وَأَصْحَابه وَحسان بن ثَابت تشبه والخبيثون من الرِّجَال عبد الله بن أبي وَأَصْحَابه للخبيثات من النِّسَاء اللَّاتِي خضن فِي أَمر عَائِشَة تشبه {والطيبات} من القَوْل وَالْفِعْل {لِلطَّيِّبِينَ} من الرِّجَال وَالنِّسَاء وَيُقَال بهم تلِيق {والطيبون} من الرِّجَال وَالنِّسَاء {لِلْطَّيِّبَاتِ} من القَوْل وَالْفِعْل يتبعُون وَيُقَال بهم تلِيق وَيُقَال والطيبات من النِّسَاء يَعْنِي عَائِشَة للطيبين من الرِّجَال يعْنى النبى صلى الله عليه وسلم للطيبات يَعْنِي عَائِشَة تشبه {أُولَئِكَ} عَائِشَة وَصَفوَان {مبرؤون مِمَّا يَقُولُونَ} عَلَيْهِم من الْفِرْيَة {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} لذنوبهم فِي الدُّنْيَا {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} فِي الْجنَّة يَقُول إِذا أثني على الرجل وَالْمَرْأَة ثَنَاء حسنا وَكَانَا أَهلا لذَلِك صدق بِهِ عَلَيْهِمَا وَيَقُول من سَمعه هما كَذَلِك وَإِذا أثني على الرجل وَالْمَرْأَة الخبيثين ثَنَاء سَيِّئًا وَكَانَا أَهلا لَهُ صدق بِهِ عَلَيْهِمَا وَيَقُول من سَمعه هما كَذَلِك
ثمَّ نَهَاهُم عَن دُخُول بَعضهم على بعض بِغَيْر إِذن فَقَالَ {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} لَيْسَ لكم أَن تدْخلُوا بُيُوتًا {حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ على أَهْلِهَا} ثمَّ تستأنسوا فَيَقُول أَدخل مقدم ومؤخر {ذَلِكُم} التَّسْلِيم والاستئذان {خَيْرٌ لَّكُمْ} وَأصْلح {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} لكَي تتعظوا فَلَا يدْخل بَعْضكُم على بعض بِغَيْر إِذن
{فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ} فِي الْبيُوت {أَحَداً} يَأْذَن لكم {فَلَا تَدْخُلُوهَا} بِغَيْر إِذن {حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمُ} بِالدُّخُولِ {وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارْجعُوا} إِن ردوكم {فَارْجِعُوا} وَلَا تقوموا على أَبْوَاب النَّاس {هُوَ} الرُّجُوع {أزكى لَكُمْ} أصلح لكم من أَن تقوموا على أَبْوَاب النَّاس {وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ} من الاسْتِئْذَان وَغَيره {عَلِيمٌ}
ثمَّ رخص لَهُم فِي الدُّخُول فِي بيُوت غير بُيُوتهم بِغَيْر إِذن وَهِي الْخَانَات على الطّرق فَقَالَ {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} حرج {أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} لَيْسَ فِيهَا سَاكن مَعْلُوم مثل الْخَانَات وَغير ذَلِك {فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ} مَنْفَعَة لكم من الْحر وَالْبرد فِي الشتَاء والصيف {وَالله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} من الاسئذان وَالتَّسْلِيم {وَمَا تَكْتُمُونَ} من الْجَواب وَالْإِذْن
ثمَّ أَمرهم بِحِفْظ الْعين والفرج فَقَالَ {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ} يَا مُحَمَّد {يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ} يكفوا أَبْصَارهم عَن الْحَرَام وَمن صلَة فِي الْكَلَام {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ} عَن الْحَرَام {ذَلِك} حفظ الْعين والفرج (أزكى) أصلح {لَهُمْ} وَخير لَهُم {إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} من الْخَيْر وَالشَّر
{وَقُل} يَا مُحَمَّد {لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ} يكففن {مِنْ أبصارهن} عَن الْحَرَام ورؤية الرِّجَال من صلَة فِي الْكَلَام {وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} عَن الْحَرَام {وَلَا يُبْدِينَ} وَلَا يظهرن {زِينَتَهُنَّ} الدملوج والوشاح {إِلَاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} من ثِيَابهَا {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ}
