الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{وَإِنَّ جُندَنَا} الرُّسُل وَالْمُؤمنِينَ {لَهُمُ الغالبون} بِالْحجَّةِ وَالْعدَد إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
{فَتَوَلَّ} فَأَعْرض يَا مُحَمَّد {عَنْهُمْ} عَن كفار مَكَّة {حَتَّى حِينٍ} إِلَى وَقت هلاكهم يَوْم بدر
{وَأَبْصِرْهُمْ} أعلمهم عَذَاب الله {فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} يعلمُونَ مَاذَا يفعل بهم
{أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ} أفبمثل عذابنا يستعجلون قبل أَجله
{فَإِذا نزل بِسَاحَتِهِمْ} بقربهم {فَسَآءَ صَبَاحُ الْمُنْذرين} فبئس الصَّباح لمن أنذرتهم الرُّسُل فَلم يُؤمنُوا
{وَتَوَلَّ} أعرض {عَنْهُمْ} يَا مُحَمَّد {حَتَّى حِينٍ} إِلَى وَقت هلاكهم يَوْم بدر
{وَأَبْصِرْ} اعْلَم {فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ} يعلمُونَ مَاذَا يفعل بهم
{سُبْحَانَ رَبِّكَ} نزه نَفسه عَن الْوَلَد وَالشَّرِيك {رَبِّ الْعِزَّة} المنعة وَالْقُدْرَة {عَمَّا يَصِفُونَ} يَقُولُونَ من الْكَذِب
{وَسَلَامٌ} منا سَلامَة {على الْمُرْسلين} بتبليغهم الرسَالَة
{وَالْحَمْد لِلَّهِ} الشُّكْر والوحدانية لله بنجاة الرُّسُل وهلاك قَومهمْ {رَبِّ الْعَالمين} سيد الْإِنْس وَالْجِنّ
وَمن السُّورَة الَّتِى يذكر فِيهَا ص وهى كلهَا مَكِّيَّة آياتها سِتّ وَثَمَانُونَ آيَة وكلماتها سَبْعمِائة وَاثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ كلمة وحروفها ثَلَاثَة آلَاف وَسِتَّة وَسِتُّونَ حرفا
وبإسناده عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى
{ص}
يَقُول ص وَالْقُرْآن أَي كرروا الْقُرْآن حَتَّى تعلمُوا الْإِيمَان من الْكفْر وَالسّنة من الْبِدْعَة وَالْحق من الْبَاطِل والصدق من الْكَذِب والحلال من الْحَرَام وَالْخَيْر من الشَّرّ وَيُقَال ص صد عَن الْهدى أَي صرف أهل مَكَّة عَن الْحق وَالْهدى وَيُقَال أَبُو جهل وَيُقَال ص صَادِق فِي قَوْله وَيُقَال ص اسْم من أَسمَاء الله صَادِق وَيُقَال قسم أقسم بِهِ {وَالْقُرْآن} أقسم بِالْقُرْآنِ {ذِي الذّكر} ذِي الشّرف وَالْبَيَان شرف من آمن بِهِ وَبَيَان الْأَوَّلين والآخرين
{بَلِ الَّذين كَفَرُواْ} كفار مَكَّة {فِي عِزَّةٍ} حمية وتكبر {وَشِقَاقٍ} خلاف وعداوة وَلِهَذَا كَانَ الْمقسم عَلَيْهِ
{كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم} من قبل قُرَيْش {مِّن قَرْنٍ} من الْأُمَم الخالية {فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ} فنادتهم الْمَلَائِكَة عِنْد هلاكهم ولات حِين مناص أَي لَيْسَ بِحِين حَملَة وَلَا فرار قفوا فوقفوا حَتَّى أهلكهم الله وَقد كَانُوا قبل ذَلِك إِذا قَاتلُوا عدوا نَادَى بَعضهم بَعْضًا مناص مناص يعنون حَملَة وَاحِدَة فنجا من نجا وَهلك من هلك وَإِذا غلب الْعَدو عَلَيْهِم كَانُوا يبدرون بَعضهم بَعْضًا وينادون بَعضهم بَعْضًا مناص مناص بِنصب الصَّاد أَي فِرَارًا فِرَارًا فيفرون من الْقِتَال وَهَذِه عَلامَة كَانَت بَينهم فِي القتالإذا أَرَادوا أَن يحملوا على الْعَدو أَو يَفروا من الْعَدو فَلَمَّا أَرَادَ الله هلاكهم نادتهم الْمَلَائِكَة ولات حِين مناص أَي لَيْسَ بِحِين حَملَة وَلَا فرار
{وعجبوا} قُرَيْش {أَن جَآءَهُم} بِأَن جَاءَهُم {مٌّنذِرٌ} رَسُول مخوف {مِّنْهُمْ} من نسبهم {وَقَالَ الْكَافِرُونَ} كفار مَكَّة {هَذَا} يعنون مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم {سَاحِرٌ} يفرق بَين الِاثْنَيْنِ {كَذَّابٌ} يكذب على الله
{أَجَعَلَ الْآلهَة إِلَهًا وَاحِداً} أيسعنا وَيَكْفِينَا إِلَه وَاحِد فى حوائجنا كَمَا يَقُول مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم {إِن هَذَا} الذى يَقُول صلى الله عليه وسلم {لَشَيْءٌ عُجَابٌ} عَجِيب
{وَانْطَلق الْمَلأ} الرؤساء {مِنْهُمْ} من قُرَيْش عتبَة وَشَيْبَة ابْنا ربيعَة وَأبي بن خلف الجُمَحِي وَأَبُو جهل بن هِشَام {أَنِ امشوا} قَالَ لَهُم أَبُو جهل أَن امضوا إِلَى آلِهَتكُم {وَاْصْبِرُواْ على آلِهَتِكُمْ} اثبتوا على عبَادَة آلِهَتكُم {إِن هَذَا لشَيْء} يعنون مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم {يُرَادُ} أَن يهْلك وَيُقَال إِن هَذَا الَّذِي يَقُول مُحَمَّد
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لشَيْء يُرَاد يكون بِأَهْل الأَرْض
{مَا سمعنَا بِهَذَا} الذى يَقُول مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم {فِى الْملَّة الْآخِرَة} فِي الْملَّة الْيَهُودِيَّة والنصرانية يعنون لم نسْمع من الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى أَن الْإِلَه وَاحِد {إِنْ هَذَا} مَا هَذَا الذى يَقُول مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم {إِلَّا اخْتِلَاق} اختلقه مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم من تِلْقَاء نَفسه
{أأنزل عَلَيْهِ الذّكر مِن بَيْنِنَا} أخص بِالنُّبُوَّةِ وَالْكتاب من بَيْننَا {بْل هُمْ} كفار مَكَّة {فَي شكّ من ذكري} من كتابى ونبوة نَبِي {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ} لم يَذُوقُوا عَذَابي فَمن ذَلِك يكذبُون عَليّ
{أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيز الْوَهَّاب} يَقُول أبأيديهم النُّبُوَّة والكتب فيعطون من شَاءُوا وَهُوَ الْعَزِيز بالنقمة لمن لَا يُؤمن الْوَهَّاب وهب النُّبُوَّة وَالْكتاب لمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
{أَمْ لَهُم} ألهم {مٌّلْكُ السَّمَاوَات وَالْأَرْض} مقدرَة على السَّمَوَات وَالْأَرْض {وَمَا بَيَنَهُمَا} من الْخلق والعجائب {فَلْيَرْتَقُواْ} فليصعدوا {فِى الْأَسْبَاب} فِي أَبْوَاب السَّمَوَات إِن كَانَت لَهُم مقدرَة ذَلِك فلينظروا ءأنزل عَلَيْهِ النُّبُوَّة وَالْكتاب أم لَا
{جند} هم جند {مَا هُنَالك} عِنْد مَا أَرَادوا قتل النبى صلى الله عليه وسلم يَوْم بدر {مَهْزُومٌ} مقتول مغلوب فَقتلُوا يَوْم بدر {مِّن الْأَحْزَاب} من الْكفَّار كفار مَكَّة
{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ} قبل قَوْمك يَا مُحَمَّد {قَوْمُ نُوحٍ} نوحًا {وَعَادٌ} قوم هود هوداً {وفِرْعَوْنُ} مُوسَى {ذُو الْأَوْتَاد} صَاحب الْملك الثَّابِت وَيُقَال صَاحب الْعَذَاب بالأوتاد وَإِنَّمَا سمي ذَا أوتاد لِأَنَّهُ كَانَ إِذا غضب على أحد وَكره بأَرْبعَة أوتاد
{وَثَمُودُ} قوم صَالح صَالحا {وَقَوْمُ لُوطٍ} لوطاً {وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ} الغيضة وهم قوم شُعَيْب كذبُوا شعيباً {أُولَئِكَ الْأَحْزَاب} الْكفَّار
{إِن كُلٌّ إِلَاّ كَذَّبَ الرُّسُل} يَقُول كل هَؤُلَاءِ كذبُوا الرُّسُل كَمَا كَذبك قُرَيْش {فَحَقَّ عِقَاب} فَوَجَبت عَلَيْهِم عقوبتى
{وَمَا ينظر هَؤُلَاءِ} قَوْمك إِن كَذبُوك {إِلَاّ صَيْحَةً واحِدَةً} لَا تثني وَهِي نفخة الْبَعْث {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} من نظرة وَلَا رَجْعَة
{وَقَالُواْ} يَعْنِي كفار مَكَّة حِين ذكر الله فِي كِتَابه فَأَما من أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ وَأما من أُوتِيَ كِتَابه بِشمَالِهِ {رَبَّنَا} يَا رَبنَا {عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا} يعنون كتَابنَا أَي صحيفَة أَعمالنَا {قَبْلَ يَوْمِ الْحساب} حَتَّى نعلم مَا فِيهَا
{اصبر} يَا مُحَمَّد {على مَا يَقُولُونَ} من التَّكْذِيب {وَاذْكُر عَبدنَا دَاوُد} يَقُول اذكر لَهُم خبر عَبدنَا دَاوُد {ذَا الأيد} ذَا الْقُوَّة وَالْعِبَادَة {إِنَّهُ أَوَّابٌ} مُطِيع لله مقبل إِلَى طَاعَة الله
{إِنَّا سَخَّرْنَا} ذللنا {الْجبَال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ} مَعَه {بالْعَشي وَالْإِشْرَاق} غدْوَة وَعَشِيَّة
{وَالطير} وسخرنا لَهُ الطير {مَحْشُورَةً} مَجْمُوعَة {كُلٌّ لَّهُ} الطير وَالْجِبَال {أَوَّابٌ} مُطِيع لله
{وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} بالحرس وَكَانَ يحرس كل لَيْلَة محرابه ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ ألف رجل {وَآتَيْنَاهُ} أعطيناه {الْحِكْمَة} النُّبُوَّة {وَفَصْلَ الْخطاب} الْقَضَاء كَانَ لَا يتعتع فِي الْكَلَام عِنْد الْقَضَاء يقْضِي بِالْبَيِّنَةِ وَالْيَمِين الْبَيِّنَة على الطَّالِب وَالْيَمِين على الْمَطْلُوب
{وَهَلْ أَتَاكَ} مَا أَتَاك ثمَّ أَتَاك يَا مُحَمَّد {نَبَأُ الْخصم} خبر الْخصم خصم دَاوُد {إِذْ تَسَوَّرُواْ الْمِحْرَاب} نزلُوا عَلَيْهِ من فَوق الْمِحْرَاب
{إِذْ دخلُوا على دَاوُد فَفَزِعَ مِنْهُمْ} دَاوُد {قَالُواْ} يَعْنِي الْملكَيْنِ اللَّذين دخلا عَلَيْهِ يَا دَاوُد {لَا تَخَفْ خَصْمَانِ} نَحن خصمان {بغى} تطاول وظلم {بَعْضُنَا على بَعْضٍ فاحكم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ} بِالْعَدْلِ {وَلَا تُشْطِطْ} لَا تمل وَلَا تجر {واهدنآ إِلَى سَوَآءِ الصِّرَاط} دلنا إِلَى الصَّوَاب
{إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً} امْرَأَة {وَلِي نَعْجَةٌ} امْرَأَة {وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا} أعطنيها {وَعَزَّنِي فِي الْخطاب} غلبني فِي الْكَلَام وَهَذَا مثل ضرباه لداود لكَي يفهم مَا فعل بأوريا
{قَالَ} دَاوُد {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ} بِأخذ نعجتك {إِلَى نِعَاجِهِ} مَعَ كَثْرَة نعاجه {وَإِنَّ كثيرا من الخلطاء} من الشُّرَكَاء والإخوان {ليبغي} ليظلم {بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ إِلَاّ الَّذين آمَنُواْ} بِاللَّه {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَات}
فِيمَا بَينهم وَبَين رَبهم {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} مَالا يظْلمُونَ فَخَرَجَا من حَيْثُ دخلا {وَظن دَاوُد} علم وأيقن بعد لَك {أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} ابتليناه بالذنب الَّذِي كَانَ مِنْهُ {فَاسْتَغْفر رَبَّهُ} من الذَّنب {وَخَرَّ رَاكِعاً} سَاجِدا {وَأَنَابَ} أقبل إِلَى الله بِالتَّوْبَةِ والندامة
{فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ} الذَّنب {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى} قربى فِي الدَّرَجَات {وَحُسْنَ مَآبٍ} مرجع فى الْآخِرَة
{يَا دَاوُد إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْض} نَبيا ملكا على بني إِسْرَائِيل {فاحكم بَيْنَ النَّاس بِالْحَقِّ} بِالْعَدْلِ {وَلَا تَتَّبِعِ الْهوى} كَمَا اتبعت فِي بتشايع امْرَأَة أوريا وَكَانَت بنت عَم دَاوُد {فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله} عَن طَاعَة الله {إِنَّ الَّذين يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ الله} عَن طَاعَة الله {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحساب} بِمَا تركُوا الْعَمَل ليَوْم الْحساب
{وَمَا خَلَقْنَا السمآء وَالْأَرْض وَمَا بَيْنَهُمَا} من الْخلق والعجائب {بَاطِلاً} عَبَثا جزَافا بِلَا أَمر وَلَا نهي {ذَلِك ظَنُّ الَّذين كَفَرُواْ} إِنْكَار الَّذين كفرُوا بِالْبَعْثِ بعد الْمَوْت {فَوَيْلٌ} فشدة الْعَذَاب {لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} بِالْبَعْثِ بعد الْمَوْت {مِنَ النَّار} فِي النَّار
{أم نجْعَل الَّذين آمنُوا} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَات} الطَّاعَات فِيمَا بَينهم وَبَين رَبهم وَهُوَ عَليّ بن أبي طَالب وَحَمْزَة ابْن عبد الْمطلب وَعبيدَة بن الْحَارِث {كالمفسدين} كالمشركين {فِي الأَرْض} وَهُوَ عتبَة وَشَيْبَة ابْنا ربيعَة والوليد بن عتبَة {أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ} الْكفْر والشرك وَالْفَوَاحِش عليا وصاحباه {كالفجار} كالكفار وَعتبَة وَشَيْبَة والوليد وهم الَّذين بارزوا يَوْم بدر عليا وَحَمْزَة وَعبيدَة فَقتل عَليّ الْوَلِيد بن عتبَة وَقتل حَمْزَة عتبَة بن ربيعَة وَقتل عُبَيْدَة شيبَة
{كِتَابٌ} هَذَا كتاب {أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ} أنزلنَا جِبْرِيل بِهِ إِلَيْك {مُبَارَكٌ} فِيهِ الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة لمن آمن بِهِ {ليدبروا آيَاتِهِ} لكَي يتفكروا فِي آيَاته {وليتذكر} لكى يتعظ {أولُوا الْأَلْبَاب} ذَوُو الْعُقُول من النَّاس
{وَوَهَبْنَا لداود سُلَيْمَانَ نِعْمَ العَبْد إِنَّهُ أَوَّابٌ} مقبل إِلَى الله وَإِلَى طَاعَته
{إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بالْعَشي} بعد الظّهْر {الصافنات} الْخَيل العراب الخوالص {الْجِيَاد} السراع وَيُقَال الصافنات هُوَ الْفرس إِذا قَامَ بِثَلَاث قَوَائِم وَرفع إِحْدَى يَدَيْهِ حَتَّى يكون على طرف الْحَافِر
{فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْر} اخْتَرْت المَال {عَن ذِكْرِ رَبِّي} على طَاعَة رَبِّي {حَتَّى تَوَارَتْ} الشَّمْس {بالحجاب} بجبل قَاف
{رُدُّوهَا عَلَيَّ} مَا عرض عَليّ فردوها {فَطَفِقَ} عمد {مَسْحاً بِالسوقِ} ضرب سوقهن {والأعناق} وأعناقهن وَيُقَال فَطَفِقَ مسحاً بِالسوقِ والأعناق حَتَّى تَوَارَتْ بالحجاب حَتَّى غَابَتْ الشَّمْس وَذَهَبت مِنْهُ صَلَاة الْعَصْر فَمن أجل ذَلِك فعل مَا فعل
{وَلَقَدْ فَتَنَّا} ابتلينا {سُلَيْمَانَ} بذهاب ملكه أَرْبَعِينَ يَوْمًا بِقدر مَا عبد الصَّنَم فِي بَيته مَكَان كل يَوْم يَوْمًا {وَأَلْقَيْنَا} أجلسنا {على كُرْسِيِّهِ جَسَداً} شَيْطَانا {ثُمَّ أَنَابَ} ثمَّ رَجَعَ إِلَى ملكه وَإِلَى طَاعَة ربه وَتَابَ من ذَنبه
{قَالَ رَبِّ اغْفِر لِي} ذَنبي {وَهَبْ لِي مُلْكاً لَاّ يَنبَغِي} لَا يصلح {لأَحَدٍ مِّن بعدِي} وَيُقَال لَا يسلب فِيمَا بَقِي كَمَا سلب الْمرة الأولى {إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّاب} بِالْملكِ والنبوة لمن شِئْت
{فَسَخَّرْنَا لَهُ الرّيح} بعد ذَلِك {تَجْرِي بِأَمْرِهِ} بِأَمْر الله وَيُقَال بِأَمْر سُلَيْمَان {رُخَآءً} لينَة {حَيْثُ أَصَابَ} أَرَادَ
{وَآخَرِينَ} من غَيرهم {مُقَرَّنِينَ} مصفدين مسلسلين {فِي الأصفاد} فِي أغلال الْحَدِيد وهم المردة من الشَّيَاطِين الَّذين لَا يَبْعَثهُم إِلَى عمل إِلَّا انقلبوا
{هَذَا عَطَآؤُنَا} ملكنا يَا سُلَيْمَان ملكناك على الشَّيَاطِين {فَامْنُنْ} على من شِئْت من المتمردين وخل سبيلهم من الغل {أَوْ أَمْسِكْ} احْبِسْ فِي الغل {بِغَيْرِ حِسَابٍ} من غير أَن تحاسب وتأثم بذلك
{وَاذْكُر عَبْدَنَآ} اذكر لكفار مَكَّة خبر عَبدنَا {أَيُّوب إِذْ نَادَى ربه} دَعَا ربه {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَان} أصابني من تسليطك الشَّيْطَان عَليّ {بِنُصْبٍ} تَعب وعناء {وَعَذَابٍ} بلَاء وَمرض فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل يَا أَيُّوب
{اركض} اضْرِب {بِرِجْلِكَ} على الأَرْض فَضرب فَخرج مِنْهَا عين فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل {هَذَا مُغْتَسَلٌ} اغْتسل مِنْهُ فاغتسل مِنْهُ فالتأم مابه ثمَّ قَالَ لَهُ اضْرِب ضَرْبَة أُخْرَى فَضرب فَخرج مِنْهَا عين أُخْرَى فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل {بَارِدٌ وَشَرَابٌ} أَي وَهَذَا شراب بَارِد عذب اشرب مِنْهُ فَشرب فالتأم مَا فِي جَوْفه
{وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ} الَّذين أهلكناهم {وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ} فِي الْآخِرَة وَيُقَال فِي الدُّنْيَا {رَحْمَةً مِّنَّا} نعْمَة منا عَلَيْهِ {وذكرى} عظة {لأُوْلِي الْأَلْبَاب} لِذَوي الْعُقُول من النَّاس
{وَخُذْ بِيَدِكَ} يَا أَيُّوب {ضِغْثاً} قَبْضَة من سنبل فِيهَا مائَة سنبلة {فَاضْرب بِّهِ} امْرَأَتك رَحْمَة بنت يُوسُف الصّديق {وَلَا تَحْنَثْ} لَا تأثم فِي يَمِينك وَكَانَ قبل ذَلِك حلف بِاللَّه لَئِن شفَاه الله ليجلدنها مائَة جلدَة فِي سَبَب كَلَام تَكَلَّمت بِهِ لم يرض الله بِهِ {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً} على الْبلَاء {نِّعْمَ العَبْد إِنَّهُ أَوَّابٌ} مُطِيع لله مقبل إِلَى طَاعَة الله
{وَاذْكُر عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ} خَلِيل الرَّحْمَن {وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي} الْقُوَّة فِي الْعِبَادَة لله {والأبصار} فى الدّين
{إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ} اختصصناهم {بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّار} يَقُول بخالصة ذكر الله وَذكر الْآخِرَة
{وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المصطفين الأخيار} المختارين فِي الدُّنْيَا بِالنُّبُوَّةِ وَالْإِسْلَام الأخيار عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة
{وَاذْكُر إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسع} ابْن عَم إلْيَاس {وَذَا الكفل} الَّذِي كفل وَضمن أَشْيَاء لقوم فوفاها وَيُقَال تكفل لله بِشَيْء فوفاه وَيُقَال كفل مائَة نَبِي فَكَانَ يُطعمهُمْ حَتَّى نجاهم الله من الْقَتْل وَكَانَ رجلا صَالحا وَلم يكن نَبيا {وَكُلٌّ} كل هَؤُلَاءِ {مِّنَ الأخيار} عِنْد الله
{هَذَا ذِكْرٌ} ذكر الصَّالِحين وَيُقَال فِي هَذَا الْقُرْآن خبر الْأَوَّلين والآخرين {وَإِن لِلْمُتقين} الكفروالشرك وَالْفَوَاحِش {لَحُسْنَ مَآبٍ} مرجع فِي الْآخِرَة
ثمَّ بَين مستقرهم فِي الْآخِرَة فَقَالَ {جَنَّاتِ عَدْنٍ} مَعْدن الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ {مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَاب} يَوْم الْقِيَامَة
{مُتَّكِئِينَ فِيهَا} جالسين على السرر فِي الحجال ناعمين فِي الْجنَّة {يَدْعُونَ فِيهَا} يسْأَلُون فِي الْجنَّة {بِفَاكِهَةٍ} بألوان الْفَاكِهَة {كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ} وألوان الشَّرَاب
{وَعِندَهُمْ} فِي الْجنَّة جوَار {قَاصِرَاتُ الطّرف} غاضات الْعين قانعات بأزواجهن {أَتْرَابٌ} مستويات فِي السن والميلاد
يَقُول الله لَهُم {هَذَا مَا تُوعَدُونَ} إِذْ أَنْتُم فِي الدُّنْيَا {لِيَوْمِ الْحساب} يَوْم الْقِيَامَة
{إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا} طعامنا ونعيمنا لَهُم {مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ} من فنَاء وَلَا انْقِطَاع
{هَذَا} للْمُؤْمِنين {وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ} للْكَافِرِينَ أبي جهل وَأَصْحَابه {لَشَرَّ مَآبٍ} مرجع فِي الْآخِرَة
{جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا} يدْخلُونَهَا يَوْم الْقِيَامَة {فَبِئْسَ المهاد} الْفراش والقرار لَهُم النَّار
{هَذَا} للْكَافِرِينَ {فَلْيَذُوقُوهُ} عَذَاب جَهَنَّم {حَمِيمٌ} مَاء حَار قد انْتهى حره {وَغَسَّاقٌ} زمهرير يحرقهم كَمَا تحرقهم النَّار
{وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ} من نَحْو الْحَمِيم والغساق {أَزوَاج} ألوان الْعَذَاب فيدخلهم الله النارالأول فَالْأول فَكلما دخلت أمة لعنت أُخْتهَا الَّتِي دخلت قبلهَا فَيَقُول الله لأوّل أمة دخلت النَّار
{هَذَا فَوْجٌ} جمَاعَة {مُّقْتَحِمٌ} دَاخل {مَّعَكُمْ} النَّار فَيَقُول أول الْأمة لآخر الْأمة {لَا مَرْحَباً بِهِمْ} لَا وسع الله عَلَيْهِم {إِنَّهُمْ صَالُواْ النَّار} داخلوا النَّار {قَالُواْ} آخر الْأمة
{بل أَنْتُم لَا مرْحَبًا بكم} لَا وسع الله عَلَيْكُم {أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ} شرعتموه {لَنَا} هَذَا الدّين فاقتدينا بكم {فَبِئْسَ الْقَرار} الْمنزل لنا وَلكم
{قَالُواْ} الأول وَالْآخر {رَبَّنَا} يَا رَبنَا {مَن قَدَّمَ لَنَا} من شرع لنا {هَذَا} الدّين يعنون إِبْلِيس وَسَائِر الرؤساء {فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النَّار} مِمَّا علينا
{وَقَالُواْ مَا لَنَا لَا نرى} فِي النَّار {رِجَالاً} يعنون فُقَرَاء الْمُؤمنِينَ {كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ الأشرار} من السفلة والفقراء
{أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً} سخرناهم فِي الدُّنْيَا {أَمْ زَاغَتْ} مَالَتْ {عَنْهُمُ الْأَبْصَار} أبصارنا فَلَا نراهم
{إِنَّ ذَلِكَ} الَّذِي ذكرت من خبر أهل النَّار {لَحَقٌّ} صدق {تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّار} كَلَام أهل النَّار بِالْخُصُومَةِ بَعضهم مَعَ بعض
{قُلْ} يَا مُحَمَّد لأهل مَكَّة {إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ} رَسُول مخوف {وَمَا مِنْ إِلَه إِلَاّ الله الْوَاحِد} بِلَا ولد وَلَا شريك {القهار} الْغَالِب على خلقه
{رَبُّ السَّمَاوَات} خَالق السَّمَوَات {وَالْأَرْض وَمَا بَيْنَهُمَا} من الْخلق والعجائب {الْعَزِيز} هُوَ الْعَزِيز بالنقمة لمن لَا يُؤمن بِهِ {الْغفار} لمن تَابَ وآمن بِهِ
{قُلْ} يَا مُحَمَّد {هُوَ} يَعْنِي الْقُرْآن {نَبَأٌ} خبر {عَظِيمٌ} كريم شرِيف فِيهِ خبر الْأَوَّلين والآخرين
{مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بالملإ الْأَعْلَى} يَعْنِي الْمَلَائِكَة لَو لم أكن رَسُولا {إِذْ يَخْتَصِمُونَ} إِذْ يَتَكَلَّمُونَ حِين قَالُوا أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا الْآيَة
{إِن يُوحى} مَا يُوحى {إِلَيَّ إِلَاّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ} رَسُول مخوف {مُّبِينٌ} بلغَة تعلمونها ثمَّ بَين خُصُومَة الْمَلَائِكَة فَقَالَ اذكر يَا مُحَمَّد لَهُم
{فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} جمعت خلقه {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} جعلت الرّوح فِيهِ {فَقَعُواْ لَهُ} فَخَروا لَهُ {ساجدين}
{إِلَاّ إِبْلِيسَ استكبر} تعظم عَن السُّجُود لآدَم {وَكَانَ مِنَ الْكَافرين} صَار من الْكَافرين بإبائه عَن أَمر الله
{قَالَ} الله لَهُ {يَا إِبْلِيس} يَا خَبِيث {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} صورت بيَدي {أَسْتَكْبَرْتَ} عَن السُّجُود لآدَم {أَمْ كُنتَ مِنَ العالين} من الْمُخَالفين لأمرى
{قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} فَالنَّار تَأْكُل الطين فَلذَلِك لم أَسجد لَهُ
{قَالَ} الله لَهُ {فَاخْرُج مِنْهَا} من صُورَة الْمَلَائِكَة وَيُقَال من الأَرْض {فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} مَلْعُون مطرود من رحمتى وكرامتى
{وَإِن عَلَيْك لَعْنَتِي} عَذَابي وسخطي وَيُقَال أجلاه الله إِلَى جزائر الْبَحْر وَلَا يدْخل فِيهَا إِلَّا كَهَيئَةِ السَّارِق وَعَلِيهِ أطمار يروع فِيهَا {إِلَى يَوْمِ الدّين} يَوْم الْحساب
{قَالَ} إِبْلِيس {رَبِّ} يَا رب {فأنظرني} فأجلني
{قَالَ فَبِعِزَّتِكَ} فبنعمتك وقدرتك {لأُغْوِيَنَّهُمْ} لأضلنهم عَن دينك وطاعتك {أَجْمَعِينَ}
{قَالَ} الله لَهُ {فَالْحق} يَقُول أَنا الْحق {وَالْحق} يَقُول وبالحق {أَقُولُ}
{لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ} وَمن ذريتك {وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ} من بني آدم {أَجْمَعِينَ} جَمِيع من أطاعك بِالدينِ
{قُلْ} يَا مُحَمَّد لأهل مَكَّة {مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} على التَّوْحِيد وَالْقُرْآن {مِنْ أَجْرٍ} من جعل ورزق {وَمَآ أَنَآ مِنَ المتكلفين} من المختلقين من تِلْقَاء نَفسِي
{إِنْ هُوَ} مَا هُوَ يَعْنِي الْقُرْآن {إِلَاّ ذِكْرٌ} عظة {لِّلْعَالَمِينَ} للجن وَالْإِنْس
{وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ} خبر الْقُرْآن وَمَا فِيهِ من الْوَعْد والوعيد {بَعْدَ حِينِ} بعد الْإِيمَان وَيُقَال بعد الْمَوْت فَمنهمْ من علم بعد الْإِيمَان وهم الْمُؤْمِنُونَ وَمِنْهُم من علم بعد الْمَوْت وهم الْكفَّار أَن مَا قَالَ الله فِي الْقُرْآن هُوَ الْحق
وَمن السُّورَة الَّتِى يذكر فِيهَا الزمر وهى كلهَا مَكِّيَّة غير قَوْله {قل يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم} إِلَى آخر الْآيَة فانها مَدَنِيَّة آياتها اثْنَتَانِ وَتسْعُونَ آيَة وكلماتها ألف وَمِائَة وَاثْنَتَانِ وَتسْعُونَ وحروفها أَرْبَعَة آلَاف
وبإسناده عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله جلّ ذكره {تَنزِيلُ الْكتاب} يَقُول هَذَا الْكتاب تكليم {من الله الْعَزِيز} بالنقمة لمن لَا يُؤمن بِهِ {الْحَكِيم} فِي أمره وقضائه أَمر أَن لَا يعبد غَيره
{إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكتاب} جِبْرِيل بِالْكتاب {بِالْحَقِّ} لَا بِالْبَاطِلِ {فاعبد الله مُخْلِصاً لَّهُ الدّين} مخلصاً لَهُ بِالْعبَادَة والتوحيد
{أَلَا لِلَّهِ} على النَّاس {الدّين الْخَالِص} الدّين بالإخلاص لَا يخالطه شَيْء {وَالَّذين اتَّخذُوا} عبدُوا {مِن دُونِهِ} من دون الله كفار مَكَّة {أَوْلِيَآءَ} أَرْبَابًا اللات والعزى وَمَنَاة قَالُوا {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى} قربى فِي الْمنزلَة والشفاعة {إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} وَبَين الْمُؤمنِينَ يَوْم الْقِيَامَة {فِيمَا هُمْ فِيهِ} فِي الدّين {يَخْتَلِفُونَ} يخالفون {إِنَّ الله لَا يَهْدِي} لَا يرشد إِلَى دينه {مَنْ هُوَ كَاذِبٌ} على الله {كَفَّارٌ} كَافِر بِاللَّه وهم الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَبَنُو مليح وَالْمَجُوس ومشركو الْعَرَب
{لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} من الْمَلَائِكَة والآدميين كَمَا قَالَت الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَبَنُو مليح {لاصطفى} لاختار {مِمَّا يَخْلُقُ} عِنْده فِي الْجنَّة {مَا يَشَآءُ} وَيُقَال من الْمَلَائِكَة {سُبْحَانَهُ} نزه نَفسه عَن ذَلِك {هُوَ الله الْوَاحِد} بِلَا ولد وَلَا شريك {القهار} الْغَالِب على خلقه
{خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ} لَا بِالْبَاطِلِ {يُكَوِّرُ اللَّيْل عَلَى النَّهَار} يَدُور اللَّيْل على النَّهَار فَيكون أطول من اللَّيْل {وَيُكَوِّرُ النَّهَار عَلَى اللَّيْل} يَدُور النَّهَار على اللَّيْل فَيكون اللَّيْل أطول من النَّهَار {وَسَخَّرَ} ذلل {الشَّمْس وَالْقَمَر} ضوء الشَّمْس وَالْقَمَر لبني آدم
{كُلٌّ} من الشَّمْس وَالْقَمَر وَاللَّيْل وَالنَّهَار {يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى} إِلَى وَقت مَعْلُوم {أَلا هُوَ الْعَزِيز} الَّذِي فعل ذَلِك الْعَزِيز بالنقمة لمن لَا يُؤمن بِهِ {الْغفار} لمن تَابَ من الشّرك وآمن بِهِ
{خَلقكُم من نفس وَاحِدَة} من نفس آدم وَحدهَا {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا} من نفس آدم {زَوْجَهَا} حَوَّاء خلقهَا من ضلع من أضلاعه الْقصرى {وَأَنزَلَ} خلق {لَكُمْ مِّنَ الْأَنْعَام} من الْبَهَائِم {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} أَصْنَاف ذكر وَأُنْثَى من الضَّأْن اثْنَيْنِ ذكرا وَأُنْثَى وَمِنَ الْمعز اثْنَيْنِ ذكرا وَأُنْثَى وَمن الْإِبِل اثْنَيْنِ ذكرا وَأُنْثَى وَمن الْبَقر اثْنَيْنِ ذكرا وَأُنْثَى {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خلق} حَالا من بعد حَال نُطْفَة وعلقة ومضغة وعظاماً {فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ} ظلمَة الْبَطن وظلمة الرَّحِم وظلمة المشيمة {ذَلِكُم الله رَبُّكُمْ} يفعل ذَلِك {لَهُ الْملك} الدَّائِم لَا يَزُول ملكه {لَا إِلَه إِلَاّ هُوَ} لَا خَالق وَلَا مُصَور إِلَّا هُوَ {فَأنى تُصْرَفُونَ} بِالْكَذِبِ يَقُول من أَيْن تكذبون على الله فتجعلون لَهُ شَرِيكا
{إِن تكفرُوا} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن يَا أهل مَكَّة {فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنكُمْ} عَن إيمَانكُمْ {وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر} وَلَا يقبل مِنْهُم الْكفْر بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن لِأَنَّهُ لَيْسَ دينه {وَإِنْ تَشْكُرُوا} تؤمنوا {يَرْضَهُ لَكُمْ} يقبله مِنْكُم لِأَنَّهُ دينه {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} لَا تحمل حاملة حمل أُخْرَى مَا عَلَيْهَا من الذُّنُوب وَيُقَال لَا تُؤْخَذ نفس بذنب نفس أُخْرَى كل مَأْخُوذ بِذَنبِهِ وَيُقَال لَا تعذب نفس بِغَيْر ذَنْب {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ} بعد الْمَوْت {فَيُنَبِّئُكُمْ} يُخْبِركُمْ يَوْم الْقِيَامَة {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} وتقولون فِي الدُّنْيَا {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور} بِمَا فِي الْقُلُوب من الْخَيْر وَالشَّر
{وَإِذَا مَسَّ} أصَاب {الْإِنْسَان} الْكَافِر أَبَا جهل وَأَصْحَابه {ضُرٌّ} شدَّة وبلاء {دَعَا رَبَّهُ} بِرَفْع الشدَّة وَالْبَلَاء عَنهُ {مُنِيباً إِلَيْهِ} مُقبلا إِلَيْهِ بِالدُّعَاءِ {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ} بدله {نِعْمَةً مِّنْهُ نسي مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ} من قبل النِّعْمَة {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً} أشكالاً وأعدالاً {لِّيُضِلَّ} بذلك النَّاس {عَن سَبِيلِهِ} عَن دينه وطاعته {قُلْ} لأبي جهل {تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ} عش فِي كفرك {قَلِيلاً} يَسِيرا فِي الدُّنْيَا {إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار} من أهل النَّار
{أم من هُوَ قَانِت} مُطِيع لله وَهُوَ النبى صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه {آنَآءَ اللَّيْل} سَاعَات اللَّيْل {سَاجِداً وَقَآئِماً} فِي الصَّلَاة {يَحْذَرُ الْآخِرَة} يخَاف عَذَاب الْآخِرَة {ويرجو رَحْمَةَ رَبِّهِ} جنَّة ربه كَأبي جهل وَأَصْحَابه {قُلْ} لَهُم يَا مُحَمَّد {هَلْ يَسْتَوِي} فِي الثَّوَاب وَالطَّاعَة {الَّذين يَعْلَمُونَ} تَوْحِيد الله وَأمره وَنَهْيه وَهُوَ أَبُو بكر وَأَصْحَابه {وَالَّذين لَا يَعْلَمُونَ} تَوْحِيد الله وَأمره وَنَهْيه وَهُوَ أَبُو جهل وَأَصْحَابه {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ} يتعظ بأمثال الْقُرْآن {أُوْلُواْ الْأَلْبَاب} ذَوُو الْعُقُول من النَّاس
{قل} لَهُم يَا مُحَمَّد {يَا عبَادي الَّذين آمَنُواْ} أَبُو بكر الصّديق وَعمر الْفَارُوق وَعُثْمَان ذُو النورين وَعلي المرتضى وأصحابهم {اتَّقوا رَبَّكُمْ} أطِيعُوا ربكُم فِي الصَّغِير من الْأُمُور وَالْكَبِير {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} وحدوا {فِي هَذِه الدُّنْيَا حَسَنَةٌ} لَهُم جنَّة يَوْم الْقِيَامَة {وَأَرْضُ الله} أَرض الْمَدِينَة {وَاسِعَةٌ} آمِنَة من الْعَدو فاخرجوا إِلَيْهَا وَهَذَا قبل الْهِجْرَة {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ} على المرازي {أَجْرَهُمْ} ثوابهم {بِغَيْرِ حِسَابٍ} بِلَا كيل وَلَا هنداز وَلَا منَّة
{قُلْ} يَا مُحَمَّد لأهل مَكَّة حَيْثُ قَالُوا لَهُ ارْجع إِلَى دين آبَائِنَا {إِنِّي أُمِرْتُ} فِي الْقُرْآن {أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدّين} مخلصاً لَهُ بِالْعبَادَة والتوحيد
{قُلْ} لَهُم يَا مُحَمَّد {إِنِّي أَخَافُ} أعلم {إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} رجعت إِلَى دينكُمْ {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} شَدِيد لوناً بعد لون
{فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ} من دون الله وَهَذَا وَعِيد وتوبيخ لَهُم من قبل أَن يُؤمر النبى صلى الله عليه وسلم بِالْقِتَالِ {قُلْ} لَهُم يَا مُحَمَّد {إِنَّ الخاسرين} المغبونين {الَّذين خسروا أَنفُسَهُمْ} غبنوا أنفسهم بذهاب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة {وَأَهْلِيهِمْ} خدمهم ومنازلهم فِي الْجنَّة {يَوْمَ الْقِيَامَة أَلَا ذَلِك هُوَ الخسران الْمُبين} الْغبن الْبَين بذهاب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
{لَهُمْ} لكفار مَكَّة {مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّار} علالي من النَّار {وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} فرَاش من النَّار وَهُوَ علالي من تَحْتهم {ذَلِك} الظلل {يُخَوِّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ} فِي الْقُرْآن {يَا عِبَادِ} يَعْنِي أَبَا بكر وَأَصْحَابه {فاتقون} فأطيعوني فِيمَا أَمرتكُم
{وَالَّذين اجتنبوا الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا} تركُوا عبَادَة الطاغوت وَهُوَ الشَّيْطَان والصنم {وأنابوا إِلَى الله} أَقبلُوا إِلَى الله بِالتَّوْبَةِ وَالْإِيمَان وَسَائِر الطَّاعَات {لَهُمُ الْبُشْرَى} بِالْجنَّةِ عِنْد الْمَوْت وبشرى بكرامة الله على بَاب الْجنَّة {فَبَشِّرْ عِبَادِ}
{الَّذين يَسْتَمِعُونَ القَوْل} الحَدِيث {فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} أحكمه وأبينه يعْملُونَ بِهِ ويريدونه {أُولَئِكَ الَّذين هَدَاهُمُ الله} للصدق وَالصَّوَاب وَيُقَال لمحاسن الْأُمُور {وَأُولَئِكَ هُمْ أُوْلُواْ الْأَلْبَاب} ذَوُو الْعُقُول من النَّاس وهم أَبُو بكر وَأَصْحَابه وَمن اتبعهم بِالسنةِ وَالْجَمَاعَة
{أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ} وَجب عَلَيْهِ {كَلِمَةُ الْعَذَاب} وَهُوَ أَبُو جهل وَأَصْحَابه {أَفَأَنتَ تُنقِذُ} تنجي {مَن فِي النَّار} من قدرت عَلَيْهِ النَّار
{لَكِن الَّذين اتَّقوا} وحدوا {رَبَّهُمْ} يَعْنِي أَبَا بكر وَأَصْحَابه {لَهُمْ غُرَفٌ} علالي {مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ} علالي أخر {مَّبْنِيَّةٌ} مشيدة مَرْفُوعَة فِي الْهَوَاء {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا} من تَحت شَجَرهَا ومساكنها {الْأَنْهَار} أَنهَار الْخمر وَالْمَاء وَالْعَسَل وَاللَّبن {وَعْدَ الله لَا يُخْلِفُ الله الميعاد} للْمُؤْمِنين
{أَلَمْ تَرَ} ألم تخبر يَا مُحَمَّد فِي الْقُرْآن {أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً} مَطَرا {فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْض} فَجعل مِنْهُ الْعُيُون والأنهار فِي الأَرْض {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ} ينْبت بالمطر {زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} حبوبه {ثُمَّ يَهِيجُ} يتَغَيَّر {فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً} بعد خضرته {ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً} يَابسا كَذَلِك الدُّنْيَا تفنى وَلَا تبقى {إِنَّ فِي ذَلِك} فِيمَا ذكرت من فنَاء الدُّنْيَا {لذكرى} لعظة {لأُوْلِي الْأَلْبَاب} لِذَوي الْعُقُول من النَّاس
{أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ} وسع الله ولين الله قلبه {لِلإِسْلَامِ} بِنور الْإِسْلَام {فَهُوَ على نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} على كَرَامَة وَبَيَان من ربه وَهُوَ عمار بن يَاسر كمن شرح الله صَدره للكفر وَهُوَ أَبُو جهل {فَوَيْلٌ} شدَّة عَذَاب وَيُقَال ويل وَاد فِي جَهَنَّم من قيح وَدم {لِّلْقَاسِيَةِ} لليابسة {قُلُوبُهُمْ} لَا تلين قُلُوبهم {مِّن ذِكْرِ الله} وَهُوَ أَبُو جهل وَأَصْحَابه {أُولَئِكَ} أهل هَذِه الصّفة {فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} فِي كفر بَين
{الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيث} أحسن الْكَلَام يَعْنِي الْقُرْآن {كِتَاباً مُّتَشَابِهاً} تشبه آيَات الْوَعْد وَالرَّحْمَة والنصرة وَالْمَغْفِرَة وَالْعَفو بَعْضهَا بَعْضًا وتشبه آيَات الْوَعيد وَالْعَذَاب والزجر والتخويف بَعْضهَا بَعْضًا {مَّثَانِيَ} مثنى مثنى آيَة الرَّحْمَة وَالْعَذَاب والوعد والوعيد وَالْأَمر وَالنَّهْي والناسخ والمنسوخ وَغير ذَلِك وَيُقَال مُكَرر {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ} تهيج من آيَات الْعَذَاب والوعيد {جُلُودُ الَّذين يَخْشَوْنَ} يخَافُونَ
{رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ} بِآيَة الرَّحْمَة {وَقُلُوبُهُمْ} رَاجِعَة {إِلَى ذِكْرِ الله ذَلِك} يَعْنِي الْقُرْآن {هُدَى الله} بَيَان الله {يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ} إِلَى دينه {وَمَن يُضْلِلِ الله} عَن دينه {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} مرشد لدينِهِ
{أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سوء الْعَذَاب} شدَّة الْعَذَاب {يَوْمَ الْقِيَامَة} وَهُوَ أَبُو جهل وَأَصْحَابه تجمع يَده إِلَى عُنُقه بغل من حَدِيد فَمن ذَلِك يَتَّقِي الْعَذَاب بِوَجْهِهِ {وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ} للْكَافِرِينَ أبي جهل وَأَصْحَابه تَقول لَهُم الزَّبَانِيَة {ذُوقُواْ} عَذَاب {مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} تَقولُونَ وتعملون فى الدُّنْيَا من المعاصى
{كَذَّبَ الَّذين مِن قَبْلِهِمْ} من قبل قَوْمك يَا مُحَمَّد قوم هود وَصَالح وَشُعَيْب وَغَيرهم {فَأَتَاهُمُ الْعَذَاب مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} لَا يعلمُونَ بنزوله
{فَأَذَاقَهُمُ الله الخزي فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا} عَذَاب الدُّنْيَا {وَلَعَذَابُ الْآخِرَة أَكْبَرُ} أعظم مِمَّا كَانَ لَهُم فِي الدُّنْيَا {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} وَلَكِن لم يَكُونُوا يعلمُونَ
{وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ} بَينا للنَّاس {فِي هَذَا الْقُرْآن مِن كُلِّ مَثَلٍ} وَجه {لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} لكى يتعظوا
{قُرْآناً عَرَبِيّاً} على مجْرى اللُّغَة الْعَرَبيَّة {غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} غير مُخَالف للتوراة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور وَسَائِر الْكتب بِالتَّوْحِيدِ وَبَعض الْأَحْكَام وَالْحُدُود وَيُقَال غير ذِي عوج غير مَخْلُوق وَهُوَ قَول السّديّ {لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} لكَي يتقوا بِالْقُرْآنِ عَمَّا نَهَاهُم الله
{ضَرَبَ الله مَثَلاً} بَين الله شبه رجل {رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ} سَادَات {مُتَشَاكِسُونَ} متخالفون يَأْمر هَذَا بِشَيْء وَينْهى ذَلِك عَنهُ وَهَذَا مثل الْكَافِر يعبد آلِهَة شَتَّى {وَرَجُلاً سَلَماً} خَالِصا {لِّرَجُلٍ} وَهَذَا مثل الْمُؤمن يعبد ربه وَحده وَأسلم دينه وَعَمله لله {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} فِي الْمثل الْمُؤمن وَالْكَافِر {الْحَمد لِلَّهِ} الشُّكْر لله والوحدانية لله {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} أَمْثَال الْقُرْآن
{إِنَّكَ} يَا مُحَمَّد {مَيِّتٌ} سَتَمُوتُ {وَإِنَّهُمْ} يَعْنِي كفار مَكَّة {مَّيِّتُونَ} سيموتون
{ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} تتكلمون بِالْحجَّةِ يعْنى النبى صلى الله عليه وسلم ورؤساء الْكفَّار
{فَمَنْ أَظْلَمُ} فِي كفره {مِمَّن كَذَبَ علَى الله} بِالْقُرْآنِ فَجعل لَهُ ولدا وشريكاً وَهُوَ أَبُو جهل وَأَصْحَابه {وَكَذَّبَ بِالصّدقِ} بِالْقُرْآنِ والتوحيد {إِذْ جَآءَهُ} مُحَمَّد بِهِ {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى} منزل ومقام {لِّلْكَافِرِينَ} لأبي جهل وَأَصْحَابه
{وَالَّذِي جَآءَ بِالصّدقِ} بِالْقُرْآنِ والتوحيد وَهُوَ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم {وَصدق بِهِ} أبوبكر وَأَصْحَابه {أُولَئِكَ هُمُ المتقون} الْكفْر والشرك وَالْفَوَاحِش
{لَهُم مَا يشاؤون} مَا يشتهون {عِندَ رَبِّهِمْ} فِي الْجنَّة {ذَلِك} الْكَرَامَة {جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ} الْمُوَحِّدين
{لِيُكَفِّرَ الله عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُواْ} أقبح أَعْمَالهم {وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ} ثوابهم {بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُواْ يعْملُونَ} باحسانهم
{أَلَيْسَ الله بكاف عَبده} يعْنى النبى صلى الله عليه وسلم وَيُقَال خَالِد بن الْوَلِيد مِمَّا يُرِيدُونَ بِهِ وَيُخَوِّفُونَكَ يَا مُحَمَّد {بالذين مِن دُونِهِ} من دون الله يَعْنِي اللات والعزى وَمَنَاة يَقُولُونَ لَك لَا تشتمها وَلَا تعبها فتخبلك {وَمَن يُضْلِلِ الله} عَن دينه {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} مرشد إِلَى دينه وَهُوَ أَبُو جهل وَأَصْحَابه
{وَمَن يَهْدِ الله} لدينِهِ {فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ} عَن دينه وَهُوَ أَبُو بكر وَأَصْحَابه هُوَ أَبُو الْقَاسِم عليه السلام {أَلَيْسَ الله بِعَزِيزٍ} فِي ملكه وسلطانه {ذِي انتقام} ذِي نقمة لمن لَا يُؤمن بِهِ
{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ} يَعْنِي كفار مَكَّة {مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض لَيَقُولُنَّ} كفار مَكَّة {الله} خلقهما {قُلْ} لَهُم يَا مُحَمَّد {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ} تَعْبدُونَ {مِن دُونِ الله} اللات والعزى وَمَنَاة {إِنْ أَرَادَنِيَ الله بِضُرٍّ} بِشدَّة وبلاء {هَلْ هُنَّ} اللات والعزى وَمَنَاة {كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ} رافعات بلاءه وشدته عني {أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ} بعافية {هَل هن} اللات والعزى وَمَنَاة {مُمْسِكَاتُ} مانعات {رَحْمَتِهِ} عني حَتَّى تأمروني بعبادتها {قُلْ} يَا مُحَمَّد {حَسْبِيَ الله} ثقتي بِاللَّه {عَلَيْهِ يتوكل المتوكلون} يعْنى بِهِ يَثِق الواثقون وَيُقَال على الْمُؤمنِينَ أَن يتوكلوا على الله
{قل} يَا مُحَمَّد لكفار مَكَّة {يَا قوم اعْمَلُوا على مَكَانَتِكُمْ} على دينكُمْ وَفِي مَنَازِلكُمْ بهلاكي {إِنِّي عَامِلٌ} بِهَلَاكِكُمْ {فَسَوْفَ} وَهَذَا وَعِيد لَهُم من الله {تَعْلَمُونَ}
{مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} يذله ويهلكه {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ} يجب عَلَيْهِ {عَذَابٌ مُّقِيمٌ} دَائِم
{إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكتاب} جِبْرِيل بِالْقُرْآنِ {لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ} يَقُول بتبيان الْحق وَالْبَاطِل للنَّاس {فَمَنِ اهْتَدَى} بِالْقُرْآنِ وآمن بِهِ {فَلِنَفْسِهِ} الثَّوَاب {وَمَن ضَلَّ} كفر بِالْقُرْآنِ {فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} يجب على نَفسه عُقُوبَة ذَلِك {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم} على كفار مَكَّة {بِوَكِيلٍ} كَفِيل تُؤْخَذ بهم
{الله يَتَوَفَّى الْأَنْفس} يقبض أَرْوَاح الْأَنْفس {حِينَ مِوْتِهَا} حِين منامها {وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ} أَيْضا {فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قضى عَلَيْهَا الْمَوْت وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى} الَّتِي لم تمت فِي منامها {إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} إِلَى وَقت مَعْلُوم {إِنَّ فِي ذَلِك} فِي إِمْسَاكه وإرساله {لآيَاتٍ} لعلامات وعبراً {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فِيهَا
{أَمِ اتَّخذُوا} عبدُوا {مِن دُونِ الله} كفار مَكَّة {شُفَعَآءَ} آلِهَة لكَي يشفعوا لَهُم {قُلْ} لَهُم يَا مُحَمَّد {أَوَلَوْ كَانُواْ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئاً} يَقُول هم لَا يقدرُونَ على شَيْء من الشَّفَاعَة {وَلَا يَعْقِلُونَ} الشَّفَاعَة فَكيف يشفعون
{قُل لِلَّهِ الشَّفَاعَة جَمِيعاً} بيد الله الشَّفَاعَة جَمِيعًا فِي الْآخِرَة {لَّهُ مُلْكُ} خَزَائِن {السَّمَاوَات} الْمَطَر {وَالْأَرْض} النَّبَات {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فِي الْآخِرَة فيجزيكم بأعمالكم
{وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ} إِذا قيل لَهُم قُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله {اشمأزت} نفرت {قُلُوب الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة} بِالْبَعْثِ بعد الْمَوْت {وَإِذَا ذُكِرَ الَّذين مِن دُونِهِ} من دون الله اللات والعزى وَمَنَاة {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} بِذكر آلِهَتهم
{قُلِ اللَّهُمَّ} قل يَا الله أم بِنَا أَي اقصد بِنَا إِلَى الْخَيْر {فَاطِرَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض} يَا خَالق السَّمَوَات وَالْأَرْض {عَالِمَ الْغَيْب} يَا عَالم الْغَيْب مَا غَابَ عَن الْعباد {وَالشَّهَادَة} مَا علمه الْعباد {أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادك} تقضى بَين عِبَادك يَوْم الْقِيَامَة
{وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أشركوا {مَا فِي الأَرْض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ} ضعفه مَعَه {لَافْتَدَوْاْ بِهِ} لفادوا بِهِ أنفسهم {من سوء الْعَذَاب} من شدَّة الْعَذَاب {يَوْمَ الْقِيَامَة وَبَدَا لَهُمْ} ظهر لَهُم {مِّنَ الله} من عَذَاب الله {مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} يظنون
{وَبَدَا لَهُمْ} ظهر لَهُم {سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ} أقبحِ أَعْمَالهم {وَحَاقَ بِهِم} نزل بهم عَذَاب {مَا كَانُوا بِهِ يستهزؤون} يهزءون بالأنبياء والكتب وَيُقَال عَذَاب مَا كَانُوا يستهزءون بِهِ
{فَإِذَا مَسَّ} أصَاب {الْإِنْسَان} الْكَافِر {ضُرٌّ} شدَّة {دَعَانَا} لكشف الشدَّة {ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ} بدلناه {نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ} أَعْطَيْت هَذَا المَال الَّذِي أَعْطَيْت {على عِلْمٍ} صَلَاح وَخير علمه الله مني {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ} بلية ومكر منالهم {وَلَكِن أَكْثَرَهُمْ} كلهم {لَا يَعْلَمُونَ} ذَلِك
{قَدْ قَالَهَا} يَعْنِي هَذِه الْمقَالة {الَّذين مِن قَبْلِهِمْ} من قبل قَوْمك يَا مُحَمَّد مثل قَارون وَغَيره {فَمَآ أغْنى عَنْهُمْ} مَا نفع لَهُم من عَذَاب الله {مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} يَقُولُونَ ويعملون ويعبدون من دون الله وَلَا مَا كَانُوا يجمعُونَ من المَال
{فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ} عَذَاب مَا قَالُوا وَعمِلُوا وجمعوا فِي الدُّنْيَا من المَال {وَالَّذين ظلمُوا} أشركوا {من هَؤُلَاءِ} من كفار مَكَّة {سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ} أَي عقوبات مَا عمِلُوا مثل مَا أصَاب الَّذين من قبلهم {وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ} بفائتين من عَذَاب الله
{أَوَلَمْ يعلمُوا} كفار مَكَّة {أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ} يُوسع المَال على من يَشَاء وَهُوَ مكر مِنْهُ {وَيَقْدِرُ} يقتر على من يَشَاء وَهُوَ نظر مِنْهُ {إِنَّ فِي ذَلِك} فِي الْبسط والتقتير {لآيَاتٍ} لعلامات وعبراً {لقوم يُؤمنُونَ} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن
{قل يَا عبَادي الَّذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ} بالْكفْر والشرك وَالزِّنَا وَالْقَتْل {لَا تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله} لَا تيأسوا من مغْفرَة الله {إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوب جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغفور} لمن تَابَ من الْكفْر وآمن بِاللَّه {الرَّحِيم} لمن مَاتَ على التَّوْبَة
{وأنيبوا إِلَى رَبِّكُمْ} أَقبلُوا إِلَى ربكُم بِالتَّوْبَةِ من الْكفْر {وَأَسْلِمُواْ لَهُ} آمنُوا بِاللَّه واطيعوا الله {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَاب ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} لَا تمْنَعُونَ من عَذَاب الله
نزلت هَذِه الْآيَة فِي وَحشِي وَأَصْحَابه
ثمَّ قَالَ {وَاتبعُوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} يَعْنِي الْقُرْآن أحلُّوا حَلَاله وحرموا حرَامه وَاعْمَلُوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَاب بَغْتَةً} فَجْأَة {وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} لَا تعلمُونَ نُزُوله
{أَن تَقول نفس} لكى لَا تَقول نفس {يَا حسرتى} يَا ندامتا {على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله} تركت من طَاعَة الله {وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين} وَقد كنت من الْمُسْتَهْزِئِينَ بِالْكتاب وَالرَّسُول
{أَوْ تَقُولَ} ولكي لَا تَقول {لَوْ أَنَّ الله هَدَانِي} بَين لي الْإِيمَان {لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} من الْمُوَحِّدين
{أَوْ تَقُولَ} ولكي لَا تَقول {حِينَ تَرَى الْعَذَاب لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً} رَجْعَة إِلَى دَار الدُّنْيَا {فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} من الْمُوَحِّدين فَيَقُول الله لَهُم
{بلَى قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي} كتابي ورسولي {فَكَذَّبْتَ بِهَا} بِالْكتاب وَالرَّسُول {واستكبرت} عَن الْإِيمَان {وَكُنتَ مِنَ الْكَافرين} مَعَ الْكَافرين على دينهم
{وَيَوْمَ الْقِيَامَة تَرَى الَّذين كَذَبُواْ عَلَى الله} فِي عُزَيْر وَعِيسَى وَالْمَلَائِكَة حِين قَالُوا الْمَلَائِكَة بَنَات الله وعزير وَعِيسَى ولدا لله {وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} وأعينهم مزرقة {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} منزل للْكَافِرِينَ
{وَيُنَجِّي الله الَّذين اتَّقوا} آمنُوا وأطاعوا رَبهم {بمفازتهم} بإيمَانهمْ وإحسانهم {لَا يمسهم السوء} لَا يصيبهم الشدَّة وَالْعَذَاب {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} إِذا حزن غَيرهم
{الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} بَائِن مِنْهُ {وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} على قوت كل شَيْء كَفِيل وَيُقَال على كل شَيْء من أَعْمَالهم شَهِيد وَكيل
{لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَات وَالْأَرْض} خَزَائِن السَّمَوَات الْمَطَر وَالْأَرْض النَّبَات {وَالَّذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {أُولَئِكَ هُمُ الخاسرون} فِي الْآخِرَة المغبونون بالعقوبة
{قُلْ} يَا مُحَمَّد لأهل مَكَّة حِين قَالُوا لَهُ ارْجع إِلَى دين آبَائِك {أَفَغَيْرَ} دين {الله تأمروني أَعْبُدُ أَيُّهَا الجاهلون} الْكَافِرُونَ
{وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ} فِي الْقُرْآن {وَإِلَى الَّذين من قبلك} من الرُّسُل {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} فِي الشّرك {وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين} من المغبونين بالعقوبة
{بَلِ الله فاعبد} وحد {وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ} بِمَا أنعم الله عَلَيْك من النُّبُوَّة وَالْكتاب وَالْإِسْلَام
{وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ} مَا عظموا الله حق عَظمته حِين قَالُوا يَد الله مغلولة وَحين قَالُوا إِن الله فَقير مُحْتَاج يطْلب منا الْقَرْض وَهَذِه مقَالَة مَالك بن الصَّيف الْيَهُودِيّ خذله الله {وَالْأَرْض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ} فِي قَبضته {يَوْمَ الْقِيَامَة وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} بقدرته يَوْم الْقِيَامَة وكلتا يَدي الله يَمِين {سُبْحَانَهُ} نزه نَفسه عَن مقَالَة الْيَهُود {وَتَعَالَى} تَبرأ وارتفع {عَمَّا يُشْرِكُونَ} بِهِ من الْأَوْثَان