يرخين قناعهن {على جُيُوبِهِنَّ} على صدورهن ونحورهن وليشدن ذَلِك ثمَّ ذكر الزِّينَة أَيْضا فَقَالَ {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} الدملوج والوشاح وَغير ذَلِك {إِلَاّ لِبُعُولَتِهِنَّ} أَزوَاجهنَّ {أَوْ آبَآئِهِنَّ} فِي النّسَب أَو اللَّبن {أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ} أَو آبَاء أَزوَاجهنَّ {أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ} فِي النّسَب أَو اللَّبن {أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ} أَبنَاء أَزوَاجهنَّ من غَيْرهنَّ {أَوْ إِخْوَانِهِنَّ} فِي النّسَب أَو اللَّبن {أَوْ بني إِخْوَانِهِنَّ} فِي النّسَب أَو اللَّبن {أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ} فِي النّسَب أَو اللَّبن {أَوْ نِسَآئِهِنَّ} نسَاء أهل دينهن المسلمات لِأَنَّهُ لَا يحل لَهَا أَن ترَاهَا متجردة يَهُودِيَّة أَو نَصْرَانِيَّة أَو مَجُوسِيَّة {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} من الْإِمَاء دون العبيد {أَوِ التَّابِعين} لِأَزْوَاجِهِنَّ {غَيْرِ أُوْلِي الإربة} الشَّهْوَة {مِنَ الرِّجَال} وَالنِّسَاء يعى الْخصي وَالشَّيْخ الْكَبِير الفاني {أَوِ الطِّفْل} يَعْنِي الصَّغِير {الَّذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عَوْرَاتِ النسآء} لم يطيقوا المجامعة مَعَ النِّسَاء وَلَا (النِّسَاء) مَعَهم من الصغر وَلَا يعلمُونَ من أَمر الرِّجَال وَالنِّسَاء شَيْئا فَلَا بَأْس بِأَن يرى زينتهن هَؤُلَاءِ بِغَيْر رِيبَة {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ} إِحْدَاهمَا بِالْأُخْرَى لتقرع الخلخال بالخلخال {لِيُعْلَمَ} لكَي يعلم وَيظْهر {مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} مَا يوارين من زينتهن يَعْنِي الخلاخل عِنْد الْغَرِيب {وتوبوا إِلَى الله جَمِيعاً} من جَمِيع الذُّنُوب الصَّغَائِر والكبائر {أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} لكَي تنجوا من السخط وَالْعَذَاب
ثمَّ دلهم على تَزْوِيج الْبَنِينَ وَالْبَنَات وَالإِخْوَة وَالْأَخَوَات مِمَّن لَيْسَ لَهُم أَزوَاج فَقَالَ {وَأَنْكِحُواْ} زوجوا {الْأَيَامَى مِنْكُمْ} بناتكم وأخواتكم وَيُقَال بنيكم وأخواتكم مِمَّن لَيْسَ لَهُم أَزوَاج {وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ} وزوجوا الصَّالِحين من عبيدكم {وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ} يَعْنِي الْأَحْرَار {فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ} من رزقه {وَالله وَاسِعٌ} برزقه للْحرّ وَالْعَبْد {عَلِيمٌ} بأرزاقهما
{وَلْيَسْتَعْفِفِ} عَن الزِّنَا {الَّذين لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً} سَعَة للتزويج {حَتَّى يُغْنِيَهُمُ الله مِن فَضْلِهِ} من رزقه نزلت فِي حويطب بن عبد الْعُزَّى فِي شَأْن غُلَام لَهُ سَأَلَ كِتَابَته فَلم يكاتبه {وَالَّذين يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ} يطْلبُونَ مِنْكُم الْمُكَاتبَة {مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يَعْنِي عبيدكم {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} صلاحاً ووفاء {وَآتُوهُمْ} أعطوهم يَعْنِي لجملة النَّاس {مِّن مَّالِ الله الَّذِي آتَاكُمْ} أَعْطَاكُم حَتَّى يؤدوا مكاتبتهم وَيُقَال حث الْمولى على ترك الثُّلُث عَن مكَاتبه ثمَّ نزل فِي شَأْن عبد الله بن أبي وَأَصْحَابه كَانَ لَهُم ولائد يجبرونهن على الزِّنَا لقبل كَسْبهنَّ وأولادهن فنهاهم الله عَن ذَلِك وَحرم عَلَيْهِم فَقَالَ {وَلَا تُكْرِهُواْ} وَلَا تجبروا {فَتَيَاتِكُمْ} ولائدكم {عَلَى البغآء} على الزِّنَا والفجور {إِنْ أَرَدْنَ} بَعْدَمَا أردن {تَحَصُّناً} تعففاً عَن الزِّنَا {لِّتَبْتَغُواْ} لتطلبوا بذلك {عَرَضَ الْحَيَاة الدُّنْيَا} من كَسْبهنَّ وأولادهن {وَمَن يُكْرِههُنَّ} يجبرهن يَعْنِي الولائد على الزِّنَا {فَإِنَّ الله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ} وتوبتهن {غَفُورٌ} متجاوز {رَّحِيمٌ} بعد الْمَوْت
{وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ} يَقُول أنزلنَا جِبْرِيل إِلَى نَبِيكُم بآيَات مبينات بالحلال وَالْحرَام وَالْأَمر وَالنَّهْي عَن الزِّنَا وَالْفَوَاحِش {وَمَثَلاً مِّنَ الَّذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ} صفة الَّذين مضوا من قبلكُمْ من الْمُؤمنِينَ والكافرين {وَمَوْعِظَةً} نهيا {لِّلْمُتَّقِينَ} عَن الزِّنَا وَالْفَوَاحِش
ثمَّ ذكر كرامته للْمُؤْمِنين ومنته عَلَيْهِم فَقَالَ {الله نُورُ السَّمَاوَات وَالْأَرْض} هادي أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْهدى من الله على وَجْهَيْن التِّبْيَان والتعريف وَيُقَال الله مزين السَّمَوَات بالنجوم وَالْأَرْض بالنبات والمياه وَيُقَال الله منور قُلُوب أهل السَّمَوَات وَأهل الأَرْض من الْمُؤمنِينَ {مَثَلُ نُورِهِ} نور الْمُؤمنِينَ وَيُقَال مثل نور الله فِي قلب الْمُؤمن {كَمِشْكَاةٍ} ككوة {فِيهَا مِصْبَاحٌ} مقدم ومؤخر يَقُول كمشكاة كمصباح وَهُوَ السراج {الْمِصْبَاح} السراج {فِي زُجَاجَةٍ} فِي قنديل من جَوْهَر {الزجاجة} الْقنْدِيل فِي مشكاة وَهِي كوَّة غير نَافِذَة بلغَة الْحَبَشَة {كَأَنَّهَا} يَعْنِي الزجاجة {كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} نجم مضيء من هَذِه الأنجم الْخَمْسَة عُطَارِد وَالْمُشْتَرِي والزهرة وبهرام وزحل هَذِه الأنجم كلهَا درية
{يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ} أَخذ دهن الْقنْدِيل من دهن شَجَرَة {مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ} وَهِي شَجَرَة الزَّيْتُون {لَاّ شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} بفلاة على تلعة لَا يُصِيبهَا ظلّ الشرق وَلَا ظلّ الغرب وَيُقَال بمَكَان لَا تصيبها الشَّمْس حِين طلعت وَلَا حِين غربت {يَكَادُ زَيْتُهَا} زَيْت الشَّجَرَة {يضيء} من وَرَاء قشرها {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ} وَإِن لم تمسسه {نَارٌ نُّورٌ على نُورٍ} فَهُوَ النُّور على النُّور الْمِصْبَاح نور والقنديل نور وَالزَّيْت نور {يَهْدِي الله لِنُورِهِ} يكرم الله بنوره يَعْنِي الْمعرفَة وَيُقَال يكرم الله بِدِينِهِ {مَن يَشَآءُ} من كَانَ أَهلا لذَلِك وَيُقَال مثل نوره نور مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم فِي أصلاب آبَائِهِ على هَذَا الْوَصْف إِلَى قَوْله توقد من شَجَرَة مباركة يَقُول كَانَ نور مُحَمَّد فِي إِبْرَاهِيم حَنِيفا مُسلما زيتونة دين حنيفية لَا شرقية وَلَا غربية لم يكن لإِبْرَاهِيم يَهُودِيّا وَلَا نَصْرَانِيّا يكَاد زيتها يَقُول تكَاد أَعمال إِبْرَاهِيم تضيء فِي أصلاب آبَائِهِ على هَذَا الْوَصْف إِلَى قَوْله توقد من شَجَرَة مباركة يَقُول كَأَنَّهُ نور مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَلَو لم تمسسه نَار رأى لَو لم يكن إِبْرَاهِيم نَبيا لَكَانَ لَهُ هَذَا النُّور أَيْضا وَيُقَال لَو لم تمسسه نَار لَو لم يكرم الله إِبْرَاهِيم لم يكن لَهُ هَذَا النُّور وَيُقَال لَو لم يكرم الله عَبده الْمُؤمن بِهَذَا النُّور لم يكن لَهُ هَذَا النُّور {وَيَضْرِبُ الله الْأَمْثَال لِلنَّاسِ} هَكَذَا يبين الله صفة الْمعرفَة للنَّاس {وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ} من كرامته لِعِبَادِهِ {عَلَيِمٌ} وَهَذَا مثل ضربه الله للمعرفة وبيَّن مَنْفَعَتهَا ومدحتها لكَي يشكروا بهَا يَقُول كَمَا أَن للسراج نور يهتدى بِهِ كَذَلِك الْمعرفَة نور يهتدى بهَا وكما أَن الْقنْدِيل نور ينْتَفع بِهِ كَذَلِك الْمعرفَة نور يهدى بهَا وكما أَن الْكَوَاكِب الدرية بهَا فِي ظلمات الْبر وَالْبَحْر كَذَلِك الْمعرفَة يهتدى بهَا فِي ظلمات الْكفْر والشرك وكما أَن دهن الْقنْدِيل من زيتونة مباركة كَذَلِك الْمعرفَة من الله تَعَالَى لعَبْدِهِ وكما أَن الزيتونة لَا شرقية وَلَا غربية كَذَلِك دين الْمُؤمن حنيفي لَا يَهُودِيّ وَلَا نَصْرَانِيّ وكما أَن زَيْت الشَّجَرَة نور مضيء وَإِن لم تصبه النَّار فَكَذَلِك شرائع إِيمَان الْمُؤمنِينَ ممدوح وَإِن لم يكن مَعهَا غَيرهَا من الْفَضَائِل وكما أَن السراج والقنديل والمشكاة نور على نور كَذَلِك الْمعرفَة نور وقلب الْمُؤمن نور وصدره نور ومدخله نور ومخرجه نور على نور يهدي الله لنوره من يَشَاء يكرم الله بِهَذَا النُّور من كَانَ أَهلا لذَلِك فَهَذَا وصف الله للمعرفة
{فِي بُيُوتٍ} يَقُول هَذِه الْقَنَادِيل معلقَة فِي بيُوت وَيُقَال بيُوت {أَذِنَ الله} أَمر الله {أَن تُرْفَعَ} أَن تبنى وَهِي الْمَسَاجِد {وَيُذْكَرَ فِيهَا} فِي الْمَسَاجِد {اسْمه} توحيده {يُسَبِّحُ لَهُ} يصلى لله {فِيهَا} فِي الْمَسَاجِد {بِالْغُدُوِّ} غدْوَة صَلَاة الْفجْر {وَالْآصَال} عَشِيَّة صَلَاة الظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء
{رِجَالٌ لَاّ تُلْهِيهِمْ} لَا تشغلهم {تِجَارَةٌ} فِي الجلب {وَلَا بَيْعٌ} يدا بيد {عَن ذِكْرِ الله} عَن طَاعَة الله وَيُقَال عَن الْأَوْقَات الْخمس {وَإِقَامِ الصَّلَاة} إتْمَام الصَّلَوَات الْخمس بوضوئها وركوعها وسجودها وَمَا يجب فِيهَا فِي مواقيتها {وَإِيتَآءِ الزَّكَاة} أَي أَدَاء زَكَاة أَمْوَالهم {يَخَافُونَ يَوْماً} عَذَاب يَوْم وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة {تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوب والأبصار} حَالا بعد حَال يعْرفُونَ حينا وَلَا يعْرفُونَ حينا
{لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} بِإِحْسَان مَا عمِلُوا فِي الدُّنْيَا {وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ} من كرامته بِوَاحِدَة تِسْعَة {وَالله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} بِلَا تَقْدِير وَلَا هنداز وَلَا منَّة
{وَالَّذين كفرُوا} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {أَعْمَالُهُمْ} مثل أَعْمَالهم فِي الْآخِرَة {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} فِي بقاع من الأَرْض {يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً} العطشان مَاء من الْبعد {حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} من الشَّرَاب فَكَذَلِك لَا يجد الْكَافِر من ثَوَاب عمله شَيْئا يَوْم الْقِيَامَة {وَوَجَدَ الله عِندَهُ} وَوجد عِنْد الله عُقُوبَة ذنُوبه وَيُقَال وجد الله مستعداً لعذابه {فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} فوفره عَذَابه {وَالله سَرِيعُ الْحساب} شَدِيد الْعَذَاب وَيُقَال إِذا حاسب فحسابه سريع
{أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ} يَقُول مثل النكرَة فِي قلب الْكَافِر كظلمة فِي بَحر لجي فِي غمر عميق {يَغْشَاهُ} يعلوه يَعْنِي الْبَحْر {مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ} آخر {مِّن فَوْقِهِ} من فَوق الموج الثَّانِي {سَحَابٌ} كَذَلِك قلب الْكَافِر مثل النكرَة
فِي قلبه كظلمة الْبَحْر وَمثل قلبه كالبحر اللجي وَمثل صَدره كالموج الهائل وَمثل أَعماله كسحاب لَا ينْتَفع بِهِ لقَوْل الله ختم الله طبع الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم وعَلى أَبْصَارهم فَهَذِهِ {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} من شدَّة الظلمَة فَكَذَلِك الْكَافِر لَا يبصر الْحق وَالْهدى من شدَّة ظلمَة قلبه {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً} معرفَة فِي الدُّنْيَا {فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} من معرفَة فِي الْآخِرَة وَيُقَال وَمن لم يُكرمهُ الله بِالْإِيمَان فِي الدُّنْيَا فَمَا لَهُ من إِيمَان فِي الْآخِرَة