{وَنُفِخَ فِي الصُّور} وَهِي نفخة الْمَوْت {فَصَعِقَ} فَمَاتَ {مَن فِي السَّمَاوَات وَمَن فِي الأَرْض إِلَاّ مَن شَآءَ الله} من فِي الْجنَّة وَالنَّار وَيُقَال جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل وَملك الْمَوْت فَإِنَّهُم لَا يموتون فِي النفخة الأولى وَلَكِن يموتون بعد ذَلِك {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى} وَهِي نفخة الْبَعْث وَبَينهمَا أَرْبَعُونَ سنة تمطر السَّمَاء بعْدهَا كنطف الرِّجَال {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ} من الْقُبُور {يَنظُرُونَ} مَا يُقَال لَهُم
{وَأَشْرَقَتِ الأَرْض} أَضَاءَت الأَرْض {بِنُورِ رَبِّهَا} بضوء نور رَبهَا وَيُقَال بِعدْل رَبهَا {وَوُضِعَ الْكتاب} فِي الْأَيْمَان وَالشَّمَائِل وَهُوَ ديوَان الْحفظَة {وَجِيءَ بالنبيين} الَّذين لَيْسُوا بمرسلين {والشهدآء} يَعْنِي الْمُرْسلين وَيُقَال وجىء بالنبيين وَالْمُرْسلِينَ وَالشُّهَدَاء شُهَدَاء الْمُرْسلين على قَومهمْ {وَقُضِيَ بَيْنَهُم} وَبَين النَّبِيين {بِالْحَقِّ} بِالْعَدْلِ {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} لَا ينقص من حسناتهم وَلَا يُزَاد على سيئاتهم
{وَوُفِّيَتْ} وفرت {كُلُّ نَفْسٍ} برة أَو فاجرة {مَّا عَمِلَتْ} من خير أَو شَرّ {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} من الْخَيْر وَالشَّر
{وَسِيقَ الَّذين كفرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً} أمماً الأول فَالْأول {حَتَّى إِذا جاؤوها} يَعْنِي النَّار {فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} طرقها لَهُم وَلم تكن قبل ذَلِك مَفْتُوحَة {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ} يَعْنِي الزَّبَانِيَة {أَلَمْ يَأْتِكُمْ} يَا معشر الْكفَّار {رسل مِنْكُم} آدميون مثلكُمْ {يَتلون} يقرؤن {عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ} بِالْأَمر وَالنَّهْي {وَيُنذِرُونَكُمْ} يخوفونكم {لِقَآءَ} عَذَاب {يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بلَى} قد أتونا بالرسالة {وَلَكِن حَقَّتْ} وَجَبت {كَلِمَةُ الْعَذَاب عَلَى الْكَافرين} قبل ذَلِك
{قِيلَ} يَقُول لَهُم الزَّبَانِيَة {ادخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} دائمين فِي النَّار {فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين} منزل المتعظمين عَن الْإِيمَان بِالْكتاب وَالرَّسُول
{وَسِيقَ الَّذين اتَّقوا} أطاعوا {رَبَّهُمْ إِلَى الْجنَّة زمرا} فوجا فوجا {حَتَّى إِذا جاؤوها} أَي الْجنَّة {وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} وَقد كَانَت مَفْتُوحَة قبل ذَلِك {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا} خزان الْجنان على بَاب الْجنان {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} يسلمُونَ عَلَيْكُم بالتحية وَالسَّلَام {طِبْتُمْ} فزتم ونجوتم وَيُقَال طهرتم وصلحتم {فادخلوها} يَعْنِي الْجنَّة {خَالِدِينَ} دائمين مقيمين مقيمين فِيهَا لَا تموتون وَلَا تخرجُونَ مِنْهَا
{وَقَالُواْ} بعد ذَلِك حِين علمُوا كَرَامَة الله {الْحَمد لِلَّهِ} الْمِنَّة لله {الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ} أنجزنا وعده {وَأَوْرَثَنَا الأَرْض} أنزلنَا أَرض الْجنَّة {نَتَبَوَّأُ} ننزل {مِنَ الْجنَّة حَيْثُ نَشَآءُ} نشتهي {فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين} ثَوَاب العاملين لله فِي الدُّنْيَا
{وَتَرَى الْمَلَائِكَة حَآفِّينَ} محدقين {مِنْ حَوْلِ الْعَرْش يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} بِأَمْر رَبهم {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} بَين النَّبِيين والأمم {بِالْحَقِّ} بِالْعَدْلِ {وَقِيلَ} لَهُم بعد الْفَرَاغ من الْحساب قُولُوا {الْحَمد لِلَّهِ} الشُّكْر لله والْمنَّة لِلَّهِ {رَبِّ الْعَالمين} سيد الْجِنّ وَالْإِنْس على مَا فرق بَيْننَا وَبَين أَعْدَائِنَا وَهُوَ منزل حم وَهُوَ الْعَزِيز الْعَلِيم
وَمن السُّورَة الَّتِى يذكر فِيهَا الْمُؤمن وهى كلهَا مَكِّيَّة آياتها اثْنَتَا وَثَمَانُونَ آيَة وكلماتها ألف وَمِائَة وتسع وَتسْعُونَ وحروفها أَرْبَعَة آلَاف وتسمعائة وَسِتُّونَ
وبإسناده عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله جلّ ذكره {حم} يَقُول قضى أَو بَين مَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَيُقَال قسم أقسم بِهِ
{تَنزِيلُ الْكتاب} إِن هَذَا الْقُرْآن تَنْزِيل {مِنَ الله الْعَزِيز الْعَلِيم} على مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم الْعَزِيز بالنقمة لمن لَا يُؤمن بِهِ الْعَلِيم بِمن آمن بِهِ وَعَن لَا يُؤمن بِهِ
{غَافِرِ الذَّنب} لمن قَالَ لَا إِلَه إلَاّ الله {وَقَابِلِ التوب} لمن تَابَ من الشّرك {شَدِيدِ الْعقَاب} لمن مَاتَ على الشّرك {ذِي الطول} ذِي الْمَنّ وَالْفضل والغنى يَعْنِي ذَا الْمَنّ وَالْفضل على من آمن بِهِ وَذَا الْغنى على من لَا يُؤمن بِهِ {لَا إِلَه} يفعل ذَلِك {إِلَاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمصير} مصير من آمن بِهِ ومصير من لم يُؤمن بِهِ
{مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ الله} مَا يكذب بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {إِلَاّ الَّذين كَفَرُواْ} بِاللَّه أهل مَكَّة {فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَاد} فَلَا تغتر يَا مُحَمَّد بذهابهم ومجيئهم فى الْأَسْفَار بِالتِّجَارَة فَإِنَّهُم لَيْسُوا على شَيْء
{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ} قبل قَوْمك {قَوْمُ نُوحٍ} نوحًا {والأحزاب} الْكفَّار {مِن بَعْدِهِمْ} من بعد قوم نوح كذبُوا الرُّسُل كَمَا كَذبك قَوْمك {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} أَرَادَ كل قوم قتل رسولهم {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ} خاصموا الرُّسُل بالشرك {لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحق} ليبطلوا بالشرك الْحق مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل {فَأَخَذْتُهُمْ} عاقبتهم عِنْد التَّكْذِيب {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} انْظُر يَا مُحَمَّد كَيفَ كَانَ عقوبتي عَلَيْهِم عِنْد التَّكْذِيب
{وَكَذَلِكَ} هَكَذَا {حَقَّتْ} وَجَبت {كَلِمَةُ رَبِّكَ} بِالْعَذَابِ {عَلَى الَّذين كفرُوا} بالرسل {أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّار} أهل النَّار فِي الْآخِرَة
{الَّذين يَحْمِلُونَ الْعَرْش} عرش الرَّحْمَن وَهُوَ السرير وهم عشرَة أَجزَاء من الْمَلَائِكَة الحملة {وَمَنْ حَوْلَهُ} من الْمَلَائِكَة {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} بِأَمْر رَبهم {وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} وهم يُؤمنُونَ بِاللَّه {وَيَسْتَغْفِرُونَ} يدعونَ {للَّذين آمنُوا} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن وَيَقُولُونَ {رَبَّنَا} يَا رَبنَا {وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً} مَلَأت كل شَيْء نعْمَة {وَعِلْماً} عَالم أَنْت بِكُل شَيْء {فَاغْفِر لِلَّذِينَ تَابُواْ} من الشّرك {وَاتبعُوا سَبِيلَكَ} دينك الْإِسْلَام {وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيم} ادْفَعْ عَنْهُم عَذَاب النَّار
{رَبَّنَا} يَا رَبنَا {وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ} مَعْدن الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ {الَّتِي وَعَدْتَّهُمْ} فِي الْكتاب {وَمَن صَلَحَ} من وحد أَيْضا {مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيز} فِي ملكك وسلطانك {الْحَكِيم} فِي أَمرك وقضائك
{وَقِهِمُ السَّيِّئَات} ادْفَعْ عَنْهُم عَذَاب يَوْم الْقِيَامَة {وَمَن تَقِ السَّيِّئَات} وَمن دفعت عَنهُ الْعَذَاب {يَوْمَئِذٍ} يَوْم الْقِيَامَة {فَقَدْ رَحِمْتَهُ} غفرت لَهُ وعصمته وعظمته {وَذَلِكَ} الغفران وَالدَّفْع {هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم} النجَاة الوافرة فازوا بِالْجنَّةِ ونجوا من النَّار
{إِنَّ الَّذين كَفَرُواْ} بِاللَّه وبالكتب وَالرسل إِذا دخلُوا النَّار يَقُول كل وَاحِد مِنْهُم مَقَتك يَا نَفسِي {يُنَادَوْنَ} فيناديهم الْمَلَائِكَة {لَمَقْتُ الله} فِي الدُّنْيَا {أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} الْيَوْم فِي النَّار {إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَان فَتَكْفُرُونَ} فتجحدون
{قَالُواْ} يَعْنِي الْكفَّار فِي النَّار {رَبَّنَآ} يَا رَبنَا {أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ} مرَّتَيْنِ مرّة بِقَبض أَرْوَاحنَا وَمرَّة بعد مَا سَأَلنَا مُنكر وَنَكِير فِي الْقُبُور {وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} مرَّتَيْنِ مرّة قبل أَن سَأَلنَا مُنكر وَنَكِير فِي الْقُبُور وَمرَّة للبعث {فاعترفنا} فأقررنا {بِذُنُوبِنَا} بشركنا وجحودنا من ذَلِك {فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ} رُجُوع إِلَى الدُّنْيَا {مِّن سَبِيلٍ} من حِيلَة فنؤمن بك يَقُول الله لَهُم
{ذَلِكُم} الْعَذَاب فِي النَّار والمقت {بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ الله وَحْدَهُ} إِذا قيل لكم قُولُوا لَا إِلَه إلَاّ الله {كَفَرْتُمْ} جحدتم {وَإِن يُشْرَكْ بِهِ} الْأَوْثَان {تُؤْمِنُواْ} تقروا {فَالْحكم لِلَّهِ} فالقضاء بَين الْعباد لله حكم بالنَّار لمن كفر بِهِ {الْعلي} أَعلَى كل شَيْء {الْكَبِير} أكبر كل شَيْء
{هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ} يَا أهل مَكَّة {آيَاتِهِ} عَلَامَات وحدانيته وَقدرته وعجائبه من خراب مسَاكِن الَّذين ظلمُوا {وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السمآء رِزْقاً}
مَطَرا {وَمَا يَتَذَكَّرُ} مَا يتعظ بِالْقُرْآنِ {إِلَاّ مَن يُنِيبُ} إِلَّا من يقبل إِلَى الله
{فَادعوا الله} فاعبدوا الله {مُخْلِصِينَ لَهُ الدّين} لله بِالْعبَادَة والتوحيد {وَلَوْ كَرِهَ} وَإِن كره {الْكَافِرُونَ} أهل مَكَّة
{رَفِيعُ الدَّرَجَات} خَالق السَّمَوَات رَفعهَا فَوق كل شَيْء {ذُو الْعَرْش} السرير {يُلْقِي الرّوح مِنْ أَمْرِهِ} ينزل جِبْرِيل بِالْقُرْآنِ {على مَن يَشَآءُ} على من يحب {مِنْ عِبَادِهِ} يَعْنِي مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم {لينذر} ليخوف مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم بِالْقُرْآنِ {يَوْمَ التلاق} يَوْم يلتقي أهل السَّمَاء وَأهل الأَرْض وَيُقَال يَوْم يلقى الْخَالِق الْمَخْلُوق
{يَوْمَ هُم بَارِزُونَ} خارجون من الْقُبُور {لَا يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَيْءٌ} وَلَا من أَعْمَالهم شَيْء فَيَقُول الله بعد نفخة الْمَوْت {لِّمَنِ الْملك الْيَوْم} فَلَيْسَ يجِيبه أحد فَيرد على نَفسه فَيَقُول {لِلَّهِ الْوَاحِد} بِلَا ولد وَلَا شريك {القهار} لخلقه بِالْمَوْتِ الْغَالِب عَلَيْهِم
{الْيَوْم} وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة {تجزى كُلُّ نَفْسٍ} برة أَو فاجرة {بِمَا كَسَبَتْ} من الْخَيْر وَالشَّر {لَا ظُلْمَ الْيَوْم} على أحد أَي لَا ينقص من حسناتهم وَلَا يُزَاد على سيئاتهم {إِنَّ الله سَرِيعُ الْحساب} إِذا حاسب وَيُقَال شَدِيد الْعقَاب إِذا عاقب
{وَأَنذِرْهُمْ} خوفهم يَا مُحَمَّد {يَوْمَ الأزفة} من أهوال يَوْم الأزفة وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة يزف بَعضهم إِلَى بعض ويسرع {إِذِ الْقُلُوب لَدَى الْحَنَاجِر} عِنْد الْحَنَاجِر {كَاظِمِينَ} مغمومين محزونين يتَرَدَّد الغيظ فِي أَجْوَافهم {مَا لِلظَّالِمِينَ} الْمُشْركين {مِنْ حَمِيمٍ} من قريب يَنْفَعهُمْ {وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} فيهم بالشفاعة
{يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الْأَعْين} النظرة بعد النظرة الثَّانِيَة من الْخِيَانَة {وَمَا تُخْفِي الصُّدُور} مَا تضمر الْقُلُوب عِنْد النظرة الثَّانِيَة يعلم الله ذَلِك
{وَالله يَقْضِي بِالْحَقِّ} يحكم بالشفاعة لمن يَشَاء يَوْم الْقِيَامَة وَيُقَال يَأْمر بِالْعَدْلِ {وَالَّذين يَدْعُونَ} يعْبدُونَ {مِن دُونِهِ} من دون الله من الْأَوْثَان {لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ} لَا يحكمون بِشَيْء من الشَّفَاعَة يَوْم الْقِيَامَة لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُم مقدرَة على ذَلِك وَيُقَال لَا يقضون بِشَيْء لَا يأمرون بِخَير فِي الدُّنْيَا لأَنهم صم بكم {إِنَّ الله هُوَ السَّمِيع} لمقالتهم {الْبَصِير} بهم وبأعمالهم
{أولم يَسِيرُوا} يسافروا كفار مَكَّة {فِي الأَرْض فَيَنظُرُواْ} فيتفكروا {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ} جَزَاء {الَّذين كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} بِالْبدنِ {وَآثَاراً فِي الأَرْض} أَشد لَهَا طلبا وَأبْعد ذَهَابًا فِي طلبَهَا {فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ} فعاقبهم الله بِذُنُوبِهِمْ بتكذيبهم الرُّسُل {وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ الله} من عَذَاب الله {مِن وَاقٍ} من مَانع
{ذَلِك} الْعَذَاب فِي الدُّنْيَا {بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ} بِالْأَمر وَالنَّهْي والعلامات {فَكَفَرُواْ} بالرسل وَبِمَا جَاءُوا بِهِ {فَأَخَذَهُمُ الله} بالعقوبة {إِنَّهُ قَوِيٌّ} بِأَخْذِهِ {شَدِيدُ الْعقَاب} لمن عاقبه
{إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ} وَزِير فِرْعَوْن {وَقَارُونَ} ابْن عَم مُوسَى {فَقَالُواْ} لمُوسَى هَذَا {سَاحِرٌ} يفرق بَين الِاثْنَيْنِ {كَذَّابٌ} يكذب على الله
{فَلَمَّا جَآءَهُمْ} مُوسَى {بِالْحَقِّ} بِالْكتاب {مِنْ عِندِنَا قَالُواْ اقْتُلُوا أَبْنَآءَ الَّذين آمَنُواْ مَعَهُ}
أَي أعيدوا عَلَيْهِم الْقَتْل {واستحيوا نِسَآءَهُمْ} استخدموا نِسَاءَهُمْ وَلَا تقتلوهن {وَمَا كَيْدُ الْكَافرين} مَا صنع فِرْعَوْن وَقَومه {إِلَاّ فِي ضَلَالٍ} فِي خطأ
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذروني أَقْتُلْ} أَي اتركوني أقتل {مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} الَّذِي يزْعم أَنه أرْسلهُ إِلَيّ {إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ} الَّذِي أَنْتُم عَلَيْهِ {أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْض الْفساد} يقتل أبناءكم ويستخدم نساءكم كَمَا قتلتم واستخدمتم وَيُقَال أَو أَن يظهروا فِي الأَرْض الْفساد بترك دينكُمْ وَدين آبائكم ويدخلكم فِي دينه إِن قَرَأت بِنصب الْيَاء وَالْهَاء
{وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ} اعتصمت {بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ} متعظم عَن الْإِيمَان {لَاّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحساب} بِيَوْم الْقِيَامَة
{وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ} وَهُوَ حزقيل {مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} وَهُوَ ابْن عَم فِرْعَوْن {يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} من فِرْعَوْن وَقَومه مائَة سنة وَيُقَال وَقَالَ رجل مُؤمن وَهُوَ حزقيل يكتم إيمَانه من آل فِرْعَوْن وَقَومه مقدم ومؤخر {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ الله} أَرْسلنِي إِلَيْكُم {وَقَدْ جَآءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} بِالْأَمر وَالنَّهْي وعلامات النُّبُوَّة {مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً} فِيمَا يَقُول {فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} عُقُوبَة كذبه {وَإِن يَكُ صَادِقاً} فِيمَا يَقُول وَقد كذبتموه {يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} من الْعَذَاب فِي الدُّنْيَا {إِنَّ الله لَا يَهْدِي} لَا يرشد إِلَى دينه {مَنْ هُوَ مُسْرِف} مُشْرك {كَذَّاب} كَاذِب على الله
{يَا قوم لَكُمُ الْملك الْيَوْم ظَاهِرِينَ} غَالِبين {فِي الأَرْض} أَرض مصر {فَمَن يَنصُرُنَا} يمنعنا {مِن بَأْسِ الله} من عَذَاب الله {إِن جَآءَنَا} حِين جَاءَنَا {قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ} مَا آمركُم {إِلَاّ مَآ أرى} لنَفْسي حَقًا أَن تعبدوني {وَمَآ أَهْدِيكُمْ} أدعوكم {إِلَاّ سَبِيلَ الرشاد} طَرِيق الْحق وَالْهدى
{وَقَالَ الَّذِي آمن} يعْنى حزقيل {يَا قوم إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ} أعلم أَن يكون عَلَيْكُم {مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَاب} مثل عَذَاب الْكفَّار قبلكُمْ
{مِثْلَ دَأْبِ} مثل عَذَاب {قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ} قوم هود {وَثَمُودَ} قوم صَالح {وَالَّذين مِن بَعْدِهِمْ} من الْكفَّار {وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ} أَن يكون مِنْهُ ظلم على الْعباد وَأَن يَأْخُذهُمْ بِلَا جرم
{وَيَا قوم إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ} أعلم أَن يكون عَلَيْكُم الْعَذَاب {يَوْمَ التناد} يَوْم يُنَادي بَعْضكُم بَعْضًا ويناديكم أَصْحَاب الْأَعْرَاف وَيُقَال يَوْم الْفِرَار إِن قَرَأت مثقلة الدَّال
{يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} هاربين من عَذَاب الله {مَا لَكُمْ مِّنَ الله} من عَذَاب الله {مِنْ عَاصِمٍ} من مَانع {وَمَن يُضْلِلِ الله} عَن دينه {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} من مرشد غير الله
{وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ} قَالَ لَهُم حزقيل هَذَا {مِن قَبْلُ} من قبل مُوسَى {بِالْبَيِّنَاتِ} بِالْأَمر وَالنَّهْي وتعبير الرُّؤْيَا وشق الْقَمِيص {فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُمْ بِهِ} يُوسُف {حَتَّى إِذَا هَلَكَ} مَاتَ
{قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ الله مِن بَعْدِهِ} من بعد مَوته {رَسُولاً كَذَلِك يُضِلُّ الله} عَن دينه {مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ} مُشْرك {مُّرْتَابٌ} فِي شركه
{الَّذين يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ الله} يكذبُون بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {بِغَيْرِ سُلْطَانٍ} حجَّة {أَتَاهُمْ} من الله وَهُوَ أَبُو جهل وَأَصْحَابه المستهزئون {كَبُرَ مَقْتاً} عظم بغضاً {عِندَ الله} يَوْم الْقِيَامَة {وَعِندَ الَّذين آمَنُواْ} فِي الدُّنْيَا {كَذَلِك} هَكَذَا {يَطْبَعُ الله} يخْتم الله {على كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ} عَن الْإِيمَان {جَبَّارٍ} عَن قبُول الْحق وَالْهدى
(وَقَالَ فِرْعَوْن) لوزيره {يَا هامان ابْن لِي صَرْحاً} قصراً {لعَلي أَبْلُغُ الْأَسْبَاب} أصعد الْأَبْوَاب
{أَسْبَابَ السَّمَاوَات} أَبْوَاب السَّمَوَات {فَأَطَّلِعَ} فَأنْظر {إِلَى إِلَه مُوسَى} الَّذِي يزْعم أَنه فِي السَّمَاء أرْسلهُ إليَّ {وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً} مَا فِي السَّمَاء من إِلَه فَلم يبن واشتغل بمُوسَى {وَكَذَلِكَ} هَكَذَا {زين لفرعون سوء عَمَلِهِ} قبح عمله {وَصُدَّ عَنِ السَّبِيل} صرف فِرْعَوْن عَن الْحق وَالْهدى {وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ} صنع فِرْعَوْن {إِلَاّ فِي تَبَابٍ} فِي خسار
{وَقَالَ الَّذِي آمن} يعْنى حزقيل {يَا قوم اتبعون} فِي ديني {أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرشاد} أدعكم إِلَى الْحق وَالْهدى
{يَا قوم إِنَّمَا هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا مَتَاعٌ} كمتاع الْبَيْت لَا يبْقى {وَإِنَّ الْآخِرَة} يَعْنِي الْجنَّة {هِيَ دَارُ الْقَرار} الْمقَام الدَّائِم لَا تَحْويل مِنْهَا
{مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً} فِي الشّرك {فَلَا يجزى إِلَاّ مِثْلَهَا} النَّار {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً} خَالِصا {من ذكر أَو أُنْثَى} من رجال أَو نسَاء {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} وَمَعَ ذَلِك مُؤمن مخلص بإيمانه {فَأُولَئِك يَدْخُلُونَ الْجنَّة يُرْزَقُونَ} يطْعمُون {فِيهَا} فِي الْجنَّة {بِغَيْرِ حِسَابٍ} بِلَا قُوَّة وَلَا هنداز وَلَا منَّة
{وَيَا قوم مَا لي أَدْعُوكُمْ إِلَى النجَاة} إِلَى التَّوْحِيد وَهَذَا قَول حزقيل أَيْضا {وتدعونني إِلَى النَّار} إِلَى عمل أهل النَّار الشّرك بِاللَّه
{تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّه وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} أَنه شَرِيكه ولي بِهِ علم أَنه لَيْسَ لَهُ شريك {وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيز} إِلَى تَوْحِيد الْعَزِيز بالنقمة لمن لَا يُؤمن بِهِ {الْغفار} لمن آمن بِهِ
{لَا جَرَمَ} حَقًا {أَنَّمَا تدعونني إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ} مقدرَة {فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة وَأَنَّ مَرَدَّنَآ} مرجعنا {إِلَى الله} بعد الْمَوْت {وَأَنَّ المسرفين} الْمُشْركين {هُمْ أَصْحَابُ النَّار} أهل النَّار
{فَسَتَذْكُرُونَ} فستعلمون يَوْم الْقِيَامَة {مَآ أَقُولُ لَكُمْ} فِي الدُّنْيَا من الْعَذَاب {وَأُفَوِّضُ} أكل {أَمْرِي إِلَى الله} وأثق بِهِ {إِنَّ الله بَصِيرٌ بالعباد} لمن آمن بِهِ وبمن لَا يُؤمن بِهِ
{فَوقَاهُ الله سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ} فَدفع الله عَنهُ مَا أَرَادوا بِهِ من الْقَتْل {وَحَاقَ} نزل وَدَار {بآل فِرْعَوْن} بفرعون وَقَومه {سوء الْعَذَاب} شدَّة الْعَذَاب وَهُوَ الْغَرق
{النَّار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا} يَقُول يعرض أَرْوَاح آل فِرْعَوْن على النَّار {غُدُوّاً وَعَشِيّاً} غدْوَة وَعَشِيَّة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَة} وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة يَقُول الله لملائكته {أدخلُوا آلَ فِرْعَوْنَ} قومه {أَشَدَّ الْعَذَاب} أَسْفَل النَّار
{وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ} يتخاصمون {فِي النَّار} القادة والسفلة {فَيَقُولُ الضُّعَفَاء} السفلة {لِلَّذِينَ استكبروا} تعظموا عَن الْإِيمَان يَعْنِي القادة {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ} فِي الدُّنْيَا {تَبَعاً} مُطيعًا على دينكُمْ {فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ} حاملون {عَنَّا نَصِيباً} بَعْضًا {مِّنَ النَّار} مِمَّا علينا
{قَالَ الَّذين استكبروا} تعظموا عَن الْإِيمَان وهم القادة للسفلة {إِنَّا كُلٌّ} العابد والمعبود والقادة والسفلة {فِيهَآ} فِي النَّار {إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعباد} بَين العابد والمعبود والقادة والسفلة بالنَّار وَيُقَال بَين الْمُؤمنِينَ والكافرين بِالْجنَّةِ وَالنَّار
{وَقَالَ الَّذين فِي النَّار} إِذا اشتدت عَلَيْهِم النَّار وَقل صبرهم وَأَيِسُوا من دُعَائِهِمْ {لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ} للزبانية {ادعوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ} يرفع {عَنَّا يَوْماً مِّنَ الْعَذَاب} بِقدر يَوْم من أَيَّام الدُّنْيَا
{قَالُوا} يَعْنِي الزَّبَانِيَة للْكفَّار {أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} بِالْأَمر وَالنَّهْي والعلامات وتبليغ الرسَالَة من الله {قَالُواْ بلَى} قد أتونا بالرسالة {قَالُواْ} يَعْنِي الزَّبَانِيَة لَهُم استهزاء بهم {فَادعوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافرين} فِي النَّار {إِلَاّ فِي ضَلَالٍ} فِي بَاطِل وَيُقَال وَمَا عبَادَة الْكَافرين فِي الدُّنْيَا إِلَّا فِي خطأ
{إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذين آمَنُواْ} بالرسل {فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا} بالنصرة وَالْغَلَبَة على أعدائهم {وَيَوْمَ} وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة {يَقُومُ الأشهاد} الْمَلَائِكَة ينصرونهم بالعذر وَالْحجّة والأشهاد الرُّسُل وَيُقَال هم الْحفظَة يشْهدُونَ عَلَيْهِم بِمَا عمِلُوا
{يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمين} الْكَافرين {مَعْذِرَتُهُمْ} اعتذارهم من الْكفْر {وَلَهُمُ اللَّعْنَة} السخط وَالْعَذَاب {وَلَهُمْ سوء الدَّار} النَّار
{وَلَقَدْ آتَيْنَا} أعطينا {مُوسَى الْهدى} يَعْنِي التَّوْرَاة وآتينا دَاوُد الزبُور وَعِيسَى ابْن مَرْيَم الْإِنْجِيل {وَأَوْرَثْنَا بني إِسْرَائِيلَ الْكتاب} أنزلنَا على بني إِسْرَائِيل من بعدهمْ الْكتاب كتاب دَاوُد وَعِيسَى
{هُدىً} من الضَّلَالَة {وذكرى} عظة {لأُوْلِي الْأَلْبَاب} لِذَوي الْعُقُول من النَّاس
{فاصبر} يَا مُحَمَّد على أَذَى الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكين {إِنَّ وَعْدَ الله} لَك بالنصرة على هلاكهم {حَقٌّ} كَائِن {واستغفر لِذَنبِكَ} لتقصير شكر مَا أنعم الله عَلَيْك وعَلى أَصْحَابك {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} وصل بِأَمْر رَبك {بالْعَشي وَالْإِبْكَار} غدْوَة وَعَشِيَّة
{إِنَّ الَّذين يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ الله} يكذبُون بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن وهم الْيَهُود وَكَانُوا أَيْضا يجادلون مَعَ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم بِصفة الدَّجَّال وعظمته وَرُجُوع الْملك إِلَيْهِم عِنْد خُرُوج الدَّجَّال {بِغَيْرِ سُلْطَانٍ} حجَّة {أَتَاهُمْ} من الله على مَا زَعَمُوا {إِن فِي صُدُورِهِمْ} مَا فِي قُلُوبهم {إِلَاّ كِبْرٌ} عَن الْحق {مَّا هُم بِبَالِغِيهِ} ببالغي مَا فِي صُدُورهمْ من الْكبر وَمَا يُرِيدُونَ من رُجُوع الْملك إِلَيْهِم عِنْد خُرُوج الدَّجَّال {فاستعذ بِاللَّه} يَا مُحَمَّد من فتْنَة الدَّجَّال {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيع} لمقالة الْيَهُود {الْبَصِير} بهم وبأعمالهم وبفتنة الدَّجَّال وبخروجه