{أَلَمْ تَرَ} ألم تخبر فِي الْقُرْآن يَا مُحَمَّد {أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ} يُصَلِّي لله {مَن فِي السَّمَاوَات} من الْمَلَائِكَة {وَالْأَرْض} من الْمُؤمنِينَ {وَالطير} ويسبح الطير {صَآفَّاتٍ} مفتوحات الأجنحة {كُلٌّ} كل وَاحِد مِنْهُم {قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ} من يُصَلِّي لَهُ {وَتَسْبِيحَهُ} من يسبح لَهُ وَيُقَال قد علم الله صَلَاة من يُصَلِّي وتسبيح من يسبح {وَالله عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} من الْخَيْر وَالشَّر
{وَلِلَّهِ مُلْكُ} خَزَائِن {السَّمَاوَات} الْمَطَر {وَالْأَرْض} النَّبَات {وَإِلَى الله الْمصير} الْمرجع بعد الْمَوْت
{أَلَمْ تَرَ} ألم تخبر فِي الْقُرْآن يَا مُحَمَّد {أَنَّ الله يُزْجِي} يَسُوق {سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ} يضم بَين السَّحَاب {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً} بعضه على بعض يَقُول يَجعله ركاماً ثمَّ يؤلفه مقدم ومؤخر {فَتَرَى الودق} الْمَطَر {يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} ينزل من خلال السَّحَاب {وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ} يَقُول ينزل من جبال فِي السَّمَاء بردا {فَيُصِيبُ بِهِ} فيعذب الله بالبرد {مَن يَشَآءُ} من كَانَ أَهلا لذَلِك {وَيَصْرِفُهُ} يصرف عَذَابه {عَن مَّن يَشَآءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ} ضوء برق السَّحَاب {يَذْهَبُ بالأبصار} من شدَّة نوره
{يُقَلِّبُ الله اللَّيْل وَالنَّهَار} يذهب بِاللَّيْلِ وَيَجِيء بِالنَّهَارِ وَيذْهب بِالنَّهَارِ وَيَجِيء بِاللَّيْلِ فَهَذَا تقليبهما {إِنَّ فِي ذَلِك} فِيمَا ذكرت من تقليب اللَّيْل وَالنَّهَار وَغير ذَلِك {لَعِبْرَةً} لعلامة {لأُوْلِي الْأَبْصَار} فِي الدّين وَيُقَال فِي الْعين
{وَالله خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ} على وَجه الأَرْض {مِّن مَّآءٍ} من مَاء الذّكر وَالْأُنْثَى {فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على بَطْنِهِ} الْحَيَّة وأشباهها {وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي على أَرْبَعٍ} الدَّوَابّ {يَخْلُقُ الله مَا يَشَآءُ} كَمَا يَشَاء {إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} من الْخلق وَغَيره
{لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ} يَقُول أنزلنَا جِبْرِيل بآيَات مبينات بِالْأَمر وَالنَّهْي {وَالله يَهْدِي} يرشد إِلَى دينه {مَن يَشَآءُ} وَيكرم من كَانَ أَهلا لذَلِك {إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} دين قَائِم يرضاه وَهُوَ الْإِسْلَام
ثمَّ نزل فِي شَأْن قوم عُثْمَان بن عَفَّان حِين قَالُوا لعُثْمَان لَا تذْهب مَعَ على للْقَضَاء عِنْد النبى صلى الله عليه وسلم فِي خُصُومَة فِي قِطْعَة أَرض كَانَت بَينهمَا لِأَنَّهُ يمِيل إِلَيْهِ فذمهم الله بذلك وَقَالَ {وَيِقُولُونَ} قوم عُثْمَان بن عَفَّان {آمَنَّا بِاللَّه وبالرسول} صدقنا بإيماننا بِاللَّه وبالرسول {وَأَطَعْنَا} مَا أمرنَا بِهِ {ثُمَّ يتَوَلَّى فَرِيقٌ} طَائِفَة {مِّنْهُمْ} من قوم عُثْمَان {مِّن بَعْدِ ذَلِك} من بعد مَا قَالُوا هَذِه الْكَلِمَة عَن حكم الله {وَمَآ أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} بالمصدقين فِي إِيمَانهم
{وَإِذَا دعوا إِلَى الله} إِلَى كتاب الله {وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ} الرَّسُول {بَيْنَهُمْ} بِكِتَاب الله بِحكم الله {إِذَا فَرِيقٌ} طَائِفَة {مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ} عَن كتاب الله وَحكم الرَّسُول
{وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ} لقوم عُثْمَان {الْحق} الْقَضَاء {يَأْتُوا إِلَيْهِ} إِلَى النبى صلى الله عليه وسلم {مُذْعِنِينَ} مُسْرِعين طائعين
{أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} شكّ ونفاق {أَمِ ارْتَابُوا} بل شكوا بِاللَّه وبرسوله {أَمْ يَخَافُونَ} أيخافون {أَن يَحِيفَ الله} يجور الله {عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} فِي الحكم {بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} الضارون لأَنْفُسِهِمْ وَكَانُوا منافقين فِي إِيمَانهم
ثمَّ ذكر قَول المخلصين فَقَالَ {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤمنِينَ} المخلصين كَقَوْل عُثْمَان حَيْثُ قَالَ لعَلي بل أجيء مَعَك إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَمَا قضى بَيْننَا رضيت بِهِ فمدحه الله بذلك وَقَالَ إِنَّمَا كَانَ قَول الْمُؤمنِينَ المخلصين وَإِذَا دعوا إِلَى الله {إِلَى كتاب الله}
{وَرَسُولِهِ} وَسنة رَسُوله {لِيَحْكُمَ} الرَّسُول {بَيْنَهُمْ} بِكِتَاب الله بِحكم الله {أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا} أجبنا {وَأَطَعْنَا} مَا أمرنَا {وَأُولَئِكَ هُمُ المفلحون} الناجون من السخط وَالْعَذَاب يَعْنِي عُثْمَان بن عَفَّان
وَنزل فِي عُثْمَان أَيْضا لقَوْله وَالله لَئِن شِئْت يَا رَسُول الله لأخْرجَن من مَالِي كُله فَقَالَ الله {وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ} فِي الحكم {وَيَخْشَ الله} فِيمَا مضى {وَيَتَّقْهِ} فِيمَا بَقِي {فَأُولَئِك هُمُ الفآئزون} فازوا بِالْجنَّةِ ونجوا من النَّار
{وَأَقْسَمُواْ بِاللَّه جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} حلف بِاللَّه عُثْمَان جهد يَمِينه {لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ} من مَاله كُله {قُل} لَهُم يَا مُحَمَّد {لَاّ تُقْسِمُواْ} لَا تحلفُوا {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ} هِيَ طَاعَة مَعْرُوفَة حَسَنَة أَن فَعلْتُمْ وَلَكِن طيعوا طَاعَة مَعْرُوفَة مَعْلُومَة الَّتِي أوجبت عَلَيْكُم {إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} من الْخَيْر وَالشَّر
{قُلْ} يَا مُحَمَّد لقوم عُثْمَان {أَطِيعُواْ الله} فِي الْفَرَائِض {وَأَطِيعُواْ الرَّسُول} فِي السّنَن وَالْحكم {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أَعرضُوا عَن طاعتهما {فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ} مَا أَمر من التَّبْلِيغ {وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ} مَا أمرْتُم من الْإِجَابَة {وَإِن تُطِيعُوهُ} تطيعوا الله فِيمَا أَمركُم {تَهْتَدُواْ} من الضَّلَالَة {وَمَا عَلَى الرَّسُول إِلَاّ الْبَلَاغ الْمُبين} عَن الله
{وَعَدَ الله الَّذين آمَنُواْ مِنْكُمْ} يَا أَصْحَاب مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَات} فِيمَا بَينهم وَبَين رَبهم {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْض} بَعضهم على أثر بعض {كَمَا اسْتخْلف الَّذين مِن قَبْلِهِمْ} من بني إِسْرَائِيل يُوشَع بن نون وكالب بن يوقنا وَيُقَال لننزلنهم أَرض مَكَّة كَمَا أنزلنَا الَّذين من قبلهم من بني إِسْرَائِيل أَرضهم بَعْدَمَا أهلك عدوهم {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ} لَيظْهرَن لَهُم {دِينَهُمُ الَّذِي ارتضى لَهُمْ} رَضِي وَاخْتَارَ لَهُم {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ} بِمَكَّة {مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ} من الْعَدو {أَمْناً} بعد هَلَاك عدوهم {يَعْبُدُونَنِي} لكَي يعبدوني بِمَكَّة {لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} من الْأَوْثَان {وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِك} التَّمْكِين والتبديل {فَأُولَئِك هُمُ الْفَاسِقُونَ} العاصون