{مِنْ خَلْقِ النَّاس} من خلق الدَّجَّال {وَلَكِن أَكْثَرَ النَّاس} يَعْنِي الْيَهُود {لَا يَعْلَمُونَ} فتْنَة الدَّجَّال
{وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى} يَعْنِي الْكَافِر {والبصير} يَعْنِي الْمُؤمن بالثواب والكرامة {وَالَّذين آمنُوا} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَات} الطَّاعَات فِيمَا بَينهم وَبَين رَبهم {وَلَا الْمُسِيء} الْمُشرك بِاللَّه {قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ} مَا تتعظون بِقَلِيل وَلَا بِكَثِير من أَمْثَال الْقُرْآن
{إِن السَّاعَة} قيام السَّاعَة {لآيَة} لكائنة {لَاّ رَيْبَ فِيهَا} لَا شكّ فِي قِيَامهَا {وَلَكِن أَكْثَرَ النَّاس} أهل مَكَّة {لَا يُؤْمِنُونَ} بِقِيَام السَّاعَة
{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي} وحدوني {أَسْتَجِبْ لَكُمْ} أَغفر لكم وَيُقَال ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم أسمع مِنْكُم وَأَقْبل إِلَيْكُم {إِنَّ الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ} يتعاظمون {عَنْ عِبَادَتِي} عَن توحيدي وطاعتي {سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخرين} صاغرين
{الله الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ} خلق لكم {اللَّيْل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ} لتستقروا فِي اللَّيْل {وَالنَّهَار مُبْصِراً} مطلباً مضيئاً {إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ} لذُو منٍّ {عَلَى النَّاس} أهل مَكَّة {وَلَكِن أَكْثَرَ النَّاس} أهل مَكَّة {لَا يَشْكُرُونَ} بذلك وَلَا يُؤمنُونَ بِاللَّه
{ذَلِكُم الله رَبُّكُمْ} الَّذِي يفعل ذَلِك هُوَ ربكُم فاشكروه {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} بَائِن مِنْهُ {لَاّ إِلَه} لَا خَالق {إِلَاّ هُوَ فَأنى تُؤْفَكُونَ} من أَيْن تكذبون على الله
{كَذَلِكَ} هَكَذَا {يُؤْفَكُ} يكذب على الله {الَّذين كَانُوا بآيَات الله} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {يَجْحَدُونَ} يكفرون
{الله الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ} خلق لكم {الأَرْض قَرَاراً} منزلا للأحياء والأموات {والسمآء بِنَآءً} سقفاً مَرْفُوعا {وَصَوَّرَكُمْ} فِي الْأَرْحَام {فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} من صور الدَّوَابّ وَيُقَال أحكم صوركُمْ {وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطَّيِّبَات} جعل أرزاقكم أطيب وألين من رزق الدَّوَابّ وَيُقَال رزقكم من الْحَلَال {ذَلِكُم الله رَبُّكُمْ} الَّذِي فعل ذَلِك هُوَ ربكُم فاشكروه {فَتَبَارَكَ الله} ذُو بركَة {رَبُّ الْعَالمين} رب كل ذِي روح دب على وَجه الأَرْض
{هُوَ الْحَيّ} الَّذِي لَا يَمُوت {لَا إِلَه} يفعل ذَلِك {إِلَاّ هُوَ فَادعوهُ} فوحدوه {مُخْلِصِينَ لَهُ الدّين} مُخلصين لَهُ بِالْعبَادَة والتوحيد {الْحَمد لِلَّهِ} الشُّكْر لله والربوبية لله {رَبِّ الْعَالمين} رب كل ذِي روح دب على وَجه الأَرْض
{قُلْ} لأهل مَكَّة يَا مُحَمَّد حِين قَالُوا لَهُ ارْجع إِلَى دين آبَائِك {إِنِّي نُهِيتُ} فِي الْقُرْآن {أَنْ أَعْبُدَ الَّذين تَدْعُونَ} تَعْبدُونَ {مِن دُونِ الله} من الْأَوْثَان {لَمَّا جَآءَنِيَ الْبَينَات} حِين جَاءَنِي الْبَيَان {مِن رَّبِّي} بِأَن الله وَاحِد لَا شريك لَهُ {وَأُمِرْتُ} فِي الْقُرْآن {أَنْ أُسْلِمَ} أَن استقيم على الْإِسْلَام {لِرَبِّ الْعَالمين} رب كل ذِي روح دب على وَجه الأَرْض
{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ} من آدم وآدَم من تُرَاب {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} ثمَّ خَلقكُم من نُطْفَة آبائكم {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ} من دم عبيط {ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ} من بطُون أُمَّهَاتكُم {طِفْلاً} صغَارًا {ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ} مَا بَين ثَمَان عشرَة سنة إِلَى ثَلَاثِينَ سنة {ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخاً} بعد الأشد {وَمِنكُمْ مَّن يتوفى} تقبض روحه
{مِن قَبْلُ} من قبل الْبلُوغ والشيخوخة {ولتبلغوا أَجَلاً مُّسَمًّى} مَعْلُوما مُنْتَهى آجالكم {وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} لكَي تصدقوا بِالْبَعْثِ بعد الْمَوْت
{هُوَ الَّذِي يحيي} الْبَعْث {وَيُمِيتُ} فِي الدُّنْيَا {فَإِذَا قضى أَمْراً} فَإِذا أَرَادَ أَن يخلق ولدا بِلَا أَب مثل عِيسَى {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ} ولدا بِلَا أَب وَيُقَال فَإِذا قضى أمرا فَإِذا أَرَادَ أَن تكون الْقِيَامَة فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ للقيامة كن فَتكون بَين الْكَاف وَالنُّون قبل أَن تتصل الْكَاف مَعَ النُّون فَيكون
{أَلَمْ تَرَ} ألم تخبر يَا مُحَمَّد فِي الْقُرْآن {إِلَى الَّذين} عَن الَّذين {يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ الله} يكذبُون بِالْقُرْآنِ {أَنى يُصْرَفُونَ} بِالْكَذِبِ فَكيف يكذبُون على الله
{الَّذين كَذَّبُواْ بِالْكتاب} بِالْقُرْآنِ {وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا} من الْكتب {فَسَوْفَ} وَهَذَا وَعِيد لَهُم {يَعْلَمُونَ} يَوْم الْقِيَامَة مَاذَا يفعل بهم
{إِذِ الأغلال فِي أَعْنَاقِهِمْ} أغلال الْحَدِيد فِي أَيْمَانهم {والسلاسل} فِي أَعْنَاقهم مَعَ الشَّيَاطِين {يُسْحَبُونَ}
{مِن دُونِ الله} وتقولون إِنَّهُم شُرَكَاء الله {قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا} اشتغلوا عَنَّا بِأَنْفسِهِم ثمَّ جَحَدُوا ذَلِك وَقَالُوا {بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ} نعْبد {مِن قَبْلُ} من قبل هَذَا {شَيْئاً} من دون الله {كَذَلِك} هَكَذَا {يُضِلُّ الله الْكَافرين} عَن الْحجَّة
{ذَلِكُم} الْعَذَاب فِي النَّار {بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ} تبطرون {فِي الأَرْض بِغَيْرِ الْحق} بِلَا حق {وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ} تتكبرون فِي الشّرك
{ادخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ} مقيمين {فِيهَا} لَا يموتون وَلَا يخرجُون مِنْهَا {فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين} منزل الْكَافرين النَّار
{فاصبر} يَا مُحَمَّد على أَذَى الْكفَّار {إِنَّ وَعْدَ الله} بالنصرة لَك على هلاكهم {حَقٌّ} كَائِن {فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ} من الْعَذَاب يَوْم بدر {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} قبل أَن نريك {فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} بعد الْمَوْت إِن رَأَيْت عَذَابهمْ أَو لم تَرَ
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ} إِلَى قَومهمْ {مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ} من الرُّسُل من سميناهم لَك لتعلمهم {وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} لم نسمهم لَك لَا تعلمهمْ {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ} بعلامة {إِلَاّ بِإِذْنِ الله} بِأَمْر الله وَذَلِكَ حِين طلبُوا من النبى صلى الله عليه وسلم آيَة {فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ الله} وَقت عَذَاب الله فِي الْأُمَم الْمَاضِيَة {قُضِيَ بِالْحَقِّ} عذبُوا بِالْحَقِّ وَيُقَال قضى يَوْم الْقِيَامَة بِالْعَدْلِ بَين الرُّسُل والأمم {وَخَسِرَ هُنَالِكَ} غبن عِنْد ذَلِك {المبطلون} الْكَافِرُونَ
{الله الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ} خلق لكم {الْأَنْعَام لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} من لحومها تَأْكُلُونَ
{وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} من أَلْبَانهَا وأصوافها {وَلِتَبْلُغُواْ} لكَي تَطْلُبُوا {عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ} فِي قُلُوبكُمْ {وَعَلَيْهَا} على ظُهُورهَا فِي الْبر {وَعَلَى الْفلك} على السفن فِي الْبَحْر {تُحْمَلُونَ} تسافرون
{وَيُرِيكُمْ} يَا أهل مَكَّة {آيَاتِهِ} عجائبه الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَاللَّيْل وَالنَّهَار وَالْجِبَال والسحاب والبحار وَغير ذَلِك وكل هَذَا من آيَات الله {فَأَيَّ آيَاتِ الله} أَي فَبِأَي آيَات الله {تُنكِرُونَ} تجحدون أَنَّهَا لَيست من الله
{أَفَلَمْ يَسِيرُواْ} يسافروا كفار مَكَّة {فِي الأَرْض فَيَنظُرُواْ} ويتفكروا {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ} جَزَاء {الَّذين مِن قَبْلِهِمْ} كَيفَ أهلكناهم عِنْد تكذيبهم الرُّسُل {كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ} من أهل مَكَّة فِي الْعدَد {وَأَشَدَّ قُوَّةً} بِالْبدنِ {وَآثَاراً فِي الأَرْض} أَشد لَهَا طلبا وَأبْعد ذَهَابًا {فَمَآ أغْنى عَنْهُم} من عَذَاب الله {مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} يَقُولُونَ ويعملون فِي دينهم
{فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ} بِالْأَمر وَالنَّهْي {فَرِحُواْ} عجبوا {بِمَا عِنْدهم من الْعلم} الَّذين وَالْعَمَل وَكَانَ ذَلِك مِنْهُم ظنا بِغَيْر يَقِين {وَحَاقَ} نزل وَدَار {بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يستهزؤون} عُقُوبَة استهزائهم بالرسل
{فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} عذابنا لهلاكهم {قَالُوا آمَنَّا بِاللَّه وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ} بِاللَّه {مُشْرِكِينَ} وَهَذَا بِاللِّسَانِ دون الْقلب عِنْد مُعَاينَة الْعَذَاب
{فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} عذابنا لهلاكهم فالإيمان عِنْد المعاينة لَا ينفع وَقبل ذَلِك ينفع وَكَذَلِكَ التَّوْبَة {سُنَّةَ الله} هَكَذَا سيرة الله {الَّتِي قَدْ خَلَتْ} مَضَت {فِي} على {عِبَادِهِ} بِالْعَذَابِ عِنْد التَّكْذِيب وَيرد الْإِيمَان وَالتَّوْبَة عِنْد المعاينة {وَخَسِرَ هُنَالِكَ} غبن بالعقوبة عِنْد المعاينة {الْكَافِرُونَ} بِاللَّه
وَمن السُّورَة الَّتِى يذكر فِيهَا السَّجْدَة وهى كلهَا مَكِّيَّة
وبإسناده عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى {حم} يَقُول قضى مَا هُوَ كَائِن أَي بَين وَهُوَ قسم أقسم بِهِ
{تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَن الرَّحِيم كِتَابٌ} يَقُول هَذَا كتاب تَنْزِيل من الرَّحْمَن الرَّحِيم على مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم {فُصِّلَتْ} بيّنت {آيَاتُهُ} بِالْأَمر وَالنَّهْي والحلال وَالْحرَام {قُرْآناً عَرَبِيّاً} على مجْرى لُغَة الْعَرَب نزل الله جِبْرِيل بِهِ على مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم {لقوم يعلمُونَ} يصدقون بِمُحَمد عليه الصلاة والسلام وَالْقُرْآن وَالْقُرْآن
{بَشِيراً} بِالْجنَّةِ {وَنَذِيراً} من النَّار يبشر بِالْجنَّةِ من آمن بِالْقُرْآنِ ويخوف من النَّار من كفر بِالْقُرْآنِ {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ} كفار مَكَّة عَن الْإِيمَان بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} لَا يصدقون بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن وَلَا يطيعون الله
{وَقَالُواْ} كفار مَكَّة أَبُو جهل وَأَصْحَابه {قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ} فِي أغطية {مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} من الْقُرْآن والتوحيد {وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ} صمم لَا نسْمع قَوْلك لنا {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حجاب} ستر غطوا رُءُوسهم بالثياب ثمَّ قَالُوا يَا مُحَمَّد بَيْننَا وَبَيْنك حجاب ستر لَا نسْمع كلامك استهزاء مِنْهُم بك {فاعمل} فِي دينك لإلهك بهلاكنا {إِنَّنَا عَامِلُونَ} لِآلِهَتِنَا فِي ديننَا بهلاكك
{قُلْ} لَهُم يَا مُحَمَّد {إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ} آدَمِيّ {مِّثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ} أرسل إِلَى جِبْرِيل بِالْقُرْآنِ أبلغكم {أَنَّمَآ إِلَهكُم إِلَه وَاحِدٌ} بِلَا ولد وَلَا شريك {فاستقيموا إِلَيْهِ} فاقبلوا إِلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ من الشّرك {واستغفروه} وحدوه
{وَوَيْلٌ} شدَّة الْعَذَاب وَيُقَال ويل وَاد فِي جَهَنَّم من قيح وَدم {لِّلْمُشْرِكِينَ} لأبي جهل وَأَصْحَابه
{الَّذين لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاة} لَا يقرونَ بِلَا إِلَه إِلَّا الله {وَهُمْ بِالآخِرَة} بِالْبَعْثِ بعد الْمَوْت وَالْجنَّة وَالنَّار {هُمْ كَافِرُونَ} جاحدون
{إِن الَّذين آمنُوا} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَات} الطَّاعَات فِيمَا بَينهم وَبَين رَبهم {لَهُمْ أَجْرٌ} ثَوَاب {غَيْرُ مَمْنُونٍ} غير مَنْقُوص وَيُقَال غير مُنْقَطع عَنْهُم وَيُقَال لَا يمنون بذلك وَيُقَال يكْتب ثَوَاب أَعْمَالهم بعد الْهَرم أَو الْمَوْت إِلَى يَوْم الْقِيَامَة غير مَنْقُوص
{قُلْ} يَا مُحَمَّد {أَئِنَّكُمْ} يَا أهل مَكَّة {لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْض فِي يَوْمَيْنِ} طول كل يَوْم ألف سنة مِمَّا تَعدونَ يَوْم الْأَحَد وَيَوْم الِاثْنَيْنِ {وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً} أعدالاً من الْأَصْنَام {ذَلِك} الَّذِي خلقهما {رَبُّ الْعَالمين} رب كل شَيْء ذِي روح
{وَجَعَلَ فِيهَا} خلق فِيهَا {رَوَاسِيَ} الْجبَال الثوابت {مِن فَوْقِهَا} أوتاداً لَهَا {وَبَارَكَ فِيهَا} فِي الأَرْض بِالْمَاءِ وَالشَّجر والنبات وَالثِّمَار {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا} معايشها فَفِي كل أَرض معيشة لَيست فِي غَيرهَا {فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} يَقُول خلق الله الْأَرْوَاح قبل الأجساد بأَرْبعَة آلَاف سنة من سنى الدُّنْيَا وَقدر فِيهَا أرزاق الأجساد قبل أرواحها بأَرْبعَة آلَاف سنة من سني الدُّنْيَا {سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} سَوَاء لمن سَأَلَ وَلمن لم يسْأَل يَعْنِي الرزق وَيُقَال بَيَانا للسائلين كَيفَ خلقهَا هَكَذَا خلقهَا
{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السمآء} ثمَّ عمد إِلَى خلق السَّمَاء {وَهِيَ دُخَانٌ} بخار المَاء {فَقَالَ لَهَا} للسماء {وَلِلأَرْضِ} بعد مَا فرغ مِنْهُمَا (ائتيا) أعطيا مَا فيكما من المَاء والنبات {طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا} أعطينا {طَآئِعِينَ} لله كارهين بجفاء الْخلق
{فَقَضَاهُنَّ} خَلقهنَّ {سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} بَعْضهَا فَوق بعض {فِي يَوْمَيْنِ} طول كل يَوْم ألف سنة {وَأوحى فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا} خلق لكل سَمَاء أَهلا وَأمر لَهَا أمرهَا {وَزَيَّنَّا السمآء الدُّنْيَا} الأولى {بِمَصَابِيحَ} بالنجوم {وَحِفْظاً} وحفظناها بالنجوم من الشَّيَاطِين فبعض النُّجُوم زِينَة السَّمَاء لَا يَتَحَرَّك وَبَعضهَا يهتدى بِهِ فِي ظلمات الْبر وَالْبَحْر وَبَعضهَا رجوم للشياطين {ذَلِكَ تَقْدِيرُ} تَدْبِير {الْعَزِيز} بالنقمة لمن لَا يُؤمن بِهِ {الْعَلِيم} بتدبيره وبمن آمن بِهِ وبمن لَا يُؤمن بِهِ
{فَإِنْ أَعْرَضُواْ} كفار مَكَّة عَن الْإِيمَان وَهُوَ عتبَة وَأَصْحَابه {فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ} خوفتكم بِالْقُرْآنِ {صَاعِقَةً} عذَابا {مِّثْلَ صَاعِقَةِ} مثل عَذَاب {عَادٍ وَثَمُودَ}
{إِذْ جَآءَتْهُمُ الرُّسُل مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} من قبل عَاد وَثَمُود إِلَى قَومهمْ {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} من بعدهمْ أَيْضا جَاءَت الرُّسُل إِلَى قَومهمْ وَقَالُوا لقومهم {أَلَاّ تعبدوا} أَن لَا توحدوا {إِلَّا الله قَالُوا} كل يَوْم لرسولهم {لَوْ شَآءَ رَبُّنَا} أَن ينزل إِلَيْنَا رَسُولا {لأَنزَلَ مَلَائِكَةً} من الْمَلَائِكَة الَّذين عِنْده {فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} جاحدون مَا أَنْتُم إِلَّا بشر مثلنَا
{فَأَمَّا عَادٌ} قوم هود {فاستكبروا} تعظموا عَن الْإِيمَان {فِي الأَرْض بِغَيْرِ الْحق} بِلَا حق كَانَ لَهُم {وَقَالُواْ} لهود {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّة} بِالْبدنِ والمنعة فيهلكنا {أولم يرَوا} أولم يعلمُوا {أَنَّ الله الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} مَنْعَة يقدر على إهلاكهم {وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا} بكتابنا ورسولنا هود {يَجْحَدُونَ} يكفرون
{فَأَرْسَلْنَا} سلّطنا {عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً} بَارِدًا شَدِيدا {فِي أَيَّام نحسات} مشئومات عَلَيْهِم بِالْعَذَابِ وَيُقَال شَدِيدَة {لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الخزي} الشَّديد {فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَة أخزى}
{وَأَمَّا ثَمُودُ} قوم صَالح {فَهَدَيْنَاهُمْ} بعثنَا إِلَيْهِم صَالحا وَبينا لَهُم الْكفْر وَالْإِيمَان وَالْحق وَالْبَاطِل {فاستحبوا الْعَمى عَلَى الْهدى} فَاخْتَارُوا الْكفْر على الْإِيمَان {فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَاب} الصَّيْحَة بِالْعَذَابِ {الْهون} الشَّديد {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} يَقُولُونَ ويعملون فِي كفرهم وبعقرهم النَّاقة
{وَيَوْمَ} وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة {يُحْشَرُ أَعْدَآءُ الله إِلَى النَّار} صَفْوَان بن أُميَّة وختناه ربيعَة بن عَمْرو وحبِيب بن عَمْرو وَسَائِر الْكفَّار {فَهُمْ يُوزَعُونَ} يحبس الأول على الآخر
{حَتَّى إِذا مَا جاؤوها} أَي النَّار {شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ} بِمَا سمعُوا بهَا {وَأَبْصَارُهُمْ} بِمَا أبصروا بهَا {وَجُلُودُهُم} أعضاؤهم {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} بهَا فِي كفرهم
{وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ} لأعضائهم وَيُقَال لفروجهم {لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا} وَكُنَّا نحابس عَنْكُم بالجدال {قَالُوا أَنطَقَنَا الله} بالْكلَام {الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} من الدَّوَابّ الْيَوْم {وَهُوَ خَلَقَكُمْ} أنطقكم {أَوَّلَ مَرَّةٍ} فِي الدُّنْيَا {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} بعد الْمَوْت
{وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ} تقدرون أَن تمنعوا أعضاءكم {أَن يَشْهَدَ} من أَن يشْهد {عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ} فِي الْآخِرَة {وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ} وَيُقَال وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ تقدرون فِي الدُّنْيَا أَن تستروا اكْتِسَاب الْأَعْضَاء عَن الْأَعْضَاء أَن يشْهد لكَي لَا يشْهد عَلَيْكُم وَيُقَال وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أتستيقنون أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ فِي الْآخِرَة وَلَا أبصاركم وَلَا جلودكم {وَلَكِن ظَنَنتُمْ} وقلتم {أَنَّ الله لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ} وتقولون فِي السِّرّ
{وذلكم ظَنُّكُمُ} قَوْلكُم بِالظَّنِّ {الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ} وقلتم على ربكُم بِالْكَذِبِ {أَرْدَاكُمْ} أهلككم {فَأَصْبَحْتُمْ} صرتم {مِّنَ الخاسرين} من المغبونين بالعقوبة
{فَإِن يَصْبِرُواْ} فِي النَّار أَو لَا يصبروا {فَالنَّار مَثْوًى لَّهُمْ} منزل لَهُم لِصَفْوَان بن أُميَّة وَأَصْحَابه {وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ} يسْأَلُوا الرّجْعَة إِلَى الدُّنْيَا {فَمَا هُم مِّنَ المعتبين} الراجعين إِلَى الدُّنْيَا
{وقيضنا لَهُم} وَجَعَلنَا لَهُم {قرناء} أعوانا وشركاء من الشَّيَاطِين {فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} من أَمر الْآخِرَة أَن لَا جنَّة وَلَا نَار وَلَا بعث وَلَا حِسَاب {وَمَا خَلْفَهُمْ} من خَلفهم من أَمر الدُّنْيَا أَن لَا تنفقوا وَلَا تعطوا وَأَن الدُّنْيَا بَاقِيَة لَا تفنى {وَحَقَّ} وَجب {عَلَيْهِمُ القَوْل} بِالْعَذَابِ {فِي أُمَمٍ} مَعَ أُمَم {قَدْ خَلَتْ} قد مَضَت {مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الْجِنّ وَالْإِنْس} من كفار الْجِنّ وَالْإِنْس {إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ} مغبونين بالعقوبة
{وَقَالَ الَّذين كَفَرُواْ} كفار أهل مَكَّة أَبُو جهل وَأَصْحَابه {لَا تَسْمَعُواْ لهَذَا الْقُرْآن} الَّذِي يقْرَأ عَلَيْكُم مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم {والغوا} الغطوا {فِيهِ} وَهُوَ الشغب {لَعَلَّكُمْ تغلبون} لكى تغلبُوا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم فيسكت
{فَلَنُذِيقَنَّ الَّذين كَفَرُواْ} أَبَا جهل وَأَصْحَابه {عَذَاباً شَدِيداً} فِي الدُّنْيَا يَوْم بدر {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ} بأقبح مَا كَانُوا يعْملُونَ فى الدُّنْيَا
{ذَلِك} لَهُم فِي الدُّنْيَا {جَزَآءُ أَعْدَآءِ الله} وَجَزَاء أَعدَاء الله فِي الْآخِرَة {النَّار لَهُمْ فِيهَا} فِي النَّار {دَارُ الْخلد} قد خلدوا فِيهَا {جَزَاء بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {يَجْحَدُونَ} يكفرون
{وَقَال الَّذين كَفَرُواْ} فِي النَّار {رَبَّنَآ} يَا رَبنَا {أَرِنَا الَّذين أَضَلَاّنَا} عَن الْحق وَالْهدى {مِنَ الْجِنّ وَالْإِنْس} من الْجِنّ إِبْلِيس وَالْإِنْس قابيل الَّذِي قتل أَخَاهُ هابيل وَيُقَال من الْجِنّ إِبْلِيس وَالشَّيَاطِين وَمن الْإِنْس رؤساؤهم {نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا} بِالْعَذَابِ {لِيَكُونَا مِنَ الأسفلين} من الأضلين بِالْعَذَابِ
{إِنَّ الَّذين قَالُواْ رَبُّنَا الله} وحدوا الله {ثُمَّ استقاموا} على الْإِيمَان وَلم يكفروا وَيُقَال على أَدَاء الْفَرَائِض وَلم يروغوا روغان الثَّعْلَب {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَة} عِنْد قبض أَرْوَاحهم {أَلَاّ تَخَافُواْ} على مَا أمامكم من الْعَذَاب {وَلَا تَحْزَنُواْ} على مَا خَلفْتُمْ من خلفكم {وَأَبْشِرُواْ بِالْجنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} فِي الدُّنْيَا
{نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا} توليناكم فِي الدُّنْيَا {وَفِي الْآخِرَة} ونتولاكم فِي الْآخِرَة وهم الْحفظَة {وَلكم فِيهَا} فى الْجنَّة {مَا تشْتَهي} مَا تتمنى {أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا} فِي الْجنَّة {مَا توعدون} تسْأَلُون
{نُزُلاً} ثَوابًا وَطَعَامًا وَشَرَابًا لكم {مِّنْ غَفُورٍ} لمن تَابَ {رَحِيم} لمن مَاتَ على التَّوْبَة
{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً} أحكم قولا وَيُقَال أحسن دَعْوَة {مِّمَّن دَعَآ إِلَى الله} بِالتَّوْحِيدِ وَهُوَ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم {وَعَمِلَ صَالِحاً} أدّى الْفَرَائِض وَيُقَال نزلت هَذِه الْآيَة فِي المؤذنين يَقُول وَمن أحسن قولا دَعْوَة مِمَّن دَعَا إِلَى الله بِالْأَذَانِ وَعمل صَالحا صلى رَكْعَتَيْنِ بعد الْأَذَان غير أَذَان صَلَاة الْمغرب {وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسلمين} انتحل الْإِسْلَام وَقَالَ إِنِّي مُؤمن حَقًا وَهُوَ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه
{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَة} الدعْوَة إِلَى التَّوْحِيد من مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم {وَلَا السَّيئَة} الدعْوَة إِلَى الشّرك من أبي جهل وَيُقَال وَلَا يَسْتَوِي الْحَسَنَة شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَلَا السَّيئَة الشّرك بِاللَّه {ادْفَعْ} يَا مُحَمَّد الشّرك من أبي جهل أَن يفتنك {بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} بِلَا إِلَه إِلَّا الله وَيُقَال ادْفَعْ السَّيئَة من أبي جهل عَن نَفسك بِالَّتِي هِيَ أحسن بالْكلَام الْحسن وَالسَّلَام واللطف {فَإِذَا} فعلت ذَلِك صَار {الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ} فِي الدّين وَهُوَ أَبُو جهل {كَأَنَّهُ وَلِيٌّ} فِي الدّين {حَمِيمٌ} قريب فِي النّسَب
{وَمَا يُلَقَّاهَا} مَا يعْطى الْجنَّة فِي الْآخِرَة {إِلَاّ الَّذين صَبَرُواْ} على المرازي وأذى الْأَعْدَاء فِي الدُّنْيَا {وَمَا يُلَقَّاهَآ} وَمَا يوفق لدفع السَّيئَة بِالْحَسَنَة {إِلَاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} ثَوَاب وافر فى الْجنَّة مثل مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه
{وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَان نَزْغٌ} أَن يصيبك من الشَّيْطَان وَسْوَسَة بالجفاء عِنْد جفَاء أبي جهل {فاستعذ بِاللَّه} من الشَّيْطَان الرَّجِيم {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيع} لمقالة أبي جهل {الْعَلِيم} بعقوبته وَيُقَال السَّمِيع باستعاذتك الْعَلِيم بوسوسة الشَّيْطَان
{وَمِنْ آيَاتِهِ} من عَلَامَات وحدانيته وَقدرته {اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر} كل هَذَا من آيَات الله {لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ} لَا تعبدوا الشَّمْس {وَلَا لِلْقَمَرِ} وَلَا الْقَمَر {واسجدوا لِلَّهِ} واعبدوا الله {الَّذِي خَلَقَهُنَّ} يَعْنِي خلق الشَّمْس وَالْقَمَر وَاللَّيْل وَالنَّهَار {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} إِن كُنْتُم تُرِيدُونَ عبَادَة الله فَلَا تعبدوا الشَّمْس وَالْقَمَر وَلَكِن اعبدوا الله الَّذِي خلقهما وَيُقَال إِن كُنْتُم تُرِيدُونَ بِعبَادة الشَّمْس وَالْقَمَر عبَادَة الله فَلَا تعبدوهما فَإِن عبَادَة الله فِي ترك عبادتهما
{فَإِنِ استكبروا} تعظموا عَن الْإِيمَان وَالْعِبَادَة لله {فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ} يَعْنِي الْمَلَائِكَة {يُسَبِّحُونَ لَهُ} يصلونَ لله {بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} لَا يملون من عبَادَة الله وَلَا يفترون
ذليلة منكسرة ميتَة {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء} الْمَطَر {اهتزت} استبشرت بالمطر وَيُقَال تحركت بالنبات {وَرَبَتْ} كثر نباتها وَيُقَال انتفخت بنباتها {إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا} بعد مَوتهَا {لمحيي الْمَوْتَى} للبعث {إِنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ} من الإماتة والإحياء {قَدِيرٌ}
{إِنَّ الَّذين يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا} يجحدون بِآيَاتِنَا بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن وَيُقَال يكذبُون بِآيَاتِنَا بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن إِن قَرَأت بِضَم الْيَاء {لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ} لَا يخفى علينا من أَعْمَالهم شَيْء {أَفَمَن يلقى فِي النَّار} وَهُوَ أَبُو جهل وَأَصْحَابه {خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِناً} من الْعَذَاب {يَوْم الْقِيَامَة} وَهُوَ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابه {اعْمَلُوا} يَا أهل مَكَّة {مَا شِئْتُمْ} وَهَذَا وَعِيد لَهُم {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} يجزيكم بأعمالكم
{إِنَّ الَّذين كَفَرُواْ بِالذكر} بِالْقُرْآنِ {لَمَّا جَآءَهُمْ} حِين جَاءَهُم مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم بِهِ وَهُوَ أَبُو جهل وَأَصْحَابه لَهُم فِي الْآخِرَة نَار جَهَنَّم {وَإِنَّهُ} يَعْنِي الْقُرْآن {لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} كريم شرِيف
{لَاّ يَأْتِيهِ الْبَاطِل} لم يُخَالِفهُ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور وَسَائِر الْكتب {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} من قبله {وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} وَلَا يكون من بعده كتاب فيخالفه وَيُقَال لَا تكذبه التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور وَسَائِر الْكتب من قبله وَلَا يكون من بعده كتاب فيكذبه وَيُقَال لم يَأْتِ إِبْلِيس إِلَى مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم من قبل إتْيَان جِبْرِيل فَزَاد فِي الْقُرْآن وَلَا من بعد ذهَاب جِبْرِيل فنقص من الْقُرْآن وَيُقَال لَا يُخَالف الْقُرْآن بعضه بَعْضًا وَلَكِن يُوَافق بعضه بَعْضًا {تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ} تكليم من حَكِيم فِي أمره وقضائه {حَمِيدٍ} مَحْمُود فِي فعاله
{مَّا يُقَالُ لَكَ} يَا مُحَمَّد من الشتم والتكذيب {إِلَاّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ} من الشتم والتكذيب من قبلك وَيُقَال مَا يُقَال لَك مَا أَمر لَك من تَبْلِيغ الرسَالَة إِلَّا مَا قد قيل أَمر للرسل {مِن قَبْلِكَ} بتبليغ الرسَالَة {إِنَّ رَبَّكَ} يَا مُحَمَّد {لَذُو مَغْفِرَةٍ} لمن تَابَ من الْكفْر وآمن بِاللَّه {وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} لمن مَاتَ على الْكفْر
{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً} لَو نزلنَا جِبْرِيل بِالْقُرْآنِ على غير مجْرى لُغَة الْعَرَب {لَّقَالُواْ} كفار مَكَّة {لَوْلَا فُصِّلَتْ} هلا بيّنت وعربت {آيَاته} بِالْعَرَبِيَّةِ {أأعجمي وَعَرَبِيٌّ} قُرْآن أعجمي وَرجل عَرَبِيّ كَيفَ هَذَا {قُلْ} لَهُم يَا مُحَمَّد {هُوَ} يَعْنِي الْقُرْآن {لِلَّذِينَ آمَنُواْ} أبي بكر وَأَصْحَابه {هُدىً} من الضَّلَالَة {وَشِفَآءٌ} بَيَان لما فِي الصُّدُور من الْعَمى {وَالَّذين لَا يُؤمنُونَ} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن وَهُوَ أَبُو جهل وَأَصْحَابه {فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ} صمم {وَهُوَ} يَعْنِي الْقُرْآن {عَلَيْهِمْ عَمًى} حجَّة {أُولَئِكَ} أهل مَكَّة أَبُو جهل وَأَصْحَابه {يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} كَأَنَّهُمْ ينادون إِلَى التَّوْحِيد من السَّمَاء
{وَلَقَد آتَيْنَا} أعطينا {مُوسَى الْكتاب} يَعْنِي التَّوْرَاة {فَاخْتلف فِيهِ} فِي كتاب مُوسَى فَمنهمْ مُصدق بِهِ وَمِنْهُم مكذب بِهِ {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ} وَجَبت {مِن رَّبِّكَ} بِتَأْخِير الْعَذَاب عَن هَذِه الْأمة {لقضي بَينهم} لفزع من هَلَاك الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكين يَقُول عذبُوا عِنْد التَّكْذِيب كَمَا عذب الَّذين من قبلهم عِنْد التَّكْذِيب {وَإِنَّهُمْ} يَعْنِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكين {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} من الْقُرْآن {مُرِيبٍ} ظَاهر الشَّك وَيُقَال من كتاب مُوسَى
{مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً} خَالِصا فِيمَا بَينه وَبَين ربه {فَلِنَفْسِهِ} ثَوَاب ذَلِك {وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا} من أشرك بِاللَّه فعلَيْهَا على نَفسه عُقُوبَة ذَلِك {وَمَا رَبُّكَ} يَا مُحَمَّد {بِظَلَاّمٍ لِّلْعَبِيدِ} أَن يَأْخُذهُمْ بِلَا جرم
{إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَة} علم قيام السَّاعَة لَا يعلم قِيَامهَا أحد غير الله {وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا} من كفراها {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى} الْحَوَامِل {وَلَا تَضَعُ} حملهَا {إِلَاّ بِعِلْمِهِ} بِإِذْنِهِ لَا يُعلمهُ غَيره {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} فِي النَّار فَيَقُول الله {أَيْنَ شُرَكَآئِي} الَّذين كُنْتُم تَعْبدُونَ وتقولون أَنهم شركائي {قَالُوا آذَنَّاكَ} أعلمناك وَقُلْنَا لَك قبل هَذَا
{وَضَلَّ عَنْهُم} اشْتغل عَنْهُم {مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ} يعْبدُونَ {مِن قَبْلُ} فِي الدُّنْيَا {وَظَنُّواْ} علمُوا وأيقنوا {مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ} من ملْجأ وَلَا مغيث وَلَا نجاة من النَّار
{لَاّ يَسْأَمُ الْإِنْسَان} يَعْنِي الْكَافِر لَا يمل وَلَا يفتر {مِن دُعَآءِ الْخَيْر} المَال وَالْولد وَالصِّحَّة {وَإِن مَّسَّهُ الشَّرّ} إِن أَصَابَته الشدَّة والفقر {فيؤوس قَنُوطٌ} فَيصير آيس شَيْء وأقنطه من رَحْمَة الله
{وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ} أصبناه {رَحْمَةً مِّنَّا} نعْمَة منا بِالْمَالِ وَالْولد {مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ} شدَّة أَصَابَته {لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي} بِخَير علم الله فِي {وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَة} قيام السَّاعَة {قَآئِمَةً} كائنة كَمَا يَقُول مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم إنكاراً مِنْهُ للبعث {وَلَئِن رُّجِّعْتُ إِلَى رَبِّي} كَمَا يَقُول مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم {إِنَّ لِي عِندَهُ} فِي الْآخِرَة {للحسنى} الْجنَّة وَهُوَ عتبَة بن أبي ربيعَة وَأَصْحَابه {فَلَنُنَبِّئَنَّ} فلنخبرن {الَّذين كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ} فِي كفرهم {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} شَدِيد لونا بعد لون فِي النَّار
{وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَان} يَعْنِي الْكَافِر بِالْمَالِ وَالْولد {أَعْرَضَ} عَن شكر ذَلِك {وَنَأَى بِجَانِبِهِ} تبَاعد عَن الْإِيمَان {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرّ} أَصَابَهُ الْفقر {فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ} طَوِيل بِالْمَالِ وَيُقَال كثير الْوَلَد وَهُوَ عتبَة
{قُلْ} لَهُم يَا مُحَمَّد {أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله} يَقُول هَذَا الْقُرْآن من الله {ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ} بِالْقُرْآنِ إِنَّه لَيْسَ من عِنْد الله مَاذَا يفعل بكم ربكُم {مَنْ أَضَلُّ} عَن الْحق وَالْهدى {مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ} فِي خلاف {بَعِيدٍ} عَن الْحق وَالْهدى وَيُقَال فِي معاداة شَدِيدَة مَعَ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَهُوَ أَبُو جهل
{سَنُرِيهِمْ} يَا مُحَمَّد أهل مَكَّة {آيَاتِنَا} عَلَامَات عجائبنا ووحدانيتنا وقدرتنا {فِي الْآفَاق} فِي أَطْرَاف الأَرْض من خراب مسَاكِن الَّذين من قبلهم مثل عَاد وَثَمُود وَالَّذين من بعدهمْ {وَفِي أَنفُسِهِمْ} ونريهم فِي أنفسهم من الْأَمْرَاض والأوجاع والمصائب وَغير ذَلِك {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحق} أَن مَا يَقُول لَهُم النَّبِي هُوَ الْحق {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ} أَو لم يَكفهمْ مَا بَين لَهُم رَبك من أَخْبَار الْأُمَم الْمَاضِيَة من غير أَن يُرِيهم {أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ} من أَعْمَالهم {شَهِيدٌ}
{أَلَا إِنَّهُمْ} أهل مَكَّة {فِي مِرْيَةٍ} فِي شكّ وارتياب {مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ} من الْبَعْث بعد الْمَوْت {أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ} من أَعْمَالهم وعقوبتهم {مُحِيط} عَالم
وَمن السُّورَة الَّتِى يذكر فِيهَا حم عسق وهى كلهَا مَكِّيَّة إِلَّا سبع آيَات {قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى} {وَالَّذين يحاجون فِي الله من بعد مَا اسْتُجِيبَ لَهُ} إِلَى آخر الْآيَة وَخمْس آيَات نزلت فى أَبى بكر الصّديق وَأَصْحَابه من قَوْله {وَالَّذين يجتنبون كَبَائِر الْإِثْم} إِلَى قَوْله {إِن ذَلِك لمن عزم الْأُمُور} فانهن مدنيات
آياتها خَمْسُونَ آيَة وكلماتها ثَمَانمِائَة وَسِتَّة وَثَمَانُونَ وحروفها ثَلَاثَة آلَاف وَخَمْسمِائة وَثَمَانِية وَثَمَانُونَ حرفا
وبإسناده عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى {حم عسق} قَالَ هِيَ ثَنَاء أثنى بهَا على نَفسه يَقُول الْحَاء حلمه وَالْمِيم ملكه وَالْعين علمه وَالسِّين سناؤه وَالْقَاف قدرته على خلقه وَيُقَال الْحَاء كل حَرْب يكون وَالْمِيم تَحْويل كل ملك يكون وَالْعين كل وعد يكون وَالسِّين سنُون كَسِنِي يُوسُف وَالْقَاف كل قذف يكون وَيُقَال قسم أقسم بهَا أَن لَا يعذب فِي النَّار أبدا من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله مخلصاً بهَا لرَبه وَلَقي بهَا ربه
{كَذَلِكَ يوحي إلَيْكَ وَإِلَى الَّذين مِن قَبْلِكَ} من الرُّسُل يَقُول كَمَا أَوْحَينَا إِلَيْك حم عسق كَذَلِك أَوْحَينَا إِلَى الَّذين من قبلك من الرُّسُل {الله الْعَزِيز}
بالنقمة لمن لَا يُؤمن بِهِ {الْحَكِيم} فِي أمره وقضائه أَمر أَن لَا يعبد غَيره وَيُقَال الْعَزِيز فِي ملكه وسلطانه الْحَكِيم فِي أمره وقضائه
{لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض} من الْخلق كلهم عبيده وإماؤه {وَهُوَ الْعلي} أَعلَى كل شَيْء {الْعَظِيم} أعظم كل شَيْء
{تَكَادُ السَّمَاوَات يَتَفَطَّرْنَ} يتشققن {مِن فَوْقِهِنَّ} بَعْضهَا فَوق بعض من هَيْبَة الرَّحْمَن وَيُقَال من مقَالَة الْيَهُود {وَالْمَلَائِكَة} فِي السَّمَاء {يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} يصلونَ بِأَمْر رَبهم {وَيَسْتَغْفِرُونَ} يدعونَ بالمغفرة {لِمَن فِي الأَرْض} من الْمُؤمنِينَ المخلصين {أَلَا إِنَّ الله هُوَ الغفور} لمن تَابَ {الرَّحِيم} لمن مَاتَ على التَّوْبَة
{وَالَّذين اتَّخذُوا} عبدا {من دونه} من دون الله {أوليآء} أَرْبَابًا من الْأَصْنَام {الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ} شَهِيد عَلَيْهِم وعَلى أَعْمَالهم {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} بكفيل تُؤْخَذ بهم ثمَّ أمره بعد ذَلِك بقتالهم
{وَكَذَلِكَ} هَكَذَا {أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} أنزلنَا إِلَيْك جِبْرِيل بِالْقُرْآنِ {قُرْآناً عَرَبِيّاً} بقرآن على مجْرى لُغَة الْعَرَب {لِّتُنذِرَ} لتخوف بِالْقُرْآنِ {أُمَّ الْقرى} أهل مَكَّة {وَمَنْ حَوْلَهَا} من الْبلدَانِ {وَتُنذِرَ} تخوف {يَوْمَ الْجمع} من أهوال يَوْم الْجمع يجْتَمع فِيهِ أهل السَّمَاء وَأهل الأَرْض {لَا رَيْبَ فِيهِ} لَا شكّ فِيهِ {فَرِيقٌ} مِنْهُم من أهل الْجمع {فِي الْجنَّة} وهم الْمُؤْمِنُونَ {وَفَرِيقٌ} طَائِفَة مِنْهُم {فِي السعير} فِي نَار الْوقُود وهم الْكَافِرُونَ
{وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} لجمع الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكين على مِلَّة وَاحِدَة مِلَّة الْإِسْلَام {وَلَكِن يُدْخِلُ} يكرم {مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ} بِدِينِهِ الْإِسْلَام {والظالمون} الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكُونَ {مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ} قريب يَنْفَعهُمْ {وَلَا نَصِيرٍ} مَانع يمنعهُم من عَذَاب الله
{أَمِ اتَّخذُوا مِن دُونِهِ} عبدُوا من دون الله {أَوْلِيَآءَ} أَرْبَابًا {فَالله هُوَ الْوَلِيّ} بهم جَمِيعًا {وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى} للبعث {وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ} من الْإِحْيَاء والإماتة {قَدِيرٌ}
{وَمَا اختلفتم فِيهِ} فِي الدّين {مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله} فَاطْلُبُوا حكمه من كتاب الله {ذَلِكُم الله رَبِّي} أَمركُم بذلك {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} اتكلت {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} أقبل
{فَاطِرُ السَّمَاوَات} أَي هُوَ خَالق السَّمَوَات {وَالْأَرْض جَعَلَ لَكُم} خلق لكم {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} آدَمِيًّا مثلكُمْ {أَزْوَاجاً} أصنافاً ذكرا وَأُنْثَى {وَمِنَ الْأَنْعَام أَزْوَاجًا} أصنافاذكرا وَأثْنى {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} يخلقكم فِي الرَّحِم وَيُقَال يكثركم بِالتَّزْوِيجِ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فِي الصّفة وَالْعلم وَالْقُدْرَة وَالتَّدْبِير {وَهُوَ السَّمِيع} لمقالتكم {الْبَصِير} بأعمالكم
{لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَات} خَزَائِن السَّمَوَات الْمَطَر {وَالْأَرْض} النَّبَات {يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ} يُوسع المَال على من يَشَاء {وَيَقْدِرُ} يقتر على من يَشَاء {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ} من الْبسط والتقتير {عليم}
{شَرَعَ لَكُم} اخْتَار لكم يَا أمة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم {مِّنَ الدّين} دين الْإِسْلَام {مَا وصّى بِهِ نُوحاً} الَّذِي أَوْحَينَا بِهِ إِلَى نوح وَأمر أَن يَدْعُو الْخلق إِلَيْهِ ويستقيم عَلَيْهِ {وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} وَفِي الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك يَا مُحَمَّد يَعْنِي الْقُرْآن أمرناك أَن تَدْعُو الْخلق إِلَى الْإِسْلَام وتستقيم عَلَيْهِ
{وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ} وَالَّذِي اخترنا بِالْإِسْلَامِ إِبْرَاهِيم وأمرناه أَن يَدْعُو الْخلق إِلَيْهِ ويستقيم عَلَيْهِ {ومُوسَى وَعِيسَى} كَذَلِك {أَنْ أَقِيمُواْ الدّين} أَمر الله جملَة الْأَنْبِيَاء أَن أقِيمُوا الدّين أَن اتَّفقُوا فِي الدّين {وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} لَا تختلفوا فِي الدّين {كَبُرَ} عظم {عَلَى الْمُشْركين} أبي جهل وَأَصْحَابه {مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} من التَّوْحِيد وَالْقُرْآن {الله يجتبي إِلَيْهِ} لدينِهِ {مَن يَشَآءُ} وَهُوَ من ولد فِي الْإِسْلَام وَيَمُوت على ذَلِك {وَيهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} يرشد إِلَى دينه من يقبل إِلَيْهِ من أهل الْكفْر
{وَمَا تفَرقُوا} وَمَا اخْتلف الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن وَالْإِسْلَام {إِلَاّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعلم} بَيَان مَا فِي كِتَابهمْ من صفة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم ونعته {بَغْياً بَيْنَهُمْ} حسداً مِنْهُم كفرُوا بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ} وَجَبت {مِن رَّبِّكَ} بِتَأْخِير عَذَاب هَذِه الْأمة {إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} إِلَى وَقت مَعْلُوم {لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ} لفرغ من هَلَاك الْيَهُود وَالنَّصَارَى {وَإِنَّ الَّذين أُورِثُواْ الْكتاب} أعْطوا التَّوْرَاة {مِن بَعْدِهِمْ} من بعد الرُّسُل وَيُقَال من بعد الْأَوَّلين {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ} من التَّوْرَاة وَيُقَال الْقُرْآن {مُرِيبٍ} ظَاهر الشَّك
{فَلذَلِك فَادع} إِلَى تَوْحِيد رَبك وَكتاب رَبك {واستقم} على التَّوْحِيد {كَمَآ أُمِرْتَ} فِي الْقُرْآن {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ} قبلتهم وَدينهمْ قبْلَة الْيَهُود وَدين الْيَهُود {وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ الله} على الْأَنْبِيَاء {مِن كِتَابٍ} من كتاب الله {وَأُمِرْتُ} فِي الْقُرْآن {لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} بِالتَّوْحِيدِ {الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} يقْضِي بَيْننَا وَبَيْنكُم يَوْم الْقِيَامَة {لَنَآ أَعْمَالُنَا} لنا عبَادَة الله وَدين الْإِسْلَام {وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} عَلَيْكُم أَعمالكُم عبَادَة الْأَصْنَام وَدين الشَّيْطَان {لَا حُجَّةَ} لَا خُصُومَة {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} فِي الدّين {الله يَجْمَعُ بَيْنَنَا} وَبَيْنكُم يَوْم الْقِيَامَة {وَإِلَيْهِ الْمصير} مصير الْمُؤمنِينَ والكافرين ثمَّ أَمر الله بعد ذَلِك بِالْقِتَالِ
{وَالَّذين يُحَآجُّونَ فِي الله} يُخَاصِمُونَ فِي دين الله يَعْنِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى {مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ} فِي الْكتاب وَيُقَال هم الْمُشْركُونَ من بعد مَا اسْتُجِيبَ لَهُ يَوْم الْمِيثَاق {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ} خصومتهم بَاطِلَة {عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ} سخط {وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} أَشد مَا يكون
{الله الَّذِي أَنزَلَ الْكتاب} جِبْرِيل بِالْقُرْآنِ {بِالْحَقِّ} لبَيَان الْحق وَالْبَاطِل {وَالْمِيزَان} بَين فِيهِ الْعدْل {وَمَا يُدْرِيكَ} يَا مُحَمَّد وَلم تدر {لَعَلَّ السَّاعَة قَرِيبٌ} قيام السَّاعَة يكون قَرِيبا
{يَسْتَعْجِلُ بِهَا} بِقِيَام السَّاعَة {الَّذين لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا} بِقِيَام السَّاعَة وَهُوَ أَبُو جهل وَأَصْحَابه {وَالَّذين آمنُوا} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن وَقيام السَّاعَة وَهُوَ أَبُو بكر وَأَصْحَابه {مُشْفِقُونَ مِنْهَا} خائفون من قيام السَّاعَة وأهوالها وشدائدها {وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا} يَعْنِي قيام السَّاعَة {الْحق} الْكَائِن {أَلَا إِنَّ الَّذين يُمَارُونَ} يجادلون ويشكون {فَي السَّاعَة} فِي قيام السَّاعَة {لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} عَن الْحق وَالْهدى
{الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} الْبر والفاجر وَيُقَال لطف علمه بعباده الْبر والفاجر {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} يُوسع على من يَشَاء بِالْمَالِ {وَهُوَ الْقوي} بأرزاق الْعباد {الْعَزِيز} بالنقمة لمن لَا يُؤمن بِهِ
{مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَة} ثَوَاب الْآخِرَة بِعَمَلِهِ لله {نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} فِي ثَوَابه وَيُقَال فِي قوته ونشاطه وحسنته فِي الْعَمَل {وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا}
ثَوَاب الدُّنْيَا بِعَمَلِهِ الَّذِي افْترض الله عَلَيْهِ {نُؤْتِهِ} نعطه {مِنْهَا} من الدُّنْيَا وندفع عَنهُ مِنْهَا {وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة} فِي الْجنَّة {مِن نَّصِيبٍ} من ثَوَاب لِأَنَّهُ عمل لغير الله
{أَمْ لَهُمْ} ألهم لكفار مَكَّة {شُرَكَاءُ} آلِهَة {شَرَعُواْ لَهُمْ} اخْتَارُوا لَهُم {مِّنَ الدّين مَا لم يَأْذَن بِهِ الله} مالم يَأْمر الله بِهِ بالكافرين أَبَا جهل وَأَصْحَابه {وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْل} الْحق بِتَأْخِير الْعَذَاب عَن هَذِه الْأمة {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} لفرغ من هلاكهم {وَإِنَّ الظَّالِمين} الْكَافرين أَبَا جهل وَأَصْحَابه {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وجيع
{تَرَى الظَّالِمين} الْكَافرين يَوْم الْقِيَامَة {مُشْفِقِينَ} خَائِفين {مِمَّا كَسَبُواْ} مِمَّا قَالُوا وَعمِلُوا فِي الْكفْر {وَهُوَ وَاقِعٌ} نَازل {بِهِمْ} مَا يحذرون {وَالَّذين آمنُوا} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَات} فِيمَا بَينهم وَبَين رَبهم وَهُوَ أَبُو بكر وَأَصْحَابه {فِي رَوْضَاتِ الجنات} فى رياض الْجنَّة {لَهُم مَا يشاؤون} مَا يتمنون ويشتهون {عِندَ رَبِّهِمْ} فِي الْجنَّة {ذَلِك} الْجنَّة (هُوَ الْفضل الْكَبِير) الْمَنّ الْعَظِيم
{ذَلِك} الْفضل {الَّذِي يُبَشِّرُ الله عِبَادَهُ} فِي الدُّنْيَا الَّذين آمَنُواْ بِمُحَمد وَالْقُرْآن {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَات} فِيمَا بَينهم وَبَين رَبهم {قُل} لَهُم يَا مُحَمَّد لأصحابك وَيُقَال لأهل مَكَّة {لَاّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} على التَّوْحِيد وَالْقُرْآن {أَجْراً} جعلا {إِلَاّ الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى} إِلَّا أَن تودوا قَرَابَتي من بعدِي وَيُقَال إلَاّ أَن تتقربوا إِلَى الله بِالتَّوْحِيدِ فِي قَول الْحسن الْبَصْرِيّ وَفِي قَول الْفراء تتقربوا إِلَى الله بِالتَّوْبَةِ {وَمَن يَقْتَرِفْ} يكْتَسب {حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً} تسعا {إِنَّ الله غَفُورٌ} لمن تَابَ {شَكُورٌ} يشْكر الْيَسِير وَيجْزِي الجزيل
{أَمْ يَقُولُونَ} بل يَقُولُونَ {افترى} اختلق مُحَمَّد {عَلَى الله كَذِباً} فَاغْتَمَّ بذلك رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ الله عز وجل {فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ} يرْبط {على قَلْبِكَ} وَيُقَال يحفظ قَلْبك {وَيَمْحُ الله الْبَاطِل} يهْلك الله الشّرك وَأَهله {وَيُحِقُّ الْحق بِكَلِمَاتِهِ} يظْهر دينه الْإِسْلَام بتحقيقه {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور} بِمَا فِي الْقُلُوب من الْخَيْر وَالشَّر
{وَهُوَ الَّذِي يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَات وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} من الْخَيْر وَالشَّر
{وَيَسْتَجِيبُ الَّذين آمَنُواْ} يغْفر للَّذين آمنُوا بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم الْقُرْآن {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَات} فِيمَا بَينهم وَبَين رَبهم {وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ} بكرامته الثَّوَاب والكرامة فِي الْجنَّة وَيُقَال رُؤْيَة الله {والكافرون} أَبُو جهل وَأَصْحَابه {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}
{وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق} وسع الله المَال {لِعِبَادِهِ} على عباده {لَبَغَوْاْ} لطغوا وتطاولوا {فِي الأَرْض وَلَكِن يُنَزِّلُ} يُوسع {بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ} على من يَشَاء {إِنَّهُ بِعِبَادِهِ} بصلاح عباده {خَبِيرٌ بَصِيرٌ} بأعمالهم
{وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْث} يَعْنِي الْمَطَر {مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ} أَي أيسوا من الْمَطَر {وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ} ينزل رَحمته يَعْنِي الْمَطَر {وَهُوَ الْوَلِيّ} بالمطر عَاما بعام {الحميد} الْمَحْمُود فِي فعاله
{وَمِنْ آيَاتِهِ} من عَلَامَات وحدانيته وَقدرته {خَلْقُ السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَثَّ} نشر {فِيهِمَا} مَا خلق فِي الأَرْض {مِن دَآبَّةٍ} كلهَا آيَة لكم {وَهُوَ على جَمْعِهِمْ} على إحيائهم {إِذَا يَشَاء قدير}
{وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ} مَا تصابون فِي أَنفسكُم {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} فِيمَا جنت أَيْدِيكُم يُصِيبكُم {وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} من الذُّنُوب فَلَا يجزيكم بِهِ
{وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْض} بفائتين من عَذَاب الله {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الله} من عَذَاب الله {مِن وَلِيٍّ} قريب ينفعكم {وَلَا نَصِيرٍ} مَانع يمنعكم من عَذَاب الله
{وَمِنْ آيَاتِهِ} من عَلَامَات وحدانيته وَقدرته {الْجوَار} يَعْنِي السفن {فِي الْبَحْر كالأعلام} كالجبال
{إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرّيح} الَّتِي تجْرِي بهَا السفن {فَيَظْلَلْنَ} فيصرن {رَوَاكِدَ} ثوابت {على ظَهْرِهِ} على ظهر المَاء {إِنَّ فِي ذَلِك} فِيمَا ذكرت من السفن {لآيَاتٍ} لعلامات وعبراً {لِّكُلِّ صَبَّارٍ} على الطَّاقَة {شَكُورٍ} بنعم الله
{أَوْ يُوبِقْهُنَّ} يهلكهن يَعْنِي السفن فِي الْبَحْر {بِمَا كَسَبُوا} بِمَعْصِيَة أهلهن {وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ} لَا يجازيهم بِهِ
{وَيَعْلَمَ} لكَي يعلم {الَّذين يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا} يكذبُون بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم {مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ} من مغيث وَلَا نجاة من عَذَاب الله
{فَمَآ أُوتِيتُمْ} أعطيتم {مِّن شَيْءٍ} من المَال والزهرة {فَمَتَاعُ الْحَيَاة الدُّنْيَا} لَا يبْقى {وَمَا عِندَ الله} من الثَّوَاب {خَيْرٌ} مِمَّا عنْدكُمْ فِي الدُّنْيَا {وَأبقى} أدوم من مَتَاع الدُّنْيَا فَإِنَّهَا فانية ثمَّ بَين لمن هُوَ فَقَالَ {للَّذين آمنُوا} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن يَعْنِي أَبَا بكر وَأَصْحَابه {وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} لَا على المَال
{وَالَّذين يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْم} يَعْنِي الشّرك {وَالْفَوَاحِش} يَعْنِي الزِّنَا والمعاصي {وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ} بالجفاء {يَغْفِرُونَ} يتجاوزون وَلَا يكافئون بِهِ
{وَالَّذين اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ} أجابوا لرَبهم بِالتَّوْحِيدِ وَالطَّاعَة {وَأَقَامُواْ الصَّلَاة} أَتموا الصَّلَوَات الْخمس {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} إِذا أَرَادوا أمرا وحاجة تشاوروا فِيمَا بَينهم ثمَّ عمِلُوا بِهِ {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} أعطيناهم من المَال {يُنفِقُونَ} يتصدقون
{وَالَّذين إِذَآ أَصَابَهُمُ الْبَغي} الْمظْلمَة {هُمْ يَنتَصِرُونَ} ينتصفون بِالْقصاصِ لَا بالمكابرة
{وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} جَزَاء جِرَاحَة جِرَاحَة مثلهَا {فَمَنْ عَفَا} عَن مظلمته {وَأَصْلَحَ} ترك الْقصاص وَلَا يكافىء بِهِ {فَأَجْرُهُ عَلَى الله} فثوابه على الله {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمين} المبتدئين بالظلم
{وَلَمَنِ انتصر} انتصف بِالْقصاصِ {بَعْدَ ظُلْمِهِ} مظلمته {فَأُولَئِك مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ} من مأثم بِالْقصاصِ
{إِنَّمَا السَّبِيل} المأثم {عَلَى الَّذين يَظْلِمُونَ النَّاس} بِالِابْتِدَاءِ بِغَيْر قصاص {وَيَبْغُونَ} يتطاولون
{وَلَمَن صَبَرَ} على مظلمته {وَغَفَرَ} تجَاوز وَلم يقْتَصّ وَلم يكافىء بِهِ {إِنَّ ذَلِكَ} الصَّبْر والتجاوز {لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُور} من خير الْأُمُور وَيُقَال من حزم الْأُمُور وَنزل من قَوْله وَالَّذين يجتنبون كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَى قَوْله لمن عزم الْأُمُور فِي شَأْن أبي بكر الصّديق وَصَاحبه عَمْرو بن غزيَّة الْأنْصَارِيّ فِي كَلَام وتنازع كَانَ بَينهمَا فشتم الْأنْصَارِيّ أَبَا بكر الصّديق فَأنْزل الله فيهمَا هَؤُلَاءِ الْآيَات
{من يضلل} عَن دينه {فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ} من مرشد {مِّن بَعْدِهِ} غير الله {وَتَرَى الظَّالِمين} الْمُشْركين أَبَا جهل وَأَصْحَابه يَوْم الْقِيَامَة {لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَاب} حِين رَأَوْا الْعَذَاب {يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ} هَل إِلَى رُجُوع إِلَى الدُّنْيَا من حِيلَة
{وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا} على النَّار {خَاشِعِينَ مِنَ الذل} ذليلين من الْحزن {يَنظُرُونَ} إِلَيْك {مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} مسارقة الْأَعْين {وَقَالَ الَّذين آمنُوا} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {إِنَّ الخاسرين} المغبونين {الَّذين خسروا} الَّذين غبنوا {أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ} خدمهم فِي الْجنَّة {يَوْمَ الْقِيَامَة أَلَا إِنَّ الظَّالِمين} الْمُشْركين أَبَا جهل وَأَصْحَابه {فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ} دَائِم
{وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ} أقرباء {يَنصُرُونَهُم} يمنعونهم {مِّن دُونِ الله} من عَذَاب الله {وَمَن يُضْلِلِ الله} عَن دينه مثل أبي جهل {فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ} من دين وَلَا حجَّة
{اسْتجِيبُوا لِرَبِّكُمْ} بِالتَّوْحِيدِ {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ} وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة {لَاّ مَرَدَّ لَهُ} لَا مَانع لَهُ {مِنَ الله} من عَذَاب الله {مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجَأٍ} من نجاة {يَوْمَئِذٍ} من عَذَاب الله {وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ} من معِين
{فَإِنْ أَعْرَضُواْ} عَن الْإِيمَان {فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} تحفظهم {إِنْ عَلَيْكَ} مَا عَلَيْك {إِلَاّ الْبَلَاغ} التَّبْلِيغ عَن الله ثمَّ أمره بِالْقِتَالِ بعد ذَلِك {وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا الْإِنْسَان} أصبْنَا الْكَافِر {مِنَّا رَحْمَةً} نعْمَة {فَرِحَ بِهَا} أعجب بهَا غير شَاكر لَهَا {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} شدَّة وفقر وبلية {بِمَا قَدَّمَتْ} عملت {أَيْدِيهِمْ} فِي الشّرك {فَإِنَّ الْإِنْسَان} يَعْنِي أَبَا جهل {كَفُورٌ} كَافِر بِاللَّه وبنعمته
{لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَات وَالْأَرْض} خَزَائِن السَّمَوَات وَالْأَرْض الْمَطَر والنبات {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} كَمَا يَشَاء {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً} مثل لوط لم يكن لَهُ ولد ذكر {وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُور} مثل إِبْرَاهِيم لم يكن لَهُ أُنْثَى
{أَوْ يُزَوِّجُهُمْ} يخلطهم {ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً} مثل مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم كَانَ لَهُ الذّكر وَالْأُنْثَى {وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عقيما} بِلَا ولد مثل يحيى ابْن زَكَرِيَّا {إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} فِيمَا وهب من الذُّكُور وَالْإِنَاث
{وَمَا كَانَ} مَا جَازَ {لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله} مُوَاجهَة بِغَيْر ستر {إِلَاّ وَحْياً} فِي الْمَنَام {أَو من وَرَاء حجاب} ستركما كلم مُوسَى عليه السلام {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً} جِبْرِيل كَمَا أرسل إِلَى مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم {فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ} بأَمْره {مَا يَشَآءُ} الَّذِي شَاءَ من الْأَمر والنهى
{إِنَّهُ عَلِيٌّ} أَعلَى من كل شَيْء {حَكِيمٌ} فِي أمره وقضائه
{وَكَذَلِكَ} هَكَذَا {أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} يَعْنِي جِبْرِيل بِالْقُرْآنِ {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكتاب} مَا الْقُرْآن قبل نزُول جِبْرِيل عَلَيْك وَمَا كنت تحسن قِرَاءَة الْقُرْآن قبل الْقُرْآن {وَلَا الْإِيمَان} وَلَا الدعْوَة إِلَى التَّوْحِيد {وَلَكِن جَعَلْنَاهُ} قُلْنَاهُ يَعْنِي الْقُرْآن {نُوراً} بَيَانا لِلْأَمْرِ وَالنَّهْي والحلال وَالْحرَام وَالْحق وَالْبَاطِل {نَّهْدِي بِهِ} بِالْقُرْآنِ {مَن نَّشَآءُ} من كَانَ أَهلا لذَلِك {مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لتهدي} لتدعو {إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} دين مُسْتَقِيم حق
{صِرَاطِ الله} دين الله {الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض} من الْخلق {أَلَا إِلَى الله تَصِيرُ الْأُمُور} عواقب الْأُمُور فى الْآخِرَة تصير إِلَى الْحَكِيم الْملك
وَمن السُّورَة الَّتِى يذكر فِيهَا الزخرف وهى كلهَا مَكِّيَّة آياتها سبع وَثَمَانُونَ آيَة وكلماتها ثَمَانمِائَة وَثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ وحروفها ثَلَاثَة آلَاف وَأَرْبَعمِائَة حرف
وبإسناده عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى {حم} يَقُول قضى مَا هُوَ كَائِن أى بَين
{وَالْكتاب الْمُبين} يَقُول وَأقسم بِالْكتاب الْمُبين بالحلال وَالْحرَام وَالنَّهْي وَالْأَمر أَن قد قضى مَا هُوَ كَائِن أَي بَين قَالَ حَكِيم:
(أَلا يَا لقومى كل مَا حم وَاقع
…
وَذَا الطير يسري والنجوم الطوالع) وَيُقَال قسم أقسم بِهِ بِالْحَاء وَالْمِيم وَالْكتاب الْمُبين بالحلال وَالْحرَام وَالْأَمر وَالنَّهْي
{إِنَّا جَعَلْنَاهُ} قُلْنَاهُ ووضعناه {قُرْآناً عَرَبِيّاً} على مجْرى لُغَة الْعَرَب وَلِهَذَا كَانَ الْقسم {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} لكَي تعلمُوا مَا فِي الْقُرْآن من الْحَلَال وَالْحرَام وَالْأَمر وَالنَّهْي
{وَإِنَّهُ} يَعْنِي الْقُرْآن {فِي أُمِّ الْكتاب} فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ مَكْتُوب {لَدَيْنَا} عندنَا {لَعَلِيٌّ} كريم شرِيف مُرْتَفع {حَكِيمٌ} مُحكم بالحلال وَالْحرَام
{أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذّكر} أفنرفع عَنْكُم الْوَحْي وَالرَّسُول يَا أهل مَكَّة {صَفْحاً} أَو نترككم هملاً بِلَا أَمر وَلَا نهي {أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ} بِأَن كُنْتُم قوما مُشْرِكين لَا تؤمنون فِي علم الله
{وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ} قبلك يَا مُحَمَّد {فِي الْأَوَّلين} فِي الْأُمَم الْمَاضِيَة قد علمنَا أَنهم لَا يُؤمنُونَ فَلم نتركهم بِلَا كتاب وَلَا رَسُول
{وَمَا يَأْتِيهِم} أَي الْأَوَّلين {مِّنْ نَّبِيٍّ إِلَاّ كَانُوا بِهِ} بالنبى {يستهزؤون} يهزءون بالنبى
{فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم} من أهل مَكَّة {بَطْشاً} قُوَّة ومنعة {وَمضى مَثَلُ الْأَوَّلين} سنة الْأَوَّلين بِالْعَذَابِ عِنْد تكذيبهم الرُّسُل
{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ} كفار مَكَّة {مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض لَيَقُولُنَّ} كفار مَكَّة {خَلَقَهُنَّ الْعَزِيز} فِي ملكه وسلطانه {الْعَلِيم} بتدبيره وبخلقه فَقَالَ الله نعم خلق
{الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْض مَهْداً} فراشا {وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} طرقاً {لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} لكَي تهتدوا بالطرق
{وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السمآء مَآءً} مَطَرا {بِقَدَرٍ} مَعْلُوم بِعلم الْخزَّان {فَأَنشَرْنَا بِهِ} أحيينا بالمطر {بَلْدَةً مَّيْتاً} مَكَانا لَا نَبَات فِيهِ {كَذَلِك} هَكَذَا {تُخْرَجُونَ} تحيون وتخرجون من الْقُبُور كَمَا أحيينا الأَرْض بالمطر
{وَالَّذِي خَلَقَ الْأزْوَاج} الْأَصْنَاف {كُلَّهَا} الذّكر وَالْأُنْثَى {وَجَعَلَ لَكُمْ} وَخلق لكم {مِّنَ الْفلك} يَعْنِي السفن فِي الْبَحْر {والأنعام} يَعْنِي الْإِبِل {مَا تَرْكَبُونَ} الَّذِي تَرْكَبُونَ عَلَيْهِ
{لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ} ظُهُور الْأَنْعَام يَعْنِي الْإِبِل {ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ} بتسخيرها {إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} على ظُهُورهَا وسخرها لكم {وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا} الْإِبِل {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} مُطِيعِينَ مالكين
{وَجَعَلُواْ} وصفوا {لَهُ مِنْ عِبَادِهِ} يَعْنِي الْمَلَائِكَة {جُزْءًا} ولدا قَالُوا الْمَلَائِكَة بَنَات الله وهم بَنو مليح {إِنَّ الْإِنْسَان} يَعْنِي بني مليح {لَكَفُورٌ} كَافِر بِاللَّه {مُّبِينٌ} ظَاهر الْكفْر
{أَمِ اتخذ} اخْتَار {مِمَّا يَخْلُقُ} يَعْنِي الْمَلَائِكَة {بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم} اختاركم يَا بني مليح {بالبنين} بالذكور
{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم} أحد بني مليح {بِمَا ضَرَبَ} بِمَا وصف {للرحمن مَثَلاً} إِنَاثًا {ظَلَّ} صَار {وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ} مغموم مكروب يتَرَدَّد الغيظ فى جَوْفه أفترضون لله مَالا ترْضونَ لأنفسكم
{أَو من يُنَشَّأُ} يغذى ويربى {فِي الْحِلْية} حلية الذَّهَب وَالْفِضَّة {وَهُوَ فِي الْخِصَام} فِي الْكَلَام {غَيْرُ مُبِينٍ} غير ثَابت الْحجَّة وَمن النِّسَاء فمثلهن كَيفَ يَنْبَغِي أَن يكن بَنَات الله
{وَجَعَلُواْ الْمَلَائِكَة الَّذين هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَن إِنَاثاً} بَنَات الله {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ} حِين خلقُوا أَنهم إناث فيعلمون بذلك أَنهم إناث قَالُوا لَا يَا مُحَمَّد وَلَكِن سمعنَا من آبَائِنَا يَقُولُونَ ذَلِك فَقَالَ الله يَا مُحَمَّد {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ} بِالْكَذِبِ على الله بمقالتهم أَن الْمَلَائِكَة بَنَات الله {وَيُسْأَلُونَ} عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة أَي قيل لَهُم حِين جعلُوا الْمَلَائِكَة بَنَات الله أشهدتم قَالُوا لَا قَالَ فَمَا يدريكم أَنَّهُنَّ إناث وأنهن بَنَات الله قَالُوا سمعنَا هَذَا من آبَائِنَا قَالَ الله ستكتب شَهَادَتهم يَعْنِي مَا تكلمُوا بِهِ ويسئلون عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة
{وَقَالُواْ} بَنو مليح {لَوْ شَآءَ الرَّحْمَن} لَو نَهَانَا الرَّحْمَن وصرفنا {مَا عَبَدْنَاهُمْ} استهزاء وَلَكِن أمرنَا بعبادتهم وَلم ينهنا عَن عِبَادَتهم {مَّا لَهُم بذلك} بِمَا يَقُولُونَ {من علم} من حجَّة وَلَا بَيَان {إِنْ هُمْ} مَا هم {إِلَاّ يَخْرُصُونَ} يكذبُون على الله لِأَن الله نَهَاهُم عَن ذَلِك
{أَمْ آتَيْنَاهُمْ} أعطيناهم {كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ} من قبل الْقُرْآن {فَهُم بِهِ} بِالْكتاب {مُسْتَمْسِكُونَ} آخذون مِنْهُ وَيَقُولُونَ إِن الْمَلَائِكَة بَنَات الله قَالُوا لَا يَا مُحَمَّد وَلَكِن وجدنَا آبَاءَنَا على هَذَا الدّين فَقَالَ الله
{بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ} على هَذَا الدّين {وَإِنَّا على آثَارِهِم} على دينهم وأعمالهم {مُّهْتَدُونَ} مقتدون
{وَكَذَلِكَ} هَكَذَا أَي كَمَا قَالَ قَوْمك {مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ} إِلَى أهل قَرْيَة {مِّن نَّذِيرٍ} من نَبِي مخوف {إِلَاّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ} جبابرتها {إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ} على هَذَا الدّين {وَإِنَّا على آثَارِهِم} على دينهم وأعمالهم {مقتدون} مستنون
{قَالَ} أَعنِي قل لَهُم يَا مُحَمَّد {أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ} قد جِئتُكُمْ {بأهدى} بأصوب دينا {مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ} أَلا تقبلون ذَلِك {قَالُوا إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ} من الْكتاب {كَافِرُونَ} جاحدون
{فانتقمنا مِنْهُمْ} بِالْعَذَابِ عَن تكذيبهم الرُّسُل والكتب {فَانْظُر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المكذبين}
آخر أَمر المكذبين بالكتب وَالرسل
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ} آزر {وَقَوْمِهِ} حِين جَاءَ إِلَيْهِم {إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ}
{إِلَاّ الَّذِي فَطَرَنِي} إِلَّا معبودي الَّذِي خلقني {فَإِنَّهُ سيهدين} سيحفظنى على دينه طَاعَته
{وَجَعَلَهَا} يَعْنِي لَا إِلَه إِلَّا الله {كَلِمَةً بَاقِيَة} ثَابِتَة {فِي عقبه} فى نَسْله نسل إِبْرَاهِيم {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} عَن كفرهم بِلَا إِلَه إِلَّا الله
{بل متعت} أجلت {هَؤُلَاءِ} أهل مَكَّة {وَآبَآءَهُمْ} قبلهم {حَتَّى جَآءَهُمُ الْحق} يَعْنِي الْكتاب {وَرَسُولٌ مُّبِينٌ} يبين لَهُم لهَؤُلَاء بلغَة يعلمونها
{وَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحق} الْكتاب وَالرَّسُول {قَالُواْ هَذَا} يعنون الْكتاب {سِحْرٌ} كذب {وَإِنَّا بِهِ} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {كَافِرُونَ} جاحدون
{وَقَالُواْ} يَعْنِي كفار مَكَّة الْوَلِيد وَأَصْحَابه {لَوْلَا} هلا {نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ} يَقُول على رجل عَظِيم كالوليد بن الْمُغيرَة وَأبي مَسْعُود الثَّقَفِيّ من القريتين من مَكَّة والطائف
{أهم يقسمون رَحْمَة رَبِّكَ} يَعْنِي نبوة رَبك وَكتاب رَبك فيقسمون لمن شَاءُوا {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ} بِالْمَالِ وَالْولد {فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} فَضَائِل بِالْمَالِ أَو الْوَلَد {لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سخريا} أى مسخرا خدما وعبيدا {وَرَحْمَة رَبِّكَ} النُّبُوَّة وَالْكتاب وَيُقَال الْجنَّة للْمُؤْمِنين {خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} مِمَّا يجمع الْكفَّار فِي الدُّنْيَا من المَال والزهرة
{وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاس أُمَّةً وَاحِدَةً} على مِلَّة وَاحِدَة مِلَّة الْكفْر {لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً} سَمَاء بُيُوتهم {مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ} دَرَجَات {عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} يرتقون من فضَّة
{وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً} من فضَّة {وَسُرُراً} من فضَّة {عَلَيْهَا يتكؤون} ينامون
{وَزُخْرُفاً} ذَهَبا وكل شَيْء لَهُم من أواني مَنَازِلهمْ من الذَّهَب وَالْفِضَّة {وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا} يَقُول وَمَا كل ذَلِك إلَاّ {مَتَاعُ الْحَيَاة الدُّنْيَا} وَالْمِيم صلَة وَيُقَال كل ذَلِك مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا وَلما صلَة {وَالْآخِرَة} يَعْنِي الْجنَّة {عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} الْكفْر والشرك وَالْفَوَاحِش خير من مَتَاع الدُّنْيَا
{وَمَن يَعْشُ} يعرض وَيُقَال يمل إِن قَرَأت بالخفض وَيُقَال يعم إِن قَرَأت بِالنّصب {عَن ذِكْرِ الرَّحْمَن} عَن تَوْحِيد الرَّحْمَن وَكتابه {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً} نجْعَل لَهُ قريناً من الشَّيْطَان {فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} فِي الدُّنْيَا وَفِي النَّار
{وَإِنَّهُمْ} يَعْنِي الشَّيَاطِين {لَيَصُدُّونَهُمْ} ليصرفونهم {عَنِ السَّبِيل} عَن سَبِيل الْحق وَالْهدى {وَيَحْسَبُونَ} يظنون {أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} بِالْحَقِّ وَالْهدى
{حَتَّى إِذَا جَآءَنَا} يَعْنِي ابْن آدم وقرينه الشَّيْطَان فِي سلسلة وَاحِدَة {قَالَ} لقرينه الشَّيْطَان {يَا لَيْت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين} مشرق الشتَاء والصيف {فَبِئْسَ القرين} الصاحب والرفيق الشَّيْطَان
{وَلَن يَنفَعَكُمُ} يَقُول الله وَلَن يَنفَعَكُمُ {الْيَوْم} هَذَا الْكَلَام {إِذ ظَّلَمْتُمْ} كَفرْتُمْ فِي الدُّنْيَا {أَنَّكُمْ فِي الْعَذَاب مُشْتَرِكُونَ}
الشَّيَاطِين وَبَنُو آدم
{أَفَأَنتَ تُسْمِعُ} الْحق وَالْهدى يَا مُحَمَّد {الصم} من يتصامم وَهُوَ الْكَافِر {أَوْ تَهْدِي الْعمي} حَتَّى يبصر الْحق وَالْهدى وَهُوَ الْكَافِر {وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} فِي كفر بَين لَا تقدر أَن ترشده إِلَى الْهدى
{أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ} يَوْم بدر {فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ} على عَذَابهمْ قادرون قبل موتك وَبعد موتك
{فَاسْتَمْسك} اعْمَلْ {بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ} يَعْنِي الْقُرْآن {إِنَّكَ} يَا مُحَمَّد {على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} على دين قَائِم يرضاه
{وَإِنَّهُ} يَعْنِي الْقُرْآن {لَذِكْرٌ لَّكَ} شرف لَك {وَلِقَوْمِكَ} قُرَيْش لِأَنَّهُ بلغتهم {وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} عَن شكر هَذَا الشّرف
{واسأل مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ} يَا مُحَمَّد {مِن رُّسُلِنَآ} مثل عِيسَى ومُوسَى وَإِبْرَاهِيم وَهَذَا فِي اللَّيْلَة الَّتِي أسرِي بِهِ إِلَى السَّمَاء وَصلى بسبعين نَبيا مثل إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى فَأمر الله نبيه أَن سلهم يَا مُحَمَّد {أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَن آلِهَةً يُعْبَدُونَ} يَقُول سلهم هَل جعلنَا آلِهَة يعْبدُونَ من دون الرَّحْمَن مقدم ومؤخر وَيُقَال سلهم هَل أمرنَا من دون الرَّحْمَن آلِهَة يعْبدُونَ وفيهَا وَجه آخر يَقُول سل الَّذِي أرسلنَا إِلَيْهِم الرُّسُل من قبلك يَعْنِي أهل الْكتاب أجعلنا من دون الرَّحْمَن آلِهَة يعْبدُونَ يَقُول سل هَل جَاءَت الرُّسُل إِلَّا بِالتَّوْحِيدِ فَلم يسألهم النبى صلى الله عليه وسلم لِأَنَّهُ كَانَ موقناً بذلك
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَآ} بِالْيَدِ والعصا {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} قومه القبط {فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالمين} إِلَيْكُم
{فَلَمَّا جَآءَهُم} مُوسَى {بِآيَاتِنَآ} بِالْيَدِ والعصا {إِذَا هم مِنْهَا} من الْآيَات {يَضْحَكُونَ} يتعجبون ويسخرون فَلَا يُؤمنُونَ بهَا
{وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ} من عَلامَة {إِلَاّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} أعظم من الَّتِي كَانَت قبلهَا فَلم يُؤمنُوا بهَا {وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ} بالطوفان وَالْجَرَاد وَالْقمل والضفادع وَالدَّم وَالنَّقْص والسنين {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} لكَي يرجِعوا عَن كفرهم
{وَقَالُوا يَا أَيهَا السَّاحر} الْعَالم يوقرونه بذلك وَكَانَ السَّاحر فيهم عَظِيما {ادْع لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ} سل لنا رَبك بِمَا عهد الله لَك وَكَانَ عهد الله لمُوسَى إِن آمنُوا كشفنا عَنْهُم الْعَذَاب فَمن ذَلِك قَالُوا بِمَا عهد الله عنْدك {إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ} مُؤمنُونَ بك وَبِمَا جِئْت بِهِ
{فَلَمَّا كَشَفْنَا} دفعنَا {عَنْهُمُ الْعَذَاب إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ} ينقضون عهودهم وَلَا يُؤمنُونَ
{ونادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ} خطب فِرْعَوْن فِي قومه القبط {قَالَ يَا قوم أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} أَرْبَعِينَ فرسخاً فِي أَرْبَعِينَ فرسخا {وَهَذِه الْأَنْهَار تجْرِي من تحتي} من حَولي وَيُقَال عَنى بهَا الأفراس تجْرِي من تحتي {أَفَلَا تُبْصِرُونَ}
{أَمْ أَنَآ خَيْرٌ} إِنِّي خير {مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ} ضَعِيف فِي بدنه {وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} يبين حجَّته
{فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ} هلا ألبس عَلَيْهِ أقبية {مِّن ذَهَبٍ} كَمَا لكم {أَوْ جَآءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَة مُقْتَرِنِينَ} معاونين مُصدقين لَهُ بالرسالة
{فاستخف} فاستنزل {قَوْمَهُ} القبط {فَأَطَاعُوهُ} فِي قَوْله {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} كَافِرين
{فَلَمَّآ آسَفُونَا} أغضبوا نَبينَا مُوسَى ومالوا إِلَى غضبنا
{انتقمنا مِنْهُمْ} بِالْعَذَابِ {فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} فِي الْبَحْر
{فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً} ذَهَابًا بِالْعَذَابِ {وَمَثَلاً} عِبْرَة {لِّلآخِرِينَ} لمن بَقِي بعدهمْ
{وَلَمَّا ضُرِبَ ابْن مَرْيَمَ مَثَلاً} شبهوه بآلهتهم {إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ} من قَول عبد الله بن الزِّبَعْرَى وَأَصْحَابه {يَصِدُّونَ} يَضْحَكُونَ
{وَقَالُوا} يَعْنِي عبد الله بن الزِّبَعْرَى {أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ} يَا مُحَمَّد {أَمْ هُوَ} يَعْنِي عِيسَى ابْن مَرْيَم إِن جَازَ لَهُ فِي النَّار مَعَ النَّصَارَى يجوز لنا فِي النَّار مَعَ آلِهَتنَا {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ} مَا ذكرُوا لَك عِيسَى ابْن مَرْيَم {إِلَاّ جَدَلَا} إِلَّا للجدال وَالْخُصُومَة {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} جدلون بِالْبَاطِلِ
{إِنْ هُوَ} مَا هُوَ يَعْنِي عِيسَى ابْن مَرْيَم {إِلَاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} بالرسالة وَلَيْسَ هُوَ كآلهتهم {وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً} عِبْرَة {لبني إِسْرَائِيلَ} ولدا بِلَا أَب
{وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ} بمكانكم وَيُقَال خلقنَا مِنْكُم {مَلَائِكَة فِي الأَرْض يَخْلُفُونَ} خلفاء مِنْكُم بدلكم وَيُقَال يَمْشُونَ فِي الأَرْض بدلكم
{وَإِنَّهُ} يَعْنِي نزُول عِيسَى ابْن مَرْيَم {لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} لبَيَان قيام السَّاعَة وَيُقَال عَلامَة لقِيَام السَّاعَة إِن قَرَأت بِنصب الْعين وَاللَّام {فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا} فَلَا تشكن بهَا بِقِيَام السَّاعَة {واتبعون} بِالتَّوْحِيدِ {هَذَا} التَّوْحِيد {صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} دين قَائِم يرضاه وَهُوَ الْإِسْلَام
{وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ} لَا يصرفنكم {الشَّيْطَان} عَن دين الْإِسْلَام وَالْإِقْرَار بِقِيَام السَّاعَة {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} ظَاهر الْعَدَاوَة
{وَلَمَّا جَآءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ} بِالْأَمر وَالنَّهْي والعجائب {قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بالحكمة} بِالْأَمر وَالنَّهْي والنبوة {وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} تخالفون فِي الدّين {فَاتَّقُوا الله} فاخشوا الله فِيمَا أَمركُم {وَأَطِيعُونِ} اتبعُوا وصيتي وَقَوْلِي
{إِنَّ الله هُوَ رَبِّي} خالقي {وَرَبُّكُمْ} خالقكم {فاعبدوه} فوحدوه {هَذَا} التَّوْحِيد {صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} دين قَائِم يرضاه
{فَاخْتلف الْأَحْزَاب} النَّصَارَى {مِن بَيْنِهِمْ} فِيمَا بَينهم فِي عِيسَى فَقَالَ بَعضهم هُوَ ابْن الله وهم النسطورية وَقَالَ بَعضهم هُوَ الله وهم الماريعقوبية وَقَالَ بَعضهم هُوَ شَرِيكه وهم الملكانية وَقَالَ بَعضهم هُوَ ثَالِث ثَلَاثَة وهم المرقوسية {فويل} شدَّة الْعَذَاب {لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ} تحزبوا فِي عِيسَى {مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ} وجيع
{هَلْ يَنظُرُونَ} مَا ينتظرون إِذْ لَا يتوبون عَن مقالتهم {إِلَاّ السَّاعَة} إِلَّا قيام السَّاعَة {أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً} فَجْأَة {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} لَا يعلمُونَ بنزول الْعَذَاب بهم
{الأخلاء} فِي الْمعْصِيَة {يَوْمَئِذٍ} يَوْم الْقِيَامَة مثل عقبَة بن أبي معيط وَأبي بن خلف {بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَاّ الْمُتَّقِينَ} الْكفْر والشرك وَالْفَوَاحِش مثل أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وأصحابهم فانهم لَيْسُوا كَذَلِك فَيَقُول الله
{يَا عباد لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْم} حِين يخَاف غَيْركُمْ {وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} حِين يحزن غَيْركُمْ
{الَّذين آمنُوا بِآيَاتِنَا} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ} مُخلصين بِالْعبَادَة والتوحيد
{ادخُلُوا الْجنَّة أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ} حلائلكم {تُحْبَرُونَ} تكرمون بالتحف وتنعمون فِي الْجنَّة
{يُطَافُ عَلَيْهِمْ} فِي الْخدمَة {بِصِحَافٍ} بقصاع {مِّن ذهب} فِيهَا ألوان الطَّعَام {وأكواب} كيزان بِلَا آذان وَلَا عرى مُدَوَّرَة الرُّءُوس فِيهَا شرابهم {وَفِيهَا} فِي الْجنَّة {مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفس} تتمنى الْأَنْفس
{وَتَلَذُّ الْأَعْين} تعجب الْأَعْين بِالنّظرِ إِلَيْهِ {وَأَنتُمْ فِيهَا} فِي الْجنَّة {خَالِدُونَ} دائمون لَا تموتون وَلَا تخرجُونَ مِنْهَا
{وَتِلْكَ الْجنَّة} هَذِه الْجنَّة {الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا} أنزلتموها جعلت لكم مِيرَاثا {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} وتقولون فى الدُّنْيَا
{لَكُمْ فِيهَا} فِي الْجنَّة {فَاكِهَةٌ} ألوان الْفَاكِهَة {كَثِيرَةٌ مِّنْهَا} من ألوان الْفَاكِهَة {تَأْكُلُونَ}
{إِنَّ الْمُجْرمين} الْمُشْركين أَبَا جهل وَأَصْحَابه {فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} لَا يموتون وَلَا يخرجُون مِنْهَا
{لَا يُفَتَّرُ} لَا يرفع {عَنْهُمْ} الْعَذَاب وَلَا يقطع {وَهُمْ فِيهِ} فِي الْعَذَاب {مُبْلِسُونَ} آيسون من الرّفْع وَمن كل خير
{وَنَادَوْا يَا مَالك} فَلَمَّا قل صبرهم نادوا يَا مَالك خَازِن النَّار {لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} الْمَوْت فَيُجِيبهُمْ مَالك بعد أَرْبَعِينَ سنة {قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ} دائمون فِي الْعَذَاب وَلَا تخرجُونَ
{لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ} يَقُول جَاءَ جِبْرِيل إِلَى نَبِيكُم مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم بِالْقُرْآنِ {وَلَكِن أَكْثَرَكُم} كلكُمْ {للحق} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {كَارِهُونَ} جاحدون
{أَمْ أبرموا أَمْراً} أحكموا أمرا فِي شَأْن مُحَمَّد {فَإِنَّا مُبْرِمُونَ} محكمون أمرا بهلاكهم
{أَمْ يَحْسَبُونَ} أيظنون يَعْنِي صَفْوَان بن أُميَّة وصاحبيه {أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ} فِيمَا بَينهم {وَنَجْوَاهُم} خلوتهم حول الْكَعْبَة {بلَى} نسْمع {وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ} عِنْدهم {يَكْتُبُونَ} سرهم ونجواهم وهم الْحفظَة
{قُلْ} يَا مُحَمَّد للنضر بن الْحَارِث وعلقمة {إِن كَانَ} مَا كَانَ {للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين} أول المقرين بِأَن لَيْسَ لله ولد وَلَا شريك
{سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض رَبِّ الْعَرْش عَمَّا يَصِفُونَ} يَقُولُونَ من الْوَلَد وَالشَّرِيك
{فَذَرْهُمْ} اتركهم يَا مُحَمَّد {يَخُوضُواْ} فِي الْبَاطِل {ويلعبوا} يهزءوا بِالْقُرْآنِ {حَتَّى يُلَاقُواْ} يعاينوا {يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} فِيهِ الْمَوْت وَالْعَذَاب
{وَهُوَ الَّذِي فِي السمآء إِلَه} هُوَ إِلَه كل شَيْء فِي السَّمَاء {وَفِي الأَرْض إِلَه} إِلَه كل شَيْء فِي الأَرْض {وَهُوَ الْحَكِيم} فِي أمره وقضائه {الْعَلِيم} بخلقه وتدبيره
{وَتَبَارَكَ} تَعَالَى وتبرأ عَن الْوَلَد وَالشَّرِيك {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنَهُمَا} من الْخلق {وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَة} علم قيام السَّاعَة {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فِي الْآخِرَة
{وَلَا يَمْلِكُ الَّذين يَدْعُونَ} يعْبدُونَ {مِن دُونِهِ} من دون الله {الشَّفَاعَة} يَقُول لَا تقدر الْمَلَائِكَة أَن يشفعوا لأحد {إِلَاّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ} بِلَا إِلَه إِلَّا الله مخلصاً بهَا {وهم يعلمُونَ} حق من قبل أنفسهم نزلت هَذِه الْآيَة فِي بني مليح حَيْثُ قَالُوا الْمَلَائِكَة بَنَات الله
{وَلَئِن سَأَلْتَهُم} يَعْنِي بني مليح {مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله} خلقنَا {فَأنى يُؤْفَكُونَ} فَمن أَيْن يكذبُون على الله بعد الْإِقْرَار
{وقيله} قَالَ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم {يَا رب إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَاّ يُؤْمِنُونَ} بك وَبِالْقُرْآنِ فافعل بهم مَا شِئْت
{فاصفح عَنْهُمْ} قيل لَهُ أعرض عَنْهُم {وَقُلْ سَلَامٌ} سداد من القَوْل {فَسَوْفَ} وَهَذَا وَعِيد لَهُم {يَعْلَمُونَ} مَاذَا يفعل بهم يَوْم بدر وَيَوْم أحد وَيَوْم الْأَحْزَاب ثمَّ أمره بِالْقِتَالِ بعد ذَلِك فَسَوف يعلمُونَ مَاذَا ينزل بهم من الْجُوع وَالدُّخَان
وَمن السُّورَة الَّتِى يذكر فِيهَا الدُّخان وهى كلهَا مَكِّيَّة آياتها تسع وَخَمْسُونَ آيَة وكلماتها ثَلَاثمِائَة وست وَأَرْبَعُونَ كلمة وحروفها ألف وَأَرْبَعمِائَة وَأحد وَثَلَاثُونَ حرفا
وبإسناده عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله جلّ ذكره {حم} يَقُول قضى مَا هُوَ كَائِن أى بَين
{وَالْكتاب الْمُبين} وَأقسم بِالْكتاب الْمُبين لقد قضى مَا هُوَ كَائِن أَي بَين وَيُقَال قسم أقسم بِالْحَاء وَالْمِيم وَالْقُرْآن الْمُبين بالحلال وَالْحرَام وَالْأَمر والنهى
{إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ} أنزلنَا جِبْرِيل بِالْقُرْآنِ وَلِهَذَا كَانَ الْقسم أنزل الله جِبْرِيل إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا حَتَّى أمْلى الْقُرْآن على الكتبة وهم أهل سَمَاء الدُّنْيَا {فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ} فِيهَا الرَّحْمَة وَالْمَغْفِرَة وَالْبركَة وَهِي لَيْلَة الْقدر ثمَّ أنزل الله جِبْرِيل بعد ذَلِك على مُحَمَّد عليه السلام بِآيَة وَسورَة وَكَانَ بَين أَوله وَآخره عشرُون سنة {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} إِنَّا كُنَّا مخوفين بِالْقُرْآنِ
{أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ} بَيَانا منا نبين لجبريل وَمِيكَائِيل وإسرافيل وَملك الْمَوْت مَا هم موكلون عَلَيْهِ من سنة إِلَى سنة {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} الرُّسُل بالكتب
{رَحْمَةً} نعْمَة {مِّن رَّبِّكَ} على عباده إرْسَاله الرُّسُل بالكتب {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيع} لمقالة قُرَيْش حَيْثُ قَالُوا رَبنَا اكشف عَنَّا الْعَذَاب {الْعَلِيم} بهم وبعقوبتهم
{رب} خَالق {السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا} من الْخلق هُوَ الله {إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ} مُصدقين بذلك
{لَا إِلَه} لَا خَالق {إِلَاّ هُوَ} الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض {يُحْيِي} للبعث {وَيُمِيتُ} فِي الدُّنْيَا {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الْأَوَّلين} خالقكم وخالق آبائكم الأقدمين
{بَلْ هُمْ} يَعْنِي كفار مَكَّة {فِي شَكٍّ} من قيام السَّاعَة {يَلْعَبُونَ} يهزءون بِقِيَام السَّاعَة
{فَارْتَقِبْ} فانتظر عَذَابهمْ يَا مُحَمَّد {يَوْمَ تَأْتِي السمآء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} بَين السَّمَاء وَالْأَرْض
{يَغْشَى النَّاس} ذَلِك الدُّخان {هَذَا} الدُّخان {عَذَابٌ أَلِيمٌ} وجيع وَهُوَ الْجُوع
{رَّبَّنَا اكشف} قَالُوا رَبنَا اكشف {عَنَّا الْعَذَاب} يَعْنِي الْجُوع {إِنَّا مْؤْمِنُونَ} بك وبكتابك وَرَسُولك
{أَنى لَهُمُ الذكرى} من أَيْن لَهُم العظة وَالتَّوْبَة إِذا كشفنا عَنْهُم الْعَذَاب وَيُقَال إِذا أهلكناهم يَوْم بدر وَيُقَال يَوْم الْقِيَامَة {وَقَدْ جَاءَهُم رَسُول} مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم {مُّبِينٌ} يبين لَهُم لُغَة يعلمونها
{ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ} أَعرضُوا عَن الْإِيمَان بِهِ {وَقَالُوا معلم} يعنون مُحَمَّد يُعلمهُ جبر ويسار {مَّجْنُونٌ} مخنوق يختنق
{إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَاب} يَعْنِي الْجُوع {قَلِيلاً} يَسِيرا إِلَى يَوْم بدر {إِنَّكُمْ} يَا أهل مَكَّة {عَآئِدُونَ} رَاجِعُون إِلَى الْمعْصِيَة فَلَمَّا رفع عَنْهُم الْعَذَاب عَادوا إِلَى الْمعْصِيَة فأهلكهم الله يَوْم بدر لقَوْله
{يَوْمَ نَبْطِشُ البطشة الْكُبْرَى} نعاقبهم الْعقُوبَة الْعُظْمَى يَوْم بدر بِالسَّيْفِ {إِنَّا مُنتَقِمُونَ} مِنْهُم بِالْعَذَابِ
{وَلَقَدْ فَتَنَّا} ابتلينا {قَبْلَهُمْ} قبل قُرَيْش {قَوْمَ فِرْعَوْنَ} فِرْعَوْن وَقَومه بِالْعَذَابِ {وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ} على ربه يَعْنِي مُوسَى
{أَنْ أَدّوا إِلَيَّ} ادفعوا إِلَيّ وَأَرْسلُوا معي {عِبَادَ الله} بني إِسْرَائِيل {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ} من الله {أَمِينٌ} على الرسَالَة
{وَأَن لَاّ تَعْلُواْ} لَا تتكبروا وَلَا تفتروا {عَلَى الله إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} بِحجَّة بَيِّنَة وَعذر بَين
من أَن تقتلون
{وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي} إِن لم تصدقوني بالرسالة {فاعتزلون} فَاتْرُكُونِي لَا لي وَلَا عَليّ
{فَأَسْرِ بِعِبَادِي} قَالَ الله لمُوسَى سر بعبادي بني إِسْرَائِيل {لَيْلاً} من أول اللَّيْل {إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ} فِي الْبَحْر
{واترك الْبَحْر رَهْواً} طرقاً وَاسِعَة بِقدر مَا عبر مُوسَى وَقَومه {إِنَّهُمْ} يَعْنِي فِرْعَوْن وَقَومه {جُندٌ مُّغْرَقُونَ} فِي الْبَحْر
{كَمْ تَرَكُواْ} خلفوا {مِن جَنَّاتٍ} بساتين {وَعُيُونٍ} مَاء ظَاهر فِي الْبَسَاتِين
{وَزُرُوعٍ} حروث {وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} منَازِل حَسَنَة
{كَذَلِك} فعلنَا بهم {وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ} جعلت مِيرَاثا لبني إِسْرَائِيل من بعدهمْ
{فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ} على فِرْعَوْن وَقَومه {السمآء} بَاب السَّمَاء {وَالْأَرْض} وَلَا مصلاء على الأَرْض لِأَن الْمُؤمن إِذا مَاتَ بَكَى عَلَيْهِ بَاب السَّمَاء الَّذِي يصعد مِنْهُ عمله وَينزل مِنْهُ رزقه وَمُصَلَّاهُ فِي الأَرْض الَّتِي كَانَ يُصَلِّي فِيهَا وَلم يبك على فِرْعَوْن وَقَومه لِأَنَّهُ لم يكن لَهُم بَاب فِي السَّمَاء لرفع عَمَلهم وَلَا مصلى فِي الأَرْض {وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ} مؤجلين من الْغَرق
{مِن فِرْعَوْنَ} وَقَومه من ذبح الْأَبْنَاء واستخدام النِّسَاء وَغير ذَلِك {إِنَّهُ كَانَ عَالِياً} مُخَالفا عاتياً {مِّنَ المسرفين} فِي الشّرك
{وَلَقَدِ اخترناهم} اخترنا بني إِسْرَائِيل {على عِلْمٍ} كَمَا علمنَا {عَلَى الْعَالمين} عالمي زمانهم بالمن والسلوى وَالْكتاب وَالرَّسُول والنجاة من فِرْعَوْن وَقَومه والنجاة من الْغَرق
{وَآتَيْنَاهُم} أعطيناهم {مِّنَ الْآيَات} من العلامات {مَا فِيهِ بلَاء مُبين} نعْمَة عَظِيمَة وَيُقَال اختبار بَين وَهُوَ الَّذِي نجاهم من فِرْعَوْن وَمن الْغَرق وَأنزل عَلَيْهِم الْمَنّ والسلوى فِي التيه وَغير ذَلِك
{إِنَّ هَؤُلَاءِ} قَوْمك يَا مُحَمَّد {لَيَقُولُونَ}
{إِنْ هِيَ} مَا هِيَ أَي حياتنا {إِلَاّ مَوْتَتُنَا} بعد موتتنا {الأولى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} بمحيون بعد الْمَوْت
{فَأتوا بِآبَائِنَا} فأحى يَا مُحَمَّد آبَائِنَا الَّذين مَاتُوا حَتَّى نسألهم أَحَق تَقول أم بَاطِل {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} إِن كنت من الصَّادِقين أَن نبعث بعد الْمَوْت قَالَ الله تَعَالَى
{أَهُمْ خَيْرٌ} أقومك خير {أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} حمير واسْمه أسعد بن ملكيكوب وكنيته أَبُو كرب سمي تبعا لِكَثْرَة تبعه {وَالَّذين مِن قَبْلِهِمْ} من قبل قوم تبع {أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} مُشْرِكين أَفلا يخَاف قَوْمك من هلاكهم وعذابهم
{مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلَاّ بِالْحَقِّ} للحق لَا للباطل {وَلَكِن أَكْثَرَهُمْ} أهل مَكَّة {لَا يَعْلَمُونَ} ذَلِك وَلَا يصدقون
{يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً} ولي حميم يَعْنِي قرَابَة عَن قرَابَة شَيْئا وَكَافِر عَن كَافِر وَقَرِيب عَن قريب شَيْئا من الشَّفَاعَة وَلَا من عَذَاب الله {وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} يمْنَعُونَ مِمَّا يُرَاد بهم من الْعَذَاب
{إِلَاّ مَن رَّحِمَ الله} من الْمُؤمنِينَ فَإِنَّهُم لَيْسُوا كَذَلِك وَلَكِن يشفع بَعضهم لبَعض {إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيز} بالنقمة من الْكَافرين {الرَّحِيم} بِالْمُؤْمِنِينَ
{كَغَلْيِ الْحَمِيم} المَاء الْحَار
{خُذُوهُ} يَقُول الله للزبانية خُذُوا أَبَا جهل {فاعتلوه} فتلتلوه وَيُقَال فسوقوه واذهبوا بِهِ {إِلَى سَوَآءِ الْجَحِيم} إِلَى وسط النَّار
{ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ} على رَأسه {مِنْ عَذَابِ الْحَمِيم} من مَاء حَار بعد مَا يضْرب رَأسه بمقامع الْحَدِيد
{ذُقْ} يَا أَبَا جهل {إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيز} فِي قَوْمك {الْكَرِيم} عَلَيْهِم وَيُقَال إِنَّك أَنْت الْعَزِيز المتعزز فِي قَوْمك الْكَرِيم المتكرم عَلَيْهِم
{إِنَّ هَذَا} يَعْنِي الْعَذَاب {مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ} تشكون فِي الدُّنْيَا أَنه لَا يكون
{إِن الْمُتَّقِينَ} من الْكفْر والشرك وللفواحش يَعْنِي أَبَا بكر وَأَصْحَابه {فِي مَقَامٍ} مَكَان {أَمِينٍ} من الْمَوْت والزوال وَالْعَذَاب
{فِي جَنَّاتٍ} بساتين {وَعُيُونٍ} أَنهَار الْخمر وَالْمَاء وَاللَّبن وَالْعَسَل
{يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ} مَا لطف من الديباج {وَإِسْتَبْرَقٍ} وَمَا ثخن من الديباج {مُّتَقَابِلِينَ} فِي الزِّيَارَة
{كَذَلِك} هَكَذَا مقَام الْمُؤمنِينَ فِي الْجنَّة {وَزَوَّجْنَاهُم} قررناهم فِي الْجنَّة {بِحُورٍ} بجوار بيض {عِينٍ} عِظَام الْأَعْين حسان الْوُجُوه
{يَدْعُونَ فِيهَا} يسْأَلُون فِي الْجنَّة وَيُقَال يتعاطون فِي الْجنَّة {بِكلِّ فَاكِهَةٍ} بألوان كل فَاكِهَة {آمِنِينَ} من الْمَوْت والزوال وَالْعَذَاب
{لَا يَذُوقُونَ فِيهَا} فِي الْجنَّة {الْمَوْت إِلَاّ الموتة الأولى} بعد مَوْتهمْ فِي الدُّنْيَا {وَوَقَاهُمْ} رفع عَنْهُم رَبهم {عَذَابَ الْجَحِيم} عَذَاب النَّار
{فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ} منا من رَبك وَيُقَال عَطاء من رَبك {ذَلِك} الْمَنّ {هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم} النجَاة الوافرة فازوا بِالْجنَّةِ ونجوا من النَّار
{فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} يَقُول هونا عَلَيْك قِرَاءَة الْقُرْآن {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} لكَي يتعظوا بِالْقُرْآنِ
{فَارْتَقِبْ} فانتظر هلاكهم يَوْم بدر {إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ} منتظرون هلاكهم فأهلكهم الله يَوْم بدر
وَمن السُّورَة الَّتِى يذكر فِيهَا الجاثية وهى كلهَا مَكِّيَّة آياتها سِتّ وَثَلَاثُونَ آيَة وكلماتها سِتّمائَة وَأَرْبع وَأَرْبَعُونَ وحروفها أَلفَانِ وسِتمِائَة حرف
وبإسناده عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى {حم} يَقُول قضى مَا هُوَ كَائِن أَي بَين وَيُقَال قسم أقسم بِهِ
{تَنْزِيل الْكتاب} إِن هَذَا الْكتاب تكليم {من الله الْعَزِيز} بالنقمة لمن لَا يُؤمن بِهِ {الْحَكِيم} أَمر أَن لَا يعبد غَيره وَيُقَال الْعَزِيز فِي ملكه وسلطانه الْحَكِيم فِي أمره وقضائه
{إِنَّ فِي السَّمَاوَات} مَا فِي السَّمَوَات من الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم والسحاب وَغير ذَلِك {وَالْأَرْض} وَمَا فِي الأَرْض من الشّجر وَالْجِبَال والبحار وَغير ذَلِك {لآيَاتٍ} لعلامات وعبراً {لِّلْمُؤْمِنِينَ} المصدقين فى إِيمَانهم
{وَفِي خَلْقِكُمْ} فِي تَحْويل أحوالكم حَالا بعد حَال آيَة وعبرة لكم {وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ} وَفِيمَا خلق من ذَوي الْأَرْوَاح {آيَاتٌ} عَلَامَات وَعبر {لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} يصدقون
{وَاخْتِلَاف اللَّيْل وَالنَّهَار} فِي تقليب اللَّيْل وَالنَّهَار وزيادتهما ونقصانهما وذهابهما ومجيئهما آيَة وعبرة لكم {وَمَآ أَنَزَلَ الله} فِيمَا أنزل الله {مِنَ السمآء مَّن رِّزْقٍ}
من مطر {فَأَحْيَا بِهِ} بالمطر {الأَرْض بَعْدَ مَوْتِهَا} قحطها ويبوستها عَلَامَات وعبراً لكم {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاح} وَفِي تقليب الرِّيَاح يَمِينا وَشمَالًا قبولاً ودبورا عذَابا وَرَحْمَة {آيَاتٌ} عَلَامَات وَعبر {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يصدقون أَنَّهَا من الله
{تَلْكَ} هَذِه {آيَاتُ الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ} نزل عَلَيْك جِبْرِيل بهَا {بِالْحَقِّ} لتبيان الْحق وَالْبَاطِل {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ} كَلَام {بَعْدَ الله} بعد كَلَام الله {وَآيَاتِهِ} كِتَابه وَيُقَال عجائبه {يُؤْمِنُونَ} إِن لم يُؤمنُوا بِهَذَا الْقُرْآن
{وَيْلٌ} شدَّة الْعَذَاب وَيُقَال ويل وَاد فِي جَهَنَّم من قيح وَدم {لِّكُلِّ أَفَّاكٍ} كَذَّاب {أَثِيمٍ} فَاجر وَهُوَ النَّضر بن الْحَارِث
{يَسْمَعُ آيَاتِ الله} قِرَاءَة آيَات الله {تتلى عَلَيْهِ} تقْرَأ عَلَيْهِ بِالْأَمر والنهى {ثُمَّ يُصِرُّ} يُقيم على كفره {مُسْتَكْبِراً} متعظماً عَن الْإِيمَان بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا} لم يعها {فَبَشِّرْهُ} يَا مُحَمَّد {بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} وجيع فَقتل يَوْم بدر صبرا
{وَإِذَا عَلِمَ} سمع {مِنْ آيَاتِنَا} القرآنِ {شَيْئاً اتخذها هُزُواً} سخرية {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} شَدِيد وَهُوَ النَّضر
{مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ} من قدامهم بعد الْمَوْت جَهَنَّم {وَلَا يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً} مَا جمعُوا من المَال وَلَا مَا عمِلُوا من السَّيِّئَات شَيْئا من عَذَاب الله {وَلَا مَا اتَّخذُوا} عبدُوا {مِن دُونِ الله أَوْلِيَآءَ} أَرْبَابًا {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أعظم مَا يكون وكل هَذَا الْعَذَاب للنضر
{هَذَا} يَعْنِي الْقُرْآن {هُدىً} من الضَّلَالَة {وَالَّذين كفرُوا بآيَات رَبهم} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن وَهُوَ النَّضر وَأَصْحَابه {لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ} وجيع
{الله الَّذِي سَخَّرَ} ذلل {لَكُمُ الْبَحْر لِتَجْرِيَ الْفلك} السفن {فِيهِ بِأَمْرِهِ} بِإِذْنِهِ {وَلِتَبْتَغُواْ} لتطلبوا {مِن فَضْلِهِ} من رزق {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} لكَي تشكروا نعْمَته
{وَسَخَّرَ لَكُمْ} ذلل لكم {مَّا فِي السَّمَاوَات} من الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم والسحاب {وَمَا فِي الأَرْض} من الشّجر وَالدَّوَاب وَالْجِبَال والبحار {جَمِيعاً مِّنْهُ} من الله {إِنَّ فِي ذَلِك} فِيمَا ذكرت {لآيَاتٍ} لعلامات وعبراً {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فِيمَا خلق الله
{قُل} يَا مُحَمَّد {لِّلَّذِينَ آمَنُواْ} عمر وَأَصْحَابه {يَغْفِرُواْ} يتجاوزوا {لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ} لَا يخَافُونَ {أَيَّامَ الله} عَذَاب الله يَعْنِي أهل مَكَّة {لِيَجْزِيَ قَوْماً} يَعْنِي عمر وَأَصْحَابه {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} يعْملُونَ من الْخيرَات وَهَذَا الْعَفو قبل الْهِجْرَة ثمَّ أمروا بِالْقِتَالِ
{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً} خَالِصا فِي الْإِيمَان {فَلِنَفْسِهِ} ثَوَاب ذَلِك {وَمَنْ أَسَآءَ} أشرك بِاللَّه {فَعَلَيْهَا} فعلى نَفسه عُقُوبَة ذَلِك {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} بعد الْمَوْت فيجزيكم بأعمالكم
{وَلَقَدْ آتَيْنَا} أعطينا {بني إِسْرَائِيلَ الْكتاب وَالْحكم} الْعلم والفهم {والنبوة} وَكَانَ فيهم الْأَنْبِيَاء والكتب {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِّبَات} من الْمَنّ والسلوى وَيُقَال من الْغَنَائِم {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالمين} عالمي زمانهم بِالْكتاب وَالرَّسُول
{فَمَا اخْتلفُوا} فى مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن وَالْإِسْلَام {إِلَاّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعلم} بَيَان مَا فِي كِتَابهمْ {بَغْياً بَيْنَهُمْ} حسدا مِنْهُم كفرُوا بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {إِن رَبك} يَا مُحَمَّد {يقْضِي بَينهم} بَين الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُؤمنِينَ {يَوْمَ الْقِيَامَة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ} فِي الدّين {يَخْتَلِفُونَ} يخالفون فِي الدُّنْيَا
{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ} اخترناك {على شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمر} على سنة ومنهاج من أَمْرِي وطاعتي {فاتبعها} اسْتَقِم عَلَيْهَا واعمل بهَا وَيُقَال أكرمناك بِالْإِسْلَامِ وأمرناك أَن تَدْعُو الْخلق إِلَيْهِ {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذين} دين الَّذين {لَا يَعْلَمُونَ} تَوْحِيد الله يَعْنِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكين
{إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ الله} من عَذَاب الله {شَيْئاً} إِن اتبعت أهواءهم {وَإِنَّ الظَّالِمين} الْكَافرين {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} على دين بعض {وَالله وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} الْكفْر والشرك وَالْفَوَاحِش
{هَذَا} الْقُرْآن {بَصَائِرُ} بَيَان {لِلنَّاسِ وَهُدىً} من الضَّلَالَة {وَرَحْمَةٌ} من الْعَذَاب {لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} يصدقون بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن
{أَمْ حَسِبَ} أيظن {الَّذين اجترحوا السَّيِّئَات} أشركوا بِاللَّه يَعْنِي عتبَة وَشَيْبَة والوليد بن عتبَة الَّذين بارزوا يَوْم بدر عليا وَحَمْزَة وَعبيدَة بن الْحَارِث وَقَالُوا إِن كَانَ لَهُم مَا يَقُول مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم فِي الْآخِرَة حَقًا وثواباً لنفضلن عَلَيْهِم فِي الْآخِرَة كَمَا فضلنَا عَلَيْهِم فِي الدُّنْيَا فَقَالَ الله أيظنون {أَن نَّجْعَلَهُمْ} نجْعَل الْكفَّار فِي الْآخِرَة بالثواب {كَالَّذِين آمَنُواْ} عَليّ وصاحبيه {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَات} الطَّاعَات فِيمَا بَينهم وَبَين رَبهم {سَوَآءً} لَيْسُوا بِسَوَاء {مَّحْيَاهُمْ} محيا الْمُؤمنِينَ على الْإِيمَان {وَمَمَاتُهُمْ} على الْإِيمَان ومحيا الْكَافرين على الْكفْر ومماتهم على الْكفْر وَيُقَال محيا الْمُؤمنِينَ وممات الْمُؤمنِينَ سَوَاء بِسَوَاء على الْإِيمَان وَالطَّاعَة ومرضاة الله ومحيا الْكَافرين ومماتهم سَوَاء بِسَوَاء على الْكفْر وَالْمَعْصِيَة وَغَضب الله {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} بئس مَا يقضون لأَنْفُسِهِمْ
{وَخَلَقَ الله السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ} للحق {ولتجزى كُلُّ نَفْسٍ} برة فاجرة {بِمَا كَسَبَتْ} من خير أَو شَرّ {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} لَا ينقص من حسناتهم وَلَا يُزَاد على سيئاتهم
{أَفَرَأَيْتَ} يَا مُحَمَّد {مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ} من عبد الْآلهَة بهوى نَفسه كلما هويت نَفسه شَيْئا عَبده وَهُوَ النَّضر وَيُقَال هُوَ أَبُو جهل وَيُقَال هُوَ الْحَارِث ابْن قيس {وَأَضَلَّهُ الله} عَن الْإِيمَان {على عِلْمٍ} كَمَا علم الله أَنه من أهل الضَّلَالَة {وَخَتَمَ على سَمْعِهِ} لكَي لَا يسمع الْحق {وَقَلْبِهِ} لكَي لَا يفهم الْحق {وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غِشَاوَةً} غطاء لكَي لَا يبصر الْحق {فَمَن يَهْدِيهِ} فَمن يرشده إِلَى دين الله {مِن بَعْدِ الله} من بعد أَن أضلّهُ الله {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} تتعظون بِالْقُرْآنِ أَن الله وَاحِد لَا شريك لَهُ
{وَقَالُواْ} كفار مَكَّة {مَا هِيَ إِلَاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} فِي الدُّنْيَا {نَمُوتُ وَنَحْيَا} يعنون تَمُوت الْآبَاء وتحيا الْأَبْنَاء {وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَاّ الدَّهْر} يعنون طول اللَّيَالِي وَالْأَيَّام والشهور والساعات {وَمَا لَهُم بذلك} بِمَا يَقُولُونَ {من علم} من حجَّة وَلَا بَيَان {إِنْ هُمْ إِلَاّ يَظُنُّونَ} مَا يَقُولُونَ إِلَّا بِالظَّنِّ
{وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ} على أبي جهل وَأَصْحَابه {آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} بِالْأَمر وَالنَّهْي {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ} عذرهمْ وجوابهم لمُحَمد صلى الله عليه وسلم {إِلَّا أَن قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا} أحى يَا مُحَمَّد آبَاءَنَا حَتَّى نسألهم عَن قَوْلك أَحَق هُوَ أم بَاطِل {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} إِن كنت من الصَّادِقين أَن نبعث بعد الْمَوْت
{قُلِ} يَا مُحَمَّد لأبي جهل وَأَصْحَابه {الله يُحْيِيكُمْ} فِي الْقَبْر {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} فِي الْقَبْر {ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة} وَيُقَال قل الله يميتكم مقدم ومؤخر ثمَّ يجمعكم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة {لَا رَيْبَ فِيهِ} لَا شكّ فِيهِ {وَلَكِن أَكْثَرَ النَّاس} أهل مَكَّة {لَا يَعْلَمُونَ} ذَلِك وَلَا يصدقون
{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَة} وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة {يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ} يغبن {المبطلون} الْمُشْركُونَ بذهاب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
{وَترى كُلَّ أُمَّةٍ} كل أهل دين {جَاثِيَةً} جَامِعَة {كُلُّ أمَّةٍ} كل أهل دين {تدعى إِلَى كتابها} إِلَى قِرَاءَة كتابها كتاب الْحَسَنَات والسيئات فَمنهمْ من يعْطى كِتَابه بِيَمِينِهِ وَمِنْهُم من يعْطى كِتَابه بِشمَالِهِ {الْيَوْم تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} وتقولون فِي الدُّنْيَا
{هَذَا كِتَابُنَا} يَعْنِي ديوَان الْحفظَة {يَنطِقُ عَلَيْكُم} يشْهد عَلَيْكُم {بِالْحَقِّ} بِالْعَدْلِ {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ} نكتب {مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} وتقولون فِي الدُّنْيَا
{فَأَما الَّذين آمنُوا} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَات} فِيمَا بَينهم وَبَين رَبهم {فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ} فِي جنته {ذَلِك هُوَ الْفَوْز الْمُبين} النجَاة الوافرة فازوا بِالْجنَّةِ وَمَا فِيهَا ونجوا من النَّار وَمَا فِيهَا وهم الَّذين يُعْطون كِتَابهمْ بيمينهم
{وَأَمَّا الَّذين كفرُوا} يُقَال لَهُم {أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تتلى} تقْرَأ {عَلَيْكُمْ} فِي الدُّنْيَا بِالْأَمر وَالنَّهْي {فاستكبرتم} فتعظمتم عَن الْإِيمَان بهَا {وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ} مُشْرِكين
{وَإِذَا قِيلَ} لَهُم فِي الدُّنْيَا {إِنَّ وعْدَ الله} الْبَعْث بعد الْمَوْت {حَقٌّ والساعة} قيام السَّاعَة {لَا رَيْبَ} لَا شكّ {فِيهَا} كائنة {قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَة} مَا قيام السَّاعَة {إِن نَّظُنُّ إِلَاّ ظَنّاً} أَن نقُول مَا نقُول إِلَّا بِالظَّنِّ {وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} بِقِيَام السَّاعَة
{وَبَدَا لَهُمْ} ظهر لَهُم {سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ} قبح أَعْمَالهم {وَحَاقَ بِهِم} نزل بهم {مَّا كَانُوا بِهِ يستهزؤون} عُقُوبَة استهزائهم بالرسل والكتب
{وَقِيلَ} لَهُم {الْيَوْم نَنسَاكُمْ} نترككم فِي النَّار {كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} كَمَا تركْتُم الْإِقْرَار بيومكم هَذَا {وَمَأْوَاكُمُ} مستقركم {النَّار وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} من مانعين من عَذَاب الله
{ذَلِكُم} الْعَذَاب {بِأَنَّكُمُ اتخذتم آيَاتِ الله} كتاب الله وَرَسُوله {هُزُواً} سخرية {وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاة الدُّنْيَا} مَا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا عَن طَاعَة الله {فاليوم لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا} من النَّار {وَلَا هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ} يرجعُونَ إِلَى الدُّنْيَا وهم الَّذين يُعْطون كِتَابهمْ بشمالهم
{فَللَّه الْحَمد} الشُّكْر والْمنَّة {رب السَّمَاوَات وَرَبِّ الأَرْض} خَالق السَّمَوَات وخالق الأَرْض {رَبِّ الْعَالمين} رب كل ذِي روح دب على وَجه الأَرْض
{وَلَهُ الكبريآء} العظمة وَالسُّلْطَان {فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض} على أهل السَّمَوَات وَأهل الأَرْض {وَهُوَ الْعَزِيز} فِي ملكه وسلطانه {الْحَكِيم} فِي أمره وقضائه
وَمن السُّورَة الَّتِى يذكر فِيهَا الْأَحْقَاف وهى مَكِّيَّة إِلَّا قَوْله {وَشهد شَاهد من بني إِسْرَائِيل} ألخ الْآيَة وَثَلَاث آيَات فى أَبى بكر وَابْنه عبد الرَّحْمَن من قَوْله {وَوَصينَا الْإِنْسَان بِوَالِديهِ} إِلَى قَوْله فَيَقُول {مَا هَذَا إِلَّا أساطير الْأَوَّلين} فانهن مدنيات آياتها اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ آيَة وكلماتها سِتّمائَة وَأَرْبع وَأَرْبَعُونَ وحروفها أَلفَانِ وسِتمِائَة حرف
وبإسناده عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى {حم} يَقُول قضى مَا هُوَ كَائِن أَي بَين وَيُقَال قسم أقسم بِهِ
{تَنْزِيل الْكتاب} إِن هَذَا الْكتاب تكليم {من الله الْعَزِيز} بالنقمة لمن لَا يُؤمن بِهِ {الْحَكِيم} فِي أمره وقضائه أَمر أَن لَا يعبد غَيره
{مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنَهُمَآ} من الْخلق والعجائب {إِلَاّ بِالْحَقِّ} للحق {وَأَجَلٍ مُّسَمًّى} لوقت مَعْلُوم يَنْتَهِي إِلَيْهِ {وَالَّذين كَفَرُواْ} كفار مَكَّة {عَمَّآ أُنذِرُواْ} خوفوا {مُعْرِضُونَ} مكذبون بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن
{قل} يَا مُحَمَّد لأهل مَكَّة {أَرَأَيْتُم مآ تَدْعُونَ} مَا تَعْبدُونَ {مِن دُونِ الله} من الْأَوْثَان {أَرُونِي} أخبروني {مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأَرْض} مِمَّا فِي الأَرْض {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَات} عون فِي خلق السَّمَوَات {ائْتُونِي بِكِتَابٍ من قبل هَذَا} من قبل هَذَا الْقُرْآن فِيهِ تَقولُونَ {أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ} أَو رِوَايَة من الْعلمَاء وَيُقَال بَقِيَّة من علم الْأَنْبِيَاء {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فِيمَا تَقولُونَ
{وَمن أضلّ} عَن الْحق وَالْهدى {مِمَّن يَدْعُو} يعبد {مِن دُونِ الله} وَهُوَ الْكَافِر {مَن لَاّ يَسْتَجِيبُ لَهُ} من لَا يجِيبه إِن دَعَاهُ {إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة وَهُمْ} يَعْنِي الْأَصْنَام {عَن دُعَآئِهِمْ} عَن دُعَاء من يعبدهم {غَافِلُونَ} جاهلون
{وَإِذَا حُشِرَ النَّاس} يَوْم الْقِيَامَة {كَانُواْ} يَعْنِي الْأَصْنَام {لَهُمْ} لمن يَعْبُدهَا {أَعْدَآءً وَكَانُواْ} يَعْنِي الْأَصْنَام {بِعِبَادَتِهِمْ} بِعبَادة من يعبدهم {كَافِرِينَ} جاحدين
{وَإِذَا تتلى} تقْرَأ {عَلَيْهِمْ} على كفار أهل مَكَّة {آيَاتُنَا} الْقُرْآن {بَيِّنَاتٍ} واضحات بِالْأَمر وَالنَّهْي {قَالَ الَّذين كَفَرُواْ} كفار مَكَّة {لِلْحَقِّ} لِلْقُرْآنِ {لما جَاءَهُم} حِين جَاءَهُم مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم بِهِ {هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} كذب بَين
{أَمْ يَقُولُونَ} بل يَقُولُونَ {افتراه} اختلق مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم الْقُرْآن من تِلْقَاء نَفسه {قُلْ} لَهُم يَا مُحَمَّد {إِنِ افتريته} اختلقت الْقُرْآن من تِلْقَاء نَفسِي كَمَا تَقولُونَ {فَلَا تَمْلِكُونَ لِي} فَلَا تقدرون لي {مِنَ الله} من عَذَاب الله {شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ} تخوضون فِي الْقُرْآن من الْكَذِب {كفى بِهِ} كفي بِاللَّه {شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} بِأَنِّي رَسُول وَهَذَا الْقُرْآن كَلَامه {وَهُوَ الغفور} لمن تَابَ مِنْكُم {الرَّحِيم} لمن مَاتَ على التَّوْبَة
{قُلْ} لَهُم يَا مُحَمَّد {مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرُّسُل} لست بِأول مُرْسل من الْآدَمِيّين قد كَانَ قبلي رسل {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} من الشدَّة والرخاء والعافية وَيُقَال نزلت هَذِه الْآيَة فى شَأْنه أَصْحَابه صلى الله عليه وسلم حَيْثُ قَالُوا لَهُ مَتى يكون خروجنا من مَكَّة ونجاتنا من الْكفَّار فَقَالَ لَهُم النَّبِي صلى الله عليه وسلم مَا أَدْرِي مَا يفعل بِي وَلَا بكم أأخرج وتخرجون إِلَى الْهِجْرَة أم لَا {إِنْ أَتَّبِعُ} مَا أعمل {إِلَاّ مَا يُوحى إِلَيَّ} إِلَّا بِمَا أمرت فِي الْقُرْآن {وَمَآ أَنَاْ إِلَاّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} رَسُول مخوف بلغَة تعلمونها
{قُلْ} يَا مُحَمَّد للْيَهُود {أَرَأَيْتُمْ} يَا معشر الْيَهُود {إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله} يَقُول هَذَا الْقُرْآن من عِنْد الله {وَكَفَرْتُمْ بِهِ} بِالْقُرْآنِ يَا معشر الْيَهُود {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بني إِسْرَائِيل}
بنيامين {على مِثْلِهِ} على مثل شَهَادَة عبد الله بن سَلام وَأَصْحَابه بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {فَآمَنَ} عبد الله بن سَلام وَأَصْحَابه بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {وَاسْتَكْبَرْتُمْ} تعظمتم أَنْتُم يَا معشر الْيَهُود عَن الْإِيمَان بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {إِنَّ الله لَا يَهْدِي الْقَوْم الظَّالِمين} لَا يرشد إِلَى دين الْيَهُود من لم يكن أَهلا لذَلِك
{وَقَالَ الَّذين كَفَرُواْ} أَسد وغَطَفَان وحَنْظَلَة {لِلَّذِينَ آمَنُواْ} لجهينة وَمُزَيْنَة وَأسلم {لَوْ كَانَ خَيْراً} لَو كَانَ مَا يَقُول مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم خيرا وَحقا {مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ} جُهَيْنَة وَمُزَيْنَة وَأسلم {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ} لم يُؤمنُوا بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن أَسد وغَطَفَان {فسيقولون هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ} هَذَا الْقُرْآن كذب قد تقادم
{وَمِن قَبْلِهِ} من قبل الْقُرْآن {كِتَابُ مُوسَى} التَّوْرَاة {إِمَاماً} يقْتَدى بِهِ {وَرَحْمَةً} من الْعَذَاب لمن آمن بِهِ فَلم يُؤمنُوا وَلم يقتدوا بِهِ {وَهَذَا كِتَابٌ} هَذَا الْقُرْآن كتاب {مُّصَدِّقٌ} مُوَافق للتوراة بِالتَّوْحِيدِ وَصفَة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم ونعته {لِّسَاناً عَرَبِيّاً} على مجْرى لُغَة الْعَرَب {لتنذر} لتخوف {الَّذين ظَلَمُواْ} أشركوا {وبشرى لِلْمُحْسِنِينَ} للْمُؤْمِنين بِالْجنَّةِ
{إِنَّ الَّذين قَالُواْ رَبُّنَا الله} وحدوا الله {ثُمَّ استقاموا} على أَدَاء فَرَائض الله وَاجْتنَاب مَعَاصيه وَلم يروغوا روغان الثعالب {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِم} فِيمَا يستقبلهم من الْعَذَاب {وَلَا هم يَحْزَنُونَ} على مَا خلفوا من خَلفهم وَيُقَال فَلَا خوف عَلَيْهِم حِين يخَاف أهل النَّار وَلَا هم يَحْزَنُونَ إِذا حزن غَيرهم
{أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجنَّة خَالِدِينَ فِيهَا} مقيمين فِي الْجنَّة لَا يموتون وَلَا يخرجُون مِنْهَا {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} وَيَقُولُونَ فِي الدُّنْيَا
{وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَان} أمرنَا عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر فِي الْقُرْآن {بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً} برا بهما وَهُوَ أَبُو بكر ابْن أبي قُحَافَة وَزَوجته {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ} فِي بَطنهَا {كُرْهاً} مشقة {وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً} مشقة {وَحَمْلُهُ} فِي بطن أمه {وَفِصَالُهُ} فطامه عَن اللَّبن {ثَلَاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} انْتهى ثَمَان عشرَة سنة إِلَى ثَلَاثِينَ سنة {وَبَلَغَ} انْتهى {أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ} أَبُو بكر {رَبِّ أوزعني} ألهمني {أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} بِالتَّوْحِيدِ {وعَلى وَالِدَيَّ} بِالتَّوْحِيدِ وَقد كَانَ آمن أَبَوَاهُ قبل هَذَا {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً} خَالِصا {ترضاه} تقبله {وَأصْلح لي فِي ذريتي} وَأكْرم ذريتي بِالتَّوْبَةِ وَالْإِسْلَام وَلم يكن مُسلما ابْنه عبد الرَّحْمَن قبل هَذَا ثمَّ أسلم بعد ذَلِك {إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ} إِنِّي أَقبلت إِلَيْك بِالتَّوْبَةِ {وَإِنِّي مِنَ الْمُسلمين} مَعَ الْمُسلمين على دينهم
{أُولَئِكَ الَّذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} بإحسانهم {وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ} وَلَا نعاقبهم بهَا {فِي أَصْحَابِ الْجنَّة} مَعَ أهل الْجنَّة فِي الْجنَّة {وَعْدَ الصدْق} الْجنَّة {الَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ} فى الدُّنْيَا
{وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ} وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر قَالَ لِأَبِيهِ وَأمه قبل أَن يسلم {أُفٍّ لَّكُمَآ} قذراً لَكمَا {أتعدانني} أتحدثانني {أَنْ أُخْرَجَ} من الْقَبْر للبعث {وَقَدْ خَلَتِ} مَضَت {الْقُرُون مِن قَبْلِي} وَلم أرهم بعثوا وَكَانَ لَهُ جدان من أجداده مَاتَا فِي الْجَاهِلِيَّة جدعَان وَعُثْمَان ابْنا عَمْرو عناهما {وَهُمَا} يَعْنِي أَبَوَيْهِ {يستغيثان الله} يدعوان الله {وَيْلَكَ} ضيق الله عَلَيْك دنياك {آمن} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {إِنَّ وَعْدَ الله} بِالْبَعْثِ {حَقٌّ} كَائِن بعد الْمَوْت {فَيَقُول} عبد الرَّحْمَن {مَا هَذَا} الَّذِي يَقُول مُحَمَّد {إِلَاّ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلين} إِلَّا كذب الْأَوَّلين
{أُولَئِكَ} أجداد عبد الرَّحْمَن جدعَان وَعُثْمَان {الَّذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْل} هم الَّذين وَجب عَلَيْهِم القَوْل بالسخط وَالْعَذَاب {فِي أُمَمٍ} مَعَ أُمَم {قَدْ خَلَتْ} مَضَت {مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الْجِنّ وَالْإِنْس}
كفار الْجِنّ وَالْإِنْس فِي النَّار {إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ} مغبونين لَا يبعثون إِلَى الدُّنْيَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَأسلم عبد الرَّحْمَن وَحسن إِسْلَامه
{وَلِكُلٍّ} أَي لكل وَاحِد من الْمُؤمنِينَ والكافرين {دَرَجَاتٌ} للْمُؤْمِنين فِي الْجنَّة ودركات للْكَافِرِينَ فِي النَّار {مِّمَّا عَمِلُواْ} بِمَا عمِلُوا فِي الدُّنْيَا {وَلِيُوَفِّيَهُمْ} يوفرهم {أَعْمَالَهُمْ} جَزَاء أَعْمَالهم {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} لَا ينقص من حسناتهم وَلَا يُزَاد على سيئاتهم
{وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذين كَفَرُواْ عَلَى النَّار} قبل دُخُول النَّار فَيُقَال لَهُم {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ} أكلْتُم ثَوَاب حسناتكم {فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ} استنفعتم {بِهَا} بِثَوَاب حسناتكم فِي الدُّنْيَا {فاليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهون} الشَّديد {بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْض} عَن الْإِيمَان {بِغَيْرِ الْحق} بِلَا حق كَانَ لكم {وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ} تكفرون وتعصون فِي الأَرْض فِي الدُّنْيَا
{وَاذْكُر} لكفار مَكَّة يَا مُحَمَّد {أَخَا عَادٍ} بني عَاد هوداً {إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ} خوفهم {بالأحقاف} يَقُول بحقوف النَّار أَي سنة النَّار حقباً بعد حقب وَيُقَال بجبل نَحْو الْيمن وَيُقَال نَحْو الشَّام وَيُقَال بجبل الرمل وَيُقَال كَانَ مَكَانا بِالْيمن قَامَ عَلَيْهِ وأنذر قومه {وَقَدْ خَلَتِ النّذر مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} وَقد كَانَت الرُّسُل من قبل هود {وَمِنْ خَلْفِهِ} من بعده {أَلَاّ تعبدوا إِلَاّ الله} قَالَ لَهُم هود لَا توحدوا إِلَّا الله {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ} أعلم أَن يكون عَلَيْكُم {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} شَدِيد إِن لم تؤمنوا
{قَالُوا أَجِئْتَنَا} يَا هود {لِتَأْفِكَنَا} لتصرفنا {عَنْ آلِهَتِنَا} عَن عبَادَة آلِهَتنَا {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ} من الْعَذَاب {إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقين} بنزول الْعَذَاب علينا إِن لم نؤمن
{قَالَ} لَهُم هود {إِنَّمَا الْعلم} بنزول الْعَذَاب {عِندَ الله وَأُبَلِّغُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ} من التَّوْحِيد {وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ} أَمر الله وعذابه
{فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً} سحاباً {مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} أَوديَة ريحهم ومطرهم {قَالُواْ هَذَا عَارِضٌ} سَحَاب {مُّمْطِرُنَا} سيمطر حروثنا قَالَ لَهُم هود {بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ} من الْعَذَاب {رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} وجيع
{تُدَمِّرُ} تهْلك {كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} بِإِذن رَبهَا {فَأْصْبَحُواْ} فصاروا بعد الْهَلَاك {لَا يرى إِلَاّ مَسَاكِنُهُمْ} مَنَازِلهمْ {كَذَلِك} هَكَذَا {نَجْزِي الْقَوْم الْمُجْرمين} الْمُشْركين
{وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ} أعطيناهم من المَال وَالْقُوَّة والأعمال {فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ} مالم نمكن لكم وَلم نعطكم يَا أهل مَكَّة {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً} يسمعُونَ بهَا {وَأَبْصَاراً} يبصرون بهَا {وَأَفْئِدَةً} قلوباً يعْقلُونَ بهَا {فَمَآ أغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ} قُلُوبهم {مِّن شَيْءٍ} شَيْئا من عَذَاب الله {إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ الله} يكفرون بهود وبكتاب الله {وَحَاقَ بِهِم} نزل بهم {مَّا كَانُواْ بِهِ يستهزؤون} يهزءون من الْعَذَاب
{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ الْقرى} يَا أهل مَكَّة {وَصَرَّفْنَا الْآيَات} بَينا الْآيَات بِالْأَمر والنهى والهلاك لمن أهلكناهم {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} عَن كفرهم فيتوبوا
{فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ} فَهَلا نَصرهم {الَّذين اتَّخذُوا} عبدُوا {مِن دُونِ الله قُرْبَاناً آلِهَةَ} قرباناً تقرباً إِلَى الله مقدم ومؤخر {بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ} بَطل عَنْهُم مَا كَانُوا يعْبدُونَ {وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ} كذبهمْ {وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} يكذبُون على الله
{وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً} وجهنا إِلَيْك جمَاعَة {مِّنَ الْجِنّ} وهم تِسْعَة رَهْط {يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآن} إِلَى قِرَاءَة الْقُرْآن {فَلَمَّا حَضَرُوهُ} أَي النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَهُوَ بِبَطن نخل {قَالُوا} قَالَ بَعضهم لبَعض {أَنْصتُوا} حَتَّى تسمعوا كَلَام النبى صلى الله عليه وسلم {فَلَمَّا قضى} فَلَمَّا فرغ النبى صلى الله عليه وسلم من قِرَاءَته وَصلَاته آمنُوا بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} رجعُوا إِلَى قَومهمْ مُؤمنين بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن مخوفين لقومهم
{قَالُوا يَا قَومنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً} قِرَاءَة كتاب يعنون الْقُرْآن {أنزل} على مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم {مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} مُوَافقا بِالتَّوْحِيدِ وَصفَة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم ونعته لما بَين يَدَيْهِ من التَّوْرَاة وَكَانُوا قد آمنُوا بمُوسَى {يهدي} يرشد {إِلَى الْحق وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} إِلَى دين حق قَائِم يرضاه وَهُوَ الْإِسْلَام
{يَا قَومنَا أجِيبُوا دَاعِي الله} مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بِالتَّوْحِيدِ {وَآمِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} يغْفر لكم ربكُم ذنوبكم فِي الْجَاهِلِيَّة {وَيُجِرْكُمْ} ينجكم {مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} وجيع
{وَمن لَا يجب دَاعِي الله} مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم {فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ} فَلَيْسَ بفائت من عَذَاب الله {فِي الأَرْض وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ} من دون الله {أَوْلِيَآءُ} أقرباء ينفعونه {أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} فِي كفر بَين
{أَوَلَمْ يَرَوْاْ} يعلمُوا كفار مَكَّة {أَنَّ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلَمْ يَعْيَ} يعجز {بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى} للبعث {بلَى إِنَّه على كل شَيْء قدير} من الْحَيَاة وَالْمَوْت {قَدِيرٌ}
{وَيَوْم يعرض الَّذين كفرُوا} بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن {على النَّار} قبل أَن يدخلُوا النَّار فَيُقَال لَهُم {أَلَيْسَ هَذَا} الْعَذَاب {بِالْحَقِّ} بِالْعَدْلِ {قَالُواْ بلَى وَرَبِّنَا} إِنَّه الْحق {قَالَ} الله لَهُم {فَذُوقُواْ الْعَذَاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} تجحدون فى الدُّنْيَا بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَالْقُرْآن
{فاصبر} يَا مُحَمَّد على أَذَى الْكفَّار {كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْم} ذَوُو الْيَقِين والحزم {مِنَ الرُّسُل} مثل نوح وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى وَيُقَال ذَوُو الشدَّة وَالصَّبْر مثل نوح وَأَيوب وزَكَرِيا وَيحيى {وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} بِالْهَلَاكِ {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ} من الْعَذَاب مقدم ومؤخر {لَمْ يَلْبَثُوا} لم يمكثوا فِي الدُّنْيَا {إِلَاّ سَاعَةً} قدر سَاعَة {مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ} بلغه وَأجل فَإِذا جَاءَ وَقت الْعَذَاب والهلاك {فَهَلْ يُهْلَكُ} بِالْعَذَابِ {إِلَاّ الْقَوْم الْفَاسِقُونَ} الْكَافِرُونَ وهم الَّذين كفرُوا وصدوا عَن سَبِيل الله