{وَأَقِيمُواْ الصَّلَاة} أَتموا الصَّلَوَات الْخمس {وَآتُواْ الزَّكَاة} أعْطوا زَكَاة أَمْوَالكُم {وَأَطِيعُواْ الرَّسُول} فِي الحكم {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} لكَي ترحموا فَلَا تعذبوا
{لَا تَحْسَبَنَّ} يَا مُحَمَّد {الَّذين كَفَرُواْ} كفار مَكَّة {مُعْجِزِينَ فِي الأَرْض} فائتين فِي الأَرْض من عَذَاب الله {وَمَأْوَاهُمُ} مصيرهم {النَّار} فِي الْآخِرَة {وَلَبِئْسَ الْمصير} صَارُوا إِلَيْهِ مَعَ الشَّيَاطِين نزلت هَذِه الْآيَة فِي أبي جهل وَأَصْحَابه
ثمَّ نزل حِين قَالَ عمر رضى الله عَنهُ وددت أَن الله نهى أبناءنا وَخَدَمنَا أَن لَا يدخلُوا علينا فِي العورات الثَّلَاث إِلَّا بِإِذن فَقَالَ {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {لِيَسْتَأْذِنَكُمُ} فِي الدُّخُول عَلَيْكُم {الَّذين مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} العبيد الصغار {وَالَّذين لَمْ يَبْلَغُوا الْحلم} الأحلام {مِنْكُمْ} من أحراركم {ثَلاثَ مَرَّاتٍ} فِي ثَلَاث سَاعَات {من قبل صَلَاة الْفجْر} من ينفجر الصُّبْح إِلَى حِين تصلى صَلَاة الْفجْر {وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِّنَ الظهيرة} عِنْد القيلولة إِلَى أَن تصلى صَلَاة الظّهْر {وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعشَاء} الْأَخِيرَة إِلَى حِين طُلُوع الْفجْر {ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ} ثَلَاث خلوات {لكُم} ثمَّ رخصهم بعد ذَلِك فِي الدُّخُول عَلَيْهِم بِغَيْر إِذن فَقَالَ {لَيْسَ عَلَيْكُمْ} على أَرْبَاب الْبيُوت {وَلَا عَلَيْهِمْ} على الْأَبْنَاء والخدام الصغار دون الْكِبَار {جُنَاحٌ} حرج {بَعْدَهُنَّ} بعد هَذِه الثَّلَاث العورات {طَوَّافُونَ عَلَيكُمْ} للْخدمَة {بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ} يدْخل بَعْضكُم على بعض بِغَيْر إِذن وَأما الْكِبَار من العبيد وَالْأَبْنَاء فَيَنْبَغِي لَهُم أَن يستأذنوا بِالدُّخُولِ على آبَائِهِم ومماليكهم فِي كل حِين {كَذَلِك} هَكَذَا {يبين الله لكم الْآيَات} الْأَمر وَالنَّهْي كَمَا بيّن الله هَذَا {وَاللهُ عَلِيمٌ} أعلم بصلاحكم {حَكِيمٌ} حكم عَلَيْكُم بالاستئذان للصبيان الصغار فِي العورات
{الْحلم} الِاحْتِلَام {فَلْيَسْتَأْذِنُواْ} عَلَيْكُم فِي كل حِين {كَمَا اسْتَأْذن الَّذين مِن قَبْلِهِمْ} من إخْوَانهمْ الْمَذْكُورين {كَذَلِك} هَكَذَا {يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ} أمره وَنَهْيه كَمَا يبيّن الله هَذَا {وَالله عَلِيمٌ} بصلاحكم {حَكِيمٌ} حكم على الْكِبَار بالاستئذان فِي كل حِين
{وَالْقَوَاعِد مِنَ النسآء} الْعَجَائِز {اللَّاتِي} يئسن من الْمَحِيض اللَّاتِي {لَا يَرْجُونَ نِكَاحاً} لَا يتزوجن وَلَا يحتجن إِلَى الزَّوْج {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ} على الْعَجَائِز {جُنَاحٌ} حرج {أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} من ثيابهن الرِّدَاء عِنْد الْغَرِيب {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتِ بِزِينَةٍ} من غير أَن يتزين أَن يظهرن مَا عَلَيْهِنَّ من الزِّينَة عِنْد الْغَرِيب {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ} بالرداء عِنْد الْغَرِيب {خَيْرٌ لَّهُنَّ} من أَن يضعنه {وَالله سَمِيعٌ} لمقالتهن {عِلِيمٌ} بأعمالهن
ثمَّ نزل حِين تحرجوا من المواكلة مَعَ بَعضهم بَعْضًا مَخَافَة الظُّلم لما أنزل قَوْله يأيها الَّذين آمَنُواْ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ بالظلم وخافوا من ذَلِك فَرخص لَهُم المواكلة مَعَ بَعضهم بَعْضًا فَقَالَ {لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ} يَقُول لَيْسَ على من أكل مَعَ الْأَعْمَى حرج مأثم {وَلَا عَلَى الْأَعْرَج حَرَجٌ} لَيْسَ على من أكل مَعَ الْأَعْرَج حرج مأثم {وَلَا عَلَى الْمَرِيض حَرَجٌ} وَلَيْسَ على من أكل مَعَ الْمَرِيض حرج مأثم {وَلَا على أَنفُسِكُمْ} حرج مأثم {أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ} من بيُوت أَبْنَائِكُم بِغَيْر إِذن بِالْعَدْلِ والإنصاف {أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ} {أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ} من كل وَجه {أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ} من كل وَجه {أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ} إخْوَة آبائكم {أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ} أَخَوَات آبائكم {أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ} إخْوَة أُمَّهَاتكُم {أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ} أَخَوَات أُمَّهَاتكُم {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ} خَزَائِن مَا عنْدكُمْ من المَال يَعْنِي العبيد وَالْإِمَاء {أَوْ صَدِيقِكُمْ} فِي الْخلطَة نزل أَو صديقكم فِي مَالك بن زين والْحَارث بن عمار وَكَانَا صديقين {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} مأثم {أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً} مُجْتَمعين بِالْعَدْلِ والإنصاف {أَوْ أَشْتَاتاً} مُتَفَرّقين وَدخل فِي هَذِه الْآيَة الْأَعْمَى والأعرج وَالْمَرِيض وَغير ذَلِك {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً} يَعْنِي بُيُوتكُمْ أَو الْمَسَاجِد وَلَيْسَ فِيهَا أحد {فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ} فَقولُوا السَّلَام علينا من رَبنَا {تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ الله} كَرَامَة من الله لكم {مُبَارَكَةً} بالثواب {طَيِّبَةً} بالمغفرة {كَذَلِكَ} هَكَذَا {يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الْآيَات} الْأَمر وَالنَّهْي كَمَا بَين هَذَا {لَعَلَّكُمْ تعقلون} لكَي تعقلوا مَا أمرْتُم بِهِ
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ} المصدقون فِي إِيمَانهم {الَّذين آمَنُواْ بِاللَّه وَرَسُولِهِ} فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة {وَإِذَا كَانُواْ مَعَه} مَعَ النبى صلى الله عليه وسلم {على أَمْرٍ جَامِعٍ} فِي يَوْم الْجُمُعَة أَو فِي غَزْوَة {لَّمْ يَذْهَبُواْ} لم يخرجُوا من الْمَسْجِد وَلم يرجِعوا من الْغَزْو {حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} يعْنى يستأذنوا النبى صلى الله عليه وسلم {إِنَّ الَّذين يَسْتَأْذِنُونَكَ} يَا مُحَمَّد بِالرُّجُوعِ عَن غَزْوَة تَبُوك وَكَانَ ذَلِك عمر بن الْخطاب اسْتَأْذن النبى صلى الله عليه وسلم بِالرُّجُوعِ إِلَى الْمَدِينَة لعِلَّة كَانَت بِهِ {أُولَئِكَ الَّذين يُؤْمِنُونَ بِاللَّه وَرَسُولِهِ} فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة {فَإِذَا استأذنوك} يَا مُحَمَّد المخلصون {لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ} حَاجتهم {فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ} من المخلصين {واستغفر لَهُمُ الله} فِيمَا ذَهَبُوا {إِنَّ الله غَفُور} لمن تَابَ {رَحِيم} لمن مَاتَ على التَّوْبَة
{لَاّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرَّسُول بَيْنَكُمْ} أَي لَا تدعوا الرَّسُول باسمه يَا مُحَمَّد {كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا}